رواية وادي الذئاب المنسيه
الفصل العاشر10
بقلم عمرو عبد الحميد
أسيل:
في ثبات تسائل تميم إلى خلدون:
-ماذا تعني بشاهد وادي الذئاب ؟!
قال خلدون:
-سأروي لك سيدي كل شئ أعرفه عن ذلك الوادي وشاهده فأشار له كي يجلس ،فجلس ثم قال:
-لسنوات ظلّ الناس يعتقدون أن بحر <قُعير>الرملي هو نهاية عالمنا شمالاً ،لكنّ الكثيرين لا يعرفون أن هناك كتاباً عثر عليه قبل عشرين عاماً تحدث عن وجود مملكة تدعى ب(وادي الذئاب) عاشت قروناً طويلة شمال تلك الرمال .
جال في ذهني في تلك اللحضة ما اعرفه عن بحر (قعير)الرملي الذي يبعد عن شاطئ مينجا الشمال مسافة اربعين يوماً إن ركض حصان بأقصى سرعته دون توقف ،وما سمعته عن استحالة عبور أي كائن حي أي خطوة واحدة في الرمال المتحركة دون أن يغوص إلى باطنها قبل أن أنتبه الى ما يكمله خلدون وهو ينظر بعيداً إلى سطوع البدر في السماء :
-حتى هذه الليلة كنت اضن ما قرأته في ذلك الكتاب قصة خياليا ألفها صاحبه بحبكة فريدة، لكن ماحدث قبل ساعات من نهوض عظام الذئاب وظهور البدر الثاني في السماء قد ذُكر نصا في تلك القصة كنبوءة لنهاية عالمنا إنتقاماً مما حدث في وادي الذئاب قبل سنوات طويلة .
-سألته على الفور:
-اي نبوءة ؟!!وماذا حدث في ذلك الوادي ؟
أجابني :
-في ذلك الوادي إستطاع البشر التعايش مع الذئاب في سلم لم يشهده عالم البشر من قبل لدرجة وصلت إلى إستئناسها،مستخدمين قوتها في الزراعة وجر العربات لنقل الركاب والبضائع ،وفي الحروب كفرقة هجومية رئيسية تنفذ أوامر القادة تنفيذاً مثالياً ،فهناك لا تتعجب إن سرت في أحد الشوارع ورأيت جماعة من الذئاب تتجول حرة بلقرب منك دون أن تتعرض لك بأذى ،بل ستجد أطفالاً يلعبون مع الذئاب وجرائها دون خوف كأنهم يلاعبون قطاً منزلياً ،سترى طفلة تركب صهوة ذئب يتبختر في مشيته بها كي لا يوقعها ،وستبصر ذئاباً تحمي قطعان الأغنام والماشية التي ترعى في المروج هناك ،وتنام بينها ليلاً ،ستجد الجزارين في المدن والقرى يُطعمون الذئاب من ذبحائهم في أطباق خاصة دون إهانة بإلقاء الطعام بعيداً ،وعلى إمتداد أسوار عاصمة الوادي التي تُسمى <براقيا>ستجد تماثيل الذئاب منحوتة من المرمر الأبيض جنباً إلى جنب مع تماثيل ملوك الوادي وقادته .
ثم صمت لحضة وتابع :
-قال مؤلف الكتاب أن لا يعرف تحديدا منذ متى بدأ هذا التعايش بين البشر و الذئاب ،لكنه أشار إلى وجود نقوش قديمة على حائط صخري شاهق يتوسط براقيا يسمى <حائط الرؤى >تتحدث عن السلام الذين بين البشر و الذئاب قال إن عمر تلك النقوش يتجاوز الألف عام ،وأن <الملديين>قامو بنقشها بأقلامهم الفولاذية.
-الملديون هم الجنس الثالث الذي عاش في تلك المملكة ،أناس يستطيعون التواصل مع الذئاب ،هيئتهم مثل البشر ،وشعورهم حريرية بنية مائلة إلى الصفرة تشبه فراء الذئب ،وحاستي سمعهم وشمهم قريبتان تماماً من الذئاب ،أنيابهم طويلة بعض الشئ وعيونهم صفراء اللون تلمع في الظلام ،لكنّهم عميان لا يبصرون ،سأخبرك عنهم لا حقاً سيدي باستفاضة خاصة أن اولئك القوم الذين لم يتجاوز عددهم الألفي فرد قبل مائة عام كانت لهم المكانة الكبرى في ذلك الوادي بعدما كانو حلقة الوصل بين البشر و الذئاب وعلى مدى قرون طويلة ،لكن دعني الان اخبرك أن القوة التي أضافتها الذئاب لتلك المملكة إثر ذلك التعايش جعلتها أغنى بلدان شمال بحر <قعير >الرملي وربما العالم بأسره بعدما إنصاعت كل البلدان حولها للشروط التي اعتاد ملوكها فرضها بجني الاموال والجزي مقابل تركهم في سلام ،حتى أن كهوف الجبال في ذلك الوادي كانت بقطع الذهب من شدة إمتلائها به ،وخزائن الطعام والشراب كانت تفسد من فيضها لتمتلئ من جديد بأخرى في ساعات ،والشوارع كانت تعبّد بلمرمر كل ستة أشهر ،وأعناق الذئاب والخيول كانت تُزين بأطواق من الذهب فيما يزين الرجال والنساء بعقود من الاحجار الكريمة ،وعلى ضفاف بحيرة شاسعة المساحة هناك كانت تسمى بحيرة<جِمارة >شُيدت بيوت العامة بلخشب المرصع بالذهب والفضة ،يفصل كل بيت عن البيت الذي يجاوره مرح فسيح ترعى فيه الاغنام والذئاب على حد سواء ،كل ذلك على مرأى من شاهد الوادي ،ذلك البدر الساطع الذي كان يزين ذلك البلد دونا عن غيره من البلدان الاخرى ،والذي سمي بذلك الإسم لكونه شاهدا على تألف البشر والذئاب ،وعلى مدى الزمان اعتبره اهل ذلك البلد الضمانة الرئيسية لإستمرار خضوع الذئاب لهم معتقدين منذ القدم بوجود تواصل بينه وبين الذئاب ،وأكد إعتقادهم فيما بعد الملديون الذين دونوا على حائط الروئ بعض الروئ الذي رآها الشاهد في أذهان الذئاب …
واستطاعو رؤيتها هم الآخرون عبر التخاطر الذي يحدث بينهم وبين الذئاب أو بينهم وبين الشاهد مباشرة،لكن ما أعطى ذلك الشاهد نفوذه الحقيقي هو كونه المتحكم في فتح العابرات الست التي توجد في ذلك الوادي .
