رواية شظايا قلوب محترقه
الفصل السادس والعشرون26
بقلم سيلا وليد
“وكانت تناديه حين يُبكيها : يا ندبة القلب، يا جُرحي الذي لن يندمل، وحين يُضحكها : يا لون السماء إذا أتىٰ ربيعها، وبهجة الأرض بالمطر! كان رجلاً واحداً؛ وتحوَّلت في حبِّه لأكثر من امرأة كي تجاريه، كي تحتمل وتستقبل سعادتها به وحزنها منه في آنٍ واحد..
فـ كم هي قاسية التراكمات التي تجعلنا نقسو رغمَ حنانِنا وننطوي على أنفسنا رغمَ حاجتنا للآخرين ونصمُت رغمَ تَكَدُّس الكلمات في صدورنا
كم هي قاسية التراكمات التي تُجبرنا على أن نبدو غير حقيقتنا
لا عُذرَ يقنعُني … بأنّك … مُجبَرٌ
في الحُبِّ لا تجدي معي الأعذارُ
دارت بنا الدُنيا وأنت تركتني
وغـداً بها تتـبدل … الأدوار
رفرفت بأهدابها الكثيفة، ثمَّ فتحت عيناها بتمهُّل، لتقعَ على وجههِ القريب وهو يغفو بنومهِ الثابت، كالذي لم ينم منذ فترةٍ طويلة..ظلَّت تطالعهُ لبعضِ الوقتِ وذكرياتُ ليلةِ الأمسِ تمرُّ أمامَ عيناها..ابتسامةٌ خجلةٌ حينما تذكَّرت تحرُّرهِ لأوَّلِ مرَّةٍ معها ليظهرَ الشخصُ العاشقُ الذي تمنَّتهُ منذُ سنوات..رفعت أناملها تمرِّرُها على وجههِ بهدوء، وكأنَّها نحَّاتٌ ليرسمَ ملامحه..دنت تستنشقُ رائحةَ أنفاسهِ بتلذُّذٍ مغمضةَ العينين.
فتحَ عينيهِ حينما شعرَ بحركةِ أناملها فوقَ وجهه، ابتسامةٌ أنارت وجهه، ليمرَّرَ أناملهِ على جسدها، تراجعت فزعةً مع قهقهاتٍ وهو يجذبها لأحضانه:
-إيه دا ياإلياس خضِّتني..قرَّبها إليهِ بحنانِ ذراعيه:
-سلامة قلبك من الخضَّة ياميرو.
لمعت عيناها بالسعادةِ تتمتم:
-أوَّل مرَّة من وقتِ مااتجوِّزنا، يبقى صباحنا حلو كدا، تعرف اتمنِّيت تكون كدا من وقتِ مااتجوِّزنا، أصحى من النوم وتقولِّي صباحك ورد ياحبيبي.
مرَّرت أناملها على وجههِ وتابعت حديثها:
-عايزة ولد يكون شبهك..ابتسمَ على مداعبتها وأردفَ مجيبًا:
-مابلاش شبهي، علشان لمَّا يكبر مايلقيش اللي يزهَّقه في عيشته، وكلِّ شوية تتنطَّط عليه وخصوصًا لو كانت حلوة زيك..
جملةٌ أشعلت قلبها بعشقه، ليزدادَ النبضُ داخلَ صدرها، دنت منهُ ودفنت رأسها بأحضانهِ تتمتم:
-حرام عليك ياإلياس بجد، ليه تعمل فيَّا دا كلُّه، يعني أقول فيك إيه دلوقتي مش قادرة أزعل منَّك..سنين عذاب وفراق وبس ليه علشان حضرتَك قرَّرت تعاقبني وتعاقب نفسك لأوهام في عقلك..لو بس إدِّيت لقلبك فرصة وجيت ووقفت قدَّامي وسألتني، حتى لو مسألتش، لو بصيت في عيوني كنت عرفت قدِّ إيه بموت من نظراتك اللي بتقهرني، لو كان بإيدي كنت رميت نفسي في حضنك وقولتلَك كفاية وجع وفراق..
مسَّدَ على ظهرها فلقد فتحت كلماتها أبوابَ قلبهِ الموصدة التي أتقنَ بإخفائها لسنوات..
-ميرال عندي أسبابي، وبعدين كنت إتجوزي حد قالِّك تستني دا كلُّه..
اتسعَ بؤبؤُ عينيها، وشعرت بصقيعٍ بكافةِ أجزاءِ جسدها..
-بجد يعني مكنشِ هيفرق معاك؟!..
-يفرق معايا، ليه..واحدة كلِّ شوية تتنطَّط من هنا لهنا مع واحد شكل، أزعل عليها ليه وهي دايسة بالقوي..
رفعت رأسها واغروقت عينيها بماءِ الندمِ قائلة:
-مكنتش قاصدة أزعَّلك أو أقلِّ منَّك أبدًا، أنا كنت طالبة منَّك تديني أهمية حتى لو بسيطة، بس إنتَ كنت قاسي أوي، وكلِّ اللي عليك إنِّي متخلفة ومبفهمش، تعبت أوي وتعبتني معاك،
كنت مفكَّرة لمَّا أعمل كدا أحرَّك قلبك، بس كنت غلطانة..
اعتدلَ على الفراشِ يجذبُ ثيابهِ ورمقها بنظرةٍ جانبية:
-ميرال إنتِ جاية تتكلِّمي في الماضي ليه، إحنا اتجوزنا دلوقتي، وإنتِ حامل، ادفني الماضي، علشان لو فتحته هضايقِك صدَّقيني وهتطلعي خسرانة، مش عايز أفتكر غير إنِّك مراتي وحبيبتي وبس دلوقتي..نهضَ من فوق الفراشِ واتَّجهَ إلى الحمامِ قائلًا وهو يواليها ظهره:
-قومي اجهزي علشان هنخرج..
تنهيدةٌ عميقةٌ أخرجتها بحزن، فمهما يحدث سيظلُّ كما هو، وضعت كفَّيها على أحشائها تكلِّمُ جنينها:
-شوفت بابي دايمًا قاسي على مامي، يمكن لمَّا تيجي قلبه يحنِّ شوية..
استمعَ إلى حديثها بابتسامةٍ عريضة، ليلتفتَ ينظرُ إليها وهي تكلِّمُ جنينهما، هزَّ رأسهِ ومازالت ابتسامةٌ تُرسمُ على محيَّاه، تحرَّكَ دون حديث..
بعدَ فترةٍ انتهت من ارتداءِ ثيابها، دلفَ يبحثُ عنها وجدها ترتدي حذاءها، أوقفها وهو يحملُ صندوقٌ ورقيٌّ مزيَّن،
ضيَّقت عينيها متسائلة:
-إيه دا..سحبَ كفَّها واتَّجهَ بها إلى المقعد:
-اقعدي علشان أشوفه كدا ..نظرَت للذي بيديهِ وهو يقومُ بفتحها، دقيقةٌ وانتهى من فتحها ليخرجَ حذاءً رياضيًا خفيفًا، جلسَ أمامها على عقبيه، ثمَّ رفعَ قدمها وألبسها إياهُ وسطَ ذهولها..رفعَ رأسهِ مبتسمًا:
-شكله حلو على رجلك، بلاش من الكعب علشان ميتعبكيش في الحمل..
استندت على كتفه، للحظات ثم توقَّفت تنظرُ إلي خطواتها تضحكُ بصوتٍ مرتفع، وأشارت على نفسها:
-ألبس أرضي، عمري ما فكَّرت فيها..
مطَّ شفتيهِ يطالعها بنزق، ثمَّ اقتربَ يجذبها من خصرها:
-مش عايز تريقة، كعب مش هتلبسيه، ممكن يتعبك أو توقعي وإنتِ ماشاء الله عارف حركاتك الهبلة..
ابتعدت عن أحضانهِ وزفرت بغيظ من كلماتهِ وأردفت ممتعضة:
-لا متخافش على ابنك هحميه ومش هأذيه أكيد، الأرضي دا معرفشِ أمشي بيه ومتحاولشِ تقنعني..
اتَّجهَ إلى نظارتهِ وهاتفهِ وسحب َكفَّها متَّجهًا للخارج:
-مين قالِّك إنِّي بقنعك، أنا بقولِّك البسيه، مش باخد رأيك..توقّّفت تسحبُ يديها، وحرَّرت نفسًا ناعمًا، وهي متخصِّرة:
-وبعدهالك ياإلياس، إنتَ كدا هتكرَّهني في الحمل، لسة يادوب عرفت إمبارح، وبدأت تحطّ قوانين أومال لمَّا يعدي كام شهر هتعمل إيه، أنا مش عايزة أغيَّر حياتي علشان الحمل..
انعقدَ لسانهِ من حديثها، فاستدارَ متحرِّكًا للخارجِ قائلًا:
-مش هنتظر كتير، العربية وصلت برَّة، ياإما نرجع مصر، توقَّفَ واستدارَ إليها:
-متخلنيش أندم على حبِّك ياميرال، وأنا مستحيل أذيكي، ومفيش حدِّ هيخاف عليكي قدِّي، ياريت تفهمي دا..
وصلَ إلى السيارة يتوقَّفُ مع الرجل الذي قامَ باستئجارها له..استقلَّها وجلسَ ينتظرها، فتحت البابَ وجلست بجوارهِ دون حديث، وصلَ إلى أحدِ المطاعمِ المشهورةِ بذاك المكان لتناولِ الطعام، ثمَّ توقَّف:
-قومي نتجوَّل شوية فيه أماكن كتير حلوة هنا، وشلالات هتغيَّر مزاجك..
نهضت دون حديثٍ وتحرَّكت بجواره، ووجهها عبارةً عن لوحةٍ من الألمِ والحزن..حاوطَ جسدها يضمُّها إلى صدرهِ ثمَّ طبعَ قبلةً فوق رأسها:
-متزعليش مني، بس أنا بعمل الصح، وتعرفي لبس الكعب اللي بيعمل صوت حرام أصلًا، ..رفعت رأسها قائلة:
-إزاي يعني حرام، عادي دا بيكون للأناقة؟!..
ابتسمَ وضمَّها بقوَّةٍ قائلًا:
-حبيبي اللي مش عارف حاجة في دينه غير أنُّه مسلم بس، أعمل فيكي إيه، دا حتى لبس الحجاب جنِّنتي أبويا نفسه فيه.
-واللهِ عمُّو مصطفى عاقل إنتَ اللي مجنون مش هوَّ..
قهقهَ بصوتٍ مرتفع، ونظرَ حولهِ يجذبُ رأسها إلى صدرهِ ولفَّ ذراعهِ حولها:
-واللهِ لو مش في الشارع كنت عرفت أحاسب لسانك العسل اللي بيضرب طوب دا..
لكمتهُ بصدرهِ بقوَّة:
-أنا مضايقة منَّك بجد، وإنتَ بتضحك، شوية شوية هتلبِّسني ملحفة..
أخرجها من أحضانهِ ورفع ذقنها ينظرُ لعينيها:
-ياريت، واللهِ نفسي، وياسلام لو تسيبي الشغل وتقعدي تستنِّي جوزك كدا لمَّا يرجع من الشغل، دا هيكون أحسن خبر منِّك.
رفعت حاجبها وطالعتهُ ساخرة:
-بتلفِّ على إيه يابنِ السيوفي، شغلي مش هسيبه، ومتخافشِ على ابنك، دا أغلى من روحي، مش علشان حضرتك أمرت، لا علشان إنتَ حبيبي ومتمنِّتشِ غير كدا..
نظر لعينيها التي قابلتهُ بعشقها الجارف الذي خُلقَ لها وبها، ليقرِّبَ جبينهِ فوق خاصَّتها وأظلمت عيناهُ برغبةٍ حارقةٍ لها وحدها، ولما لا وهي التي زلزلت كيانهِ وأخرجتهُ عن شخصيته، حتى أوصلتهُ إلى العجزِ أو البوحِ بكلماتٍ تعبِّرُ عن سردِ مشاعرهِ التي فاضَ بها قلبهِ لها..
لمست وجنتيهِ فضربت أنفاسهِ الحارَّة وجهها مما شعرت بإذابةِ ضلوعها وهو يلفُّ ذراعيهِ حولها بتملك؛ يريدُ أن يخبئها داخل ضلوعهِ لشدَّةِ طوفانِ عشقهِ الجارف..
-إلياس ..همست بها بصوتها الناعم، بعدما انفلتت سيطرتهِ ليميلَ إلى ثغرها المترنِّمَ بعشقه، لينهلَ من شهدها ولم يهتمَّ لأحدٍ سوى تذوِّقه..قبلةً رقيقةً أروت روحهِ وروحها، ليبتعدَ عنها يسحبُ كفَّها ويتحرَّكَ بعدما فقدَ اتزانه..
وصلَ إلى أحدِ الأماكنِ المشهورةِ بتلك المنطقة التي تسمى سيردينيا..منطقة تتمتَّعُ بالجمالِ تجمعُ الكثيرَ من المظاهرِ الطبيعية..جلست كعادتها بأحضانهِ متمددةَ الساقين..
-إيه لسة مش مرتاحة بالشوز؟..
نظرت إليهِ تحرِّكُ ساقيها وابتسمت ترفعُ رأسها لتنظرَ إليهِ من فوقِ رأسها:
-معرفشِ إزاي الفكرة الجنونية دي جاتلك..
مين قال.. أنا كنت منتظرك تحملي، بعد مالبستي الحجاب فكَّرت في كدا.
اعتدلت واستدارت إليه، سحبت نفسًا تحتضنُ كفَّيه:
-إلياس بلاش تخنقني حبيبي لو سمحت..لحظاتٌ من الصمت بينهما ونظراتهما التي تعلَّقت ببعضهما البعض،
ثمَّ رفعَ كفَّيها وقبَّلهما:
-ميرو قلبي فيه حاجات مينفعشِ نتهاون فيها، طيِّب هقولِّك على حاجة وإنتِ قرَّري..مش إحنا مسلمين، الإسلام مش كلمة وخلاص، ولا إنِّك تصلي وتصومي وبس، لا فيه سنن لازم نعملها، حاجات مينفعشِ نتهاون فيها.
ربِّنا أمر حبيبتي ينفع نتهاون بأمرِ ربِّنا
يعني لمَّا يقول في كتابهِ العزيز:
قال تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ”
أنا ببقى في أوضتي وسامع صوت الشوز بتاعك، طيب ليه نلفت الأنظار، أنا بحبِّك وعايزك تفهميني، مبحترمشِ الستِّ اللي بتخرج بزينة أو أيِّ حاجة تلفت النظر، ربِّنا خلقكم ملكات ليه ترخَّصوا نفسكم..
طوَّقت عنقهِ تخبئُ محيَّاها في حناياه، متحاشيةً النظرَ إليهِ حتى لايصطدمَ النقاشَ بينهما، هي تتمنَّى أن تتغيرَ ولكنَّها متردِّدةً لا تعلم ماذا عليها فعله..أخرجها ينظرُ إلى الأماكنِ التي تحاوطهم يشيرُ إليها:
-خدي نفس وغمَّضي عيونك، وشمِّي الريحة واسمعي صوت الميَّة كدا..
-ينفع أطلع فوق الجبل اللي هناك دا؟..
هزَّ رأسهِ بالرفض وهو يستمعُ إلى رنينِ هاتفه، أشارَ إليها:
-هرد على الفون وراجعلك، استمتعي..
قشعريرةٌ اختلجت كيانها وإحساسًا صادقًا بنبضِ قلبها له، بعدما ابتعدَ وهي تحاصرهُ بعينيها، تنظرُ إلى بعضِ الفتياتِ اللاتي ينظرنَ إليه بنظراتِ إعجاب، ظلَّت نظراتها عليهِ حتى تحرَّكت إحداهنَّ إليهِ وهي تحملُ كوبينِ من العصير، وابتسامةً على وجهها مقتربةً تضعُ كفَّها على كتفهِ وهو يواليها ظهره، ظلَّ يتحدَّثُ بهاتفهِ دون أن يردعها عمَّا تفعله..نهضت بهدوءٍ متَّجهةً إليه..توقَّفت عاقدةً ذراعيها أمامهِ تشيرُ بعينيها على تلك اللزجة، اتَّجهَ بنظرهِ بعدما وجدها أمامه، ينظرُ لتلك التي تلتصقُ به..ابتعدَ عنها بعدما كان يظنُّها زوجته:
-عفوا..ابتعدي !!
قالها وهو يجذبُ ميرال التي تُلقيها بنظراتٍ كالسهامِ النارية، تحرَّكَ بجوارها ولم ينبت بحرف..ظلَّ يتجوَّلُ جوارها بصمت..توقَّفَ بعدما وجدَ صمتها:
-مالك، إيه اللي حصل ؟!
-إزاي محستشِ بالبنت؟..
تحرَّكَ يدسُّ كفَّيهِ بجيبِ بنطاله:
-حسيت، بس فكرَّتها إنتِ علشان كدا مهتمِّش..قالها وهو يركلُ الحصى بقدمه..
-ياسلام، يعني لو أنا مكانك كنت..توقَّفَ أمامها يليقها شزرًا، وتلاحقت أنفاسهِ الحارقةِ التي عصفت قلبهِ بنيرانٍ تريدُ أن تحرقها:
-إنتِ حامل، دا اللي شافعلك عندي دلوقتي، ومش معنى كدا هعدِّي كتير، بلاش ترمي الكلمة بكلمة، دنا منها وأطبقَ على فكَّيها يقرِّبها إلى وجههِ يتعمَّقُ بعينيها:
-بحبِّك ويمكن بعشقك، بس دا ميمنعشِ إنِّي أدوس عليكي لو حاولتي تستضعفي رجولتي، وأنا لو جيت في وقت استضعفت حبِّك، أو نزلت بكرامتك دوسي عليَّا وإنتِ مغمَّضمة، تمام..أنا مبكررشِ كلامي ياميرال، الحاجات دي مش تافهة علشان نهزَّر فيها..تراجعَ خطوةً وعانقَ ذراعها متحرِّكًا بجوارها وكأنَّهُ لم يفعل شيئًا..
وصلَ بعد قليلٍ إلى الشاليه، ألقى أشيائهِ بغضب، يفركُ وجههِ ودارَ حول نفسهِ من أفعالها..
دلفت خلفهِ بخطًا مرتعشة، وبملامح شاحبةٍ وروحٍ تبدو وكأنَّها سُلبت منها، وصلت إلى وقوفهِ متخصِّرًا:
-هتفضل حياتنا كدا، أنا مش مجبرة أتحمِّل عصبيتك الغير مبرَّرة دي، أنا بتكلِّم معاك بهدوء، إنتَ عملت منها مشكلة..
لم يلتفت إليها بل جذبَ سجائرهِ وتحرَّكَ إلى الشرفة، وكأنَّها هوى لم يشعر بها..جلست مكانها فلقد فاضَ بها غرورهِ القاسي، جلست تنظرُ بجمودٍ بأنحاءِ الغرفةِ لدقائق، ثمَّ نهضت متَّجهةً إلى بارئها ليزيلَ همومَ قلبها من زوجها القاسي..
ظلَّ بالشرفةِ ينفثُ رمادَ سجائرهِ بغضب، حتى فاقَ الغضبُ ليشعلَ صدره، لينهضَ من مكانهِ متَّجهًا إليها ومازالت كلماتها تحرقُ أذنه، وكأنَّها ألقتهُ بصوتِ رعدٍ أصابَه، دفعَ البابَ بقوَّةِ غضبهِ منها ومن نفسهِ الضعيفة أمامَ حبَّها، توقَّفَ لدى الباب بعدما وجدها تسجدُ ويهتزُّ جسدها بالبكاء، زفرةٌ بقوَّةٍ وتراجعَ للخارج، قامَ بنزعِ ثيابهِ متَّجهًا للمرحاضِ علَّهُ يزيلُ كتلةَ غضبهِ الناريًَّة..
خرجَ بعد دقائقَ معدودة، ودلفَ إليها بعدما وجدها مازالت بالداخل.. كما هي جالسةٌ على سجادةِ الصلاةِ تحتضنُ ركبتيها وتستندُ برأسها عليها، انحنى وحملها بين ذراعيهِ متَّجهًا بها إلى فراشهما، نزعَ إسدالَ صلاتها وجذبَ تلك المنامةِ التي تُوضعُ على الفراش وألبسها إياها، وعينيهِ تراقبُ خجلها منه، لم تتوَّقع منهُ ذلك، لملمَ خصلاتها وجمعها بربطةِ شعرها مبتسمًا بعدما أنهى فعلته:
-على آخرِ الزمن إلياس يجمع شعرك ويغيَّرلكِ الهدوم، ولا عمري فكَّرت فيها،
ناقص تعملي فيَّا إيه ياستِّ الصحفية..
كانت متجمِّدةً بوقوفها، فالقلبُ مازال يئنُّ من أفعاله، سحبها وجلسَ يجذبها لأحضانهِ بعدما وجدَ جمودها:
-ممكن أعرف إنتِ زعلانة ليه، إيه اللي عملته يدعو لنكد مدام ميرال..
استدارت ترمقهُ بعينانٍ جريحتان وأردفت:
-أنا زي ماإنتَ قولت بحبَّك أه بس مستحيل أقبل على نفسي الإهانة، أنا عدِّيت موضوع رؤى ياإلياس علشان عرفت أنُّه عقاب على اللي حصل بينا، مع إنِّ مفيش عقاب بين الستِّ والراجل يوصل للجواز، بس إهانة تانية ليَّا مش هسكت، حتى لو بعدت واتنازلت عن قلبي دا، الحبِّ اللي يكسرنا بلاش منه ياإلياس صح ولَّا إيه؟..
تجمَّدَ جسدهِ وصمتَ بطريقةٍ مقلقةٍ لقلبها، حتى تسلَّلَ الانهيارُ إلى قلبها الذي ينهرُها بما تفوَّهت بهِ إليه، تيقَّنت من صمتهِ أنَّهُ لن يمرِّرَهُ مرورَ الكرام..
تراجعَ بعدما كان يحاوطها بذراعه، ورفعَ هاتفه، يطلبُ طعامَهم، ثمَّ نهضَ متَّجهًا إلى خزانةِ الملابسِ ليرتدي ثيابه، ارتعشت شفتيها وهي تحاوطهُ بنظراتها متسائلة:
-إيه هنرجع مصر؟!..
أغلقَ زرَّ قميصه، واقتربَ منها فمهما بلغت قسوةُ الرجلَ للعقاب، ولكن يظلُّ ذاكَ النبضُ ينبضُ لمن يعشق..
-أنا طلبت الأكل، شوية ويجي، أنا خارج قدَّامي ساعتين عندي مشوار مهم..قالها وانحنى طابعًا قبلةً فوق جبينها ورسمَ ابتسامةً وهمَّ بالمغادرةِ إلَّا أنَّها أوقفتهُ متمتمة:
-هستناك لحدِّ ما ترجع..أومأ برأسهِ وهو يواليها ظهرهِ قائلًا:
-براحتك، مش هغصب عليكي.
أحيانًا تعجزُ الكلماتُ عن الردِّ بما يؤلمُ داخلنا..تحرَّكَ سريعًا من أمامها حتى لا يحدثَ بينهما مالايُحمدُ عواقبه..
عندَ أرسلان قبلَ يومين:
جلسَ بجوارها يحتضنُ كفَّيها وهي تغفو بنعيمٍ بأحضانه، ربتَ على خصلاتها برفقِ وحنانِ أناملهِ مرَّرها على وجهها منحنيًا يطبعُ قبلةً مطوَّلةً على وجنتيها..فتحت عينيها بتململ، ثمَّ همست بصوتٍ حاني:
-أرسلان إنتَ لسة منمتش؟..ابتسمَ ممسِّدًا على خصلاتها راسمًا ابتسامة:
-حبيبتي المهم إنِّك نمتي ومرتاحة، أنا مجاليش نوم، دسَّت نفسها بحنانِ أحضانهِ تهمسُ بخفوت:
-حبيبي متزعلشِِ أكيد ربِّنا هيعوَّض علينا المهم تكون جنبي..
تمدَّدَ يجذبها إلى صدره، وحاوطها بذراعه:
-مش زعلان، المهمِّ إنِّك بخير وسلامة، بس ليه مقولتليش ياغرام؟..
استندت بذقنها على صدره، ورفعت كفَّيها لوجههِ تنظرُ إليهِ بملامحها التي شحبت:
-كنت هقولَّك بس وقتها إنتَ خرجت لمَّا كنَّا في الفيلا، ولقيتك اتَّصلت وقولت إنَّك مسافر وخلِّيكي في الفيلا لمَّا ترجع، مكنشِ ينفع خبر زي دا يتقال في التليفون، كنت عايزة أفرَّح حبيب قلبي بس محصلشِ نصيب..قالتها بدموعِ الألمِ التي أنهكت روحها..
انحنى ملتقطًا ثغرها لبعضِ اللحظاتِ إلى أن خطفَ أنفاسها، لا يعلمُ لماذا يقبِّلها بتلك الطريقةِ الموجعة، هل بسببِ مايشعرُ بما يعتري قلبه، أم أنَّهُ يُخرجُ طاقتهِ المؤذيةِ حتى لا يُخرجَ أذيتهِ لأحدٍ بعدما علمَ من الطبيبِ أنَّ هناكَ جسمًا غريبًا بدمائها، ليصل به الشك أنَّ لها يدًا بعد إخفائها خبرَ حملها..
ابتعدَ منتفضًا بعدما تذوَّقَ دموعها واتَّجهَ للخارجِ سريعًا، وامتلأت عيناهُ بنيرانِ الغضبِ التي لو اقتربت من أحدهما لأحرقته..
هوى على الأريكةِ ومازالت النيرانُ تأكلُ أحشائه، بالداخلِ ظلَّت دموعها تنسابُ على خدَّيها لفترةٍ من الوقت، ثمَّ اعتدلت تجذبُ روبها وخطت إليه بالخارج ..وجدتهُ جالسًا ينفثُ سيجارتهِ بطريقةٍ انتقاميةٍ حتى اختفى خلف رمادها..اقتربت بخطواتٍ بطيئةٍ وهي تسعلُ من رائحةِ الدخان، رفعَ عينيهِ الحزينةِ التي خطَّها دموعُ الألم فلماذا يطعنهُ أحدهم بتلك الطريقةِ البشعة، وصلت إلى جلوسهِ وألقت نفسها بأحضانهِ تبكي بشهقاتٍ مرتفعة، بكاءًا بدموعِ الألمِ التي حاولت أن تخفيها حتى لا تحزنه، ولكنَّ الألمَ فاقَ قوَّةَ الاحتمالِ لتنفجرَ بركَ عينيها..
حاوطها بذراعيهِ يربتُ على ظهرها:
-اهدي أنا آسف مكنشِ قصدي أوجعك..
وضعت كفَّها على فمه:
-مش زعلانة منَّك، أنا بس موجوعة..
طالعها لدقائقَ بصمتٍ وهي تختفي بأحضانهِ كأنَّها تريدُ الهروبَ ممَّا يحيطها، رفعَ ذقنها يلمسُ وجنتيها:
-قومي إلبسي هنسافر.
هزَّت رأسها بالموافقةِ ليتوقَّف يسحبُ كفَّيها متجهًا للداخل..
عندَ آدم دلفَ إلى القاعة..صمتٌ تام بين الحضورِ بعد إلقاءهِ تحيَّةَ الصباح..
ذهبَ ببصرهِ إلى جلوسها الساكن وهي تمرِّرُ أوراقها تنظرُ بدفترها ولم تكترث لدلوفه..رفعت عينيها إليهِ بعدما تحدَّثَ قائلًا:
-فيه كام كورس هنراجع عليهم سريعًا علشان الناس اللي مش فاهمة أو اللي محضرتش، قبلِ الاختبارات..
طالعتهُ بنظراتها التي تحكي الكثير، وكأنَّها تحاورهُ بعينيها، كنتَ الشخص الذي أحببتهُ وتعلَّقتُ به حتى عشقتهُ حدَّ الوجع، كيف أغفرُ لقلبك الذي أشعرني بالخذلان، قلبكَ الذي غدرَ بقلبي الضعيف ليصلَ الحزنَ والألمَ إلى الشريان..
وضعت كفَّيها على وجهها بعدما فقدت سيطرتها على دموعها فلقد خانتها رغمًا عنها، وانزلقت تتدحرجُ بكمِّ ماتشعر به.
انفرجت شفتيهِ يضغطُ عليهما بعدما شعرَ بنغزةِ قلبه وبمغادرتهِ من بين ضلوعهِ على وضعها، تمنَّى لو يصلَ إليها ويسحقَ ضلوعها حتى يذيبها بين ذراعيه..لحظاتٌ ربما دقائق والنظراتُ بينهما تحكي الكثيرَ من الخذلانِ والعتاب..
