رواية وادي الذئاب المنسيه الفصل الحادي عشر11 بقلم عمرو عبد الحميد

رواية وادي الذئاب المنسيه 
الفصل الحادي عشر11
بقلم عمرو عبد الحميد
 
قبل واحد وعشرين عاماً:
 نوح:

كنت في الرابعة من عمري عندما سمعت صرخات الخالة "المتتابعة"في منتصف الليل لتسود بعدها حالة حالة من الهرج والمرج في بيتنا ،اذ نهضت اني من نومها  وارتدت ثوبها على عجل وهرولت خارجة نحو البيت الذي يجاورنا وهي تقول لأبي؛
-يبدو أن ريحانة ستفعلها الليلة .
ليجيبها في غير إكتراث :
-أراهنك انه انذار كاذب ككل ليلة.
حاولت حينها اللحاق بأمي .لكني ابي اوقفني بزعيقه ،ونهرني غاضباً،ماذا ستفعل هناك؟إنه شأن يخص النساء ،عُد إلى فراشك ستعود أمك بعد قليل خاوية الوفاض ككل مرة تخرب فيه تلك المرأة منامنا ،
عدت منزويا إلى غرفتي وقتها ،وجلست بجسدي الضئيل وراء الباب انتضر امي وانا استمع الى الصرخات التي استمرت الى وقت اطول من اي ليلة مضت ؛حتى سكتت اخيراً،لكن أمي لم تعد الى دارنا بعدها كما اعتادت ان تفعل بعد سكون الصراخ كل ليلة ،حتى ابي بدا وكانه تعجب من تأخرها فسمعت صوت بابه يفتح ،ويخرج متجها الي بيت جيراننا فتسللت ورائه انا الآخر دون أن يراني ودلفت خلفه عبر باب بيت الخالة الذي كان مفتوح على مصراعيه تفوح من داخله رائحة قلق وريبة كانتا تضهران بوضوح على كافة وجوه الحاضرين الذين يبدو وكأنهم لم يلحضو حتى وجودي 
مع ارتباكهم الشديد.
كان في الردهة اربعة رجال غير ابي ،وامراتان جميعم جيراننا وفي غرفة جانبية كانت امي تقف مشمَّرة اكمامها بحوار سرير لتستلقي عليه الخالة ريحانة التي إنطبع على وجهها شيئا من الحسرة بينما تقف ثلاثة نساء في جانب الغرفة تحملقن في فراش صغير بكل دهشة ،واصلت تسللي حينها ووقفت بجوارهن 
لأجد على ذلك الفراش لفة قماشية تحوي صغيراً لا يضهر منها الي رأسه يموء قلقطة ،بجانبه سراج ناري مددت إصبعي لألامس وجهه وهبطت من جبهته إلى انفه إلى شفتيه مطبقا عليه ماصا له فضحكت فسرخت فيا امي.
-نوح ،ماذا جاء بك هنا ؟!
جفل جسدي و ركضت إلى الخارج حيث كانت الهمهمات والمناقشات الحادة لاتزال متواصلة بين الحاضرين ،ربما كانت اكثر وضوحا بنسبة لي هي جملة ابي حين قال :
-لو علم الجنود بأمر هذه المولودة سيحرقون الضيعة بأكملها .
ليقول رجل آخر  إسمه السيد (راشد):
-قد نكون مخطئين، لم يرى أحدا منا ملدياً من قبل ،وكل صفاتهم قرأناها في الكتب فحسب.
فنظر له أبي ،وتابع :
-ومنذ متى يولد البشر بعيون صفراء؟!إنها ملدية لا محالة ولا بد أنَّ أن بهلول وريحانة يخفيان شيئاً 
كان العم بهلول زوج الخالة ريحانة يقف جانب الردهة يحدق شاردا في السماء عبر الشرفة .قبل أن يقطع أبي شروده زاعقا فيه :
-أهناك تفسير لعينين الفتاة الصفراوين يا بهلول .
ليتلفت وينضر إلى الحاضرين  بأعين زائغة  تلمع دموعه نافياً بهز رأسه .
لا أعرف ماذا دار من حديث بين الرجال بعدها ،إذ خرجت أمي وجرتني من يدي لتعود بي الى بيتنا ،بينما ظلَّ أبي طوال الليل مع الرجال يتناقشون مع عمي بهلول بخصوص مولودته الجديدة .