سحبَ بصرهِ إلى كافةِ القاعةِ ولم ينظر إليها، رسمَ قناعًا باردًا فوق ملامحه،
وبدأ يشرحُ بطريقتهِ السلسة كعادتهِ ولكن ليس ككلِّ مرَّة، روحٌ غائبةٌ وملامحَ شاحبة، حاول الابتعادَ بنظرهِ عنها طيلةِ المحاضرةِ إلى أن انتهى وبدأت الطالباتُ بالتوجُّهِ إليهِ لمناقشتهِ ببعضِ النقاط، ظلَّت كما هي..ربتت خديجة على ذراعها:
-هتفضلي قاعدة كدا..نظرت إليها بشرودٍ وتمتمت:
-أااه، توقَّفت خديجة تسحبُ كفَّها:
-ياله حبيبتي، قولتلك بلاش تحضري بس إنتِ اللي أصرِّيتي..
-كان لازم أحضر ياخديجة، لازم أتعوِّد، هفضل لحدِّ إمتى هربانة اللي حصل حصل..قالتها والألمُ يحرقُ ضلوعها..رفعت ذراعها تساعدها على الوقوف:
-طب ياله حبيبتي الكلِّ بيبص علينا، ياله علشان كدا بيكون ضعف ليكي..
نهضت بتخبُّطٍ متحرِّكةٍ بروحها الضائعة، سارت بخطواتٍ واهنةٍ إلى أن وصلت إلى وقوفه..اعتذرَ وهمَّ بالمغادرة:
-بعد إذنكم ..قالها وتحرَّكَ إليها، اقتربَ منها وتوقَّفَ أمامها:
-عاملة إيه يابنتِ عمتي؟..
-كويسة..أجابتهُ بشفتينِ مرتجفتين..اقتربَ منهما بعضُ الطالباتِ ينظرن إلى توقفُهما بأعينٍ متسائلةٍ
ليستمعوا الى حديثه:
-لو احتجتي حاجة أكيد ابنِ خالك موجود..شهقةٌ من بعضِ الفتياتِ يطالعوهما، تسائلت إحداهنَّ:
-إيلين دكتور آدم قريبك ومخبية..رفرفت بأهدابها الكثيفة، تطالعهُ بأسفٍ على مانطقَ به أمام الطالبات، سحبَ كفَّها بعدما شاهدَ دموعها المتحجِّرة تحتَ جفنيها قائلًا:
-تعالي أوصَّلك في طريقي..تحرَّكت بهدوءٍ بجوارهِ بعدما فهمت لعبته، لقد كشفَ قرابتهما أمامَ الطلبة حتى يفعلُ ما يحلو له..وصلت إلى سيارتهِ وتوقَّفت متمتمةً بخفوت:
-مش مسموح لك تلمسني بعد كدا ولو مفكَّر إنِّي مشيت معاك برضايَ تبقى غلطان، أنا مشيت مضطرة يادكتور..
قالتها والخذلانُ يتفجَّرُ من عينيها كرصاصاتٍ مصوَّبةٍ إليه..
فتحَ بابَ السيارةِ يشيرُ إليها بعينيهِ ثمَّ أردف:
-اركبي، بدل ماأقول للكلِّ قرابتنا الأهم..
خطت إليهِ حتى لم يفصلَ بينهما سوى خطوةً ورفعت سبَّابتها تشيرُ إليه بتهديد:
-اسمعني كويس يادكتور، أنا مابتهدِّدش، وهقول حقيقة جوازنا، أنا مش طيقاك أصلًا، وأنا لو مكانك أتكسف، إزاي ليك عين توقف قدامي وتتبجَّح، إيه نسيت إنَّك خاين..
جذبها بقوَّةٍ لترتطمَ بصدرهِ في حالةٍ من الذهولِ أصابتها تتلفَّتُ حولها بخوف، انحنى يهمسُ بجوارِ أذنها ولم يكترث لرجفةِ جسدها:
-بس لمَّا كنتي بين إيديَّا محستشِ بكدا، احمدي ربنا إنِّنا في الجامعة، متفكَّريش ورقة الطلاق هترحمك منِّي، بالعكس صعَّبتيها أكتر وأكتر ياإيلين آدم الرفاعي، اقعدي ردِّدي الاسم دا علشان مش هتخلَّى عنُّه..
توسَّعت حدقتها وانحبست أنفاسها داخلَ صدرها بعدما طغى برائحتهِ الرجوليةِ عليها، حتى تسلَّلَ إليها شعورُ استنشاقِ رائحتهِ أكثر وأكثر..
تراجعَ بعدما استمعَ لإحدهن:
-إيلين!!..ابتعدت بجسدٍ ينتفض، وكأنَّهُ كان يحاوطها بدفءِ ذراعيه، تحرَّكت بخطواتٍ واهنة، وعيناها تدفعُ الدمعَ بالدمع، ووجهها الذي سطرَ الحزنَ ملامحه..
فتحت بابَ سيارةِ رؤى برعشةِ يديها، ثمَّ أردفت بتقطُّعٍ وشهقاتٍ مرتفعة:
-رؤى ابعديني عن هنا بسرعة، بكاءًا مرتفعًا حتى شعرت رؤى أنَّها أصيبت الجنون..ظلَّت تتحرَّكُ بها إلى أن وصلت مكانًا هادئًا على النيل، لتتوقَّفَ بالسيارة، استدارت تلقي نفسها بأحضانها وتبكي بصوت مرتفع متمتة بتقطع
“هموت ، انا هموت يارؤى، آدم بيقتلني بكل حاجة، لا بعده مريحني ولا قربه مريحني
ربتت على ظهرها وحاولت تهدئتها:
-طب اهدي حبيبتي كلِّ حاجة وليها حل، حاولت أفهِّمك ياإيلين إنِّك مش هتقدري تعيشي بعيد عنُّه..
هزَّت رأسها تضربُ على صدرها بقوَّة:
-لازم أحرق دا، ليه لسة مصر يحبُّه بعد اللي عمله ليه يارؤى…
آااااااه صرخت بها تضربُ على صدرها بقوَّة، حاولت رؤى أن تخفِّفَ من آلامها ولكن كيف لقلبٍ أن يهدأ من احتراقِ حبيبه..
عندَ يزن:
خرجَ من منزلهِ وهو يُخرجُ دراجتهِ البخارية، استمعَ إلى صوتِ مها خلفه:
-يزن أنا كلِّمت طارق وقالِّي هيجي من السفر بكرة وكلُّه ينتهي، ارتدى خوذتهِ يهزُّ رأسهِ ثمَّ قامَ بتشغيلِ محرِّكِ الدراجة:
-لمَّا يجي هقولِّك تقوليلُه إيه، لازم أمشي دلوقتي عندي شغل..اقتربت من الدراجةِ ووضعت أناملها على كفِّهِ الذي يتشبثُ بالدراجة:
-إنتَ مش اتفقت معايا إنَّك هتسيب الشركة، ليه رايح هناك، بتضحك عليَّا..
ابتسمَ يسحبُ كفِّهِ ثمَّ رفعهُ فوق رأسها يغازلها بعينيه:
-إنتِ أمرتي يامها، ولازم أعمل اللي طلبتيه، هعدِّي أجيب حاجتي، وأعدي على عمِّي إبراهيم علشان نتحاسب على إيرادات الورشة وأشوف الدنيا..
اقتربت منهُ حدَّ الالتصاقِ تحتضنُ ذراعه:
-طيب مش هتعزمني على الغدا، أو نخرج نروح السينما..
حدجها بنظرةٍ مميتةٍ ثمَّ أردف:
-عايزة تخرجي معايا وإنتِ لسة لابسة دبلة غيري، ليه حدِّ قالِّك عليَّا إنِّي مش راجل وقليل الأصل..وبعدين كنَّا رحنا سينما قبلِ كدا علشان نروح دلوقتي..
قالها وقامَ بتشغيلِ دراجتهِ وتحرَّكَ سريعًا..استمعت إلى حوارهما إيمان فهرولت سريعًا ترفعُ هاتفها:
-دكتور كريم إيه اللي يزن ناوي عليه، وإياك تضحك عليَّا، أنا مش عيِّلة، أخويا بيغرَّق نفسه بالانتقام..
نهضَ من مكانهِ مبتعدًا عن أصدقائه:
-مش فاهم قصدك؟..بكت بالهاتف:
-يزن بقى متوحِّش وأنا مستحيل أقعد أتفرَّج عليه، علشان خاطري ياكريم فوَّق يزن قبلِ مايخسر نفسه، لو فعلًا صاحبه وبتحبُّه فوَّقه..
-طيب ممكن تهدي وتقوليلي إيه اللي حصل؟..صرخت بالهاتف:
-بقولَّك أخويا بيخسر نفسه، قالتها وأغلقت الهاتفَ تجلسُ على الأرضِ تبكي بصوتٍ مرتفعٍ تتمتم:
-ليه يايزن، ليه تعمل في نفسك كدا..
عندَ راجح:
-البنت لسة محبوسة ياباشا، الواد الظابط دا شخصيُّته صعبة، معرفشِ ليه عمل كدا، بس وأنا بتجسِّس كدا، عرفت إنِّ جوازه بيها إجباري، وكمان كان هيتجوِّز بنت قريبته والبنت دي ضربت نفسها بالنار..
هبَّ من مكانهِ وتساءلَ بفحيح:
-هوَّ فين دلوقتي؟..
هزَّ رأسهِ بالنفي قائلًا:
-منعرفشِ ياباشا، محدِّش بيعرفلُه اتجاه سير..
أشارَ إليهِ بغضب:
-عايزك تجبلي قراره، والبتِّ اللي كان عايز يتجوِّزها دي موِّتوها وارموها قدَّامه، علشان يعرف إزاي يتجوِّز على بنتِ راجح الشافعي، ولو هوَّ لحمه مر أنا لحمي علقم، استنى مني إشارة ..قالها وأشار إليه بالخروج
-كدا انت لسة متعرفش انك ابن جمال، تمام يابن جمال وعلى الموعد نلتقي
عندَ إسحاق فتحَ بابَ شقةٍ صغيرةٍ وأشارَ إليها بالدخول ..دلفت بساقينِِ مرتعشتينِ تردفُ بتقطُّع:
إسحاق إنتَ جايبني هنا علشان تموِّتني، هتموِّت أمَّك ياإسحاق!..
اتَّجهَ إلى مقعدٍ قديمٍ والغبارُ يملأه، ثمَّ قامَ بمسحهِ بمحرمتهِ وجلسَ عليهِ يضعُ ساقًا فوقَ الأخرى:
-دا بيتِك ياأحلام هانم إيه نستيه، بيت أبو أحلام هانم اللي اتربِّت فيه، هتعيشي فيه بعد كدا..
اندفعت إليه وصرخت بوجهه:
-إنتَ شكلك اتجنِّنت يالا، إنتَ نسيت نفسك ولَّا إيه، دا أنا..نفث سيجارتهِ يهزُّ رأسهِ يشيرُ بيديه:
-أيوة كمِّلي إنتِ ايه..أه نسيت آسف ماهو حضرتِك تقولي للشيطان ارتاح وأنا أقعد مكانك..أخرجَ بعضَ الأوراقِ وألقاها على الأرضِ المتربة:
-أوَّل ورقة طلاقِك من رجل الأعمال اللي أصغر منِّك بعشر سنين، تاني ورقة تنازلك عن كلِّ حقوقك له حتى بنتك، تالت ورقة ودي الأهم..
تنازلِك عن كلِّ ماأخدتيه منِّي ومن فاروق، وكمان نصيبك في أملاك بابا، نصبَ عودهِ وتوقَّفَ ورسمَ ابتسامةٍ ساخرةٍ بعدما تحوَّلَ وجهها للشحوبِ تهزُّ رأسها بالنفي:
-مستحيل، أنا مش موافقة..اقتربَ منها وانحنى لمستواها:
-هوَّ أنا باخد رأيك ياأحلام هانم، كلِّ حاجة اتمضت واتكتبت باسمِ مين؟..ظلَّ يدورُ حولها حتى أرعبَ جسدها، ثمَّ انحنى يهمسُ بجوارِ أذنها:
أرسلان فاروق الجارحي، أووووه أوبس مدام أحلام كلِّ ثروتك اللي بالمليارات اتكتبت باسمِ أرسلان الجارحي، علشان إيه ياترى ياإسحاق، تراجعَ إلى المقعدِ وجلسَ يضعُ ساقًا فوقَ الأخرى مشبكًا أناملهِ يطالعها بنظرةٍ مستحقرةٍ واسترسل:
-كان نفسي أموِّتك وأريح الناس من شرِّك، بس أعمل إيه اسمك متنيِّل جنبِ اسمي في شهادةِ الميلاد، أشارَ بسبباتهِ عليها مستخِّفًا:
-تخيَّلي اللي رحمك منِّي وعدي لفاروق، وكمان اسمي اللي مرتبط بواحدة زيك، وأنا مضطر أعصر على نفسي مزرعة ليمون وأتقبِّلك قدَّام الناس، هبَّ من مكانهِ وتحوَّلت ملامحهِ حتى نفرت عروقهِ مقتربًا منها متناسيًا أنَّها والدته:
-فرصك خلصت من زمان، وأنا اللي أستاهل العذاب دا كلُّه، بس وعد من إسحاق الجارحي لأدفَّعك القديم والجديد ياأحلام هانم..
تحرَّكَ خطوةً يشيرُ إلى الشقة:
-هتعيشي هنا ولولا خايف من الفضايح كنت رميتك في أقلِّ دار مسنين، بس ياله كلُّه علشان خاطر أرسلان، أمالَ بجسدهِ وغرزَ عينيهِ بمقلتيها:
-لو أرسلان مات كلِّ أملاكه هتروح للجمعيات الخيرية، وخُدي أكبر قلم لأحلام هانم، فاروق اتنازل عن كلِّ أملاكه لأرسلان، ومش بس هوَّ وأنا كمان بس بعد طبعًا ماكنت كتبت حقِّ ابني اللي حاولتي تموِّتيه، أوعي تفتكري لعبتك إنتِ ودينا دخلت عليَّا، أنا إسحاق الجارحي لو نسيتي أفكَّرك يا هانم..أي أذى هتحاولي توصَّليه لأرسلان، الله في سماه هدفنك حية، ماهو إنتِ عملتيها قبلِ كدا، وابنِ البطة عوَّام ولَّا إيه ياستِّ أحلام..
تراجعت للخلفِ تبكي وحاولت استعطافه:
-بلاش ياإسحاق مقدرشِ أعيش هنا..
قهقهاتٌ مرتفعةٌ يضربُ كفَّيهِ ببعضهما:
-يااااه أخيرًا دموعك نزلت..أشارَ على الشقةِ بالكامل يطالعها بنظرات غامضة واردف بنبرة جافة:
-مفيش خدامة هتيجي غير يوم واحد بس، ودا علشان صلة الرحم مش أكتر، عايزة حاجات، السوق تحتِ البيت تنزلي تشتري حاجاتك بنفسك، في آخرِ الشارع عربية فول وطعمية جرَّبيها هتنفع صحتِك وتخلِّيكي تعرفي تنضَّفي الشقة حلو..
توسَّعت عيناها بذعرٍ تنظرُ إلى المكانِ لتشهقَ قائلة:
-لا ياإسحاق مش هتعمل في أمَّك كدا، أنا معرفشِ أعمل حاجة..
ارتدى نظارتهِ وجذبَ مفاتيحَ سيارتهِ وأجابها متهكِّمًا:
-اتعلمي ياأحلام هانم، دي كانت حياتك في الأوَّل والمفروض تشكريني علشان هخلِّيكي تموتي هنا..
فتحَ بابَ الشقةِ واستدارَ برأسهِ إليها:
-متحاوليش تهربي علشان أنا مش عبيط، ياله مش عايز أعطَّلك علشان تلحقي تخلَّصي اللي وراكي..تشاو يامدام ..قالها وأغلقَ البابَ لتهرولَ إلى البابِ وتفتحهُ تصرخُ به:
-مش هتقدر تسيبني هنا وتمشي ياإسحاق سمعتني..لو سمعت صوتِك هبعت ظابط يحبسِك وأكيد عارفة ليه، وبدل المرَّة مرتين ..ادخلي واقفلي الباب وتأكدي خروجك من الباب دا لمكانين بس السجن والقبر..قالها وتحرَّكَ سريعًا..
بعدَ أسبوعٍ هادئٍ على بعضِ أبطالنا،
دلفَ يزن إلى الشركة وصعدَ إلى غرفةِ مكتبها، طرقَ على بابِ المكتبِ وفتحَ بعضه:
-ممكن أدخل ولَّا ألفِّ وأرجع ..
هزَّت رأسها تشيرُ بيديها:
-أكيد مش قليلة ذوق ياباشمهندس، هتيجي وأرجَّعك..
خطا وهو يدسُّ كفَّيهِ بجيبِ بنطاله:
-عاملة إيه؟!
خلعت نظارتها الطبيَّة وأغلقت جهازها تستدعي السكرتارية:
-قهوة الباشمهندس، وقهوتي.
-تحتِ أمرك ياأستاذة..تراجعت على المقعدِ قائلة:
-سمعاك، أكيد بدل جيت يبقى حاجة مرتبطة بأسهمك في الشركة..
ظلَّت عيناهُ متعلقةً لهيئتها، لا يعلم لماذا ارتجفَ قلبهِ من ملامحها الحزينة، أفاقَ على صوتها:
-يزن!! ابتعدَ عن ناظريها وكأنَّ نطقها لاسمهِ بتلك الطريقةِ أخرجت ذاك النبضَ الذي دُفن..
-إنتَ جاي علشان تقعد وتسكت، أنا عندي شغل.
وضعٌ بغيضٌ شعرَ به وهو يستمعُ إلى نبرتها الحزينة..
-أنا آسف مكنشِ قصدي أزعَّلك منِّي، أو..
أشارت بيدها وتوقَّفت متَّجهةً إليه، جلست بمقابلتهِ تضعُ ساقًا فوقَ الأخرى ونظراتها تحاصره:
-وياترى أسفك دا أنا المفروض أقبله، لا ياباشمهندس، مش من حقِّي تتأسفلي، ممكن أكون غلطت لأنِّي اعتمدت على الشخصِ الغلط..
-رحيل..أمالت تنظرُ إلى مقلتيه:
-أستاذة رحيل ياباشمهندس، أستاذة رحيل اللي رمتها أسبوع وهيَّ كانت في أمسِّ الحاجة، دلوقتي جيِّتك مالهاش داعي..قاطعهم دلوفُ الساعي يضعُ مشروباتهم..
اصطدمَ بعينيهِا المحدَّقتينِ به قائلًا:
-الكلام دا ليَّا، رفعت قهوتها ترتشفُ بعضها ثمَّ أشارت على الغرفة:
-هوَّ فيه حدّ غيرك موجود في المكتب..
زمَّت شفتيها ومرَّت بعينيها على ملامحهِ المصدومة ثمَّ نطقت بصوتٍ هادئٍ كعمقِ البحر قائلة:
-نوَّرت الشركة ياباشهمندس..قاطعهم دلوفَ طارق كالأسدِ المفترس:
-إيه اللي عملتيه دا، إنتِ اتجنِّنتي، إزاي تحذفيني من مجلسِ الإدارة، لا فوقي أنا طارق الشافعي محدِّش له يشيلني..
توقَّفت متَّجهةً إلى مكتبها إلَّا أنَّهُ عرقلَ تحرُّكها يطبقُ على ذراعها بقوَّة:
-لمَّا أكلِّمك توقفي..دفعتهُ وأشارت بكفِّها تهدرُ بتهديد:
-احترم نفسك، إيه نسيت إنَّك بعت أسهم من بتوعك، مبقاش ليك كلمة، رمقت يزن قائلة:
-اتساويت بالباشهمندس يزن، أنتوا الاتنين شوية الأسهم بتاعتكم مالهاش إنَّها تحضروا الاجتماعات..
ثارت جيوشُ غضبهِ واقتربَ كالمجنونِ إلَّا أنَّ يزن أوقفهُ بدفعهِ بعيدًا عنها:
-مش عيب تمدِّ إيدك على بنت، ولَّا أبوك مش علَّمك العيب..
قست عيناهُ وهو يطبقُ على تلابيبه:
-إنتَ مين يالا علشان تمسكني كدا، حاولَ دفعهِ إلَّا أن يزن دفعهُ بقوَّةٍ حتى هوى على الأرض..شهقةٌ خرجت من فمها محاولةً الفصلَ بينهما، ليرتجفَ جسدها بعد اقترابِ طارق منهُ وعيناهُ كالجمرتينِ الحارقتين:
-هموِّتك ياحيوان..توقَّفت أمامَ يزن واحتُجزت الدموع تحتَ أهدابها:
-ابعد عنُّه علشان خاطري..ثمَّ استدارت إلى طارق:
-وإنتَ امشي اطلع برَّة بدل مااتصل بالأمنِ يطلَّعوك..
يطلَّعوا مين يابت، دي كلَّها أملاكي اتجنِّنتي ولَّا إيه..دارت معركةٌ عنيفةٌ بينهما لتتَّصلَ بالأمنِ لفضِّ الاشتباك مع دخولِ راجح ليتوقَّفَ بين يزن وطارق..
لطمةٌ قويةٌ على وجهِ يزن حينما وجدهُ يكيلُ الضربات إلى طارق..
توقَّفَ متسمرًا يضعُ كفِّه على خدِّه..دفعهُ راجح يشيرُ إلى الأمن:
-الواد ارموه للشرطة، قولوا اتهجِّم على صاحبها علشان السرقة وأنتو شاهدين ياله..
-عمُّو راجح إيه اللي بتقوله دا؟!..
-اخرسي أنا استحملت دلعك كتير، بالليل هكتب كتابك على طارق ودا آخر كلام ..أشارَ إلى طارق بالخروج:
-روح جهِّز نفسك..اقتربَ منها:
-إيه ناوية على إيه يابنتِ مالك بعد ماأبوكي عجِّز ..اسمعيني علشان مبقاش فيه وقت للدلع أنا اتكلِّمت مع مالك وبالليل كتب الكتاب ومبقاش ليكي مكان هنا ..ثمَّ استدارَ يصرخُ بالأمن:
-الواد دا لسة واقف هنا ليه، صرخَ بها بقوَّة..رفعَ حاجبهِ بترفُّعٍ متظاهرًا بالقوَّة:
-بالراحة على نفسك ياباشا، سرقة إيه ياراجل، مش لمَّا أشوف ابنك راجل علشان أسرقه، دفعَ رجلَ الأمنِ واقتربَ من راجح وحدجهُ بنظراتٍ مشمئزة:
-أنا قدرك الحلو بس حضرتك مش واخد بالك، رفعَ نظرهِ إلى رحيل التي تكوَّرت الدموعُ بعينيها ثمَّ اتَّجهَ إلى راجح:
-هدفَّعك تمن القلمين غاليين أوي، ووعد من يزن السوهاجي..قالها وهو يدفعُ رجلَ الأمنِ وتحرَّكَ للخارجِ متمتمًا: اللي هيقرَّب منِّي هموته..
التفتَ راجح إلى رحيل:
-شوفتي مصايبك، علشان تروحي تلملمي من الشوارع…توقَّفَ يزن بعدما استمعَ إلى حديثهِ واستدارَ إليهِ بكاملِ جسده:
-الحق مش عليك، الحق على أبويا اللي ربَّاني أحترم الناس الواطية…قالها وتحرَّكَ مغادرًا المكانَ بالكامل..
رفعَ هاتفهِ وقامَ بمهاتفةِ مها:
-عملتي إيه يامها…كانت متوقِّفةً أمامَ خزانتها تقيسُ بعض الفساتين..
-خلاص الراجل اللي اشترى الأسهم هيقابلنا بعد نصِّ ساعة علشان يسلمهالك ..هقابلك فين؟.
توقَّفَ وابتسامةُ انتصارٍ على وجهه:
-برافو مها، بعد مااستلم الأسهم ليكي غدا في أيِّ مكان تطلبيه، وكمان هنروح سينما..
توقَّفت تدورُ حولَ نفسها:
-بجد يايزن..نظرَ أمامهِ بجمودٍ مردِّدًا:
-بجد ياروح يزن..
عندَ أرسلان:
-سؤال واحد وعايز إجابته، سبتَك وقت كافي، مدام فريدة السيوفي كانت عايزة إيه وليه بتبعدني عنهم؟..
أشارَ إليهِ بالمغادرة:
-أرسلان بعدين صدَّقني أنا تعبان ومش قادر أتكلم..
جذبَ المقعدَ وجلسَ بجواره:
-عمُّو إنتَ مخبي عليَّا إيه، انا مش هقدر أبعد عن إلياس حاولت بس مقدرتش..
رفعَ رأسهِ ينظرُ إليهِ بصمت:
-حتى لو خيَّرتك بيني وبينه؟..
صدمهُ حديثهِ وكأنَّهُ ألقاهُ برصاصةٍ بصدرهِ ليردف:
-للدرجة دي وصلت إنَّك تُحط نفسك في خانة مقابلة لحد!..
-أرسلان أنا وإلياس واختار إنتَ..نهضَ من مكانهِ يهزُّ رأسهِ بجمودٍ من عينيهِ ثمَّ استدارَ يخطو كالطفل الذي يتعلمُ السير، ماذا يحدث، هل جُنَّ إسحاق بما يقوله، لم يفعلها طيلة حياته..
-أرسلان …ردَّدها إسحاق ليتوقَّفَ بملامح جامدةٍ وأعينٍ أظلمت بالأسى..
نهضَ من مكانهِ واقتربَ منه يربتُ على ظهرهِ ولكنَّهُ ابتعدَ وكأنَّ كفِّهِ أشواكٌ تغرزُ بلحمه، استدار مغادرًا بخطواتٍ ناريةٍ تحرقُ قدميه ولم يعرف لماذا كلَّ ذلك من مشاعرهِ الممزوجةِ بالخوفِ والألم..
عندَ آدم وخاصةً بمعاملِ إحدى الفرق الطبية، حاوطَ الطلابُ جثةً وضِعت أمامهم ليقوموا بالتدريبِ عليها، بعد عدَّةِ فحوصاتٍ لبعضِ الحيواناتِ والطيورِ ليصلَ بهم نهايةَ المطاف إلى جثةِ انسان ..توقَّفت إيلين مترنحةً تشعرُ بألمٍ يغزو جسدها، وتقلُّبٍ بمعدتها..
توقَّفَ آدم بينهم وخاصةً بجوارِ إيلين التي حاولت الابتعادَ عنه، ولكنَّها لم تستطع، تسلَّلت رائحتهِ إلى رئتيها هدأت قليلًا ظلَّت متوقفةً بجواره، وداخلها شعورٌ بالاقترابِ منه، نفرت من نفسها على ذاك الشعور، بدأ يشرحُ إليهم كيف يتعاملونَ مع الفحصِ التشريحي، كانت تتابعه بصمت وألمًا بجسدها إلى أن شعرت بدورانٍ وغمامةٍ تدورُ بها ولكنَّها تماسكت، تنظرُ إلى يديهِ وهو يتعاملُ مع الجثة، تلاشت الرؤيةُ ولم تعد ترى يديه، تشبثت بذراعهِ تهمسُ اسمه، قفزَ قلبهِ من ضلوعهِ ورغمَ همسها الضعيف إلا أنَّهُ اخترق قلبه قبلَ أذنه، ليلتفتَ إليها سريعًا وهي تترنَّحُ وكادت أن تسقطَ لولا ذراعيهِ التي تلقفتها بلهفةٍ يردِّدُ اسمها بفزع:
-إيلين..تراجعَ الطلابُ ظنَّا من خوفها من الجثة التي توضعُ أمامهم، رفعها وضمَّها إلى صدرهِ متحرِّكًا بها سريعًا من المعمل، إلى أن وصلَ إلى غرفةِ الكشف، ارتجفَ جسدهِ ولم يعد لديه القدرة للتماسك، كلَّما تذكَّرَ همسها باسمه، أمسكَ يدها ليقيسَ ضغطها، ولكنَّهُ توقَّفَ يردِّدُ بلسانٍ ثقيل:
-حامل ..معقول!..هبَّ من مكانهِ سريعًا متَّجهًا إلى طبيبةِ النساءِ الموجودةِ بالكليةِ قبل إفاقتها..
قامت الطبيبةُ بالكشفِ عليها، ابتسمت له لأنَّها تعلمُ بزواجهِ منها:
-مبرووك يادوك، مبدئيًا فيه حمل، بس لازم شوية فحوصات علشان نتأكد أنُّه في مكانه السليم..
كانت نظراتهِ عليها، يفترسها بعينيه، بدأت تتململُ وترفرفُ بأهدابها.. اقتربَ منها بعدما أومأ للطبيبة،وحملها متَّجهًا بها للخارجِ وقلبهِ ينبضُ بعنفٍ من السعادةِ التي حاوطته..
بفيلَّا السيوفي:
الجميعُ يلتفُّون حولَ طاولةِ العشاء، مسَّدَ إلياس على خصلاتِ غادة وابتسمَ قائلًا:
-عندي خبر حلو لدودي..ظلَّت عيناهُ متعلقةً بأعينِ أختهِ مرَّةً وبأعينِ إسلام مرَّة ثمَّ هتف:
-غادة هتكوني أجمل عمِّتو في الدنيا، وإسلام عمُّو إسلام الحنين
سقطت الشوكةُ من يدِ فريدة ثمَّ رفعت عينيها التي تزيَّنت بطبقةٍ كرستالية:
-ميرال حامل!..قالتها وهي تستديرُ تنظرُ إلى ميرال التي نزلت بعينيها إلى طعامها خجلًا..حمحمَ إلياس وأومأ برأسه:
-أيوة إن شاءالله ربنا يتمِّم حملها على خير وتجبلنا مصطفى الصغير، مش كدا يابابا..هنا أطبقت على جفنيها لتنسابَ عبرةً حارقةً لوجنتيها، حتى ارتجفت شفتيها تهمس:
-هكون نانا..ابتلعَ مصطفى غصَّةً مريرةً بطعمِ العلقمِ من حالتها ليردفَ بصوتٍ خافتٍ كاد أن يصلَ للجميع:
-مبرووك ياحبيبي، يتربَّى في عزَّك وبين إيدك..بسطَ كفِّهِ إلى فريدة التي شحبَ وجهها بالكامل وضمَّهُ ينظرُ لعينيها الباكية:
-مبرووك يانانا …هتكوني أجمل نانا في الدنيا..ابتسامةٌ حزينةٌ لتهمسَ له:
-يوسف ..يوسف هيكون أب يامصطفى باسمِ مش اسمه..هبَّ من مكانهِ وانحنى يحاوطُ جسدها:
-تعالي معايا عايزك في موضوع مهم..
اتَّجهَ إلياس إلى ميرال:
-مامتك مالها، رجعت تاني تقول كلام مش مفهوم ليه؟..
-إلياس ..تمتمت بها غادة بلسانٍ ثقيلٍ ليلتفتَ إليها يومئُ لها برأسهِ منتظرًا حديثها:
-أيوة حبيبتي عايزة تقولي حاجة..
سمِّي البيبي يوسف، ابتسمَ بحنانٍ عليها ثمَّ رفع كفَّها يقبِّلهُ وأردفَ مازحًا:
-أوعي يابتِّ تكوني بتحبِّي حد اسمه يوسف ..ضمَّت ذراعهِ تدفنُ رأسها به:
-بحبُّه أوي أوي..
-نعم ياختي، متفكَّريش علشان إنِّك تعبانة هسكت لغلطك..
بترَ حديثهم إسلام وهو يهتفُ بسعادةٍ مرسومةٍ بإتقان:
-ألف مبروووك يا أبو يوسف، بدل غادة أمرت يبقى خلاص، لازم نسمِّيه يوسف، وعلى فكرة يوسف دا اسمِ طفل كان في الدار وجم ناس اتبنوه، وكان حلو أوي وغادة كانت متعلَّقة بيه مش كدا يادودي…أومأت برأسها مع بكاءِ عيناها..
ظلَّ يدقِّقُ النظرَ بينهما إلى أن توقَّفت ميرال:
-هطلع أشوف ماما وأقعد أشتغل شوية، بعد إذنكم..
-ميرال اتصلي وخدي أجازة لحد الولادة علشان ماترهقيش نفسك
رمقتها بنظرات صامته، تعشقه حد الجنون ولكنه متملك حد القسوة، لا تنكر أنه أهداها حياة أبدية بالعشق والحنان، ولكنه يسرقها بتحكمه، ويقتل أحلامها التي تسعى تحقيقها، كيف وعدها بالسعادة، وهو يخنقها بتحكماته، تنهيدة مرتجفة افلتتها قائلة بخفوت
-مقدرش اسيب شغلي ياإلياس، ومتحاولش تقنعني..تمتمت بها وغادرت
عند رحيل خرجت من الشركة، وجدت أحدهم يقف أمامها
-استاذة رحيل الباشا قال لازم نوصلك لحد البيت، لو سمحتي اتفضلي على عربيتك ..توقفت تطالعه بذهول، فهدرت به غاضبة:
-انت اتجننت ..أشار إلى سيارتها
-تحركي لو سمحتي بلاش اخد موقف انا عبد المأمور ..تحركت بأنفاس مرتفعة إلى أن فتحت باب السيارة، ليجذبها أحدهم قائلًا:
اربطي الحزام بسرعة، اومأت مبتسمة عندما وجدته بمكان القيادة، لحظات وهرول بالسيارة بسرعة جنونية مما جعل الاخرون يصرخون وهما يتجهون سريعًا إلى السيارة
نظرت للخلف تنظر إليهم والسعادة لمعت بعيناها تضع كفوفها على صدرها:
-يااااه كابوس، شكرا بجد ..ظل يسير بالسيارة إلى أن توقف أمام أحد العقارات نظرت تقرأ مايدون فوق اللوحة الإلكترونية
-ايه دا انت جايبني هنا ليه، أغلق السيارة وتوجه بجسده إليها
-مفيش حل غيره، بس لو رافضة انسي أنا بحاول اساعدك ..نظرت إليه ثم إلى اللوحة واغمضت عيناها ولا تشعر بتلك الدمعة التي تدحرجت على وجنتيها، ليقترب يزيلها بابهامه
-خلاص انسي ولا كأننا جينا هنا، انا حاولت اساعدك وبس
عند إلياس
تحركت ميرال بعدما ألقت حديثها الذي اغضبه، ورغم ذلك ظلَّت نظراتهِ تتابعها إلى أن اختفت من أمامه، شعرَ بأناملِ غادة على ذراعه:
-إلياس ..التفتَ إليها ورسمَ ابتسامة:
-أيوة حبيبتي..وضعت رأسها على كتفهِ قائلة:
-ليه مزعَّل ميرال..رمقها من فوقِ كتفهِ ثمَّ حملَ كوبهِ يرتشفُ منه:
-غادة من إمتى بتدَّخلي في حاجات خاصة، حياتي أنا وميرال خاصة بينا، نهضَ بعدما وضعَ فنجانهِ ينظرُ إلى إسلام الذي يتفحَّصُ هاتفه:
-عايزك في المكتب..
أومأ له فتحرَّكَ متَّجهًا إلى مكتبه، اقتربَ من غادة:
-حبيبتي متزعليش منُّه، هو عنده حق مينفعشِ ندَّخل في حياته الخاصة..
-أغمضت عينيها حتى لا تذرفَ دموعها تهزُّ رأسها..نهضَ وانحنى يقبُّلُ رأسها:
-قومي ارتاحي في أوضتك، وسيبي كلِّ حاجة ماشية زي ماهي، إلياس بيحبِّ ميرال متخافيش مش هيئذيها مهما حصل، وتأكدي عمره ماهيتخلَّى عنَّنا حتى بعد مايعرف الحقيقة، المهمِّ ياغادة إلياس يفضل أخوكي الكبير اللي له احترامه، أوعي تفكَّري علشان مطلعشِ أخونا يبقى نقلِّل من احترامه، أنا عن نفسي هيفضل أخويا الكبير لحدِّ ماأموت، ماشي حبيبتي..
أومأت مبتسمةً ثمَّ تساءلت:
-ماما فريدة خلاص مش هتتطلَّق من بابا هي وعدتني مش هتسبنا..
نصبَ عودهِ ومسَّدَ على خصلاتها قائلًا:
-أكيد مش هتقدر تستغنى عننا، نهضت تتشبثُ بكفَّه:
-حقيقي أرسلان بيكون أخو إلياس الكلام دا حقيقي؟..
حاوطَ جسدها وتحرَّكَ معها إلى الأعلى:
-دا موضوع كبير بس مينفعشِ نتكلِّم فيه، أوعديني متقوليش لحدِّ حاجة مهما حصل، عايزك تنسي اللي سمعتيه..
قبَّلتهُ على وجنته:
-أوعدك مش هقول لأيِّ مخلوق، أنا وعدت بابا كمان، بس برضو مش قادرة أتقبَّل إن إلياس مش أخونا..
تراجعَ خطوةً للخلفِ يهزُّ رأسهِ مستاءً وأجابها بنبرةٍ حادَّة:
-إلياس مصطفى السيوفي ياغادة، ياله بقى اطلعي أوضتك، عايز أنزل لأخوكي..
وصلَ بعد قليلٍ إلى غرفةِ المكتبِ وجدهُ متوقِّفًا أمامَ النافذةِ ينظرُ للخارج، وحديث ميرال يصم اذنه ..حمحمَ مقتربًا منه، استدارَ يشيرُ إليهِ بالجلوس، ثمَّ توجًَّهَ إلى مقعدهِ وجلسَ متراجعًا بظهرهِ وعينيهِ تخترقه:
-سامعك، قولِّي مخبِّي عليَّا إيه؟..
ضيَّقَ عينيهِ ورسمَ استنكارًا لعدمِ معرفته:
-مش فاهم حضرتك ياأبيه؟..اقتربَ مستندًا على المكتبِ وحدجهُ بنظرة:
-إسلام معنديش طولة بال، ليه سبتِ البيت وليه غادة وصلت للحالة اللي كانت عليها قبلِ ماأسافر؟،،
اقتربَ مثلهِ وطالعهُ مجيبًا:
-أنا مسبتشِ البيت أنا كنت في تدريب عملي أسبوع مع فريقي، وكمان كان عندي تدريب في النهائي اللي حضرتك نسيته، أمَّا غادة عادي تكون حالتها متقلِّبة ياحضرةِ الظابط نسيت إنَّها بنوتة وعندها تغيُرات يعني ممكن حالة عاطفية، ممكن حالة صداقة فاشلة، أو حالة نفسية عادية..
تراجعَ ينظرُ إليهِ ساخرًا، وردَّدَ حديثهِ مستهزئًا:
-هعمل مصدَّق ياإسلام، بس لو عرفت غير كدا هزعل منَّك، ياله قوم شوف مذاكرتك..
نهضَ من مكانهِ وتحرَّكَ للخارجِ دون تعقيب..
ظلَّ لبعضِ الوقتِ يراجعُ على بعضِ أعماله، تراجعَ ينقرُ هامسًا:
-الواد دا فين بقاله فترة مش باين، رفعَ هاتفهِ وحاولَ الوصولَ إليهِ ولكن كالعادة الهاتفَ الذي تريدُ الوصولَ إليهِ ربما يكون مغلقًا..اتَّجهَ مرَّةً أخرى:
-أهلًا بحضرتك ياأفندم..معاك إلياس السيوفي..
حمحمَ إسحاق: عارفك أكيد ياحضرةِ الظابط..توقَّفَ متراجعًا إلى الشرفة:
-بسأل عن أرسلان بقاله فترة مش باين..
-أرسلان برَّة في عمل، مضغوط في الشغل الأيام دي، لمَّا يفضى أكيد هيكلِّمك..
هزَّ رأسهِ متفهمًا:
-لا أنا كنت بطَّمن عليه، شكرًا لحضرتَك، وآسف لمعاليك..
-ولا يهمَّك، إن شاءالله يخلَّص شغله وأخلِّيه يتواصل معاك…
بعدَ فترةٍ صعدَ إلى غرفتهِ وجدها تستندُ على الفراشِ وكأنَّها تقرأ شيئًا، استمعَ إلى طرقاتٍ على بابِ الغرفة..أذنَ بالدخول، دلفت الخادمة بكوبٍ من اللبن..أشارَ إليها:
-حُطيه عند المدام …اقتربت لتضعه، ولكنَّها أوقفتها:
-لا خديه مش هشربه، أنا مبحبِّش اللبن.
أشارَ للخادمة:
-حُطيه واطلعي…أومأت له:
-تؤمر بحاجة تانية؟..
-شكرًا..خرجت الخادمة، اقتربَ من جلوسها:
-ميرال اشربي اللبن وهوَّ سخن، مفيد للحامل، وكمان ..قاطعتهُ بعدما ألقت مابيديها واتَّجهت بأنظارها إليه:
-بس أنا مبحبوش، إيه هتغصب عليَّا في دي كمان..
نزعَ تيشرته، واتَّجهَ إلى غرفةِ الملابسِ هاتفًا:
-مش عايز دلع إنتِ مش طفلة علشان أغصب عليكي، اللبن يتشرِب صحتِك أهم ..
تعاظمَ الغضبُ بداخلها من ردوده، وهاجت كوحشٍ كاسر:
-بقولَّك إيه ياإلياس متخلِّنيش أكره حملي سيبني براحتي، عايزني أحبِّ حاجة وأنا مبحبهاش..ارتدى ثيابهِ واقتربَ منها:
-إيه الهبل اللي بتقوليه دا، علشان خايف عليكي يبقى أخلَّيكي تكرهيه..
فوقي من حركاتِ العيال دي، مش كلِّ شوية هقولِّك إنتِ مش صغيرة، بعدِ كام شهر هيكون عندك طفل..
أشارَ بعينيهِ على كوبِ اللبن:
-دا أهمِّ حاجة في يومك، وعلى ماأظنّ مش هيموِّتك..
شعرت بنيرانٍ هوجاء بداخلها لتدفعَ الكوبَ بعنفٍ حتى هوى على الأرضية، بعدما تحوَّلَ غضبها لنيرانٍ حارقةٍ وهدرت بعنف:
-أنا تعبت من حياةِ الأوامر بتعتك دي، مش علشان بحبَّك أستحمل أوامرك، لا فوق ياحضرةِ الظابط، حياتي وأنا حرَّة فيها..قالتها ونهضت من مكانها بعنفوان، وهمَّت بالمغادرةِ ولكنَّهُ أطبقَ على ذراعها بقوَّةٍ واشتبكت عيناهُ الناريةِ بعينيها:
-إيه اللي عملتيه دا..نزعت عينيها مبتعدةً عن أعينهِ الصقرية التي تحرقها ..ضغطَ بقوةٍ على ذراعيها حتى شعرت بآلامها وهتفَ يشدِّدُ على كلِّ حرفٍ ينطقهُ مع نظراتهِ القويَّة:
-مالكيش حياة لوحدك، حياتك هيَّ حياتي وبس، هتعيشي زي ماأنا عايز، بدل مابقلِّشِ منِّك وبتعامل معاكي بكلِّ ود ومحبة وواخدة حقِّك يبقى دي حياتك..
-حياتي!! هيَّ فين دي، كلِّ حاجة ضيَّعتها منِّي، مكان شغلي وحرمتني منُّه وأجبرتني على مكانِ تاني، لبسي كلُّه غيَّرته، خروج وأصحاب حرمتني منُّه، حتى التعبير عن رأيي في كتاباتي وحرمتني منه..اقتربت تغرزُ عيناها بمقلتيه:
-إنتَ موتني من يومِ مااتجوزتني ياإلياس، لغيت هويتي، رغم حاولت أتأقلم على عصبيتك، بس لحدِّ كدا وكفاية..
-يعني إيه…تساءلَ بها بجمودٍ بعدما تحرَّكَ مبتعدًا عنها:
-يعني عايزة أرجع لحياتي ياإلياس، ابعد عنِّي مالكشِ دعوة بأيِّ حاجة، بدل مابدَّخلشِ بشغلك متدَّخلشِ بشغلي، مين
-يبقى مفيش شغل ولا خروج ياميرال لحدِّ ماتولدي وبعد كدا هقرَّر أعمل إيه..
قالها ودلفَ إلى الغرفةِ الأخرى يصفعُ البابَ خلفهِ بقوَّة..
صدمها بردِّهِ العنيف، فنهضت متَّجهةً إليهِ بخطواتٍ مستاءة، دفعت البابَ ودلفت للداخلِ وجدتهُ يستعدُّ للنوم، توقَّفت تنظرُ إليهِ بذهول ..
-إيه جاية تكمِّلي خناق، أنا عايز أنام عندي شغل، لو جاية تتخانقي هطردك برَّة الجناح خالص وتروحي أوضتك، والمرة دي مش هرحمك سمعتيني، متفكريش علشان بحبك هعدي غلطك
في لحظة احرق قلبي حتى لو اضطريت انزعه من صدري
تأرجحت عيناها بالألمِ من قسوةِ حديثه، تحاورهُ بسيلٍ متدفقٍ من العتاب، ظلَّت بينهما حربُ النظراتِ التي تُدعى بالكبرياء، إلى أن استدارت وأغلقت الباب خلفها، كتمت دموعها تحتَ جفنيها، آااه بكمِّ الألمِ الذي تشعرُ بهِ داخلَ صدره، من عادتهِ بعقابهِ كلَّما اختلفوا يلجأ إلى نفيها من حياته..
خطت مجبرةٌ إلى خارجِ الجناحِ متَّجهةً إلى غرفتها، دلفت تغلقُ البابَ خلفها، ثمَّ تحرَّكت إلى فراشها لتتمدَّدَ عليه تحتضنُ نفسها كالجنين..
مرَّت الليلةُ ثقيلةٌ على قلبها تنظرُ بالساعةِ مرَّةً والى البابِ مرَّةً أخرى ظنًّا أنَّهُ شعرَ بخروجها ولكن ابتسامةً حزينةً رسمتها على وجهها تهمسُ لنفسها:
-مش دا اللي حبيته ورخَّصتي نفسك بدل المرَّة عشرة اشربي وهيني نفسك وكرامتك كمان وكمان..
أتى صباحٌ جديدٌ محمَّلٌ بالأملِ للبعضِ والألمِ للبعض، ولكنَّهُ صباحٌ من عندِ اللهِ يرزقُ عبادهِ بما لا يعلمون..
خرجَ من الغرفةِ يبحثُ عنها، ثمَّ اتَّجهَ إلى حمامهِ ليخرجَ بعد قليلٍ بروتينهِ اليومي متَّجهًا للأسفلِ يبحثُ عنها بعينيهِ على طاولةِ الطعام..ألقى تحيةَ الصباحِ على الجميع ثمَّ جذبَ مقعدهِ للجلوسِ إلى أن قاطعتهُ فريدة:
-ليه ميرال خرجت بدري على الشغل، وكمان من غير فطار، رفع عينيهِ يطالعها بذهولٍ ولم يشعر بسؤاله:
-هيَّ خرجت بعد مامنعتها، توقَّفَ مصطفى عن تناولِ الطعام:
-منعتها عن شغلها ليه..دفعَ المقعدَ للخلفِ واتَّجهَ إلى أشيائهِ متحرِّكًا للخارج ..وصلَ إلى السيارة:
-مين خرج ورا المدام؟..
-الحراسة بالكامل ياباشا زي ما حضرتك أمرت..استقلَّ سيارتهِ وحاولَ مهاتفتها ولكنَّها لم تجب عليه، ألقت الهاتفَ بالسيارةِ تتمتم:
-شوف مين هيرد عليك..
-أيوة ياباشا …قالها أحدُ حراستها..
-لفِّ وارجع..ولو المدام نزلت من العربية هفضِّي مسدسي في دماغك..
-أوامرك ياباشا..كانت تتصفَّحُ الأخبارَ من الهاتفِ ولم تشعر بعودةِ السيارة، ضيَّقت عينيها بعدما رأت عدمَ عودتهِ بالاتصالِ مرَّةً أخرى..تنفَّست الصعداءَ تنظرُ من الخارج، نظرت من النافذة قائلة:
-هوَّ إنتَ رجعت ولَّا إيه..لم يُجب عليها وظلَّ يقودُ السيارةَ بعدما أشارَ إليه الرجل الذي يجاوره..جذبت ستارةَ السيارةِ وصاحت معنِّفةً إياه:
-أنا مش بكلِّمك، وقَّف العربية بقولَّك..
دقائقَ إلى أن توقَّفت السيارة، ليترجَّلَ منها الرجلينِ ينظرانِ لذاك الذي توقَّفَ بالطريقِ يستندُ على سيارته..أشارَ إليهم بالتحرُّك..نزلت تصيحُ إليهما إلى أن توقَّفت عن غضبها بعدما وجدتهُ أمامها..
فتحَ باب سيارتهِ يشيرُ إليها بالركوب، ثمَّ أخبرَ الحراسة:
-ارجعوا على البيت، تحرَّكت إليهِ بصمتٍ ثمَّ استقلَّ السيارةَ بجوارها دون حديث…قطعت السيارةُ بعضَ الكيلو مترات، فاتَّجهت بنظرها تنظرُ إلى الطريقِ متسائلة:
-إنت واخدني فين؟..استمعَ إلى رنينِ هاتفه مجيبًا:
-إنتَ فين يابني، بقالي فترة مش عارف أوصلك..
-إلياس عربيتك متراقبة، نظرَ بالمرآة، ثمَّ أردف:
-تمام ..رفعَ هاتفه وقام بمهاتفة الحراسة:
-هبعتلك لوكيشن، الحقوني عليه..
نظرت خلفها بعدما وجدت سرعتهِ ينظرُ إليها:
-نزِّلي راسك …قالها وهو يغلقُ جميعَ نوافذِ السيارة..
وآدي آخرة اللي يجري ورا الستات،
إلياس فيه إيه ومين دول..توقَّفت السيارةُ بعدما توقفت إحدى السيارات أمامهِ على بعدِ بعضِ الأمتار، نظرَ للخلفِ وجدَ سيارتهِ محاصرةً من جميعِ الجهات ..انحنى يجذبُ سلاحه:
-انزلي بالكرسي ياميرال مترفعيش راسك..
إلياس مين دول، أوعى يكون عمِّي؟.،
أغلقَ السيارةَ وطافَ بعينيهِ على السيارات التي حاصرتهما…
-إلياس..قالتها بتقطِّعٍ وهي تتشبثُ بذراعه، استدارَ برأسه:
-متنزليش من العربية تمام، جذبَ سلاحه، فتشبَّثت به تهزُّ رأسها ببكاء:
-لا متسبنيش..أمالَ برأسهِ وهمسَ إليها بعض الكلماتِ ثمَّ ابتسمَ قائلًا:
-“بحبك”، ولازم أحاسبك على اللي عملتيه، بس نرجع بيتنا..
-لا والنبي متنزلش..
جفَّ حلقهِ من شدةِ خوفهِ عليها بعدما استمعَ إلى أحدهم:
-هتنزل ولا نفجَّر العربية بيكم..لم يستطع مقاومةِ النغزةِ التي أصابته، ليقتربَ يجذبَ رأسها ثمَّ طبعَ قبلةً على جبينها:
.. ياله هنزل وإنتِ اتحرَّكي بالعربية لو بتحبِّيني زي مابتقولي..
-خليني أتكلِّم معاه ياإلياس أشوفه عايز منِّي إيه..
-ميرال قولت اتحرَّكي..
تساقطت الدموعُ من عينيها وأخرجت كلماتها ببكاء:
-مش هسيبك وأنا هنزلُّه..التفتَ إليها بعيونٍ تشعُّ بنارِ الانتقام:
-ميرال ابني لو حصلُّه حاجة إنتِ هتكوني السبب، لازم تمشي وأنا هتصرَّف..ارتفعت شهقاتها تهزُّ رأسها بالنفي ..إلَّا أنُّهُ فتحَ بابَ السيارةِ يشيرُ بيديه:
-نزلت أهو ابعدوا عن العربية، مراتي مالهاش ذنب…
ترجَّلَ راجح من سيارةٍ سوداء وحولهِ بعضُ البودي جارد:
-إنتَ ليه مفكَّرني هعمل فيك حاجة يابني ..أنا بس عايز اطَّمن على بنتي، إيه يابنِ أخويا، حرام لعمَّك يطمِّن على بنته..قالها بمكرٍ يشيرُ لرجاله:
-أنتوا اتجنِّنتوا رافعين سلاحكم على ابنِ أخويا، اقتربَ من إلياس الذي يطالعهُ بغموض، ثمَّ أشارَ على سلاحه:
-إيه يابنِ جمال عايز تموِّت عمَّك، هيَّ فريدة مش عرِّفتك إنَّك ابنِ جمال الشافعي ولَّا إيه ياحضرةِ الظابط ثمَّ أشارَ على ميرال التي بالسيارة ومراتك تكون بنت عمَّك..
ذهولٌ صدمةٌ وعينانٍ تشعُّ بتجاهلِ مايلقيهِ ذلك الرجل..اقتربَ راجح حتى توقَّفَ أمامهِ وسحبَ سلاحهِ من يدهِ مقهقهًا بصوتٍ مرتفع:
“أهلًا يا يوسف يابني تعالَ في حضنِ عمَّك أنا النهاردة الدنيا مش سيعاني، رغم لعبة أمَّك الخبيثة مع مصطفى، واتفقوا يبعدوك عن عمك، وخططت وبعتتك عنده، وبعد كدا هربت مني لما عرفت بلعبتها القذرة، وغيرت اسمك علشان ماوصلكش، بس عرفت وتأكدت إنَّك ابنِ جمال أخويا، ولو مش مصدَّقني ياحبيبي افتح الظرف دا وإنتَ تعرف ازاي الست دي ضحت باولادها علشان اغراضها الدنيئة هي ومصطفى القذر، وزي ماعرفتك، هدور على جمال اخوك واجيبه ..
هل شعر بخروج الروح من شخصًا عصى ربه ولم يفعل بما أمره الله بل تجبر وعصى في الأرض، وحانت قبض روحه، لتخرج إلى بارئها بكم الآلام على ما فعله من فساد في الأرض ..هذا ماشعر به إلياس..بل شعر وكأن أحدهم سحبه ليدفنه حيًا بقبره، ويتركه وسط الظلام ويرحل، ورغم قوة صرخاته، إلا لا أحد يشعر به”
دقيقة اثنان ثلاثة، وهو واقفًا بجسد كالجبل صامد ثابت ولا يشعر بشيئًا، سوى شريط ذكريات حياته الذي تحرك أمام عيناه
إلى هنا تبدأ شظايا ابطالنا المحترقة، فكل سيسعى جاهدا للأخذ بالثأر من كل من سولت له نفسه
لقد بَكيتُ كثيرًا ، أكثرَ مِمَّا يجبُ ، أكثر مِن كميةِ الدموع المُخصصة لِحياتي .
دقيقةٌ واحدةٌ استغرقها راجح في تشتُّته، ليقتربَ أكثر ويحتضنه، متمتمًا بنبرةٍ خبيثةٍ كالحرباء:
-ابني حبيبي من ريحة أخويا الغالي..
أحسَّ بالأرضِ تدورُ به وكأنَّهُ تلقَّى ضربةً قويةً بعصا غليظة، وكأنَّ الأرضَ تبدَّلت غيرَ الأرض، والزمان غير الزمان، هل هو بإحدى كوابيسه، أم هذا الشيطان يتلاعبُ به..
ابتعدَ عنهُ كالملدوغ، ورفع عينيهِ التي تحوَّلت إلى لهيبٍ من قاعِ جهنم، وهو يردفُ من بين أسنانهِ بنبرةٍ مشمئزَّة:
-هعمل نفسي مسمعتش حاجة، وأقسم بربِّ العزة لو حاولت تستفزِّني لأفرَّغ سلاحي في راسك، تاريخك الو..سخ كلُّه عندي، وعارف كلِّ بلاويك، دنا إلياس بخطوةٍ منهُ وحدجهُ بنظرةٍ يريد أن يحرقهُ ويحوِّلهُ إلى شظايا محترقة؛ وبلحظةٍ أطبقَ على عنقهِ يهمسُ بفحيح:
-هتقرَّب منِّي ومن مراتي هدفنك حي، ألعابك القذرة دي تلعب بيها بعيد عن محيط إلياس السيوفي..اقتربَ منهما البودي جاردات ووجَّهوا السلاح على رأس إلياس، لم يكترث إليهم وظلَّ يضغطُ عليهِ وعينيهِ تطلقُ نظراتٍ نارية، لم يتذكَّر سوى حديثهِ الذي ألقاهُ كالسمِّ الذي سرى ببدنه، دفعَ رجلا إلياس ووضعَ السلاحَ برأسه، مما جعلها تترجَّلُ من السيارةِ تهرولُ إليهِ وتدفعُ الرجلَ بعيدًا عنه:
-إلياس سيبه علشان خاطري، إلياس هيموت في إيدك..
جذبَ الرجلَ ميرال وأردفَ بنبرةٍ تهديدية:
-هنموِّتها، اختنقَ راجح وتحوَّلَ وجههِ للشحوبِ حتى كاد أن يلفظَ أنفاسهِ الأخيرة، بكت ميرال تستعطفهُ وهي ترى أنَّهُ يتلفظَ أنفاسهِ الأخيرة، ليدفعهُ بعيدًا عنهُ كالعدوى، ولم يكتفِ بذلك بل لكمةٌ قويةٌ بصدرهِ اخترقت عظامهِ وهو يسعلُ بقوَّة..
التفتَ إلى الرجلِ الذي يحتجزُ ميرال ولم يفكِّر كثيرًا، إذ جذبَ سلاحهِ بقدمهِ من فوقِ الأرضِ ورفعهُ لتنطلقَ الطلقة تخترقُ رأسه..
حدثَ هرجٌ ومرجٌ بالمكانِ والكلُّ يقتربُ منهُ بأسلحتهم مع وصولِ حراسةِ إلياس، ليتوقَّفَ بالمنتصف بين راجح وحراسه:
-خلِّي كلب واحد يقرَّب منِّي أو من حدِّ من عيلتي، وأنا أحرقك وأحرق بيتك كلُّه..أمالَ بجسدهِ لمستواه:
-احفر قبرك ياراجح علشان راجعلَك قريب، مش علشان الهبل اللي قولته، لا علشان وقفت قدَّام عربية إلياس السيوفي وخوَّفت مراتي اللي هي بنت أخوك..قالها يشيرُ إلى حرسه:
-خدوا المدام على العربية ..تحرَّكت بصمتٍ متجهةً إلى السيارة وعيناها على راجح الملقى على الأرض، تعلَّقت عيناهُ بعيونِ الألم التي ألقاها بها، ثمَّ صاحَ بصوتٍ مرتفع:
-مروة وحياة وجعي عليكي السنين دي كلَّها لأحرق قلب فريدة وولادها الاتنين..