                                   *******
هكذا وصلت (ناي)إلى هذه الدنيا في العام الخامس والسبعين بعد جفاف بحيرة (جِمارة)أخبرتني أمي ذات مرة أن الخالة ريحانة سمتها بذلك الاسم لولعها الشديد بلموسيقى ،قبل أن ينهينا أبي عن الحديث عنها محذرًا أمي عن مخاطر ذلك الفعل.
لم أفهم في طفولتي المبكرة سر عصبية ابي المستمرة مع اي حديث يخص (ناي)إلا بعدما كبرت قليلا وأدركت أن عينين ناي الصفراوين لا تماثلهما عينان في قريتنا ،وإن لم يمثل ذلك أي فارق لي ،حتى عندما حاول ابي مرارً وتكرارًا أن يمنعني من الذهاب مع امي لزيارة خالتي  ريحانة في بيتهاالجديد من أجل اللعب مع الفتاة وإطعام الطيور معها ،لم يفلح في ذلك قط وعندما منع امي من تلك الزيارات كنت أذهب بمفردي بعدما حفظت الطريق إلى هناك عن ضهر قلب مع صغر سني،إذ كنت أحب مرافقة ناي منذ حتى قبل ان تستطيع الركض ،حتى السيد (بهلول)الذي لطالما وبخني على ذهاب الى بيته من اجل ناي رضخ في النهاية مع مثابرتي وتصميمي على مصادقتي طفلته بشرط أن لا نتجاوز سياج بيته الخشبي ،لتمر سنواتنا معاً صديقين لا ثالث لهما ،أو تقول حبيبين لا يستطيع مخلوق تفريقهما:(نوح و ناي).
سنة بعد أخرى فهمت سر القلق الذي إنتاب جيراننا ليلة ولادة ناي فلكل هنا يعرف ما حدث في وادينا قبل ثمانين عاما من تلك الليلة ،تلك الحروب التي دارت بين جدودنا والذئاب ،والتي على إثرها قتلت كل الذئاب وشنق كل الملديين وحل الجفاف في الوادي ،ليلازمنا الفقر والجوع من وقتها ونرضى بلفتات الذي نحصل عليه من (التيبيانيين)الذين احتلو بلادنا وجعلو منها مقاطعة لبلادهم موفرين لنا حصصا ظئيلة من الحبوب كانت تنقلها إليناجنودهم بعد كل موسم حصاد مقابل أعمال شاقة للغاية تكفل بها رجال وادينا،أغلبها يتعلق ،بتقطيع الصخور والمرمر من الحبال وبتر الاشجار من غابة الزافور ونقل أخشابها إلى (هيتاء)عاصمة بلادهم ،وهذا الشئ قد نتحدث عليه لاحقاً .
لكني دعني ارجع الان الى ليلة ولادة ناي والتي عرفت بما دار فيها بعد سنوات مرورها عندما تطرقنا انا وابي وامي إلى ناي وقالي أبي:
-لم أضن ابدا تلك الليلة أن تلك الشيطانة ستصل إلى عامها التاسع 
ولما غضبت بوصفه لها ذلك الوصف ،ربتت أمي على فخذي قائلا لأبي:
-إنها بشرية مثلنا،وكنتم ستقتلونها بسبب غبائكم الحاد.
فقال بغرور:
-مازلت في رأيي ،إنّها ملدية ولو أنكر أبوها ألف عام .
سألت أبي حينها مستنكراً :
-هل كنتم ستقتلون ناي حقاً.
أومأ برأسه إيجاباً ،وقال:
-نعم،فكرنا في ذلك في ليلتها بعدما رأينا عينيها خوفاً من بطش الجنود والناس بنا،لن ينسى هذا البلد ما حدث قبل جفاف البحيرة،ولن يتجاهل شخص واحد نبوءة حائط الرؤى .  
كنت اعرف كل شيء  يقصده ابي مثلي مثل كل الأطفال في عمري وقتها وإن لم اقتنع بكثير من التفاصيل الحكايات التي نشأت على سماعها، فقلت:
- حتى إن كانت حكايات ما قبل الجفاف صحيحة فيبقى الملديون بشر مثلنا ولا أجد مبررا لقتلهم في تلك الحرب.. 
حذرني ابي بسبابته قائلا: 
- الملدي نصف بشر ونصف ذئب.. 