نهضَ منتصبًا يقفُ أمام إلياس وهتفَ مزمجرًا:
-ماهو إنتَ لو متربِّي مكنتش عملت كدا في عمَّك..اقتربَ منهُ يشيرُ إلى ميرال التي جلست بالسيارةِ وعيناها عليهما:
-بنتي هخدها منَّك يابنِ جمال، وأمَّك هجبها راكعة لعندي، واللي معملتوش زمان هعمله دلوقتي ، وصَّل لفريدة الكلمتين دول يابنِ جمال..قالها واستدارَ إلى سيارتهِ وخلفهِ حرسه، بينما ذاك الذي توقَّفَ على كلماتهِ التي سقطت فوق مسامعهِ كسقوطِ نيزك، يهزُّ رأسهِ ينفي مااستمعَ إليهِ هامسًا:
-بيحرق دمِّي علشان ميرال، لا أنا ابنِ مصطفى السيوفي الراجل دا حقير ياإلياس..لا لا..ظلَّ يردِّدها وعينيهِ على سيارتهِ التي اقتربت من وقوفهِ ليخرجَ رأسهِ قائلًا:
-مش موَّتك النهاردة ضعف منِّي يابنِ جمال، لا..أنا سايبك علشان تجيب حقِّي من أمَّك الحقيرة اللي باعتك إنتَ وأخوك، عايزك تقتلها زي ماقتلت سمعة أبوك في تربته..قالها وأشارَ للسائقِ بالتحرُّكِ سريعًا، وهو يطلقُ ضحكةً خشنةً ساخرةً بعدما وجدَ حالته..
رجفةٌ كهربائيةٌ تسرَّبت إلى جسده، ولم يشعر بدمعتهِ الخائنة التي انساقت على وجنتيهِ يتمتم:
-مستحيل يعملوا كدا، بابا مستحيل يكون مزوِّر وحقير، وفريدة..همسَ بها بتقطُّعٍ وآااه حارقة ألهبت حواسِّهِ يهزُّ رأسهِ كالمجنون ..نارٌ سوداءٌ داخلهِ تهتزُّ لها القلوب، من يراهُ الآن يزعمُ أنَّهُ ماردٌ من نار..
خطى بخطواتٍ مترنِّحةٍ كالمخمور، إلى أن وصلَ إلى السيارةِ وهوى على المقعد، يسحبُ نفسًا طويلًا يخرجُ على هيئةِ حممٍ بركانية.. ارتجفَ جسدها على إثرها..وضعت كفَّيها على كتفهِ بعدما وجدت حالته:
-إلياس الراجل دا قالَّك إيه مخلِّيك كدا؟..
طالعها بنظراتٍ جامدةٍ وشعورٌ بداخلهِ يريدُ أن يلقي نفسهِ بأحضانها ويخرجُ تلك الصرخة التي تطبقُ على عنقه..
أطبقَ على جفنيهِ وجسدهِ يرتجفُ كدقَّاتِ قلبهِ وحديثُ راجح كصدى عويل بأذنه، ممَّا جعلهُ يضعُ كفِّيهِ على أذنيهِ يغمضُ عينيهِ بألم، يهمسُ بخفوتٍ وهو يضعُ رأسهِ على مقودِ السيارة:
-دا شيطان أكيد شيطان، بيعمل كدا عايز يحرق فريدة وبس، أكيد شيطان.. ظلَّ يردِّدها كالذي فقدَ عقله..ضمَّت وجههِ بيديها واغروقت عيناها بالدموعِ على ماصار له..
-حبيبي إيه اللي حصل الراجل دا قالَّك إيه عمل فيك كدا..
حاولَ النطقَ وعينيهِ شاردةً عليها، توقَّفَ عقلهِ بالكامل ولم يدرك سوى بعض الحروف لينطقَ بها:
-انزلي للعربية التانية..استدارت بكاملِ جسدها إليهِ وجذبت عنقهِ تضمُّهُ بقوَّةٍ إلى أحضانها:
-أنا آسفة، أنا اللي وصلَّتك لعنده، مكنشِ قصدي والله..
دموعهِ هبطت بغزارةٍ بأحضانها، ولا يعلم لماذا تلك الدموع التي أيقنَ أنها عاصفةٌ ستأكلُ روحه، تراجعَ بجسدهِ ينظرُ من النافذةِ حتى لا ترى ضعفهِ وانكسارهِ وهتفَ بتقطُّع:
-انزلي روحي مع الحراسة عندي شغل، أو روحي شغلك زي ماكنتي مقرَّرة.
-مش هسيبَك كدا..همست بها بخفوت..
أزالَ دموعهِ ومازالت نظراتهِ الباردة من النافذة:
-رايح شغلي لو سمحتي ممكن تنزلي..
إلياس..قالتها ببكاءٍ ودموعٌ انذرفت على وجنتيها ندمًا ثمَّ أخرجت شهقةً تضعُ كفَّها على فمها متمتمةً بنبرةٍ متحشرجةٍ بالبكاء:
-آسفة معرفشِ مالي بقيت عصبية، وعايزة اهتمامك ورفضاه في نفسِ الوقت..
تنهَّدَ بمرارٍ فهو في حالةٍ لا يريدُ السماع إلى شيئ، يكفي ماشقَّ صدرهِ من غوغاءِ ذاك الشيطان ..رفع رأسهِ من فوق المقودِ وطالعها بأعينٍ خاوية، ورغم شدَّةِ آلامه:
-ميرال ممكن نتكلِّم بعدين، أنا ..قاطعتهُ تضعُ أناملها على شفتيهِ مقتربةً منه وسلَّطت عينيها بمقلتيهِ بقوَّةٍ هامسةً بنبرةٍ أثارتهُ لتخرجهُ ممَّا أثارَ ريبتهِ قائلة:
-محتاجة منَّك تحضنِّي أوي ياإلياس، مش عايزة غير حُضنك وبس، بجد أنا حاسة إنِّي ضايعة وبخبَّط في كلِّ حاجة، محتاجة حنانك وبس، طلبي صعب..
اهتزَّ داخلهِ بعنفٍ وعينيها تتوسَّلهُ بضعف، تنهَّدَ بأنفاسٍ لفحت وجهها ثمَّ جذبها لأحضانهِ متناسيًا كلَّ مايؤذي روحه..دفنت رأسها بصدرهِ وارتفعَ صوتُ بكاءها حتى ارتجفَ جسدها بأحضانه، ذُهلَ من حالتها، ربتَ على ظهرها، وحاولَ سحبَ مايؤذيها قائلًا:
-إيه دا بقى، هغيَّر فكرتي عنِّك وأقول البتِّ كبرت وبقت بتحس، عارف إنِّك زعلانة علشان أنا زعلان منِّك مش كدا؟..
رفعت رأسها إليهِ ولم تكترث لشيئٍ غير أن تحتضنَ خاصته، لا تعلم مابها وماهذا الذي تفعله، تريدُ أن تبكي وتضحك، تريدُ وتريد..مشاعرَ متخبطة بحالةٍ من الجهلِ لما تشعرُ به
تجاوبَ معها بقبلتها بل تمادى إلى أن فقدَ سيطرته، كأنَّهُ يبتعدُ عن كلِّ خواطرهِ التي تتأجَّجَ بذهنه..فصلَ قبلتهِ يضمُّ وجهها بين راحتيهِ قائلًا:
-خايف عليكي أكتر من تحكُّمي فيك، عمري ما فكَّرت أتحكِّم فيكي قدِّ ما فكَّرت إنِّي أخبيكي جوَّا قلبي..
ابتسامةٌ لمعت بعينيها بخطٍّ من الدموعِ لتهمسَ بخفوت:
-أنا بحبَّك أوي ياإلياس ودايمًا عقلي بيوسوس بحاجات مخيفة، معرفشِ ليه..
سحبَ نفسًا وزفره:
-استعيذي بالله ياميرو، متخليش الشيطان يأثَّر عليكي، وفيه أصعب من الشيطان بمراحل..نفسنا، النفس أمارة بالسوء، دايمًا تاخدنا للشيطان، حبيبتي عايزك تهتمِّي بأمور دينك وسيبك من المظاهر الكدَّابة دي..
طبعت قبلةً على وجنتيهِ وألقت نفسها بأحضانهِ تدفنُ نفسها تريدُ أن تختفي بين ذراعيه..حاوطها بحنانِ ذراعيهِ ولسانَ حالهِ يردِّدُ مبتسمًا:
-هدخل بسببِك مستشفى المجانين..
قامت بتشغيلِ السيارة، تضعُ يدها على كفِّه:
-اخطفني النهاردة مش عايزة حاجة غير إنَّك تخطفني..
رفعَ حاجبهِ ساخرًا من طريقتها الطفولية:
-أخطفك، وبعد كدا فريدة هانم تولول عليكي..لكزتهُ بصدرهِ ثمَّ عانقتهُ تداعبُ أنفه:
-ميهمنيش بدل هكون معاك ميهمنيش حاجة..انحنى مقبلًا عليها بثورةٍ من القبلاتِ وهو يروي روحهِ التي تسلَّلت من جسدهِ منذ فترة،
ابتسمت برضا بعدما أخرجتهُ من حالتهِ تشيرُ إلى الطريق:
-ياله اخطفني بقى علشان كدا لو حدِّ مسكنا ممكن يعملونا قضية آداب..
أفلتَ ضحكةً رجوليةً وكأنَّ الذي يضحكُ ليس الذي كان يحترقُ منذ قليل..قادَ السيارةَ بذراعٍ وضمَّها بالآخرِ يستندُ برأسهِ فوق رأسها..رفعت رأسها متسائلة:
-نفسك في بنت ولَّا ولد؟..رفرفَ قلبهِ بالسعادةِ من تلفُّظها لذاك السؤال، ممَّا جعلهُ يعتدلَ وهو يوزِّعُ نظراتهِ بين الطريق وبينها، ولم يشعر بكفِّهِ وهو يمرِّرهُ على أحشائها مبتسمًا:
-أيِّ حاجة مش هتفرق، بابا عندي تكفِّيني وبس، على ماأظن مفيش اختلاف بين الجنسين..
داعبت وجنتيهِ وهي تستندُ على كتفهِ بذراعها وناظرتهُ بتفحُّص:
-نفسي في ولد ويكون شبهَك بجد..
توقَّفت السيارةُ أمامَ منزلهما ليغلقها ثمَّ استدارَ إليها يستمعُ إلى أمنياتها،
دنا يطبعُ قبلةً على وجنتيها:
-كلِّ اللي يجيبه ربِّنا كويس ياميرو، المهم تقوميلي بالسلامة، وتربيه كويس سواء بنت ولَّا ولد مش فارقة معايا أهمَّ حاجة عندي إنِّك تكوني أمُّه..
قشعريرةٌ لذيذةٌ دبَّت بسائرِ جسدها من كلماتهِ الندية:
-ربِّنا مايحرمني منَّك حبيبي..
فتحَ بابَ السيارةِ يشيرُ إليها بالنزول، مع ارتفاعِ رنينِ هاتفه، أشارَ إليها لتقتربَ منهُ يحاوطها تحتَ ذراعيهِ يجيبُ على هاتفه:
-إلياس اتأخَّرت ليه ؟! تساءلَ بها شريف..
تحرَّكَ وهو يضمُّها مجيبًا:
هجي بعد الضهر..توقَّفت معترضة، ابتسمَ وهو يجذبها مرَّةً أخرى وتحرَّكَ للداخلِ ومازال يتحدَّثُ بهاتفه:
-معلش ياشريف، عارف تقَّلت عليك بقالك أسبوعين شايل الشغل لوحدك..
توقَّفَ شريف من مقعدهِ مبتعدًا عن الذي يجلسُ بمقابلتهِ وأجابهُ بصوتٍ خافت:
-سيادة العقيد إسحاق الجارحي منتظرك في المكتب، أنا خبَّرته إنَّك في الطريق…توقَّفَ قائلًا:
-عايزني أنا ليه، فيه حاجة؟!..
-معرفشِ..إيه هتيجي ولَّا..قاطعهُ ينظرُ إلى ميرال التي عقدت ذراعيها فوق صدرها ثمَّ أردف:
-عشر دقايق وأكون عندك..قالها وأغلقَ الهاتفَ يضعهُ بجيبه، واقتربَ يحاوطها بين ذراعيه:
-آسف لازم أروح الشغل، إحنا بقالنا أسبوعين مع بعض، وشريف شايل الشغل، غير فيه حدِّ مهمّ منتظرني..إيه رأيك نتعشى برَّة لمَّا أرجع؟..
أومأت بعينيها مبتسمة، هي كانت تريدُ أن تسيطرَ على غضبهِ الذي تجلَّى عليه بعد حديثهِ مع راجح وقد نجحت بذلك، ضمَّت نفسها إليه:
-انا كمان هروح اخلص شغل متعلق، وهستناك متتأخَّرش، هنتعشى في بيتنا مش برَّة..
طبعَ قبلةً على جبينها واستدارَ إلى سيارتهِ يشيرُ إلى حراسته:
-خلِّيكم مع المدام ممنوع حدِّ يدخل من غير ماأعرف..قالها واستقلَّ السيارةَ متجهًا إلى عمله..
بمنزلِ زين الرفاعي:
نهضت من مكانها بجسدٍ ضعيفٍ تأوَّهت حينما شعرت بالترنُّح، دارت بعينيها بالغرفة، تتنهدُ بألمٍ فمنذ مجيئها بالأمسِ وهي تغلقُ البابَ على نفسها؛ ولا تريدُ أن ترى أحدًا وخاصةً ذاكَ الذي وهبتهُ حياتها ولكنَّهُ سلبها دون حق..
استمعت إلى طرقاتٍ على بابِ الغرفة، أذنت بالدخول، دلفت الخادمةُ تحملُ طعامها:
-جبتلِك الغدا يادكتورة، اقتربت منها حينما وجدت ضعفها، وساعدتها بالجلوس:
-ارتاحي يابنتي شكلك دايخ، احتضنت رأسها قائلة:
-عندي صداع يادادة ممكن تعمليلي قهوة..ربتت على كتفها وهدَّأت من وجعها حينما ضمَّت رأسها بين راحتيها تردِّدُ آياتٍ من الذكرِ الحكيمِ ثمَّ أردفت:
-بلاش قهوة في أوَّل حملك حبيبتي، هعملِّك كوباية حليب دافية كمان شوية المهم تاكلي من إمبارح مأكلتيش حاجة..
وكأنَّ كلمةِ حامل فتحت أبوابَ الجحيمِ على قلبها الذي بدأ يتعافى رويدًا رويدًا..طافت عيناها بالمكانِ تبتعدُ عن نظراتِ الدادة متسائلةً بخفوت:
-حرام عليَّا لو نزَّلتوا يادادة؟..
ضربت على صدرها مع خروجِ شهقةٍ اعتراضيةٍ من فمها تضمُّها إلى أحضانها:
-بعدِ الشَّر عليه يابنتي، ليه ياحبيبتي تعملي كدا، دي نعمة غيرك بيحفر بالتراب علشان ينولها، أوعي تقولي كدا تاني..
هربَ اللفظُ من بين شفتيها وهي تنظرُ إليها بعيونٍ مكدَّسةٍ بالدموع، تهزُّ أكتافها بعجزٍ وبلحظةٍ لا إراديَّةٍ منها أفلتت شهقةً مليئةً بالأسى:
-بس أنا مش عايزاه، أنا مش عايزة ولد يربطني بآدم ..
وقفَ متجمِّدًا على بابِ الغرفةِ يستمعُ إلى حديثها الذي زرعَ أشباحًا سوداءَ على نبضِ قلبهِ المتعذِّبَ بعشقها..
دلفَ إليها بخطًا مرتعشةً من قسوةِ حديثها، ونظرةٌ خاليةٌ من أيِّ مشاعر، تفحَّصها وهو يهتفُ للدادة:
-انزلي يادادة بابا عايز قهوة..أومأت متفهِّمةً فخرجت بعدما رمقتها بنظرةٍ جانبية..اقتربَ وجلسَ بجوارِها..
التفتت بنظرها إلى الشرفةِ بملامحَ شاحبةٍ وروحٌ كأنَّها قُتلت ودُفنت بالقبور..
-عايزة تقتلي ابني ياإيلين..هكذا ردَّدها بلسانٍ مرتجفٍ لتجيبهُ بانكسارِ روحها:
-وعايز منِّي أتقبَّله إزاي وأنا مش متقبِّلة فكرة إزاي جه..دي مكنتشِ حالة حب يادكتور، دي كانت حالة من ضعفِ قلبي لانتظارك لسنوات وفي الآخر راجع بكلِّ جبروت تدفنه..استدارت تحدجهُ بنظرةِ خالية من أي مشاعر، واستطردت معاتبة:
-استغلِّيت ضعفي يادكتور، لتاني مرَّة زي مااستغلِّيت قذارة مرات أبويا في دعوى الحماية، ودلوقتي أنتوا الاتنين للأسف في خانة واحدة، هي بحقارتها وإنتَ بغدرك..الولد دا مش عايزاه ياآدم ودا آخر كلام.
قبضةٌ مميتةٌ اعتصرت فؤادهِ ولم يستطع كبحَ دموعهِ التي انسابت على خدَّيه، ليتمتمَ بخفوت:
-مقدرشِ أشيل ذنب في قتلِ روح..قالها وتوقَّفَ ومازالت نظراتهِ عليها حتى استدارَ للمغادرةِ إلَّا أنَّها أوقفته:
-أوعى تفكَّر إنِّي هتنازل عن الطلاق، حتى لو الولد دا جه، أنا هتنازلَّك عنُّه مش عايزاه، بس مستحيل فيه حاجة تربطني بيك غيره سوى اسمك في شهادة الميلاد.
خطى بخطواتٍ سريعةٍ يأكلُ الأرضَ ليشعرَ بتزلزلها تحتَ قدميه..ليتوقف بعدما استمع إلى رنين هاتفه
-آدم فينك، أنا وصلت المطار، ألتفت سريعًا إلى غرفة إيلين ثم استدار مبتعدًا يجيبها:
-خليكي عندك انا جايلك ..
بمنزلِ أرسلان:
أنهت تجهيزَ طاولةَ الطعامِ واتَّجهت إلى نومه، اقتربت منهُ تمرِّرُ أناملها على وجههِ ثمَّ انحنت تطبعُ قبلةً على وجنتيهِ تهمسُ بجوارِ أذنه:
-حبيبي ياله، هتفضل نايم، فتحَ عينيهِ بتململ، وضعت ذقنها على صدرهِ تبتسمُ على هدوئهِ إلى أن فتحَ عينيهِ كاملًا:
-الساعة كام حبيبتي..رفعت عينيها للساعةِ مردفة:
-الساعة عشرة، قوم بقى الأكل هيبرد..ابتسمَ يجذبها لأحضانهِ يرفعُ خصلاتها من فوقِ وجهها:
-الأكل هيبرد..بردو وقفتي في المطبخ، مش قولت هنشوف طباخ وسُفرجي علشان غرامي ترتاح..
حاوطتهُ بذراعيها تضعُ رأسها على صدره:
-بكون فرحانة وأنا بعملَّك الأكل بنفسي، أرسلان مالوش لازمة الطباخ..
رفعَ ذقنها من فوقِ حضنه، ثمَّ جذبَ عنقها ليتذوَّقَ شهدَ عسلها وينثرَ قبلاتهِ على كرزيتها..لحظات بل دقائقَ يهمسُ إليها بعض الكلمات، لتختفي بأحضانهِ خجلًا من حديثه، تهمسُ له بخفوت:
– عيب وقوم علشان ناكل أكلِ البني أدمين مش أكلك اللي مابيشبَّعشِ دا..
قهقهَ بصوتٍ مرتفعٍ معتدلًا وهو يحملُها غامزًا:
-كدا بتعيِّبي في الصقرِ ياستِّ البنات، والصقر زعلان، لازم يخرَّج حتة دهب من المحيط..هزَّت ساقيها وهو يحملُها متَّجهًا إلى غرفتهما:
-أرسلان بس بقى نزِّلني..قالتها بضحكاتٍ مرتفعةٍ بعدما دفعَ البابَ بقدمه:
-واللهِ لازم تصالحي الصقر، أصل زعلُه وحش..
بعدَ فترةٍ على طاولةِ الطعام، كان يتناولُ طعامهِ بصمت، رفعت عينيها:
-أرسلان..اتَّجهَ إليها بأنظارهِ منتظرًا حديثها:
-إيه مش هنروح الفيلا النهاردة، دا تالت أسبوع منعزلين عنُّهم..
تركَ طعامه، ورفعَ محرمتهِ يمسحُ فمهِ مجيبًا:
-لا ..عندي شغل وهرجع متأخَّر وبكون تعبان، اجهزي أعدِّيكي على والدك وأنا راجع أخدك..
نهضَ من مكانه، تشبَّثت بكفِّهِ ترفعُ رأسها إليه:
-إنتَ مخبِّي عليَّا حاجة، يعني زعلان مع والدتك أو والدك؟..
انحنى لاثمًا جبينها ثمَّ رسمَ ابتسامةً قائلًا:
-حبيبتي مفيش زعل ولا حاجة، بس أنا بين هنا وهناك بكون تعبان، والأيام دي فيه شغل كتير في النادي وكمان الشركة، وأنا دماغي وجعاني من دوشةِ الفيلا..
توقَّفت بمقابلتهِ وتعمَّقت بالنظرِ إليه:
-يعني مش علشان عمِّتك استقرِّت عندكوا هيَّ وتمارا؟..
تراجعَ للخلفِ بعدما نزعَ يدهِ بهدوءٍ واستدارَ للداخلِ مردفًا:
-منكرشِ إنَّها سبب، بس مش الوحيد، المهم اجهزي علشان لازم أكون في النادي الساعة اتناشر.
قالها ودلفَ للداخلِ يزفرُ بهدوءٍ محاولًا السيطرةَ على أعصابه، كلَّما تذكَّرَ حديثَ عمِّهِ وإجبارهِ بالرضوخِ لوجودِ عمَّتهِ وابنتها بمنزلِ والدهِ يُصاب بالجنون، رفعَ هاتفه:
-صباح الخير ياعمُّو..
-أهلًا حبيبي، معدتشِ عليَّا إمبارح ليه؟..
مسحَ على خصلاتهِ يدورُ حول نفسهِ بالغرفةِ متسائلًا:
-عملت إيه في الموضوع اللي قولتلَك عليه؟..
أشعلَ إسحاق سيجارتهِ ينظرُ لشريف الجالسَ بمقابلتهِ ثمَّ أجابه:
-أنا في المكتب عند إلياس، لمَّا أقابلك نتكلِّم..سلام دلوقتي.
قالها وأغلقَ الهاتفَ بدخولِ إلياس ..
-صباح الخير معالي الباشا، وأنا بقول المكتب والجهاز كلُّه منوَّر ليه..
ابتسمَ إسحاق متوقِّفًا يحييه:
-أهلًا ياحضرةِ الظابط..
أهلًا بيك ياسيادةِ العقيد، ليَّا الشرف طبعًا بنورِ حضرتك، اتَّجهَ إلى شريف متسائلًا:
-ضيَّفت سيادةِ العقيد يابني ولا يقول علينا بخلة..
أفلتَ ضحكةً خشنةً يهزُّ رأسهِ قائلًا:
-صاحب واجب ياإلياس باشا والله..
خلعَ جاكيتهِ يضعهُ على ظهرِ مقعدهِ مع ثني أكمامهِ بدلوفِ الساعي بقهوتهما،
مرَّرَ نظراتهِ على إسحاق ونطقَ بنبرةٍ رجولية:
-كلِّي آذانٌ صاغية ياباشا، وجودك هنا كبير مش من فراغ..
حكَّ إسحاق ذقنهِ وعينيهِ تفترسُ جلوسَ إلياس، فأشار إلى ذراعهِ ضاحكًا:
-قعدتك دي بتخلُّوهم يظنُّوا بيكم السوء ياجدع..
قهقهَ إلياس متراجعًا بجسده:
-ودا المطلوب ياباشا..
أممم..أخرجَ ورقةً ووضعها أمامه:
-عايز المطلوب هنا..
رفعَ الورقةَ ينظرُ إليها ثمَّ اتَّجهَ بنظرهِ متسائلًا:
-هو حضرتك مش عقيد شرطة برضو ولَّا معلوماتي غلط؟..
ابتسامةٌ عابثةٌ يحدجهُ قائلًا:
-سمعت إنَّك ذكي، وتفهمها وهيَّ طايرة..
-أه يبقى معلوماتي ناقصة مش غلط..
دقَّقَ النظرَ إليه:
-محبِّتشِ أبعت حد وجتلك لمَّا عرفت إنَّك المسؤول الأوَّل..
-بس دا خطر ياإسحاق باشا، يعني لازم طلب رسمي..
لم تتحرَّك عضلة من وجههِ ومازالت نظراتهِ تخترقهُ متمتمًا:
-واعتبر جيِّتي طلب رسمي، مش كفاية؟..
توقَّفَ إلياس واستدارَ متَّجهًا إلى المقعدِ الذي يقابله:
-جيِّتك على راسي طبعًا، وأنول الشرف، لكن أعذرني الموضوع دا مينفعشِ يخرج إلَّا بإذنِ رسمي، متزعلشِ منِّي ياباشا دا أمنِ بلد وإنتَ أكتر العارفين..
هزَّ رأسهِ وتابعَ مستطردًا:
-أتمنَّى تتفهَّم الوضع ..نهضَ من مكانهِ يغلقُ حلَّتهِ وبسطَ كفِّهِ يصافحه:
-أكيد طبعًا، بالليل الطلب هيكون عندك، بس أتمنَّى الموضوع يمشي سري ميخرجشِ برَّة المكتب..
-ولا كأنِّي شوفت حضرتك.
عندَ أرسلان بعد إغلاقه، أنهى تجهيزهِ بدخولِ غرام إليه:
-خلَّصت لو هنمشي، أومأ بصمت.. اقتربت منهُ بعدما وجدت صمته:
-بقالي فترة حاسة إنَّك مخبِّي عليَّا حاجة، أرسلان أنا مراتك يعني المفروض تشاركني في كلِّ أسرارك..
ضمَّ أكتافها ثمَّ رفعَ كفَّها وطبعَ قبلةً رقيقةً بداخله:
-حبيبتي إرهاق من الشغل مش أكتر، مضغوط ياغرام من كلِّ الجهات، غير عندي سفرية مهمَّة وهغيب فيها أسبوعين على الأقل ودماغي مشغولة بيها.
حاوطت عنقهِ ورفعت أناملها تتلاعبُ بزرِّ قميصه:
-أوعى تكون ناوي تتجوِّز علشان تعرف تدخل حفلة من حفلاتك الغامضة دي..
داعبَ أنفها مقهقهًا وأردفَ غامزًا:
– لا ياحبيبي كلِّ مرَّة بغيَّر الفكرة، يعني ممكن أتجوِّز بس بطريقة تانية..
لكزتهُ بجنبهِ وأشارت بسبباتها تهدرُ معنِّفةً إياه:
-طيِّب يبقى إعملها وشوف هعمل فيك إيه..هاجت بغضبٍ واقتربت تلكمهُ بقوَّةٍ حتى شعرت بتجمُّعِ الدموعِ بعينيها كلَّما خُيِّلَ لها تلك الفكرة الهوجاء..جذبها يضمُّها لأحضانه:
-إشش اهدي، أنا بهزَّر، تفتكري ممكن أعمل كدا..عانقتهُ وأردفت ببكاء:
-مهووسة أوي ياأرسلان، عايزة أخرَّج الأفكار الشيطانية دي بس مش قادرة، كلِّ سفرية بتجنِّن..عارفة أنُّه شغل وشغل مهمّ بس..قاطعها يضعُ أناملهِ على شفتيها:
-غرام إيه اللي بتقوليه دا، مش معنى إنِّنا اتجوِّزنا بالطريقة دي يبقى كلِّ شغلي جواز، أبدًا دي كانت فكرة من الأفكار وبيكون فيه كذا بديل..
تأجَّجَ صدرهِ من بكائها وحزنها، شدَّدَ من احتضانها وأضافَ بنبرةٍ عاشقة:
-من حسنِ حظي وقتها مفكَّرتش ببديل علشان أحبِّك وأتمسِّك بيكي، نزلَ بجبينهِ لجبينها يردفُ بنبرةٍ أثارت دواخلها:
-ثقي في حبيبك إنِّك عنده أغلى وأجمل حاجة في الدنيا ومستحيل أتنازل عنها..قبلةٌ بجانبِ شفتيها:
-إنتِ غرامي، عايزك تترجمي الكلمة دي لأنَّها تعني الكثير ياحبيبي..ربتَ على كتفها يشيرُ إلى حقيبتها:
-ياله علشان اتأخَّرنا.
بمنزلِ يزن نهضَ من نومهِ على صوتِ طرقاتٍ قوَّيةٍ على بابِ منزله، انتفضَ الجميعُ فاتَّجهَ إلى البابِ يفتحه..دفعَ طارق البابَ دالفًا إلى الداخلِ يجاورهُ أحدِ الظباط، وصل إلى الغرف كالمجنون، يردد
-هي فين، فزعت ايمان صارخة، مما ألهبت مشاعر يزن بغضب ودفعه ليتراجعَ خطوةً، جن جنونه متَّجهَا إليه:
-فين رحيل يالا، الكاميرا لقطتك وإنتَ بتخطفها بالعربية..أنزلَ يديهِ بقوَّةٍ يدفعهُ بعيدًا عنه:
-إنتَ إزاي تتهجِّم على بيتي، وتدخل بالطريقة دي وتنتهِك حُرمة بيتي، استدارَ للظابطِ وأردفَ بصوتٍ قوِّي:
-مش من حقِّ حدّ يهجم على بيوتِ الناس المحترمة كدا ياحضرةِ الظابط، أنا مش متَّهم وممكن أرفع قضية سبّ وقذف وهجوم كمان، بأيِّ حق تدخلوا بالطريقة دي وبيتي فيه بنات…
اقتربَ طارق كالمجنون وحاولَ ضربهِ إلَّا أنَّ الضابطَ توقَّفَ بينهما:
-اهدى ياطارق، استدارَ يطالعُ يزن باستخفافٍ وأردفَ ساخرًا:
-تعمل إيه ياحيلة أمَّك ترفع قضية سبّ وقذف..دفعهُ بقوَّةٍ يشيرُ بيده:
-ماتتظبَّط ياله وتعرف بتتكلِّم مع مين، فين رحيل العامري اللي خطفتها..
هاجت عيناهُ بالغضبِ المحموم، وهو يرمقُ الضابط:
-معاك أمر بالتفتيش والهجوم على بيتي كدا؟..
-ولا..فوق بدل ماأخلِّيهم يفوَّقوك بالسجن..اقتربَ يزن وغرزَ عيناهُ بمقلةِ الضابط:
-الشرطة في خدمةِ الشعب ياباشا، مش في سحلِ الشعب..علشان واحد مايساويش ربعِ راجل له واسطة توقف وتتِّهمني وتهجم على حرمة بيتي، بلاش نصدَّق اللي بيتقال ياباشا علشان في نماذج كتيرة محترمة، وفيه نماذج..
رفعَ الضابطُ سلاحهِ يجزُّ على أسنانه:
-دا أنا أدفنك هنا يالا قدَّام حرمة بيتك اللي قارفني بيهم، صرخت إيمان وهرولت تقفُ أمامَ أخيها تبكي قائلةً بشهقات:
-سامحه ياباشا والنبي ماتئذيه..
جذبها يزن بقوَّةٍ وأبعدها ينظرُ إليها بعتابِ ثمَّ اتَّجهَ إلى الضابط:
-اقتلني أنا واقف أهو، خرجت رحيل وتوقَّفت أمامَ الضابط:
-أنا اللي هعرَّفك إزاي تهاجم على بيوتِ الناس مستغلّ سُلطتك ياحضرةِ الظابط..
جُنَّ طارق يشيرُ إليها:
-شوفت أهي عنده، كنت عارف أنُّه واطي وهو اللي خطفها..
طالعَ يزن وارتفعَ جانبَ وجههِ ساخرًا:
-وعملِّي فيها محامي وصوتك وهعمل وإنتَ مخبِّيها جوَّا، ثمَّ ألقى نظرةً على رحيل واستطرد:
-وإنتِ يارحيل خايفة منُّه ليه ماسك عليكي إيه ولَّا مهدِّدك بإيه؟..أشارَ للشرطي:
-هاتوا الواد دا ..اتَّجهت إلى الضابطِ تحدجهُ بغضبٍ وهدرت بهِ بنبرةٍ عنيفة:
-هوَّ فيه حد بيخطف مراته ياحضرةِ الظابط..
صدمةٌ أذهلت طارق حتى شعرَ بصاعقةٍ كهربائيةٍ تضربُ كاملَ جسده، تحرَّكت رحيل إلى يزن وتوقَّفت بجواره:
-أنا رحيل يزن السوهاجي اللي حضرتك دخلت بيتي وهجمت عليه حتى من غير إذنِ نيابة، ودلوقتي أنا اللي هرفع قضية عليكم ياحضرةِ الظابط إنتَ وابنِ خالتي المحترم…
كلمات، رغم أنَّها كلمات ولكنَّها أشعلت فتيلَ نيرانهِ ليقتربَ محاولًا جذبها ولكن، دفعةٌ قويةٌ من يزن ثمَّ انهالَ عليهِ باللكماتِ يُخرجُ كلَّ مايؤذي نيرانَ صدرهِ منه، لولا دخولِ الضابطِ لكان ألقاهُ صريعًا..
بعدَ قليلٍ ثارَ حولَ نفسهِ كالمجنون ثمَّ اتَّجهَ إلى الغرفةِ ورفع هاتفهِ دقيقةً واحدةً بعد محاولاتٍ من الرنينِ ليجيبَ راكان:
-أيوة..أجابهُ بأنفاسٍ لاهثة:
-سمعت عن حضرتك العدل ياباشا، لمَّا بيتي يتهاجم كالمجرمين وانتهاك لحرمة بيتي دا يكون إيه في عرفِ القانون؟.،
على الجانبِ الآخرِ ظلَّ يستمعُ إلى حديثه، ممَّا أثارَ غضبَ راكان:
-تمام ..تعالَ قدِّم شكوى وأنا هتصرَّف.
دلفت إليهِ رحيل:
-ممكن تهدى كنَّا متوقعين حاجة زي كدا..رفعَ بصرهِ إليها بعيونٍ كجمراتٍ نارية:
-لا متوقَعتش أنُّهم يهجموا على بيتي ويدخلوا على أختي وعليكي وأنتوا نايمين..كوَّرَ قبضتهِ يعضُّ عليها بغضب..دنت منهُ حتى لم يفصل بينهما سوى أنفاسهما ولمست وجنتيهِ لأوَّلِ مرَّة:
-ممكن تهدى، أنا آسفة إنِّي حطِّيتك في موقف زي دا..
أغمضَ عينيهِ محاولًا سحبَ أنفاسٍ منتظمةٍ بعدما شعرَ بنوبةِ غضبه..تراجعَ على الفراشِ وجلسَ يضمُّ رأسهِ بين راحتيه:
اتَّجهَ ببصرهِ إليها قائلًا:
-متخرُجيش من البيت لوحدك، هعمل مشوار سريع وآجي معاكي تزوري باباكي..خطت إلى جلوسهِ وجلست بجواره:
-عايزة أروح أشوف خالو زين، هوَّ الوحيد اللي يقدر يوقَّفهم..
اتَّقدَ الغضبُ كالنيرانِ بداخلهِ وثارت عيناهُ بثورةٍ غاضبة:
-ليه مش متجوِّزة راجل علشان تروحيهم يحموكي، توقَّفَ وهدرَ بصوتٍ مصبوغٍ بالقوَّة:
-لمَّا أموت يبقى روحي استنجدي بيهم، قالها ونهضَ متَّجهًا للخارج..
بفيلَّا الشافعي:
جلسَ بأريحيةٍ ينفثُ تبغهِ وعلامةُ انتصارٍ على وجههِ وهو يتحدَّثُ بفخر:
-كان نفسي تشوفي ملامحه لمَّا عرَّفته.،
نهضت من مكانها وجلست بجواره، تجذبُ سيجارةً ثمَّ سحبت نفسًا وزفرتهُ بوجههِ متحدثةً بغنج:
-ضربة معلِّم يارجحوتي، بس إيه اللي خلَّاك متأكِّد أنُّه مكنشِ يعرف، وليه شكِّيت في الظابط أنُّه ابنها.
قهقهاتٌ مرتفعةٌ ثمَّ توقَّفَ وعقَّبَ على حديثها:
-يوم ماجالي المكتب وهدِّدني، لفت نظري نظرات جمال، حسِّيت الواد دا فيه من جمال، بس قولت يمكن وجود فريدة فكَّرني بجمال وربطت بكدا، تاني مرَّة لمَّا اتقابلنا وهدِّدني ولهفة فريدة ونظراتها عليه؛ وكان من ضمنِ الكلام إلياس هينتقم، غير أنَّها قالت واحد ظابط أمن دولة، ربطت الأحداث بعمايل مصطفى فينا زمان عرفت إنِّ الولد دا ابنِ جمال، وكمان اللي أكِّدلي كلام عطوة أنُّه حطُّه في الملجأ، ولمَّا روحنا للملجأ عرفت أنُّه خاص بعيلةِ السيوفي، ولمَّا جماعتنا أصدروا أمر قتلِ مصطفى وطلبت منهم حياته كلَّها علشان أعرف نقطة ضعفه، عرفت أنُّه قعد خمس سنين متجوِّز من غير عيال، وفجأة بقاله ولد وبعد عشر سنين تانيين يجيب توأم، انحنى ينظرُ لمقلتيها:
-أخوه مش شبهه خالص يارانيا، لو شوفتي الاتنين تقولي واحد من الشمال وواحد من الجنوب..
توقَّفت ومازالت علاماتُ الاستفهام تبدو على وجهها لتلتفتَ متسائلة:
-بس الولد فعلًا مش شبه جمال، ولمَّا جه هنا وهدَّدنا ماشكِّتشِ أبدًا أنُّه شبه جمال..حكَّ ذقنهِ وذهبَ بشرودهِ متمتمًا:
-لأنُّه شبه أمُّه أوي، لو ركَّزتي فيه هتقولي أنُّه فريدة بس عايز اللي يتعمَّق في ملامحه..
افترت شفتيها ابتسامةٌ ساخرة، متَّجهةً إلى مقعدها تجلسُ عليهِ تضعُ ساقًا فوق الأخرى:
-لسة فريدة معلِّمة ياراجح، مش ناوي تعقل وتشيلها من دماغك، دا إنتَ اتجوِّزت بدل المرَّة أربعة، وبرضو مصرّ تقهرني..
رمقها بنظرةٍ حادَّةٍ وهدرَ من بينِ أسنانه:
-هتفتحي الموضوع تاني هندِّمك، قومي شوفي طارق عمل إيه مع الميكانيكي خلينا ننتهز فرصة مرض مالك قبلِ ما زين يعرف..
-إيه اللي حصل معاك ياطارق..تساءلت بها رانيا؟..
أجابها على الجانبِ الآخرِ وهو يصرخُ بهاتفهِ يقصُّ لها ماصار..
سقطَ الهاتفُ من يديها تنظرُ إلى راجح بذهول:
-الواد اتجوِّز البنت، دا أكيد اتجنِّن..هبَّ فزعًا وتمتمَ بهسيس:
-واللهِ حفر قبره بإيده المشحَّم دا..
قالها وهمَّ بالمغادرةِ وهو يهتفُ كالمجنون:
-بنت مالك الحقيرة عملتها واللهِ لأخلِّيها تبكي دم..
عندَ إلياس بعدَ فترةٍ من متابعةِ عمله، استندَ على مكتبهِ يحاوطُ رأسهِ بكفَّيه، وذهبً شاردًا بحديثِ راجح، نهضَ من مكانهِ يجمعُ أشيائهِ وغادرَ المكتبَ وهو يهاتفُ إسلام:
-إسلام إنتَ فين؟.
كان متوقِّفًا أمامَ كليَّتهِ بانتظارِ أختهِ فأردفَ مجيبًا.
-مروَّح منتظر غادة فيه حاجة..
-أه تعال ليَّ على المستشفى عايزك ضروري..
-مستشفى ليه إيه اللي حصل إنتَ تعبان..قالها سريعًا فأوقفهُ إلياس:
-لا ياحبيبي مفيش حاجة، Check عادي بس حاسس بدوخة وحبِّيت أطمِّن، خوفت مقدرشِ أرجع بالعربية..
-تمام هوصَّل غادة وأكون عندك..
-متعرَّفشِ حد وخصوصًا بابا علشان ميقلقشِ على الفاضي..
تمام حبيبي إدِّيني نص ساعة وأكون عندك إن شاءالله..
بعدَ فترةٍ وصلَ إليه وجدهُ جالسًا بانتظاره، خطى إلى جلوسه:
-إنتَ كويس ياأبيه..أومأ مبتسمًا، ثمَّ أشارَ إلى الممرضة:
-حجزتلَك إنتَ كمان علشان عارف إنَّك مهمل، أهو يا سيدي نطمِّن مع بعض..جلس مقهقهًا:
-ليه بتحسِّسني إنَّك ماما فريدة كلِّ ماتشوفني، يابني خاف على نفسك وبطَّل إهمال، فيه واحد بيلبس نص كُم في الشتا..
رسمَ ابتسامةً حزينةً يربتُ على كتفه:
-علشان بتحبَّك أكيد مش أنا اللي هقولَّك بتحبَّك أدِّ إيه..سحبت الممرضة عيِّنةً من الدماء، فرمقها إلياس بنظرةٍ علمت محتواها، ثمَّ اتَّجهت إلى الداخل..
نهضَ من مكانهِ يبسطُ كفِّه إليه:
-إيه مش هنمشي ولَّا عجبتك المستشفى، أنا اللي تعبان على فكرة..
نهضَ متحرِّكًا بجوارهِ لبعضِ الخطواتِ ثمَّ توقَّف:
-هوَّ إنتَ جايبني هنا ليه، علشان أعمل تحليل ولَّا إيه بالظبط!..
حاوطَ أكتافهِ وتحرَّكَ بجوارهِ وبدأ يقصُّ عليهِ مختلفَ الأحاديثِ حتى يُلهيهِ عمَّا فعل، إلى أن توقَّفَ قائلًا:
-ليَّا صديق أخوه تعب إمبارح واكتشفوا أنُّه مصاب بلوكيميا، من وقتها خوفت عليك وعلشان كدا سحبتك لهنا أطمِّن عليك، وبكرة كمان هجيب غادة بس أوعدني محدِّش يعرف حاجة، إنتَ عارف بابا وماما فريدة ممكن دماغهم تودِّي وتجيب..
كان ينظرُ إليهِ بنظراتِ اعجابٍ يحدِّثُ نفسه:
-كيف أنعمَ اللهُ عليهِ بأخٍ مثله، خرجَ من حديثهِ لنفسهِ على صوته:
-هبات في بيتي، عرَّفهم في البيت، وزي ماقولتلَك هعتمد على راجل..
أومأ مبتسمًا ثمَّ أجابه:
-وأنا أوعدك مستحيل أقول حاجة إنتَ طلبتها مني..ربتَ على كتفه:
-بكرة عليك تعمل مع غادة كدا، علشان بضعف قدَّامها وممكن تعيَّطني، فإنتَ راجل ولازم تتصرَّف علشان لو جه وقت أنا مش موجود فيه تلاقيك حماها وسندها..
دنا منه يطالعهُ بذهولٍ متمتمًا بنبرةٍ اعتراضية:
-أوعى تقول كدا تاني، إنتَ مش أخونا بس، إنتَ أبونا كمان ربِّنا ما يحرمنا منَّك ودايمًا تكون سندنا..
ارتدى نظارتهِ مربتًا على كتفه:
-ولا يحرمني منَّك ياحبيبي..ياله امشي زمان ميرال قلقانة..
وصلَ بعد قليلٍ إلى منزله، بحثَ عنها وجدها تقفُ بالمطبخِ تتحدَّثُ مع الخادمة:
-جهِّزي السفرة، زمان البيه على وصول، قالتها واستدارت وجدتهُ واقفًا بالقربِ منها..تحرَّكت إليهِ كالطفلةِ التي عادَ والدها من العمل، عانقته:
-حمدالله على السلامة..حاوطَ جسدها وتحرَّكَ بها للأعلى:
-مصرَّة متُخرجيش..قالها وهو يصعدُ بها إلى غرفتهما..
هزَّت أكتافها قائلة:
-ماليش مزاج، دلفت للداخلِ بجواره، وقعَ بصرهِ على أشيائها التي تُوضعُ فوقَ الفراش:
-إيه دا هو إنتِ مرحتيش الشغل ولَّا إيه..
جذبت جاكيتهِ تساعدهُ بخلعهِ وأردفت بابتسامةٍ بريئة:
-لا مروحتش ومتسألشِ ليه علشان مش هعرف أجاوبك..
انحنى لمستواها يتفحَّصُ وجهها، التقت بعينيهِ تطالعهُ بتساؤل:
-في إيه ؟!..
نظراتٌ فقط إليها متسائلةً عن تغيُّرها، تحرَّكَ حائرًا من تغييرها السريع قائلًا:
-أصلي طلبت منِّك تقعدي ورفضتي، ورغم معارضتي حضرتك خالفتي كلامي ونزلتي من غير إذني، وخلِّيتي واحد زبالة زي راجح ينزع يومي، وكان ممكن ينزع حياتي كلَّها..توقَّفَ يشيرُ إليها مستطردًا:
-الراجل دا تلغيه من حياتك ومش عايز أسمع كلمة عمِّي دي تاني مهما صار، إحنا منعرفوش، ومتفكَّريش أخدتك عنده قبل كدا علشان تتعرَّفي عليه، لا علشان أعرَّفه إنِّي مش هتهاون لو قرَّب منِّك
قالها واستدارَ متحرِّكًا إلى الحمام..
جلست متذكرة ذاك اليوم
وصل إلى فيلا الشافعي، ترجل وبسط كفيه إليها ، تشبست بكفيه وترجلت تتلفت حولها، ثم تحركت متسائلة
-أحنا فين؟!..تحرك دون حديث إلى أن وصل وتوقف يطالع رجل الأمن المسؤل عن فيلا الشافعي، تنقل ببصره ينظر بكافة الاتجاهات على كثرة الأمن المحاصر للفيلا..فتح الباب بخروج راجح الذي يطالعه بغموض
-شايف رجلك اخدت على الفيلا بتاعتي ياحضرة الظابط..دفعه بوهن ودلف للداخل بجواره ميرال، وصل لبهو الفيلا ومازالت نظراته تتجول بالمكان، جلس يشير إلى ميرال
– اقعدي حبيبتي …احتضنت ذراعه تنظر إليه بحب، هل ناداها حبيبتي
-مش كنت تقول انك عايز تموتنا ياراجل
-أموتك انت بتقول ايه ياحضرة الظابط..اقترب وهو يضع كفيه على جرحه وغرز عيناه بمقلتيه:
-عايز ايه ياراجح، بتقلب في القديم ليه، جت لك قبل كدا واتكلمت معاك بالحسنى ومنفعش قولت لك هتقرب من ماما فريدة مش هسمح لك، وبرضو عمال تحفر وراها، ايه اللي عايزه منها، أشار على ميرال
-لو علشان دي تبقى غلطان، دي ميرال إلياس السيوفي، اللي يقرب منها مش هرحمه..
دقق النظر بميرال الواقفة تطالعه بتيه، فتسائل
-وأنا مالي ومال مراتك، ..دنى يهمس إليه
-مراتك بتراقب مراتي ليه ياراجح، لو مبعدتش عن مراتي ماتلومش نفسك
.انا جيت علشان اقطع عليك العابك القذرة، واقولك لو حاولت تقرب مني أو من مراتي هنسفك، والصراحة مش لسة هنسفك…عشر دقايق والاخبار الحلوة هتوصل لك، شركاتك كلها اتشمعت بالشمع الاحمر، والدولة اتحفظت على اموالك، ومن اين لك هذا، أيوة عارف شركائك بس متخفش هفضل وراك لحد ماألبسك الغوايش …قالها وسحب كف ميرال التي مازالت تحت الصدمة وغادر المكان بالكامل
خرجت من شرودها متوقفة ثم اقتربت منه وأوقفتهُ تفركُ كفَّيها:
-إلياس ..استدارَ إليها كان يعلمُ أنَّ بها شيئًا، اقتربت منهُ قائلة:
-عايزة أعرف إيه اللي عمُّو قالوهلَك، وليه كنت مضَّايق وليه..وضعَ أناملهِ على كفَّيها وتعلَّقَت عيناهُ بنظراتها، يُطبقُ على ذراعيها بقوَّةٍ وحديثُ راجح يتردَّدُ بأذنه:
أنا لسه بقولِّك إيه، مش عايز أسمع حاجة عنُّه، عايزك تعرفي إنِّ الراجل دا أقذر مخلوق قابلته على وشِّ الكرة الأرضية، وإياكي ياميرال تتواصلي معاه، وقتها هرميكي للأبد من حياتي من غير ماأفتكرلِّك حاجة كويسة..
أغرورقت عيناها بالدموع من تحوُّلهِ المفاجئ:
-إلياس سيب إيدي..تراجعَ للخلفِ واستدارَ متحرِّكًا للحمَّام..
مرَّت الأيامُ سريعًا إلى أن جاءَ اليومُ الذي شطرَ القلوبَ وانطفأت الروحُ بأشباحِ الرماد..
استلمَ الظرفَ الذي به ستنقلبُ الحياةَ رأسًا على عقب..ألقاهُ ودقَّاتٌ عنيفةٌ بداخلِ صدرهِ حتى شعرَ بتوقُّفِ النبض.
ألقى نظرةً عليهِ وهو ملقىً على المقعد، ثمَّ قادَ السيارةَ وتحرَّكَ بها إلى مكانٍ هادئ، وصلَ بعد قليلٍ بمكانٍ بعيدٍ عن البشر، ظلَّ لعدَّةِ دقائقَ بسيارتهِ ساكنًا شاحبَ الملامح، ولكن هناك أنفاسًا كأجراسِ حرب، تخرجُ على هيئةِ نيرانٍ صديدة..رمشَ عدَّةِ مرَّاتٍ وبسطَ كفِّهِ يتناولُ الظرفَ بهدوءٍ مميت، حرَّكَ أناملهِ المرتجفة، ينظرُ إلى المدوَّنِ فوقه:
-إلياس مصطفى السيوفي..لا يعلم لماذا شعرَ بتلك القبضةِ التي اعتصرت فؤاده..
أخرجَ تلك الورقة التي اعتبرها شهادة وفاته..بعيونٍ كالشلَّالِ يقرأُ مابها..
دموعٌ حارقةٌ أنزلها على تلك الورقة وكأنَّها حروفُ الألمِ والانهيار، يردِّدُ بشهقاتٍ وانهيارٍ بجوفه:
Nqegative
آااه خرجت من صدرهِ بصراخٍ متألِّمٍ يردِّدُ بهسيس:
-مش ابنه، يعني كلام راجح صح، يعني أنا ابنِ فريدة..نظرَ إلى تحليلهِ مع فريدة متذكِّراً حديثهِ لإسلام:
-حبيبي عايز منَّك كمان تشوف حالة ماما فريدة من غير ماتحس، بابا بيقول موضوع ضغط وأنا حاسس أنُّه مخبِّي حاجة، عايز أطمِّن ياإسلام، بس إنتَ عارف العلاقة بينا مش أحسن حاجة، إيه رأيك تاخد منها عيِّنة وتقولَّها إنَّك عايز تطمِّن عليها إنتَ وغادة، وكمان هيَّ مش هتقول حاجة لمَّا تعرف إنَّك هتعمل التحليل لغادة، بس أهمِّ حاجة إياك تعرَّفها أنا اللي طلبت..
-خلاص ياإلياس هعمل اللي إنتَ عايزه، بس خايف ترفض..
شردَ قائلًا:
-لا هتوافق لمَّا تشوفك مهتمِّ بيها..
خرجَ من شرودهِ ينظرُ إلى نتيجةِ التحليلِ مع فريدة..
فتحَ زرَّ قميصهِ وكأنَّهُ يختنق..نزلَ من السيارةِ مترنحًا، حتى هوى بجسدهِ على الأرضِ يضربُ عليها بقوَّة..وآااااه أخرجها من جوفهِ لتفزعَ الطيورَ من حوله..جلسَ على الأرضيةِ الترابيةِ يحاوطُ ركبتيهِ ودموعهِ خيرُ دليلٍ على مايشعرُ به ..لقد سُلبت حياتهِ بالكاملِ وهو يشعر بكمِّ الألمِ الذي يتفاقمُ بصدرهِ وكأنَّ أحدهم غرزهُ بسكينٍ باردٍ ليجعلهُ يتعذَّبُ بهذا الألم..
مرَّت ساعاتٌ وهو بمكانهِ لا يشعرُ بشيئٍ حوله، ارتفعَ رنينُ هاتفهِ عدَّةِ مراتٍ ولكنَّهُ كان الحاضرُ الغائب، وكأنَّهُ ليس بالمكان..ولجَ الليلُ بظلامهِ وقسوةِ برودتهِ الطاغيةِ بذاك الشهرِ الذي يمتازُ ببردهِ القارس..لقد دقَّت الثانيةَ عشر منتصفَ الليل ومازال بمكانهِ من يراهُ يظنُّ أنَّ روحهِ خرجت من جسدهِ لشحوبهِ وبرودةِ جسده، ناهيك عن سكونهِ كالجثة..مرَّت دقائقَ أخرى إلى أن وجدَ ضوءَ سيارةٍ يضربُ بعينيهِ التي ذبلت..ترجَّلَ أرسلان من سيارتهِ متَّجهًا إليه ..شهقةٌ خرجت من جوفهِ وهو يراهُ بتلك الحالة، هرولَ إليهِ حتى وصلَ بخطًا معدودة..
-إلياس!!ردَّدها جاحظَ الأعين..لم يرُّف جفنهِ وظلَّ كما هو ..جلس على ركبتيهِ أمامهِ يعدلهُ من فوقِ التراب:
-إلياس سامعني..حاولَ مساعدتهِ على الوقوفِ ولكنَّهُ كان صلبًا جامدًا كالجبل..
ضمَّ وجههِ يفركهُ بقوَّة:
-إلياس فوق..
عينان خاويتان وقلبٌ مفتَّتٌ بالألم، انصهرت دموعهِ مرَّةً أخرى يردِّد:
-أنا مين..أنا هنا !! لا أنا هناك، أنا كذبة
قالها وهو ينظرُ إلى أرسلان بضياع..
ارتفعَ رنينُ هاتفهِ مرَّةً أخرى لقد تجاوزت الواحدة صباحًا حتى شعرت بالضياعِ والخوفِ من عدمِ ردِّه، اتَّجهت إلى ارسلان تهاتفه لعله يبرد نيران قلبها المتأججة بغيابه، شعورها أن اصابه مكروه قد كان
أطالَ النظرَ بعينيهِ إلى أرسلان كالجندي الذي فقدَ وطنهِ وسُحبت قواهُ أمامَ العدو..
-إلياس فوق، عامل في نفسك كدا ليه!!
إلياس ..تتردَّدُ بداخلِ أذنهِ حتى شعرَ وكأنَّهُ صاعقة من السماء كصوت رعدٍ أصابهُ بالصمم، فأشعلَ النيرانُ الموصدة مرَّةً أخرى ليقفَ من مكانهِ وجسدهِ يأبى الثباتَ ليهوى مرَّةً أخرى..دقائقَ مرَّت عليهِ وهو فاقدُ الإحساس والشعورِ كالذي فارقت الروح جسده..توقَّفَ مذهولًا لما أصابه، اقتربَ يساعدهُ ولكنَّهُ دفعهُ بعيدًا عنهُ وزمجرَ بعنف:
-إياك تقرَّب منِّي ابعد عنِّي..لم يهتم لصراخهِ وحالتهِ المتدهورة، فاتَّجهَ مكتِّفًا ذراعهِ بقوَّة:
-اهدى معرفشِ إيه اللي حصل، ياله علشان الكلّ مشغول باله عليك..
طالعهُ بأعينٍ متسائلةٍ يتمتمُ بتقطُّع:
-الكل بيسأل عليَّا، مين أوعى تقولِّي مصطفى باشا السيوفي..
هنا ظنَّ أنَّ هناكَ خلافٌ بينهِ وبين والده، سحبهُ إلى سيارتهِ واتَّجهَ يقودها مع رنينِ هاتفه..تحرَّكَ إلى السيارةِ ليلتقطَ الهاتف، ولكن وقعت عيناهُ على ذاك الظرف، والأوراقُ المتناثرةُ بالسيارة، بسطَ كفِّهِ ليلتقطهُ ولكن ارتفعَ رنينُ هاتفِ إلياس مرَّةً أخرى..
-أيوة مدام ميرال، إلياس معايا وزي ماقولت لحضرتِك كان في مكان مفهوش شبكة، شوية ويرجع على البيت..قالها وأغلقَ الهاتف..