ثم زفر وتابع متذكرا، 
-لولا أننا كنا في حاجة ماسة الى عمل بهلول لما تركنا تلك الطفلة ...
دار في بالي عمل العم بهلول وميزته الغريبة التي انقذت ابنته،  إذا كان مزيلا للفضلات، يحمل بعربته الخراء من ابار البيوت الخلفية في قريتنا و القرى المجاورة وينقلها الى وراء جبل يبعد عنا عشرين ميلاً، فيما تقود زوجته الخالة ريحانة عربة اخرى تحمل المياه النقية من جدول صغير يقع داخل غابة الى قريتنا، ربما كان هناك من يعوض عمل خالتي ريحانة، لكن الوصمة التي كان يحملها عمل العم بهلول حملت الصعوبة وعدم وجود بديل له في القرية، وايضا عندما اقسم للرجال انه لايعرف سببا للون عيني طفلته الغريب واصر على حمايتها مهما قررو أن يفعلو، همس احدهم للباقين إنهم ان قامو بإبلاغ الجنود عن الطفلة سيؤدي ذلك الى اعتقال الأسرة بأكملها.
وحينها سيتوجب على احدهم القيام بعمل بهلول المقيت وإلا غرقت القرية في الاوبئة والامراض والرائحة الكريهة مع تراكم فضلاتهم في آيار بيوتهم الخلفية ،وقتها اصرّ أبي على فحص الرجال لجسد  عمي بهلول لرؤية ما إن كانت به أي صفة من صفات الملديين ،وسأل النساء ايضا ان تفعل الامر نفسه مع الخالة ريحانة ،وعندما لم يجدو صفة واحدة في جسديهما زعموا فيما بينهم أن سبب تغاضيهم عن الابلاغ عن الفتاة هو عيش الرجل وزوجته بينهم لأكثر من عشرة أعوام ،دون أن يبدو عليهما شئ مريب ،واستقروا في النهاية على منح الطفلة ستة شهور أخرى للتأكد من الأمر بفحص جسدها من جديد ،متفقين على شيئين :الاول :إخفاء الامر عن باقي سكان القرية وأقسمو على ذلك .

ذلك يطمئنهم نوعاً ما وجود بيت العم بهلول على أطراف القرية الغربية من ناحية الغاية مما يقلل كثيرا من ناحية المتجولين هناك،والثاني:قتل الفتاة ان ظهر على جسدها صفة اخرى تأكد انتماءها للملديين او إبلاغ الجنود عنها،حتى وان كلفهم ذلك فقدان مزيل فضلاتهم،الا انهم لم يتجاوزوا الشهر الاول حتى ظهرت البينة العظمى التي أكدت أن ناي بشر مثلنا،  ان الطفلة ترى بعينيها والملديون كانوا عمياناً، وشهر وراء الآخر نبت شعرها الاسود الناعم الذي لم يشبه فراء الذئاب،وقتئذ صرخت امي إلى ابي:
-اتحتاجون إلى مزيد من الأدلة على كونها بشرية ساء حظها بلون عينيها؟!