بعد فترةٍ وصلَ إلى فيلا السيوفي، استدارَ يساعدهُ بالنزول..كانت تنتظرهُ بشرفةِ غرفتها، ارتدت وشاحًا ثقيلًا وهرولت إليهِ بعدما وجدت سيارة أرسلان تدلف من البوابة الرئيسية ، ترجل يساعده..فتحت البابَ تنظرُ إليهِ بصدمة، وزَّعت نظرها بينهُ وبين إلياس:
-إيه اللي حصل؟!. سلَّط َعينيهِ على ميرال وكأنَّ صوتها أعادهُ لأرضِ الواقعِ ليبتعدَ عن أرسلان يشيرُ بيده:
-أنا كويس خلاص، شكرًا، قالها وخطا للداخلِ يستندُ على الجدار، كان يتابعهُ بأعينٍ حزينة، نغزهُ قلبهِ بشدَّةٍ عليه، تمنَّى لو يضمُّهُ ويهوِّنَ عليه، سحبَ بصرهِ من متابعتهِ عندما تحدَّثت ميرال:
-شكرًا لحضرتك، وآسفة إنِّي أزعجتك، بس هوَّ قالِّي هيعدِّي عليك وهتروحوا مشوار، الكلام دا من حداشر الصبح والساعة دلوقتي عدِّت واحدة بالليل..
هزَّ رأسهِ متفهِّمًا وحاولَ أن يهدئَ من روعها:
-هوَّ فعلًا كان معايا بس بعدها معرفشِ راح فين، هسيبك علشان الوقت متأخَّر وبكرة هطمِّن عليه..
أومأت لهُ فتحرَّكَ مغادرًا إلى سيارته، أمَّا هي فهرولت صاعدةً إليه..وجدتهُ واقفًا على بابِ الغرفة ينظر حوله بضياع
-إلياس!! استدارَ برأسهِ ينظرُ إليها لعدَّةِ لحظاتٍ إلى أن اقتربت منهُ تعانقُ ذراعه:
-كدا موِّتني خوف عليك، ينفع كدا تقلقني، طيِّب أنا دلوقتي لازم أعاقبك..
دفعَ البابَ وتحرَّكَ إلى الداخل، ألقى نفسهِ فوق الفراشِ ينامُ على ظهرهِ نصفهِ فوق الفراشِ وساقيهِ على الأرض.،
نظرت إلى ثيابهِ التي يملأها الغبار، ثمَّ تحرَّكت إليه..حاوطت جسدهِ بذراعيها:
– مالك إيه اللي حصل معاك مش هتحكيلي؟..
تعلَّقت عيناهُ بمقلتيها دون حديثٍ حتى دنت برأسها تقبلُه:
-وحشتني على فكرة..ظلَّ كما هو وكأنَّها لم تكن..تراجعت بعدما شعرت بأنَّهُ يعاني من شيئ، اتَّجهت إلى الخزانةِ وأحضرت ثيابهِ ثمَّ عادت تجذبهُ من ذراعيه:
-ياله علشان تاخد شاور وتنام..شكلك تعبان..رفعت رأسهِ لتصبحَ بأحضانها،
قامت بنزعِ قميصهِ وهو يطالعها بنظراتٍ جامدةٍ وكأنَّها عدوته، أغمضَ عينيهِ عندما سيطرَ عليهِ شيطانهِ فتوقَّفَ يشيرُ إليها:
-أنا هكمِّل..قالها وتحرَّكَ إلى الحمَّام..
تنهيدةٌ متألمةٌ وهي تنظرُ إليهِ تهمسُ بخفوت:
-ياترى إيه اللي حصلَّك ياإلياس..بعدَ فترةٍ خرجَ يلتفُّ بالمنشفة، ظلَّت تراقبُ تحرُّكهِ حتى دلفَ إلى غرفةِ الملابسِ ليخرجَ بعد دقائقَ معدودةٍ متَّجهًا إلى الفراشِ بصمت..تمدَّدَ على ظهرهِ يضعُ كفَّيهِ تحتَ رأسه، جلست بجواره، مستندةً على ذراعها، تمسِّدُ على وجنتيه:
-إلياس إيه اللي حصل حبيبي معاك؟..
استدارَ يواليها ظهره:
-اطفي النور عايز أنام، ولَّا أخرج.. !!
استندت بذقنها على كتفهِ وحاولت إخراجهِ من حالته:
-مش قبل ما تقولِّي إيه اللي حصل معاك..
-ميرال…أردفَ بها بخفوت ونبرة متعبة
-لو سمحتي عايز أنام..داعبت وجههِ بأنامِلها:
-هتنام وإنتَ مدِّيني ضهرك، يعني مش هتاخدني في حضنك..أطبقَ على جفنيهِ محاولًا السيطرةَ على نفسهِ حتى لا يغضبَ عليها..استدارَ إليها بصمت، فردت ذراعهِ وتوسَّدته، مرَّت أكثرَ من ساعةٍ وهو مستقيظ، وكأن جفاه النوم وحرم عليه، ظل مستيقظا يتقلب بالفراش وكأنه يتقلب على جمرات من نار، مرة ينظر إلى نومها ومرة أخرى ينظر إلى سقف الغرفة، إلى أن ارتفعَ أذانُ الفجر ، فنهضَ متَّجهًا إلى الصلاةِ دونَ حديث..
صباحٌ جديدٌ ينيرُ بضيائهِ أرزاقُ العباد… بغرفتهِ ظلَّ مستيقظًا وعينيهِ على تلك التي تغفو بجانبه..ظلَّت نظراتهِ مسلَّطةً عليها إلى أن تململت بنومها لتفتحَ عينيها ببطئ، وجدتهُ ينظرُ إليها بصمت..مرَّرت أناملها على وجهه:
-صباح الخير..اعتدلَ على الفراشِ يومئُ برأسهِ دون حديث، استمعَ الى رنينِ هاتفهِ التقطهُ مجيبًا:
-الستِّ جبتها ياإلياس، نهضَ من مكانهِ منتفضًا وخلالَ دقائقَ خرجَ من الغرفةِ متَّجهًا إلى وجهته..
تنهيدةٌ حزينةٌ أخرجتها بعدما أغلقَ الباب..مرَّت عدَّةِ ساعاتٍ إلى أن عادَ إلى المنزلِ وجدها تجلسُ على الفراشِ تعملُ على جهازها..ألقى بمفاتيحهِ ثمَّ طالعها بأعينٍ تبوحُ بكمِّ الألمِ الذي بداخله..أغلقت جهازها وأردفت:
-إلياس رجعت بدري ليه فيه حاجة؟..
-تعبان ياميرال..قالها وهو يتمدَّدُ على الفراشِ متَّخذًا ساقيها وسادته، وجسدهِ ينتفضُ كالذي أصابهُ حمَّى، لم تستطع كبحَ عبراتها، من حالته التي لأول مرة تراه بها، مسَّدت على خصلاتهِ الناعمة:
-إنتَ بردان، أجبلك حاجة تدفِّيك؟..
احتضنَ ساقيها وكأنَّهُ يستمدُّ منها الدفَء يهمسُ بصوتِ متقطِّع:
-أنا بغرق، بغرق ..ردَّدها عدَّةِ مرَّاتٍ
بعيونٍ تائهةٍ شاردة..انسابت عبراتها ولم تقوَ على ضعفهِ بتلك الطريقةِ لتهبطَ برأسها لمستوى نومه:
-إيه اللي حصل لدا كلُّه، من إمبارح وإنتَ متغيَّر، وحياتي عندك قولِّي إيه اللي حصل معاك حبيبي إحكيلي مش أنا مراتك حبيبتك..
احتضنَ كفَّها يضعهُ تحتَ خدِّهِ يبعدُ وساوسهِ التي تخترقُ أذنه..يهمسُ بخفوت:
-مالكيش ذنب، مستحيل..أنا في كابوس..لا دا كابوس، أنا في كابوس..
وضعت رأسها على رأسهِ تستمعُ إلى خفوتهِ وكم تتألَّمُ وجعًا على ما أصابه:
-كابوس إيه حبيبي، فيه حاجة حصلت معاك في الشغل، قولِّي إيه اللي حصل؟..
حاولَ السيطرةَ على رعشةِ قلبه، الذي أصبحَ ينزف..
-إلياس!!..ردَّدتها مرَّةً أخرى ليقطعها طرقاتُ الباب، تسمحُ بالدخول، دلفت فريدة تبحثُ عنهُ بلهفة:
-مالُه إلياس ياميرال، غادة بتقول شافته جاي تعبان..اعتدلَ برأسٍ ثقيلٍ كالمخمورِ يطالُعها بأعينٍ جامدة، ورغمَ جمودها إلَّا أنَّها عاصفةٌ بحممٍ بركانية..
ظلَّ ينظرُ إليها بصمت..إلى أن اقتربت منهُ تحاوطُ وجههِ بين راحتيها:
-حبيبي إيه اللي واجعك، مرَّرت بكفَّيها على جسدهِ بالكاملِ تتفحَّصهُ كالأمِّ التي تتفحَّصُ رضعيها، ولمَ لا وهو الذي سُلبَ من بين يديها عنوة…تابعَ لهفتها وشريطُ حياتهِ ومعاناتها معه..رفعَ كفَّيهِ على كفَّيها الذي وضعتهُ فوق رأسه:
-أهمِّك تعرفي مالي؟..
أومأت مؤكِّدةً دون أن تحيدَ ببصرها عن عينيهِ المتألمة، ثمَّ أردفت متسائلة:
-عندك شك إنَّك تهمِّني ياإلياس؟..
ابتسامةٌ ملتويةٌ بشراسةٍ ساخرةٍ وعينيهِ تخترقُ مقلتيها، ليردِّدَ بعجزٍ أصابَ قلبه:
-إلياس!! أنا ابنك صح مش أنا زي ابنك ياماما فريدة برضو ..ابتسمت بعيونٍ لامعةٍ بالعبرات:
-إنتَ روحي ياإلياس، عندك شك في حبِّي ليك يابني؟.،
بلحظةٍ أطلقَ ضحكةً صاخبةً متوقِّفًا يترنَّحُ بوقوفه:
– الصراحة كان نفسي أعرف الجواب دا من زمان، ليه بتعامليني كدا، رغم قسوتي معاكي بس كنتي دايمًا بتراعيني باهتمامك..
هزَّت رأسها بدموعٍ انسابت على وجنتيها قائلة:
-ومهما تعمل يابني لازم …قاطعها متراجعًا للخلف:
-مش عايز أسمع حاجة ، سمعت مافيهِ الكفاية يامدام فريدة..
-إلياس اسمعني..
خنجرٌ غُرزَ بجدارِ روحهِ وكأنَّ صوتها واسمهِ يمزُّقهُ إربًا لشظايا، التفتَ إليها بعيونٍ كالحممِ البركانيةِ وهتفَ بشراسةٍ انتفضت على أثرها:
مين إلياس فريدة هانم، بتسألي عن مين ..أشارَ إلى نفسه:
-قصدك أنا..ثمَّ تحرَّكَ إلى ذاكَ المظروفِ وجذبهُ يرفعهُ بعينها:
-ولَّا دا..أنهي فيهم …قالها وهو يلقي الورقَ أمامها مردِّدًا:
-إلياس مصطفى السيوفي، ولَّا إيه..
دارَ حولها وهزَّ رأسهِ وأصابتهُ نوبةً من الضحكِ المتواصلِ حتى توقَّفت أمامهِ تضغطُ على ذراعه:
-إلياس إنتَ اتجنِّنت !!
دلفَ مصطفى على صرخاتها..
-إيه اللي بيحصل، ماله إلياس؟..
تركَ فريدة واتَّجهَ إلى مصطفى:
-أهلًا بسيادةِ اللواء، المشترك مع المدام بدفني وأنا حي..
طالعتهُ بنظراتٍ مستفهمة، تحرَّكَ إلى ميرال الواقفةُ بصمتٍ ثمَّ جذبها من خصرها يوزِّعُ نظراتهِ بينهما:
-إيه ياحبيبي مش عايزة تعرفي جوزك حبيبك يقربلِك إيه، ولَّا مش عايزة تعرفي سبب جنان والدتك باسمِ يوسف، صمتَ قليلًا وعينيهِ تحرقُ وقوفُ فريدة ثمَّ أردفَ بصوتٍ زُلزلَ له جدران المنزل:
-آسف يابنتِ عمِّي أصلِ مرات عمِّك طلعت أكبر مزوِّر هيَّ وسيادةِ اللوا، ماهو نسيت أقولِّك أنُّهم سرقوا حياتك زيي..
وكم تمنيت لو أنّ الحياة اختبرت صبري في أشياء أخرى غير قلبي ..
وكم تمنيت لو أن أحدهم يرى ذلك الجدال المكتوم في عيناي…
تمنيت طويلا ..
أن يكون لدي شخص كلما هزمتني الحياة ..أذهب اليه..
لقد ظنَنّا أنَّ العِتاب هوَ الحَل.. ولكن خابَ الظّن وفهِمنا مُؤخّراً أنّ الصَمتُ أقوَى والعين تَنطُِق مَا يعجَز اللِسان عن وصفِه.. فَلا عِتاب لِمن اسَتباحَ أذِيّتَنا ، اليوم وبَعدَ تِكرارَ الأذى ، كتَمنا كل الجراح في قلوبنا و مضَينا مُثقَلين بما لم نَستَطِعُ البَوح بِهِ والتحدّث عنهُ أمام مَن حولِنا.. المُحزِن في كل ما مضَى أنّنا كنّا نَتَباهى بِهم ، والآن نُخفي كل خيباتنا خوفاً مِن شامِت أخبرناهُ مِراراً أنّهم مُختلفين..
-مش كدا ياحضرة اللوا، سرقتوا حياتنا، عيشتونا كدا، انت ومدام فريدة
توقَّفت فريدة تنظرُ إليه بعيونٍ جاحظة،
لم تشعر بعبراتها التي انسابت بقوَّةٍ كالشلال، اقتربَ منها بعينيهِ الخاوية، التي تشبهُ صقيعَ الشتاء:
-إيه يامدام فريدة، مالك مصدومة كدا ليه؟! ولَّا أقول ياماما..همسَ بها بجوارِ أذنها لينتفضَ جسدها بشهقاتٍ مرتفعة، اقتربَ مصطفى محاولًا السيطرة على غضبه:
-إلياس حبيبي ممكن تهدى..
تراجعَ مفزوعًا من لمسته، وانفجرَ كبركانٍ ثائرَ الحمم، وكأنَّهُ يترنَّحُ فوق حقلِ ألغامه:
-أهدى، أهدى إيه ياسيادةِ اللوا، ليه حضرتك دوست على رجلي، ولَّا ضربتني قلم..لكمَ الحائطَ وبقدمهِ دفعَ الطاولةَ لتهوى متناثرة:
-بيقولِّي أهدى، عايز منِّي أهدى..اقتربَ منه بعيونٍ حمراء يجزُّ على أسنانهِ حتى نفرت عروقهِ بالكامل، ورفع كفِّهِ مكورهُ بعنف:
-أنا طلعت مش أنا ياحضرةِ اللوا، ماليش وجود، حياتي بقت على الهامش، أنا مين إيه، قولي أنا مين، ابنِ حضرتك ولَّا ابنِ الستِّ اللي هناك دي؟!..
-تراجعَ يهزُّ رأسهِ ولم يستطع مقاومةِ طوفانِ العبراتِ التي كانت كالنيرانِ تحرقُ داخلهِ قبل وجنتيه..أزالها بعنفٍ كارهًا ضعفهِ بتلك الحالة..دفعَ إسلام الذي توقَّفَ على بابِ الغرفةِ ينظرُ إليه بألمٍ يشطرُ قلبه، ثمَّ تحرَّكَ للخارجِ يأكلُ بخطاويه الأرض…وكأنَّ أقدامهِ زلزالٌ لتنشقَّ له الأرضَ بسببِ قوَّةِ إعصارِ غضبه..مرَّت دقائقٌ من الصمتِ المميتِ سوى من شهقاتِ فريدة، طالعتهم ميرال بنظراتٍ ضائعةٍ جاهلةٍ لتتساءلَ بتقطُّع:
-إيه اللي حصل، هوَّ إلياس ماله، وإيه الكلام اللي بيقوله دا أنا مش فاهمة حاجة..
-إلياس طلع ابنِ ماما فريدة ياميرال، مش شقيقي..
غمغمت بعقلٍ ينكرُ حماقةَ ماتفوَّهَ به إسلام:
-إلياس مين ابنِ ماما فريدة، إلياس جوزي، قالتها وهي تشيرُ على نفسها بحالةٍ من التشتُّتِ يعني أنا متجوِّزة أخويا!..شهقةٌ أخرجتها تضعُ كفَّيها على أحشائها..
-يانهار إسود، أنا متجوِّزة أخويا..اقتربَ منها إسلام بعدما شعرَ بضياعها قائلًا بنبرةٍ هادئة:
-ميرال ممكن تهدي متنسيش إنِّك حامل، إلياس بس اللي ابنِ ماما فريدة وإنتِ بنتِ عمُّه..
طافت بعينيها على مصطفى وفريدة تشيرُ إلى مصطفى:
-إسلام بيقول إيه، هوَّ اتجنِّن ولَّا إيه؟!..
اقتربَ مصطفى منها وحاوطَ أكتافها:
-حبيبتي تعالي معايا، هفهِّمك كلِّ حاجة..تركت يديهِ واقتربت من فريدة التي مازالت واقفةٌ بجسدٍ شاحب، وعينيها على المكانِ الذي خرج منه..
-ماما، إيه اللي حصل وليه إلياس بيقول الكلام دا؟..
شهقةٌ خرجت ملتاعةً من أعماقِ روحها بكمِّ الألمِ الذي تشعرُ به،
ثمَّ فتحت ذراعيها إليها تهزُّ رأسها لتحتضنها، اقتربت تلقي نفسها بأحضانها، لتأخذها وتتحرَّكُ بها على فراشها، ذهبت ببصرها لقميصِ إلياس الملقى على السرير، لتجذبهُ وتستنشقهُ بدموعٍ تنسابُ كالمطر، ثمَّ احتضنتهُ تبكي بصوتٍ مرتفع، ضمَّها مصطفى إلى أحضانه:
-فريدة ممكن تهدي علشان ضغطك، إحنا كنَّا متوقعين رد زي دا..
انحنت بجسدها تضمُّ ميرال التي بكت قائلة:
-أنتوا بتخوِّفوني ليه، هوَّ إيه اللي حصل..احتضنت وجهها بين راحتيها:
-ميرو قلبي عايزة أقولِّك على حاجة بس مش عايزاكي تقاطعيني، وكمان سامحيني واعذريني..
أومأت لها مع دموعها التي لم تستطع إيقافها..قصَّت لها فريدة كلَّ ماصار منذ زواجها من راجح الى أن تزوَّجت من مصطفى..دقيقة اثنتان ثلاثة تردِّدُ بذهول:
-أنا مش بنتك، وإلياس..إلياس يكون ابنك، إيه الحكاية الهبلة دي، أكيد أنتوا مجانين، وسَّعوا كدا..قالتها ونهضت منتفضةً فوق الفراش تردِّدُ كالذي أصابها الجنون:
-قال إلياس ابنها وأنا لا، إلياس!!طب إزاي، أخرجت ضحكةً ساخرةً تصفِّقُ بيديها:
-فيلم هندي..أكيد ماما عايزة تبقى مؤلِّفة، لا بس تتعلِّم على وجع قلوبنا، توقَّفت عن الحديثِ فجأةً وكأنَّها استوعبت ماقصَّتهُ فريدة، لتستديرَ إليها:
-إنتِ عارفة أنتو عملتوا فينا إيه..
توقَّفَ مصطفى واتَّجهَ إليها:
-حبيبتي ماهي وضَّحت لك ليه عملت كدا..
وضَّحتلي!! قالتها بنبرةٍ اعتراضيةٍ تهزُّ كتفها قائلة:
-توضيح إيه دا، طيِّب قولوا ازاي أستوعب اللي حصل،،ثارت غاضبة
-أكيد بتهزروا، لا لا دا مش هزار، دا جنان، تأوهت بصوت مرتفع بعدما تذكرت حالته منذ ايام، وحديث راجح، شعرت بنار سوداء تحرق حياتها
-أنا بنت الراجل دا، بنت الراجل اللي بيكره جوزي، يعني إلياس وراجح وأنا قرايب، بس انا كدا فهمت حالة إلياس ياحبيبي دا هيتجنِّن، دلوقتي عرفت ليه بقاله فترة مش طبيعي..
تنهَّدت بمرارٍ تهزُّ رأسها رافضةً ماتستمعُ إليه،
-لا أنا مش عايزة، انا عايزة ميرال جمال، مش عايزة الحياة التانية حتى لو ماليش وجود، عجباني أيوة عجباني، لا حياتي فين، انا بنت عدو جوزي، يعني كدا حياتنا انهارت، لا لا ..ظلت تصرخ بها إلى أن فقدت وعيها ولا تعلم كيف سيواجهون تلك العاصفة..
بفيلَّا الجارحي على طاولة الطعام،
كان الجميعُ يتناولُ الطعامَ بصمتٍ إلى أن تحدَّثت ملك:
-بابي مش المفروض أرسلان يجي يقضِّي اليوم النهاردة؟..
-جاي في الطريق..قالها إسحاق وهو يتناولُ طعامهِ بصمت..
-بجد ياعمُّو، يعني أرسو جاي، قاطعهم دلوفهِ ملقيًا تحيَّةَ المساء:
-مساء الخير، هرولت إليهِ كالطفلةِ الصغيرةِ وتعلَّقت بعنقه:
-أرسو حبيبي وحشتني، رفعها من خصرها مبتسمًا:
-حبيبة أرسو عاملة إيه..طبعت قبلةً على وجنتيه:
-وحشتني وزعلانة منَّك أوي، أسبوعين وحضرتك مبتسألش، ومش عايز تعرف أخبار أختك حبيبتك، شوفت داد نقل جامعتي هنا خلاص ومبقتشِ أرجع أمريكا تاني..
وصلَ إلى والدته:
-صفية هانم وحشتيني..ابتسمت بمحبَّة:
-عامل إيه ياحبيبي..أومأ لها قائلًا:
-تمام الحمد لله، نظرت لبابِ الغرفةِ وأخرجت تنهيدةً حزينة:
-لسة غرام مش عايزة تيجي برضو، البنت وحشتني ياأرسلان..
أومأ لها وعينيهِ على عمَّته:
-عاملة إيه ياعمِّتو، إزيك ياتمارا؟..
-أهلًا..قالتها تمارا ولم تستطع رفعَ عينيها إليه، قاطعت حربَ النظرات والدتها:
-عامل إيه ياحبيبي وحشتنا والله، جلسَ بجوارِ ملك قائلًا:
-شغل، ضغط شغل واللهِ ياعمِّتو، ثمَّ التفتَ إلى والدته:
-غرام متعرفشِ إنِّي جاي أصلًا ياماما، لسة خارج من الشغل، وإسحاق كلِّمني علشان اجتماع مهم فقولت أعدِّي عليكي وأطَّمن على السريع..
أشارت للخادمة:
-هاتي طبق لأرسلان يابنتي..هزَّ رأسهِ بالرفض وأردف:
-لا مش جعان، هاكل مع مراتي، نظرَ لوالدهِ الصامت:
-بابا عملت التحاليل اللي الدكتور طلبها ولَّا كسلت..توقَّفَ إسحاق يمسحُ فمه:
-ياله ياأرسو علشان منتأخرش.
رفعت عينيها تنظرُ إليهِ بذهول:
-لسة جاي ياإسحاق، خليه لمَّا تشرب القهوة، مالحقتش أشبع منُّه..انحنى يقبِّلُ رأسها:
-حبيبتي عندنا شغل مهم هخلَّصه وأعدِّي عليكي علشان عايزك في موضوع..
أومأت تربتُ على ظهره:
-هستناك ياحبيبي متتأخَّرش..
تحرَّكَ مغادرًا خلف إسحاق الحاضرَ الغائب ولم يفعل سوى نظراتهِ الغاضبة لفاروق..وصلَ إلى سيارةِ إسحاق، استندَ على بابها وغمغمَ متسائلًا:
-زعلان من فاروق ليه ياإسحاقو؟..
قامَ بتشغيلِ السيارة، يشيرُ لسيارته:
-هنتأخَّر بطَّل دلع الحكاية مش نقصاك.
استدارَ إلى البابِ الآخرِ واستقلَّ السيارة بجواره، اتَّجهَ بجسدهِ إليه:
-من شهرين تقريبًا وإنتَ متغيَّر ومش على بعضك، حاسس واحد تاني بتعامل معاه، هتفضل على طريقتك دي صدَّقني هزعَّلك منِّي، أنا مخنوق ومش طايق نفسي، متجيش إنتَ كمان تكمِّل عليَّا..
أشعلَ سيجارةً وتحرَّكَ بالسيارةِ وعينيهِ للخارجِ قائلًا:
-وإيه اللي خانقك، إلياس السيوفي، ولَّا طمطم..تراجعَ بجسدهِ وأغلقَ عينيهِ متألمًا:
-بمسك نفسي بالعافية ياعمُّو، واللهِ عايز أخنقها بس مش قادر، ليه عملوا كدا في مراتي علشان إيه؟..
ظلَّ يقودُ السيارة وعينيهِ شاردةً على الطريقِ وأجابه:
-ناوي تعمل إيه، بعد ماعرفت بالخدَّامة الخاينة، التفتَ يرمقهُ قائلًا:
-أرسلان مش عايزك تغلط غلط وترجع تندم عليه، البنت كانت غيرانة وطبيعي حدِّ مكانها يعمل كدا..
رفعَ كفَّيهِ يرجع خصلاتهِ للخلفِ بغضبٍ حتى شعر أنَّهُ يقتلعها ليهمسَ بفحيح:
-واللهِ لأندِّمها وأخلَّيها تعرف إنَّ اللهَ حق، غيرانة إيه الحيوانة دي..
توقَّفً أسحاق فجأةً وأشارَ بتهديد:
-حاولت أفهِّمك من زمان تحطِّ لها حدود بس إنتَ كنت متساهل، والبنت حبِّتك بجد وحضرتك عامل من بنما، متجيش دلوقتي تعاتبها، واحدة شافت حبيبها فضَّل واحدة تانية أقلِّ منها عليها، لا وكمان حامل منُّه، كنت منتظر منها إيه قولِّي؟..كويس أنُّه جه على سقوطِ الجنين، أنا لو مكانها كنت قتلت مراتك.
-واللهِ ياعمُّو حضرتك اللي بتقول كدا!..
أجابهُ بقلبٍ فاضَ به الألم:
-متزعلشِ منِّي ياأرسلان، بس دي الحقيقة اللي إنتَ بتهرب منها، من يوم ماعرفت إنِّ تمارا بتحبَّك ماحاولتش تفهِّمها أو توقفها وتعرَّفها حقيقة مشاعرك، ودي في الأوِّل والآخر بنتِ عمِّتك، أه منكرشِ أنُّهم طمعانين فيك هيَّ وأبوها، بس فيه حقيقة متنكرهاش البنت بتحبَّك بجد، وأنا حاولت أفهِّمك آخر حبَّها هيكون فيه خسائر، إنتَ رديت وقولت إيه..
-بطَّل هزار ياعمُّو، ولمَّا هوَّ هزار، ليه كنت بتاخدها كلِّ الحفلات وهيَّ فرحانة بيك، إنتَ عارف ومتأكد هي متهمنيش زيك، بس محبتشِ إنَّك تظلمها، عارف إنَّها غلطت وغلطها كبير..
بس هيَّ عملت كدا من غيرتها حبيبي، اتجنِّنت من وقتِ ماعرفت ودا اللي فهمته من ملك، ونظرات البنتِ عليك، أنا مش عيِّل علشان أعرف البنت بتحبَّك ولَّا بتلعب عليك، علشان كدا بقولَّك بلاش تعمل حاجة باباك يزعل منَّك عليها..
حكَّ ذقنهِ ينظرُ أمامهِ على الطريق وردَّدَ بذهنٍ شارد:
-علشان كدا أمرت يجوا الفيلا عندنا؟..
استفهمامٌ مؤلمٌ ردَّدهُ وهو ينظرُ بضياع..
أجابهُ سريعًا يهزُّ رأسهِ بالنفي:
-لا مش علشان كدا، جوز عمتك مش موجود، وجدِّتك كمان، محبتشِ يقعدوا لوحدهم، وأنا دايمًا بعملها لمَّا أكون مشغول، متنساش بيت فاروق بيت العيلة، وكمان علشان تمارا تكون تحتِ نظري ومتحاولشِ تعمل حاجة في غرام، إنتَ بتسافر أكتر مابتقعد في البيت..
ثقُلت أنفاسه، فاستدارَ ينظرُ من نافذةِ السيارة، ورغمَ برودةِ الجو إلَّا أنَّهُ يشعر بنيران تصهرُ صدره:
-أرسلان متزعلشِ مني، إنتَ عارف إنَّك أغلى من روحي، ولازم وقت الغلط أوقَّفك ياحبيبي علشان ماتغرقشِ في الظلم..استنكرَ حديثه وزفرةٌ حارةٌ أخرجها من ثقلِ آلامِ مايشعرُ به، ليتراجعَ بجسدهِ قائلًا:
-خلاص ياعمُّو، مش هعمل حاجة لتمارا، بس جوِّزها في أقرب وقت، أنا مش قادر أتحمِّل ذنبها أكتر من كدا، أنا واللهِ كنت بعاملها على أنَّها زي ملك، وقولت مشاعرها مشاعر مراهقة ومع الوقت هتنسى..أومأ متفهِّمًا وتحدَّث:
-خلاص ياأرسو انسى..