ليلود ابي بصمته في غضب شديد،حتى عندما شكك في كون انياب الفتاة طويلة نوعا ما،اخذته امي من يده،ومرت بيه على بيوت القرية لتريه بعض الرجال والنساء الذين تطول انيابهم قليلا ومن بينهم زوجة اخيه،مؤكدةً له ان الفتاة منا،فبتلع لسانه هو وكل المشككين الآخرين،لكن عمي بهلول اصر على  انتقاله بأسرته إلى بيت خشبي جديد بناه على بعد ثلاثة أميال داخل غابة الزافور،لتكمل ناي حياتها هناك  وان حرمت من عبور سياج ذلك البيت عندما لم يضمن أبوها وشي ضعاف النفوس من اهل القرية الذين استغلوا حاجتهما إلى كتمان سرهما،واعلنوا انهم لن يدفعوا مقابلاً لعملهما بإزالة الفضلات واحضار المياه النقية مادامت ابنتهما على قيد الحياة،ايضا أصرت الخالة ريحانة على تسريحة واحدة لناي تسقط فيها مقدمة شعرها الأسود إلى منتصف وجهها ليخفي عينيها،وكذلك لم تسمح لأي أسرة من أسر القرية بزيارتهم في بيتها الجديد بإستثنائي انا وامي،ربما لأن امي كانت اكثر الداعمات للطفلة،ولا ينسى الناس داعميهم وقت المحن ابداً،انا لم اتوقف عن زيارتهم كل يوم قاطعاً تلك الأميال من أجل مرافقة الطفلة التي كانت بالنسبة لي اجمل ما في الكون،عيناها صفراوان؟وماذا يهم في ذلك. صار الأصفر لوني المفضل،بل صار كل شيئ تحبه في مقدمة الأشياء التي احبها،قالت لي ذات مرة عندما بلغت الثامنة: 
-نوح انك جميل
وقتها شعرت بقلبي يدق فرحا كأنني امتلكت الكون بأكمله،لااعرف متى يدق العشق قلوب الاطفال،لكنني اقسم أنني عشقت ناي منذ اللحظة الاولى التي رأيتها رضيعة في مهدها،وها انا اعيش حياتي فقط من أجل تلك الجميلة لأخرجها من القمقم الذي وضعها اهلنا فيه دون ذنب منها ،ولأواجه الجميع بأعلى صوت بأنها مثلنا جميعاً لايعيبها شيئ،وأن اعترض شخص واحد فلن اتوانى عن ضرب رأسه بالفأس التي أقطع بها أشجار غابة  الزافور 

في عامي الرابع  عشر عرفت ان ناي تنتمي للملديين  دون أن اخبر احد بعدما لاحظت  انها تحمل صفتين اضافيتين اكتسبتها على ما أعتقد في عامها العاشر؛ الاولى:حاسة شمها القوية للغاية، والتي كانت تمكنها من الانتباه إلى قدوم احد والديها قبل وصوله إلى البيت بمسافة كبيرة ،حيث كانت تستطيع شم رائحة عربة ابيها عند دخولها إلى الغابة،وعربة امها على بعد نصف ميل على الأقل ،وهذا ماساعدنا كثيراً على التجوال بحرية في جوار بيتها داخل الغابة والعودة قبيل رجوع امها وابيها حينما  كنت أفر من العمل واذهب للقائها،والثانية:انها كانت تستطيع سماع الهمسات التي لاأستطيع اذناي  سماعها داخل الغابة رغم قوة سمعي،تلك الميزة ساعدتها كثيراً على التواري بين الغصون او العودة الى البيت ركضاً  وهي تسدل مقدمة شعرها على وجهها مخفية عينيها ان اقترب شخص غريب منا ، بالطبع لم أخبرها ولم اخبر احد عن ملاحظتي هاتين الصفتين من اجل سلامتها وسلامة اسرتها، بل كنت في داخلي اكثر الاشخاص سعادةً بعدما منحتنا هاتين  المزيتان حرية عبور سياج بيتها بإطمئنان في اي وقت لا يوجد فيه ابواها. 

في يوم مولدها السادس عشر صفعني العم بهلول بقوة على وجهي عندما اركبتها ورائي صهوة حصاني وانطلقنا  إلى أعماق الغابة بعيداً في خطأ كبير حتى بعدما عاد إلى البيت باكراً دون أن نشعر أننا ابتعدنا اكثر من عشرة أميال عنه ولم تسعفنا حاسة شمها، لاكنها قبلتني على الخد ذاته في يومنا الثاني معتذرةً مما فعله أبوها.
هو الآخر اعتذر لي بعد يومين  مما بذر منه عندما قابلني أمام بيتنا، لاكنه فاجأني بطلبه مني الابتعاد عن ابنته قبل أن اكون سبباً في موتها، فقلت له حينذاك دون اي تخطيط مسبق مني:
-اريد الزواج من ناي عندما تبلغ عامها الثامن عشر.
وقتها نكز حصان عربته، وتركني مغادراً دون أن يقول كلمة واحدة، قلت لأمي ليلتها وهي تعد ليا الطعام:
-سأتزوج ناي.
صمتت،ثم قالت دون ان تنظر الي:
-احبها واحب عائلتها، لكن ذلك قد يجعلك طريداً مثلها طوال العمر، ستلازمكما نظرات الناس  التي تظنها منبوذة حتى وان صرتما عجوزين، وقد يأتي جندي مجنون ويقدمها للسجن في اي لحظة، حتى وان اثبت لهم الف مرة انها بشرية مثلنا
قلت:
-سأحميها بكل ما أملك، اعتقد انني خلقت قوياً من أجل حماية تلك الفتاة الضعيفة، سأبني بيتاً آخر في الغابة، وسأكتفي من الدنيا بها.