بعد فترةٍ من الصمتِ تساءلَ إسحاق:
-إلياس السيوفي ماله؟..
طالعهُ بنظرةٍ مؤلمة، ولم يستطع تجاوزَ نغزةِ قلبهِ حينما ذكره، ليجيبهُ بحروفِ الألمِ الذي يشعرُ بها:
-معرفشِ ماله، بس حاسس فيه مشكلة كبيرة بينه وبين والده، استمعَ إليه باهتمام، ليتشدَّقَ بسؤاله:
-إزاي مشكلة بينه وبين والده مش فاهم وليه قولت كدا، إيه اللي يخلِّيك تروح لعنده رغم تحذيري يبقى الموضوع كبير..
ارتسمت ابتسامةٌ ساخرة، ورغم أنَّها ساخرة إلَّا أنَّهُ شعر بمرارةِ الألمِ بها وهو يجيبه:
-قسيت أوي ياإسحاق، وأنا مستحيل أنسى قسوتك دي، رفع سبابتهِ وتابع مستطردًا:
-مش إسحاق اللي يعمل في أرسلان كدا، بس صدَّقني دماغي تفوق وهعرف الموضوع كلُّه، ولو الموضوع فيه شك صدَّقني زعلي هيكون وحش، أرسلان مش طفل ياإسحاق علشان تعمل فيه كدا..
سحبَ نفسًا وزفرهُ بهدوءٍ حينما شعرَ بغصةٍ تعيقُ تنفسه، وهناك حربًا غوغاءَ بداخلهِ على منعهِ من إلياس، حاولَ تشتيتهِ فانبثقَ سؤالًا من بين شفتيه:
-ماقولتش إيه اللي حصل لإلياس، وبطَّل كلامك الأهبل دا…غيرت عليك ياأخي، حسيته سحب البساط من تحتِ رجلي، الأوَّل كنت بتجري عليَّا، دلوقتي حضرة الظابط واخد جزء كبير من حياة ابني
أضافها بلهجةٍ مقنعة..
واللي زوَّدها كمان طلب فريدة أنَّها تعزمكوا على العشا والغدا، وووو، الصراحة اضَّيقت فكان لازم أقولَّك كدا..
رفعَ حاجبهِ الأيمن دون النظر إليه، وأجابهُ بعبث:
-أيوة صح، وشوية لعب برمل، ونركَّب مع بعض مكعبات..توقَّفت السيارةُ عند وجهتهم، فاستدارَ يطالعهُ مستفسرًا:
-قصدك إيه يالا؟..
فتحَ بابَ السيارةِ وهمهمَ باستخفاف:
-إسحاق عيب اللي قدَّامك عنده تلاتين سنة، دنا منهُ وهمسَ له:
-وظابط مخابرات، عارف الكلمة ولَّا حضرتك تترجمها بعقلية إسحاق، شكل غياب دينا فلسع العقلية الفذَّة، وحوَّلها لعقلية سوكة العبيطة..
قالها وترجَّلَ من السيارة، سبَّهُ إسحاق متمتمًا:
-كنت عارف يابنِ فاروق مش هتسكت، طيب دا أقولُّه إيه..توقَّفَ فجأةً متذكِّرًا موضوعَ إلياس ليترجَّلَ سريعًا مناديًا عليه:
-أرسلان..استدارَ متوقِّفًا، ينظرُ بساعةِ يدهِ يشيرُ إليه:
-الاجتماع بدأ يابوص..وصلَ إليهِ وتحرَّكَ بجواره:
-ماقولتش إيه موضوع إلياس صح، أصل كنت عنده من كام يوم وكان طبيعي…قصَّ له ماصارَ من حالته وكلماته، ليتوقَّفَ مصدومًا، ويشعرَ بالدورانِ متمتمًا بذهول:
-إلياس السيوفي ممكن يكون أخوك، اقتربَ أرسلان يحملقُ بالنظرِ إليه:
-عمُّو مالك، واقف كدا ليه؟!
تراجعَ يهزُّ رأسهِ بعنف، ثمَّ أشارَ إلى المبنى:
-ادخل وانا جاي بعدك، هعمل تليفون..استدارَ إلى المقعدِ الموجودِ بحديقةِ المبنى، وقامَ بفكِّ ربطةَ عنقهِ ووجههِ الذي تحوَّلَ الى كتلةٍ نارية:
-مش معقول، إيه دا، معقول القدر يكون كدا، لا لا مستحيل..
توقَّفَ يدورُ حول نفسهِ كالذي أصابتهُ نوبةٌ من الجنون:
-ياربي أعمل إيه في المصيبة دي، إلياس وأرسلان، إيه دا، إزاي يحصل دا!..
مسحَ على وجههِ بعنف وكاد عقلهِ أن يخرجَ من رأسه، لقد ذهبَ العقلُ بالكاملِ وهو يردِّد:
-مصطفى السيوفي مش هيسكت، أووف، لا لازم أتصرَّف، الاتنين دول لازم يبعدوا عن بعض بأيِّ طريقة، بس إزاي..استمعَ الى رنينِ هاتفهِ ليرفعهُ صارخًا:
-عايز ايه؟!
-أحلام هانم أُغمى عليها ياباشا ونقلناها بعربية الإسعاف::
-تمام ساعة وأكون عندك، خلِّي بالك منها..قالها وأغلقَ الهاتف، ثمَّ اتَّجهَ إلى هاتفه:
-جبت اللي قولتلك عليه يابني؟..
-أيوة ياباشا، التقرير على جهاز حضرتك..
قولِّي المختصر..
-اسمها فريدة الرفاعي، مواليد السويس، اتجوِّزت واحد قريبها بس مات من زمان، وكان عندها ولدين بس اتخطفوا..اتجوِّزها راجح الشافعي أخو جوزها المتوفي ..قصَّ له كلَّ شيئ..
كوَّرَ قبضتهِ وهو يستمعُ إلى حديثه ليهتفَ بهسيس:
-راجح دا عينك مش تنزل من عليه، واعرفلي ليه خطف بنته، وكان يعرف ولَّا لأ، وكمان مراقبة إلياس كلِّ ثانية، عايز النفس اللي بيتنفسه يكون عندي، غلطة بعمرك سمعتني..
قالها وأغلقَ الهاتفَ متحرِّكًا للداخلِ يتمتمُ بينهُ وبين نفسه:
-كدا كل حاجة هتتكشف ياإسحاق، واللي دفنته من تلاتين سنة هيتفتح وطبول الحرب على الكلّ..
بكليةِ الطبِّ وخاصةً بتلك القاعةِ التي تُعرفُ بالمشرحة، كان متوقِّفًا يشرحُ بكلِّ دقَّةٍ وعنايةٍ عن كيفيةِ الوصولِ إلى سببِ الوفاة، واتَّجهَ إلى جثمانٍ وبدأ يشرحُ عليه بعضَ الأشياءِ من لونِ الجثة، ومن بعضِ الأعضاءِ التي تظهرُ بها إذا كان سببُ الوفاة قُتلَ عمدًا بأنواعه..ساعتينِ كاملتينِ إلى أن أُنهكت وهو يراقبها بحذر، تراجعَ إلى مقعدهِ يشيرُ إليهم بأخذِ راحةٍ والعودةِ إلى قاعةِ المحاضرة..
بعد أقلِّ من ثلاثينَ دقيقةٍ من الراحة، جلسَ جميعُ الطلبةِ بأماكنهم، إلى أن توقَّفَ مرَّةً أخرى وبدأ يكملُ محاضرتهِ مع نظراتهِ من الحينِ والآخر، أخرجَ بعض الصورِ وأشارَ إليها على بروجكتور، وبدأ بالشرح:
Origin and insertion of muscle..الأساسيات التي من المفروض تثير الشك لدى الإكتشاف لبعض النقاط، ظل يتحول بالقاعة ويشرح بطريقته السلسة
إلى أن انتهى حتى تنفَّست الطلبةُ بعمق..ظلَّت بمكانها، استدارت إليها خديجة صديقتها:
-إيلي إيه هتفضلي قاعدة؟..أغمضت عينيها متألِّمة:
-تعبانة أوي ومش قادرة أقف على رجلي، كان يجمعُ أشيائه، رفعَ بصرهِ إلى جلوسها، فاتَّجهَ إليها:
-قاعدة كدا ليه، ياله علشان أوصَّلك..ظلَّت بمكانها ونظراتها شاردة بنقطةٍ وهمية، إلى أن اقتربَ وجلسَ بجوارها، نهضت خديجة محمحمة:
-همشي أنا، وبدل تعبانة روحي مع الدوك، رفعَ نظرهِ إلى خديجة متسائلًا:
-هيَّ تعبانة؟..أومأت سريعًا قبلَ ردَّها وتحرَّكت مغادرةً المكان.استدارَ إليها:
-عارف طوِّلت النهاردة في السيكشن، وعارف الوقوف كان غلط عليكي، الأيام الجاية كلِّ المحاضرات هتكون بالطريقة دي، ومتنسيش المواد التانية لو عايزة تأجِّلي، توقَّفت تجمعُ أشياءها:
-مش هأجِّل حاجة ياآدم، ومتفكرشِ أنا هجيب الولد دا، أنا مش معترفة بيه أصلًا، رمقتهُ وأشارت ِإليه بعدما فتحَ فاههِ للحديث:
-لأنَّك أبوه، مش عايزاه، ولو ضغطت عليَّا أكتر من كدا صدَّقني همشي ومش هتعرف مكاني..فياريت تحترم خصوصياتي.
توقَّفَ بمقابلتها ونظرَ بعمقِ عينيها، رغم شعورهِ بالألمِ الذي ينخرُ العظام:
-امشي قدَّامي بدل ماأشيلك قدَّام الجامعة، أطبقَ على ذراعها واقتربَ يهمسُ بجوارِ أذنها:
-ابني ياإيلين لو حاولتي تعملي فيه حاجة مش هرحمك، عارفة ليه؟..
تقابلت النظراتُ القريبةُ بالكثيرِ من الحديثِ بها العتاب والأسى والندم إلى أن جذبها من خصرها بقوَّةٍ حتى أصبحت بأحضانهِ متمتمًا:
-ممكن أموت ياإيلين واللي في بطنك لا، الواد دا أغلى من روحي علشان إنتِ أمُّه، ومش هتهاون معاكي لو حاولتي تقرَّبي منُّه..
لكمتهُ بعنفٍ بعدما تسلَّلت رائحتهِ وشعرت بضعفها بين يديه، تمنَّت أن تلقي نفسها بأحضانه، تمنَّت أن تستنشقَ رائحتهِ التي شعرت بانسحابِ روحها من افتقادها..
تحرَّكت سريعًا من أمامهِ حينما خارت قواها بالكامل، انسابت عبراتها رغمًا عنها تزيلها بعنف، إلى أن وصلت إلى سيارةِ أجرة لتستقلَّها مغادرةً المكان بالكامل..
عند يزن:
دلفت إلى غرفتهِ تبحثُ عنه وجدتهُ غارقًا بنومه، اقتربت منهُ وجلست بمقابلتهِ على المقعد، ابتسمت على نومهِ الملائكي، تمنَّت لو تلمسَ خصلاته، ضعفت إلى أن انحنت تخلِّلَ أناملها داخل خصلاته، ظلَّت للحظاتٍ وهي تشعرُ بفراشاتٍ تدغدغُ معدتها، أغمضت عينيها وابتسامةٌ رائعةٌ على ملامحها الجميلة إلى أن شعرت بتململه، فنهضت مبتعدةً عنه، ابتلعت ريقها تغمغمُ بصوتٍ هادئ:
-يزن ..كرَّرتها عدَّةَ مرَّاتٍ إلى أن فتحَ عينيهِ وأغمضها ليهبَّ بمكانهِ بعدما شعرَ بوجودها..
-إنتِ هنا من زمان؟!..هزَّت رأسها بالنفي تفركُ كفَّيها ثمَّ اقتربت منه:
-عايزة أروح أشوف بابا في المستشفى وخايفة لعمُّو راجح ..قاطعها عندما توقَّفَ يشيرُ إلى الباب:
-اجهزي وأنا هجهز وأحصَّلك..ابتسمت بعرفانٍ قائلة:
-شكرًا يايزن، مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه..
توقَّفَ بعدما خطا بعض الخطوات، واستدارَ بنصفِ جسده:
-معملتش حاجة للشكر، أنا اللي لازم أشكرك..خطت إلى وقوفه:
-تشكرني !! على إيه بقى؟..
تعلَّقت عيناها بغابةِ الزيتونِ التي تتمتعُ بها عيناها وهمسَ دون وعي:
-جيتي في وقت كنت بدأت أفقد الأمل في كلِّ حاجة..سحبَ كفَّيها يضمُّهما بين راحتيه:
-راحيل إحنا الاتنين بنكمِّل بعض، كان لازم نكون مع بعض علشان نقوِّي بعض، على قد ماإنتِ محتاجاني أنا كمان محتاجك وأوي كمان..
فتحت فاهها للحديثِ إلَّا أنَّهُ وضع أناملهِ على شفتيها يمنعها من الحديث:
-مش عايز أسئلة لو سمحتي، كلِّ اللي عايزه منِّك عايزك تعذريني وتسامحيتي لو جيت عليكي في وقتِ من الأوقات…قالها وتحرَّكَ سريعًا للمرحاض..
بعدَ فترةٍ توقَّفت السيارةَ أمامَ المشفى، نظرت إلى رجالِ راجح المنتشرين حول المشفى، ثمَّ أشارت إليه:
-دا ممكن يمنعني أشوف أبويا..
ترجَّلَ من السيارة، يشيرُ إليها بالنزول:
-انزلي حبيبي وخلِّي حد يقرَّب منِّك..
طالعتهُ بأعينٍ مذهولة، هل هو نطقَ حبيبي، لا تعلم لما ابتسمت وخاصةً حينما بسطَ كفِّهِ إليها، لتتشبَّثَ بها..
تحرَّكت بجوارهِ ليغمزَ بعينيهِ على ذراعه:
-فيه عروسة برضو تمشي جنبِ جوزها من غير حضن..أفلتت ابتسامةً وهتفت بضحكةٍ ناعمة:
-رايق أوي..
-وليه ماروقش، لفَّ ذراعهِ حول خصرها وتحرَّكَ بجوارها وهو يرتدي نظارتهِ السوداء يخفي بها نظرةَ الغلِّ والحقدِ التي تربَّعت بقلبه، توقَّفَ أحدُ رجالِ راجح أمامهما:
-ممنوع حدّ يدخل هنا، دي أوامر الباشا..
حكَّ أنفهِ يتجوَّلُ بأنظارهِ بالمكانِ إلى أن وصلت سيارةُ الشرطة وتوجَّهت إلى وقوفِ يزن، ترجَّلَ جواد حازم بجهازهِ اللاسلكي يشيرُ إلى الرجالِ الذين حاوطوا يزن وراحيل، ليشيرَ جواد إلى قوَّته:
-لمُّو العيال دي في البوكس، شكلهم عيال خارجين على القانون، ثمَّ اتَّجهَ بنظرهِ إلى يزن:
-هتنقلوه فين؟..
توسَّعت أعينُ راحيل بذهولٍ مردِّدة:
-إنتَ عايز تنقل بابا من المستشفى؟..أومأ لها وتحرَّكَ بجوارِ جواد حازم قائلًا:
-عندك مستشفيين ودول مفيش غيرهم تثقي فيهم، مستشفى الألفي ودي مديرها دكتور غزل الألفي ومستشفى البنداري، ودي مديرها دكتور يونس البنداري، توقَّفَ أمامها:
-راحيل متثقيش في أيِّ مخلوق مهما كانت درجة القرابة، حتى أنا متثقيش فيَّا أوي، لازم والدك يكون في إيد أمينة فهمتني؟..
أومأت بعيونٍ متلألئة..تمَّ تجهيزُ سيارةِ إسعاف لنقلِ مالك العمري إلى مستشفى الألفي..دلفَ للداخلِ وهي تجاورهُ يسألُ عن مكتبِ دكتور غزل الألفي، بعدَ قليلٍ قابلتهم غزل، توقَّفوا أمامها لتحيَّتها معرِّفًا عن نفسه:
-يزن السوهاجي جاي عن طريق حضرة الظابط جاسر الألفي..
أشارت إليهم بالجلوس:
-أهلًا يابني اتفضل، انتقلت بعينيها لراحيل فأشارَ عليها:
-أستاذة راحيل السوهاجي، باباها تعبان، جلطة أدِّت لتوقُّف أعضائه..عنده أعداء من كلِّ حزب ولون، فكنَّا محتاجين الحماية، علشان كدا حضرة الظابط نصحنا نجي لحضرتك..
تراجعت بجسدها ووزَّعت عينيها عليهما قائلة:
-اعتبريه في أمان بدل جاسر قالِّك هيكون هنا في أمان فثقي يابنتي، انا باجي يومين بس في الأسبوع وساعات يوم واحد، بس متخافيش الدكاترة هنا على الثقة التامة، يعني لو جيتي في يوم ومكنتش موجودة ماتخفيش، أيِّ دكتور هنا غزل الألفي لو مش واثقة في كلامي اسألي برَّة عن غزل الألفي..
حمحمَ يزن مجيبًا:
-طبعًا حضرتك مش عايزة سؤال، وكمان حضرتك عن طريق المستشار راكان البنداري، يعني مستحيل يرشَّح حد مش واثق فيه..
-خلاص أنا هعدِّي على المريض، وأرشَّح لك أفضل الدكاترة عندنا..
بعد فترة خرجت من المشفى وجدت زوجها ينتظرها بالسيارة، ترجل مبتسمًا، رفع نظارته الشمسية على خصلاته المختلطة بالشعر الأبيض
-حبيبتي اتأخرتي ليه ..قالها وهو يحتضن كفيها بين راحتيه
-بقالك كتير
فتح باب السيارة، لتستقلها مع استدارته لمحل القيادة
-لسة واصل من ربع ساعة بس، حتى لو من زمان مستعد استناكي العمر كله ياغزالتي
افلتت ضحكة ناعمة
-مش هتتزهق يعني ياجواد..رفع كفيها يلثمها
-تعتقدي جواد ممكن يزهق ياغزل، انت بس اللي مفكراني كبرت ومبقتش نافع
اقتربت تعانق ذراعه
-فشر ياحضرة اللوا مين دا اللي كبر، انت هتفضل جواد الظابط الصغير اللي
خطف عقل وقلب غزل بنت سبعتاشر سنة ..قاطعهم طرقات على باب السيارة
فتحت زجاج النافذة لترتفع ضحكاتها، انحنى بجسده
-مش عيب ياسيادة اللوا توقف قدام المستشفى بفعل فاضح كدا، اتصل بالاداب
-امشي ياحيوان من هنا، ايه اللي جاب الجربوع دا هنا
قهقهت تضع كفيها على وجنة جاسر
-بس ياجواد دا جربوع، دا عسل
سبها بداخله
-عسل اسود على دماغك ودماغه يادكتورة، وانا اللي ابن..ارتفعت ضحكات جاسر يشير إليه بالتحرك
-خلاص خلاص هسامحك المرة دي
أشار إليه بغضب
-الواد دا جاي هنا ليه، خرج برأسه من نافذة السيارة
-وٓلا ولا روح شوف مراتك فين بدل مانت ماشي تلف زي العاطل كدا..قالها وقاد السيارة ليطالعه جاسر جاحظ العينين مرددا
-أنا ولا وعاطل…كله بحسابه ياحضرة اللوا..وصل إليه يزن، استدار متسائلًا
-كله تمام ..اومأ له بالايجاب، تحرك معه للداخل قائلًا
-علشان تطمن اكتر هنحط كاميرا، ودا تصريح من راكان البنداري يعني قانوني
بفيلَّا الجارحي، دلفَ إسحاق إلى غرفةِ مكتبه، توقَّفَ فاروق يطالعهُ باستفهام:
-مالك فيه إيه؟..قولتلي عايزك ضروري..
أشارَ إليهِ بالجلوس، فتح زرَّ حلَّتهِ وجلسَ يسحبُ نفسًا، ثمَّ زفرهُ بهدوءٍ بعدما شعرَ بالاختناق..فركَ جبينهِ يهزُّ رأسهِ بعنف:
-مصيبة يافاروق..تأرجحت أعينُ فاروق بقلقٍ من حالتهِ التي يراها به لأوَّلِ مرَّة، مما جعلهُ ينهضُ من فوق مقعدهِ واتَّجهَ يجلسُ بجواره:
-مالك فيه إيه؟!
مسحَ وجههِ بعنفٍ يضعُ كفوفهِ بنصفِ وجهه، ينظرُ أمامهِ بشرود:
-أرسلان..
ارتفعت دقَّاتُ قلبَ فاروق يرمقهُ بطرفِ عينيهِ بنظرةٍ زائغة، وأردفَ بلسانٍ ثقيل:
-ماله أرسلان، أوعى تقولِّي عرف حاجة؟!..
هبَّ من مكانهِ يدورُ حولَ نفسه بالغرفةِ وأنفاسهِ بالارتفاع:
-قريب، كلِّ حاجة هتنكشف قريب، أنا عاجز ومش عارف أفكَّر، لازم تفكَّر معايا، إنتَ عارف أنا عند أرسلان أعجز ودماغي بتوقف..
شعرَ برجفةٍ قويةٍ تعتصرُ فؤادهِ ليتساءلَ بحروفٍ ممزوجةٍ بالألم:
-دا وعدك ليَّا ياإسحاق، فضلت تقول أنا عندي استعداد أعمل وأعمل وجاي دلوقتي تقولِّي عاجز!..
اقتربَ منهُ وغرزَ عينيهِ بأعينِ أخيه:
-دا قبل ماأعرف أنُّه ابنِ مرات مصطفى السيوفي، والمصيبة الأكبر أنَّها عرفت أنُّه ابنها، التقطَ الملفَّ الذي كان بين يديهِ وألقاهُ إلى فاروق:
-بص شوف صورة الراجل دا وركِّز فيها أوي..فتحَه بأيدي مرتعشة، نظرَ إلى الصورةِ المحفوظةِ بداخلِ الملف، ثمَّ رفعَ عينيهِ إلى أخيه:
-مش فاهم حاجة، دي صورة طفل وصورة ستّ وراجل..
ضربَ على الملفِّ بقوَّةٍ أصابت عقلَ فاروق بالجنونِ حينما انبثقت أحرفهِ التي شعرَ حينها بتمزُّقِ روحهِ وهو يردف:
-ركِّز يافاروق في صورةِ الراجل، الولد نُسخة تانية من أبوه الحقيقي، وخد المفاجأة الكبيرة الطفل التاني دا بيكون إلياس السيوفي..
تشتَّتَ حيرةً بنظراتٍ ضائعةٍ يهزُّ أكتافه:
-أنا مش فاهم حاجة، مال السيوفي بأرسلان والراجل اللي في الصورة؟..
ثارت جيوشُ غضبِ إسحاق وفقدَ السيطرةَ حتى أرجعَ خصلاتهِ للخلفِ وكاد أن يقتلعها وهو يشيرُ إلى الملفِّ مرَّةً وإليهِ مرَّة:
-أرسلان بيكون ابنِ الراجل اللي في الصورة، والطفل دا أخوه، لأنَّهم اتخطفوا الاتنين وطبعًا إحنا لقينا أرسلان، ومصطفى لقي إلياس، إيه يافاروق أومال لو مااشتغلتش مخابرات، الدماغ دي فين، ركِّز ودقَّق في ملامحِ الولد، أمُّه جاتلي من شهرين ووقفت قدَّامي وهدِّدتني، ورغم كدا حاولت وقطعت كلِّ السبل اللي تقدر تثبت فيها أيِّ حاجة تخصُّه، ومنعته عن بيتِ السيوفي، لكن المصيبة الولد مقدرتشِ عليه، الدم بيحنِّ يافاروق ولأوِّل مرَّة أرسلان يعارضني..
عدَّت دقائق من الصمتٌ المميتٌ بالغرفةِ بعد إلقائهِ قنبلةَ حديثه، التي جعلت فاروق يشعرُ بانسحابِ أنفاسهِ وكأنَّ الهواءَ سُحبَ من المكانِ بأكمله..
تراجعَ يفتحُ زرَّ قميصه، وارتجفَ جسدهِ بالكامل، هرولَ إسحاق إليهِ بكوبٍ من الماءِ الموضوعِ على سطحِ المكتب:
-فاروق اشرب، خُد نفس، زاغت أبصارهِ يردفُ بتقطُّع:
-متخلُّهمش ياخدوه ياأسحاق أنا هموت لو حاولوا يبعدوه عن حضني..
ربتَ على كتفهِ وأظلمت عيناهُ بالأسى على أخيه، سحبَ بصرهِ بعيدًا عنهُ وأطرقَ رأسهِ خجلًا وعينيهِ تحوًَّلت لجليد..
-هوَّ ميعرفشِ حاجة، كنت بسأله عن حالةِ إلياس، من وقتِ مامراتِ السيوفي جاتلي وأنا براقبهم كلُّهم، عرفت فيه مشكلة عندهم بس معرفشِ إيه هي، أرسلان حكى شوية كلام عن حالةِ إلياس، بس هو ميعرفش، ربطت الكلام مع التقرير، وجمعت الأخبار كلَّها، ودلوقتي أنا شاكك 99% أنُّه أخوه، منتظر التحليل، كلام إلياس اللي أرسلان قاله بيوحي بكدا..
رفعَ رأسهِ يتمتمُ بتقطُّع:
-ممكن يكون مشكلة تانية ومش أخوه..
هزَّ رأسهِ بالنفي وأجابه:
-فاروق راجل زي إلياس، لمَّا يوصل به الحال للتدهوُّر دا يبقى اعرف الموضوع كبير، وتخبطُّه بالكلام، وكمان أنُّه يروح مستشفى هوَّ وأخوه دا مش طبيعي، أنا كلَّمت المستشفى علشان أعرف هوَّ كان بيعمل إيه، وبكرة الصبح الأخبار هتكون عندي، بس أنا من خبرتي بقولَّك الاتنين دول أخوات، ولو كدا يبقى إلياس مش هيسكت علشان البلاوي اللي ورا دا كلُّه عمُّهم، ودا أخباره كلَّها بتقول أنُّه مجرم، وفيه شكّ كبير يكون له علاقة بمنظَّمات، أنا وراه، كان لازم أعرَّفك، علشان نفكَّر إزاي نبعد الشك عن إلياس أو ..صمتَ للحظاتٍ ثمَّ تابعَ حديثه:
-نزوَّر التحليل اللي هيحاولوا يعملوه، نحاول بكلِّ الطرق مايوصلوش لحاجة، بس طبعًا دي هتكون مغامرة كبيرة جدًا ولو أرسلان عرف ممكن نخسره للأبد..
توقَّفَ مترنحًا يشيرُ بيديه:
-لا لا..إياك تعمل حاجة زي كدا، أنا لازم أقابل أمُّه الحقيقة..
توسَّعت أعينُ إسحاق بذهولٍ ولم يشعر بنفسهِ وهو يهتف:
-تبقى مجنون!..
مرَّت عدَّةَ أيامٍ ولم يعرف مكانه، حتى شعرَ مصطفى بالعجز، رغمَ سلطتهِ والبحثِ عنه، بينما فريدة التي التزمت الفراش ولسان حالها يردِّدُ اسمه..
جلسَ بمكتبهِ مع أحدِ الضباط المقريبين إليه:
-مفيش مكان إلَّا ما دوَّرنا فيه، مش عايزين ننزِّل صورته للجهاز، تليفونه مقفول وعربيته هنا..
قاطعهُ إسلام:
-طيب نشوف المستشفيات يابابا، يمكن..هبَّ من مكانهِ مفزوعًا وشعرَ بتوقُّفِ نبضه:
-متكمِّلشِ يابني الله لا يسيئك، دارَ بالمكتبِ محاولًا أخذَ نفس، استمعَ إلى هاتفه.. رفعهُ وأجابَ سريعًا:
-إيه ياأرسلان مفيش جديد؟..
أجابهُ قائلًا:
-للأسف ياسيادةِ اللوا مفيش أيِّ أخبار، لو يفتح تليفونه هيكون سهل نوصلُّه، لكن مفيش أيِّ أمل نمشي عليه، وكمان العربية..
تنهيدةٌ عميقةٌ غادرت ضلوعهِ ليجيبهُ بأسى وقلبٍ محفورٍ بحروفِ الألم:
-تمام يابني، ربِّنا يرد الغائب..
بالأعلى بغرفتها متمدِّدةً على فراشها تحتضنُ نفسها بوضعِ الجنين، تضمُّ قميصهِ لأحضانها، دلفت إليها غادة تحملُ طعامها، اتَّجهت إلى فراشها بعدما وضعت الطعامَ على الطاولة:
-ميرال..قومي حبيبتي علشان تاكلي، بقالك يومين ماأكلتيش، حرام عليكي متنسيش إنِّك حامل، قاطعهم طرقاتٌ على بابِ الغرفة، دلفت رؤى تطالعُ ميرال بعيونٍ حزينة، كأنَّها جثةٌ على فراشِ الوداع..
-مفيش جديد ياغادة..هزَّت رأسها بالرفضِ وترقرقت عيناها بالدموع:
-مفيش بابا بيحاول يوصلُّه، أنا خايفة على ماما فريدة..
نهضت ميرال من مكانها بعدما استمعت إلى حديثِ غادة، تحرَّكت بخطواتٍ واهنةٍ تستندُ على الجدارِ بأقدامٍ حافية، دفعت البابَ ودلفت للداخل، وجدتها تغفو وبكفِّها إبرةٌ مغروزة، يبدو أنَّها مهدئ أو مغذي، لم تكترث لذلك اتَّجهت إليها وجلست بجوارها على الفراش، مع متابعةِ غادة ورؤى إليها، توقَّفتا على بابِ الغرفةِ يطالعونها بأعينٍ ينبثقُ منها الحزن، مسَّدت على خصلاتِ فريدة:
-ماما ..كرَّرتها عدَّةَ مرَّاتٍ لتفتحَ فريدة عينيها بوهن، دقيقةٌ تطالعها بعيونٍ تحملُ من الألمِ ماينشقُّ له الصدر، اختلجَ صدرها بقبضةٍ كادت أن تزهقَ روحها، كيف تلومها على ما فعلتهُ بهما، وهي تحملُ من الغصصِ مالا يتحمَّلهُ أحد، انسابت دموعها كغزارةِ المطرِ تشهقُ بصوتها الباكي:
-أنا عايزة جوزي ياماما، ليه عملتوا فينا كدا، قلبي وجعني ومش قادرة أتنفِّس..كانت دموعها تنصهرُ على خدَّيها من حديثِ ميرال المؤذي لروحها، هل اقتصَّ ربَّها بما فعلتهُ بالماضي، ظلَّت عيناها متعلقةً بأعينِ ميرال التي ارتجفَ جسدها وهي تحتضنُ أحشاءها:
-عايزاه يرجع ياماما وهاخده ونهاجر من هنا خلاص مبقاش ينفع نقعد هنا، خلِّي عمُّو مصطفى يرجَّعلي جوزي لو سمحتي، هسامحك والله..
أزالت عبراتها تهزُّ رأسها مقتربةً من فريدة تحتضنُ كفَّيها ثمَّ انحنت عليهما تقبلهما:
-أبوس على إيدك مش قادرة أتنفس ياماما..رفعت كفَّيها على رأسها وأردفت بتقطُّع:
-هيرجع حبيبتي، أنا متأكدة أنُّه هيرجع، مش هيقدر يبعد كتير..
عندَ إلياس قبلَ عدَّةِ أيام، بعدَ حديثهِ مع فريدة، خرجَ من المنزلِ سيرًا على الأقدام، حاولَ حرسهِ أن يتابعَ سيرهِ ولكنَّهُ رفض، ظلَّ يتمشى بالشوارعِ دون هدى، اختلى بنفسهِ مثلَ الطفلِ التائه، جلسَ أمامَ النيلِ ينظرُ إليه بدموعٍ تخطُّ على وجنتيه، كالفتاةِ التي فقدت والديها وهي بعمرِ العاشرة، ظلَّ لبعضِ الوقتِ ومازالت دموعهِ تنسابُ بصمت، انهارت حصونه، وهو يتذكَّرُ ذكرياتَ طفولته، هنا شعرَ بخناجرَ تُغرزُ بصدره..
آاااه..خرجت بقيحِ جروحه، ومازالت ملامحهِ لوحةً من الألمِ والحزن، ابتسامةٌ حزينةٌ يهمسُ لنفسهِ بحروفِ الألم، حياتي ضاعت، بقيت مهشَّم، ماليش وجود، لا حصَّلت إلياس السيوفي ولا حصَّلت يوسف الشافعي..
إنتَ مهشَّم ياإلياس مالكش وجود، تحمل ماضي مشوَّه وبقايا لحياتك اللي مش عارف هتكون إزاي، إنتَ ضعت، لا إنتَ مت، موِّتوك وإنتَ عايش..
آااه صرخةٌ توغّّلت صدرهِ يحرِّكُ كفِّهِ عليه علَّهُ يزيلُ كمَّ الألمِ الذي يشعرُ به..
دقائق بل ساعات مرَّت وهو مازال جالسًا ينظرُ بشرودٍ للنيل..قاطعهُ رنينُ هاتفه، عينًا ممزوجةً بالدموعِ والوجعِ العميق، يمرِّرُ أناملهِ على صورتها التي أنارت شاشةَ هاتفه..
قلبه يحنو إليها ويتعاطفُ لنبضها باسمه، ولكنَّ عقلهِ وآهٍ من عقلهِ وتخبُّطه، ليجعل شيطانهِ يتلوَّنُ به، ولكن كيف للعقلِ أن يتغلَّبَ على القلبِ وهو الذي لا يشعرُ بالحياةِ سوى بقربها، رغم قساوتهِ معها، إلَّا أنَّه يتنفسُ عشقها، رفعَ الهاتفَ وأجاب:
-أيوة..استمعَ إلى شهقاتها التي شقَّت صدره، ناهيكَ عن دموعها التي شعرَ وكأنَّها شظايا تشحذُ جلدَ صدره:
-إلياس ..إلياس ..كرَّرتها عدَّةَ مراتٍ مع بكائها المستمر، قول إنِّنا في كابوس مستحيل اللي سمعته دا، إلياس قولِّي إنِّك بتحلمي وهتفوقي منُّه، ماما فريدة مستحيل تعمل فينا كدا، مستحيل، أنا بنتها ياإلياس، أنا بنتها…
كرَّرتها ببكاءٍ صارخةً حتى انهارت حصونهِ بالكامل..لتصرخ:
-مستحيل أكون بنتِ الراجل دا، إنتَ سامعني، أنا ماليش ذنب ياإلياس أنا معرفوش، لا أنا مش هيَّ لا أنا بنتِ مدام فريدة صح كدا، مش إنتَ كنت بتقولِّي كدا، صرخت :به
-إنتَ ساكت ليه، أوعى تقولِّي إنَّك مصدَّق، أنا موافقة تقولِّي يابنتِ مدام فريدة بس متقولِّيش بنتِ الراجل دا،
صرخةٌ بآهةٍ عاليةٍ خرجت من جوفِ شعورها بكمِّ الألمِ وكأنَّ عظامَ صدرها تنصهر..
-حياتنا كدا خلاص، يعني إحنا مابقاش ننفع نكمِّل مع بعض، أنا بنتِ الراجل اللي سرق حياتك، وإنتَ ابنِ الستِّ اللي سرقت حياتي..
توقَّفت تدورُ بالغرفةِ بترنُّحٍ كشجرةٍ مكسورةِ الأغصانِ تدفعها الرياحَ لتهوى على الأرضيةِ وترتفعُ شهقاتها..
إنتَ فين حبيبي ارجعلي لو سمحت، إلياس إنتَ فين..ظلَّت تردِّدُ اسمهِ بلسانٍ ثقيلٍ إلى أن أغلقت الهاتف..
هنا شعرَ وكأنَّ أحدهم ألقاهُ بضربةٍ موجعةٍ قسمت ظهرهِ لنصفين، وهشَّمت عمودهِ الفقري ليشعرَ بالعجزِ وعدمِ القدرةِ على النهوض..حديثها كصاعقةٍ أصابت قلبهِ الممزَّق، أمسكَ هاتفهِ وظلَّ يقلِّبُ به إلى أن تذكَّرَ مقابلتهِ لإسراء:
-نعم ياباشا، واللهِ ما عملت حاجة..أشارَ إليها بالجلوسِ يستدعي ساعي مكتبه:
-اعملي قهوة والمدام ليمونادا..
-تحتِ أمرك ياباشا، أخرجَ سيجارتهِ وأشعلها وعينيهِ تحاصرُ جلوسها، ابتلعت ريقها خوفًا من نظراته، ورغم هدوئهِ إلَّا أنَّ تلك النظراتِ المميتةِ جعلت قلبها يسقطُ بين أقدامها، نفثَ رمادَ سيجارتهِ وعينيهِ على تحرُّكِ أعضاءِ جسدها، ظلَّت تفركُ بكفَّيها مبتعدةً عن نظراتهِ الافتراسية، وصلَ الساعي بالقهوة، أشارَ إليه:
-ادِّي المدام ليمونادا، هزَّت رأسها رافضةً ثمَّ أردفت بتقطُّع:
-شكرًا ياباشا، أنا عندي بنت زمانها على وصول من الجامعة وهتقلق عليَّا لو ..قاطعها متوقِّفًا ثمَّ اقتربَ وجلسَ بالمقعدِ الذي يقابلها ثمَّ دنا بجسدهِ للأمامِ هامسًا بسؤال:
-فريدة الشافعي فكراها ..توسَّعت عيناها بذهول، تهزُّ رأسها مرَّةً بالرفض ومرَّةً بالإيجاب، زفرَ بغضبٍ وصاحَ قائلًا:
-وبعدين معاكي، جاوبي أه ولَّا لأ؟..
-أيوة ياباشا، فريدة كانت جارة وصديقة، بس انقطعت أخبارها بعد جوازي، آخر مرَّة شوفتها فيها بعد جوازها من أخو جوزها بكام شهر، صمتت للحظاتٍ تلتفتُ حولها:
-حضرتك عايز منها إيه، أنا ماليش دعوة، أنا ستّ على بابِ الله ماليش غير بنتي وابني، أشارَ بإصبعهِ أن تصمت:
-ردِّي على قدِّ السؤال وبس، وعايز الصدق، هتكذبي ..هزَّت رأسها سريعًا بالنفي:
-هوَّ كلِّ شوية حد يجي يسألني عليها ليه، واللهِ ماأعرف مكانها ولا أعرف أنَّها عايشة ولَّا لأ..قبضةٌ قويةٌ اعتصرت فؤادهِ متسائلًا بخفوت:
-احكيلي تعرفي عنها إيه، ووعد منِّي مش هعملِّك حاجة..قصَّت لهُ كلَّ شيئٍ من موتِ جمال إلى زواجها ومعاناتها مع راجح..
انحبست أنفاسهِ بصدره، ولم يشعر سوى بالألمِ الحادِّ الذي تسلَّلَ إلى جسدهِ بالكاملِ ليرفعَ كفِّهِ وبأناملهِ المرتعشةِ محاولًا فتحَ زرَّ قميصه، بعدما أشارَ للعسكري قائلًا بصوتٍ متقطِّع:
-رجَّعوها مكان ماجبتوها..خرجت وعيناها عليه إلى أن توقَّفت على بابِ مكتبه:
-يمكن تموِّتوني بس راجح دا شيطان وربِّنا ينتقم منُّه، أنا مش خايفة منُّه ولا منَّك، الراجل اللي يذلِّ ست يبقى مش راجل، واطي راجح وبدل مايلملم ولاد أخوه ضيَّعهم هوَّ والزبالة مراته، ولو حضرتك عايز توصل لفريدة علشان تكمِّل انتقامك منها بأوامره أنا معرفشِ وحتى لو أعرف مش هقولَّك، الربِّ واحد والعمرِ واحد يابني، شكلك ابنِ حلال وربِّنا منحك وظيفة علشان تدافع عن حقِّ المظلوم متعملشِ زي أهلِ البلد اللي رموها بالباطل، فريدة أشرف ست، كانت أم وأخت وجارة، والناس اللي خافت من راجح زمان بسبب تجبُّره روح شوف حالتهم إزاي، ربِّنا عمره مايسكت على الظالم بيسلَّطه على نفسه، ربِّنا يكفينا شرُّكم يابني..ربِّنا يكفينا شرُّكم، قالتها وتحرَّكت للخارجِ تدعو عليهم ليخترقَ صوتُ دعائها أذنيهِ وهي تبوحُ بمرارة:
-ربِّنا على الظالم والمفتري، ربِّنا على الظالم والمفتري…خرجَ من شرودهِ على رنينِ هاتفهِ مرَّةً أخرى، أغلقهُ واعتدلَ
ينهضُ بتخبُّطٍ يشيرُ إلى سيارةِ أجرة، استقلَّ السيارةَ قائلًا:
-ودِّيني السويس …بعدَ فترةٍ وصلَ إلى الحيِّ الذي كان يسكنهُ والديه، نزلَ من السيارةِ ينظرُ حولهُ بضياع..
تحرَّكَ إلى عدَّةِ أماكن يتفحَّصها وجلسَ مع بعضِ الأشخاصِ الذين بعمرِ فريدة أو أكبرَ منها بسنواتٍ معدودة، ظلَّ يتنقَّلُ هنا وهناك إلى أن جلسَ أمام البحرَ ينظرُ إليهِ بضياع، مرَّ يومينِ وهو بالسويس إلى أن خطرَ في ذهنهِ الذهابَ إلى قبرِ والده، تحرَّكَ يبحثُ عن المقابر، سألَ المسؤولَ عن المقابر:
-لو سمحت فين مقابر عيلة الشافعي هنا؟..دلَّهُ الرجلَ على مكانِ قبرِ والده، سحبَ قدمهِ بصعوبةٍ يتحرَّكُ بتثاقلٍ يحملُ على ظهرهِ الكثيرَ من الألمِ الذي علمهُ بما أخبرهُ به البعض، وصلَ إلى المقبرة، ينظرُ إليها بتوهان، هل هنا دُفنَ والده، هل هنا دُفنت ذكرياتَ حياته، فيومَ وفاةِ والدهِ هو يومَ دفنهِ حيًّا، ظلَّ لدقائقَ معدودةً ينظرُ إلى القبرِ بعيونٍ خاوية، لقد جفَّت دموعه من كثرةِ بكائها، كم صعبٌ أن أخبركَ عن ماأشعرُ به، هنا كُتبت عليه حياةُ الضياع، هنا دُفنت أحلامهِ وهويَّته، ليتهُ ظلَّ لبعضِ السنواتِ كي يعلمهُ كيف يكونُ الحضنُ الحامي، هل ماشعرَ به بأحضانِ مصطفى كانت سراب، هوى أمام القبرِ بركبتيهِ عندما تلاشت ساقيهِ وأصبحت هلاميتين، بسطَ كفَّيهِ بارتجافٍ على قبرِ والده، ظل يمرِّرُ يديهِ على المقبرةِ يعاني من قيحِ نزيفهِ الداخلي ..لم يشعر بنفسهِ وهو يستندُ برأسهِ عليها وتساقطَ الدمعُ مرَّةً أخرى يتمتمُ بخفوت:
-با…با ..أخرجها بثقلٍ وتقطُّع، شهقةٌ من جوفهِ يغمضُ عينيه:
-موتنا من بعدك يابابا، شوفت الراجل اللي المفروض يكون حمانا ويكون أبونا التاني عمل إيه، هوَّ للدرجة دي الدنيا بقت وحشة، هوَّ ممكن عم يعمل في ولاد أخوه كدا..بكاءً حارقًا وصرخاتٍ يتبعها لكمةً بالأرض، وكأنَّهُ يزيحُ الألمَ الذي غزا حياته، ليجعلهُ ميتًا وهو على قيدِ الحياةِ من غدرٍ بلا شفقةٍ من الأقربونَ إليه..
-ليييييه، ليه كلِّ الغلِّ والحقدِ دا، إيه اللي حصل يوصَّل العم يقتل ولاد أخوه وهمَّا على وشِّ الدنيا، ياريتك أخدتنا معاك يابابا، على الأقلِّ كان هيكون لينا شهادة وفاة واحدة، حرمونا منَّك وحرموك منَّا، أنا ضايع يابابا، هويِّتي فين، مقسوم نصين لا عارف أكون يوسف ولا عارف أكون إلياس، وأخويا اللي معرفشِ عنُّه حاجة…
ياترى عايش ولَّا لأ، ياترى حياته إزاي؟..
ظلَّ لعدَّةِ ساعاتٍ لم يشعر بالوقتِ الذي مرَّ عليهِ وهو جالسٌ بتلك الحالةِ إلى أن استمعَ إلى صوتِ مصطفى:
-كدا ياإلياس باباك هان عليك تعمل فيَّا كدا..
-بابا..قالها متوقِّفًا بمقابلته بجسد واهن، ضمَّهُ مصطفى لأحضانهِ بقوَّةٍ وكأنَّهُ سيذهبُ ويتركه..
-حبيب بابا، ينفع تعمل فيَّا كدا يابني، طفل إنتَ علشان تتوِّهني وراك…
آسف..أخرجها بصوتٍ خافت، وعيونٍ تلمعُ بالانكسار، ضمَّ وجههِ يفركهُ بكفَّيه:
-فين إلياس مين اللي واقف قدَّامي دا..
قالها وهو يطوفُ بنظراتهِ عليه، وهاتفهُ بنبرةٍ منكسرة:
-فين إلياس ابني، إنتَ مستحيل تكون ابني..ابتعدَ عن محاوطةِ كفَّيهِ ورفع عينيهِ الجريحتينِ بمياهِ الألمِ قائلًا:
-لسة مصرّ تقول ابنك ياسيادةِ اللوا، مش كفاية سرقك لهويِّتي..
شعرَ مصطفى بالذنبِ من ضعفهِ وانكسارِ روحه، ليقتربَ يحاوطُ أكتافه:
-تعالَ حبيبي مراتك بتموت وأمَّك كمان بلاش تعمل كدا لو سمحت يابني، افتكرلي حاجة كويسة..
لم يستطع كبحَ هياجِ مشاعرهِ بذكرهِ لأغلى اثنينِ على قلبه، شعرَ بالخوفِ والقلقِ ليجذبهُ من ذراعهِ يتحرَّكُ به عائدًا إلى القاهرة.
وصلَ إلى فيلَّا السيوفي، كانت تغفو كعادتها تحتضنُ نفسها، دلفَ للداخلِ وعينيهِ تتعمَّقُ بملامحها التي اشتاقها حدَّ الجحيم، خطا خطوةً إلَّا أنَّ أحدهم دفعَ البابَ يصيحُ باسمه:
-إلياس ..قالتها فريدة وهي تهرولُ تضمُّهُ بأحضانها وتبكي بصوتٍ مرتفع:
-كدا ياإلياس، هنَّا عليك يابني..
هبَّت من نومها بعدما استمعت إلى بكاءِ فريدة، لتعتدلَ فوق الفراشِ تتابعهُ بعينينٍ جريحتين من كثرةِ الحزن، تقابلت النظراتُ بينهما في عتابٍ طويل، جذبَ مصطفى فريدة قائلًا:
-سبيه حبيبتي خلِّيه ياخد شاور ويرتاح شوية، ربتَ على كتفه:
-حبيبي خد شاور هنستناك نتعشَّى كلِّنا مع بعض، أخواتك قافلين على نفسهم وزعلانين، بترجَّاك يابني بلاش توجع قلبي عليك، أنا مش هسمحلك تتكسِر كدا، أنا ربِّيت راجل أسد ومش هتنازل عن كدا…
كانت عيناهُ عليها وكأنَّهُ لم يستمع إلى حديثِ مصطفى الذي سحبَ فريدة وتحرَّكَ يغلقُ البابَ خلفهِ بهدوء..
جلسَ على المقعدِ يحتوي رأسهِ بين راحتيه، ظلَّت تتابعهُ بصمتٍ إلى أن توقَّفت مترنحةً وبجسدٍ مرتعشٍ همست اسمه بتقطُّع، ليرفعَ عينيهِ الذابلة إليها:
-كنت فين، نسيت إنَّك سايب واحدة حامل وراك، نزلَ بعينيهِ على بطنها ثمَّ نهضَ من مكانهِ واتَّجهَ إلى الحمَّامِ دون حديث..
انسابت عبراتها على حياتهما التي انهارت وأصبحت شظايا، خرجَ بعد قليلٍ يلفُّ نفسهِ بمنشفة، اقتربت منهُ تضعُ كفَّيها على كتفهِ العاري، تراجعَ كالملسوعِ يشيرُ إليها:
-ماتلمسنيش ولا تقرَّبي منِّي، دلفَ لداخلِ غرفةِ ثيابهِ وخرجَ بعد دقائق، متَّجهًا إلى غرفته، هرولت خلفهِ تتشبثُ بكفِّه:
-رايح فين ياالياس..نزعَ كفِّهِ ورفعَ عينيهِ إليها:
-مش عايز أكرهك، لو سمحتي ابعدي عنِّي، متخليش غضبي يحرقك بذنب ابوكي
دنت منه تضم وجهه بين راحتيها، وعيناها التي تكورت بها خط من الدموع، ناهيك عن ذبولها قائلة
-إنت اللي متقولش كدا علشان مكرهكش ياإلياس،، مش بكفيك ياحضرة الظابط، انا بنت قلبك يابن السيوفي، رفعت نفسها وطبعت قبلة على خاصته تضع رأسها بحناياه، تحاول أن تفيق من اسوء كوابيسها وخرج صوتها متقطع
-احنا قدرنا واحد، لا انت مسموح لك تبعد وانا مسموح لي ابعد عنك ..رفعت عيناها المتلألئة بنيران الألم
–
-انا اسمي ميرال جمال الدين، اللي هي مرات إلياس السيوفي ماليش دعوة باللي اتقال
تراجعَ بعيدًا وغادرَ المكانَ وهو يردِّد:
-أبوكي هقتله ياميرال، سمعتيني موته هيكون على إيدي، بس مش هموِّته موت عادي، ياريتك تنسحبي من حياتي..قالها وتحرَّكَ يغلقُ البابَ خلفهِ دون أن ينظرَ إليها، لتهوى على الأرضِ تبكي بشهقاتٍ وهي تحاوطُ بطنها…مرَّ يومينِ وهو حاليًا نفسه بغرفتهِ لم يختلط بأحد..
دلفَ مصطفى إليهِ وقلبهِ يتمزَّقُ على حالته، اقتربَ منهُ وجدهُ جالسًا بالأرضيةِ وحولهِ صور مراحلهِ منذ الطفولة، ربتَ على كتفه:
-إلياس..رفعَ رأسهِ وليتهُ لم يرفعها، هل هذا إلياس السيوفي، ابتلعَ آلامهِ وهتفَ بتقطُّع:
حبيبي قاعد كدا ليه، قوم ياإلياس..مينفعشٍ اللي بتعمله في نفسك دا، إنتَ كدا بتموِّت نفسك يابني..
ابتسمَ بسخريةٍ يهزُّ رأسهِ بجمود:
-إلياس ابنك!! طيب إزاي، إيه دا ياسيادةِ اللوا العظيم الموقَّر صاحبِ الأخلاق لسة مصرّ إنِّي إلياس، ارتفعت ضحكاتهِ وتمدَّدَ على الأرضِ كالذي فقدَ عقله:
-تلاتين سنة وأنا عايش في كدبة، أب غير الأب وأم غير الأم …أم اعتدلَ ينظرُ إلى مصطفى:
-هوَّ أنا بحلم ..هزَّ رأسهِ يتجوَّلُ بنظراته:
-أيوة أنا بحلم، أيوة بحلم مستحيل دا يكون حقيقي، دا مش حلم دا كابوس..مراتي تطلع بنتِ أسوأ راجل، وكمان حامل بابني، نظرَ للخارج:
-ابني، ياترى هختار ابني ولَّا أختار أبويا وسيرته، ولَّا أمي…أه وأمي تطلع أكتر شخص كرهته، نظرَ لأعينِ مصطفى:
-تفتكر دا عدل يامصطفى باشا؟..
-إلياس فوق بقى، مكنتش أعرف إنَّك ضعيف كدا..
انحنى بجسدهِ إلى مصطفى:
-إلياس مين ياباشا، حضرتك مش واخد بالك، إلياس بح بح يامصطفى باشا..
حاوطهُ وحاولَ أن يهدِّئَ من روعه:
-حبيبي اسمعني، أنا مكنشِ قصدي أدمَّرك زي مابتقول، ولا قصدي أسرق حياتك..
-عارف مكنشِ قصدك، وكمان عارف اللي أخد أخويا برضو مكنشِ قصده، بس ياترى هيكون عايش ولَّا لأ، تعرف
خايف أخويا التاني يطلع مجرم، ولو ربِّنا بيكرهني أكتر أكون دمَّرت حياته من اللي حكمت عليهم وأنا معرفش، صح يابا..توقَّفَ عن الحديثِ واتَّجهَ بنظرهِ إليه:
-بابا إزاي وإنتَ مش أبويا، يعني أمّي مش أمّي وأبويا مش أبويا، ولا إلياس طلع إلياس…توقَّفَ بجسدٍ متخبِّطٍ لم يستطع الثبات، ترنَّحَ كالمخمورِ يردِّدُ إلياس طلع مش إلياس..
حياة كلَّها كدبة، وأمي طلعت مش أمي..إنتَ مش أبويا..وأنا مش أنا..
إلياس السيوفي طلع وهم لا، طلع كدبة، ظلَّ يردِّدُها وهو يغادرُ الغرفة..
وصلت إليهِ ميرال:
-هتسيبه كدا، لازم تتصرَّف ياعمُّو، أنا خايفة عليه دا ممكن يعمل حاجة في نفسه،أحسَّ وكأنَّ أحدهم طعنهُ بمنتصفِ ظهرهِ ليشعرَ بعدمِ قدرتهِ على الحركة، وانسابت عبراته:
-حاولت ومش عارف، مش مهمّ اللي بيعمله المهمّ يفضل في البيت ومرجعشِ أدوَّر عليه تاني..
يومٌ آخر محمَّلٌ بالأحزانِ التي شطرت القلوب، نهضت من نومها باكيةً بصوتٍ مرتفع، لقد اشتاقت إليهِ حدَّ الجنون، اشتاقت إلى ضحكاتهِ إلى همساتهِ حتى إلى صوتهِ البارد..
نهضت بعدما شعرت بالحزنِ فكلَّما تذكَّرت حالتهِ تشعرُ بآلامٍ تفوقُ قدرتها، نهضت متسلِّلةً وقامت بتبديلِ ثيابها لمنامةٍ سوداءَ اللون، ثمَّ جذبت روبها وارتدته، بعدما أنهت زينتها، وتحرَّكت للخارجِ متَّجهةً إلى غرفته، بعدما قامَ بتبديلِ الغرف ..فتحت البابَ بهدوء، وتحرَّكت بحذرٍ حيث كان الظلامُ يحاوطُ الغرفة سوى من انعكاسِ ضوءِ القمرِ المتسلِّلِ من النافذة، تحرَّكت تجذبُ ستائرَ النافذةِ وعينيها على نومهِ المستكين، ذهبَ بصرها لتلك الأدويةِ التي توضعُ على الكومودينو، رفعتهُ تقرأُ ماعليه، أصابها الألمَ أضعافًا مضاعفةً على حالتهِ التي وصلَ إليها ..قامت بنزعِ روبها وتمدَّدت بجوارهِ تندثرُ داخلَ أحضانه، شعرَ بها ولكنَّ ثقلَ رأسهِ جعلهُ لم يحرِّك ساكنًا، مرَّرت أناملها على وجههِ تهمسُ له:
-دقنك طولت ياإلياس، رغم مبحبَّهاش كدا بس بكلتا الأحوال بحبَّك بكلِّ حالاتك..
فتحَ عينيهِ بتملُّلٍ وكأنَّها تراودُ أحلامه، شعرَ بملمسِ أناملها على وجههِ ابتسمَ قائلًا:
-أكيد مش بحلم صح..دفنت نفسها بأحضانهِ وأردفت بخفوت:
-لا مش حلم أنا هنا..أغمضَ عينيهِ مرَّةً أخرى مبتسمًا، رفعت رأسها تهمسُ اسمه:
-عايزة أقولَّك خبر حلو، بس لازم تفوق مستحيل أقولَّك وإنتَ كدا..
رفع ذراعيهِ يشدِّدُ على احتضانها:
-مفيش أجمل من إنِّك تكوني جوَّا حضني..لمعت عيناها بالسعادةِ من كلماتهِ حتى فرَّت دمعةٌ بطرفِ جفنيها رغمًا عنها لتصلَ لشهقة، فتحَ عينيهِ ولكنَّه غير مسيطرًا على حالته، دنا برأسهِ من وجهها:
-أنا كويس، المهم إنِّك كويسة..
لمست وجنتيهِ واحتضنت عينيه:
-حبيبي أنا هجبلك ولد، عرفت نوع الجنين، ربِّنا بيعوَّض أهو، شوفت حب يربُط على قلبك فرزقك بمولود، قالتها وهي تضعُ كفَّيهِ على أحشائها:
-هنا فيه قطعة منَّك..نظراتٌ فقط يطالعها بارتفاعِ أنفاسه، حتى شعرَ بقبضةٍ تعتصرُ فؤادهِ ليعتدلَ على فراشهِ بجسدٍ مترنِّح:
-مش عايزه، الحمل دا لازم ينزل..قالها وتوقَّفَ كالمخمورِ يترنَّحُ يردِّد:
“لا مش هقدر أكون أب، لازم ينزل”
علومبيولوجية