 قالت:
-لن يرضى ابوك بهذا الأمر مطلقاً.
قلت ساخطاً :
-أنني أقطع الأشجار واتقاضى اجراً مثلي مثله،ل لاحاجة لي به ولا حاجة له بي، انها حياتي 
جلست امي أمامي ونظرت في عيني وقالت: 
-انها ملدية وان لم تجتمع فيها كل صفاتهم، لقد أخبرتني امها بذلك السر بعد أيام من ولادتها، ان ريحانة من نسل احد الملديين، جد أبوها استطاع الفرار من المذبحة الكبرى رغم كونه اعمى، وتزوج من بشرية رحالة تعاطفت معه ، وانجبا ستة اطفال، لحسن حظهم جاء جميعهم بشراً كاملين،  استطاعوا بعد  بلوغهم التسلل إلى القرى وتزوجوا من بشر هم الآخرين منجبين أطفالاً عاديين، نقلوا إليهم سرهم بأن اصلهم يعود إلى الملديين، ليتوارثوا ذلك السر جيلاً بعد جيل خشية أن يأتي يوم وتنجب إحدى نسائهم ملدياً سيئ الحظ يمزق الجنود او الناس جسده ارباً، لذا ستجد في بيت كل نسل منهم مسحوقاً ابيضا كان جدهم  الأكبر يحمل مثله، سم فتاك يقتل لاعقه في لحظات، سيتناوله من يولد ملديا  خوفاً  من التمثيل بجثته، كانت ريحانة تستعد لتسميم ناي به ان أوشك رجالنا على  قتلها لولا أن الفتاة نجت بقدرتها على الإبصار، ورغم كل السنوات التي مرت فإنني متيقنة ان ناي تحمل ذلك المسحوق لقتل نفسها أن قرر الجنود اعتقالها يوما ما ، لابد أن امها زرعت في ذهنها مازرعه فيها ابواها من قبل.
ثم زفرت واكملت وهي تنهض:
-ان ريحانة وبهلول يعرفان بأنك تحب ابنتهما، لكنهما رغم كل هذا الحب  الذي يظهر في عينيك لها لن يقبلا بزواجك منها، لاهما ولا ناي التي تعرف عاماً بعد عام حقيقة امرها، وتدرك جيدا أن مصيرها في هذا البلد مرهون بوشاية شخص خسيس عنها، ان كانت تحبك فلن تقبل  ان تصير ارمل في اي لحظة.
قلت:
-أنني اكثر من يعرف ناي في هذه الدنيا، اكثر من ابويها نفسيهما، واعرف منذ سنوات انها تحمل صفات الملديين، لاكني لاأعبأ بذلك، حديثك بشأن ذلك المسحوق غير صحيح، لن تقتل الفتاة نفسها ابداً، انها تحبني وتثق بي، وتعرف أنني سأدافع عنها حتى آخر نفسٍ لي، ستعيش من اجلي حتى نموت معاً بعد عمر طويل، وقتما يكتفي قلبينا من نبضهما في هذه الحياة.
وتابعت متحدياً وانا انهض:
- سأتزوج ناي عندما تبلغ عامها الثامن عشر  سأتزوجها مهما كانت عواقب ذلك الأمر.
وخرجت غاضباً افكر فيما قالته امي، وألعن في داخلي الناس والذئاب والجنود، ثم وجدت نفسي اكمل مسيرتي إلى داخل الغابة رغم تأخر الوقت واتجه نحو بيت العم بهلول في مرارة لم أشعر بها من قبل، حتى وصلت إلى سياجه الامامي، وعبرته متسللاً، فخرجت لي ناي بسراجها قبل أن اطرق نافذة غرفتها، وقالت ضاحكة انها صارت تعرف رائحتي انا الآخر ، لم استطع الضحك، وسألتها في اقتضاب:
- هل امي صادقة بشأن ذلك السم الابيض؟
صمتت متفاجئة، قبل أن تخرج قلادة عنقها وتقول وهي تشير إلى قنينة صغيرة معلقة  بها وفي داخلها ذلك المسحوق.
-نعم يانوح، لن أتركهم يفعلون بي مافعلوه في أجدادي...
تعليقات



<>