-ثم رشف رشفة من كوب الماء المتواجد أمامه ،فسألته:
أيّ عابرات ؟!!
فقال:
-وفق مؤلف ذلك الكتاب توجد في وادي الذئاب ست بوابات تصل عالمنا بأزمنة وعوالم أخرى ،أربعة منها توجد في أنفاق متشعبة بأعماق جبال الغرب هناك ،يتبدل مكانها كل دورة قمريةمثل ممرات هضاب الريكاتا،كانت الذئاب وبعض الملديين فقط من يستطيعون الوصول اليها بواسطة حاسة الشم والسمع القوية،وبوابة توجد في غابة كبرى هناك تسمى( غابة الزافور)وبوابة توجد في اعماق بحيرة <جِمارة>ولم يذكر صاحب الكتاب ما إن كانت هناك بوابات أخرى غير تلك البوابات في عالمنا .
حين ذاك فكرت في سرداب فوريك ،واعتقد أن تميم فكر في الامر نفسه ،لكننا لم نقاطع الرجل الذي تابع :
-كانت بوابة واحدة من تلك البوابات تفتح مرة شهريا حين يلتقي البدران في السماء فقط ،بدر ذلك الوادي او شاهده الساطع على الدوام او بدر قمرنا الاعتيادي الذي يظيء عالمنا بأكمله ،وتغلق بعد ليلتين حين يتناقص بدرنا ويصبح احدب متناقص مكملاً دورة القمر الشهرية ،وفي الشهر الذي يليه تُفتح بوابة أخرى ،وهكذا تفتح بوابات على مدى ستة أشهر متتابعة في دورة لا نهائية .
ثم تنهد وأردف :
-وفي الليتلتين اللتين تفتح خلالهما إخدى عابرات الجبال كانت حمياتها من غُزاة الازمنة والعوالم الأخرى موكلة إلى فرقة من الذئاب تسمى <ذئاب العابرات>تظل تعوي طوال الليل في جوف الجبال أمام العابرة مانعة ومهاجمة أي دخيل يأتي عبرها ،أما عابرة الغابة فلم تحتاج إلى حماية ،حيث كانت تؤتي كل ستة أشهر بالاف من قِطعان الجاموس البري والماعز والأيائل التي تكفي لإطعام ذئاب الوادي حتى موعد فتحها مرة أخرى كركن أساسي في العهد الذي تم قديماً بين الذئاب والبشر والشاهد من أجل ألا يتعدى أحدهم على الآخر ،أما عابرة البحيرة فاختصت بلحفاظ على منسوب مائها العذب دون نقصان آتية بأجود المياه من العوالم الاخرى ،ليعيش هكذا الوادي في سنوات طويلة من الرخاء والترف والازدهار ،حتى حدثت الكارثة الكبرى قبل ثمانين عاماً من تأليف ذلك الكتاب ،أي قبل مائة عام من اليوم ،عندما فُتِحت إحدى عابرات الجبال مع إلتقاء البدرين وتسلل عبرها بعض اللصوص من عالم أخر قُبيل زوال الليل ،ثلاثون رجلا تقريبا حاملين معهم أسلحةً غريبة تُطلق دويا شديداً ،كما رآهم بعض الملديين في رؤياهم ،هاجمتهم الذئاب ومزقت أجسامهم عدا لص واحد حاول الفرار والعودة الي حيثما اتى،فلاحقه أحد الذئاب متجاوزا العابرة إلى نصفها الآخر ومستغرقا وقتا أطول للعودة إلى الوادي ،فأغلقت العابرة مع زوال اليل وهو في داخلها ،لم تكن الحالة الاولى تحدث من هذا النوع.....
لم تكن الحالة الاولى التي تحدث من هذا النوع
….فلطالما إعتاد الذئاب مطاردة المتسللين عبر تلك العابرات والبقاء فيها إن اُغلقت متغذية على لحوم طرائدها حت تُفتح البوابة ،فتعود الى الوادي من جديد،لكنَّ ذلك الذئب كان استثنائيا،إذ كان اخر ذئب من نسل (صامون)ذات المكانة الأسمى بين ذئاب ذلك الوادي والتي عدين لها الذئاب ببقائها حية قبل آلاف السنين بعدما قادتها بأمان عبر العابرة لعالمنا مع ندرة الغذاء في موطنها القديم ويُقال إنها من أتمت عهد السلام بين البشر والذئاب أسفل ضياء شاهد الوادي لذلك فتحت العابرة ذاتها مرك اخرى بعد شهر واحد في غير ترتيبها من أجل إعادة ذلك الذئب إلى موطنه ،إلا أنه لم يعد بل حدث أن أطلقت الذئاب عواء جماعياً فجأة إستمر الليل بأكمله تبعها تمرد وهياج شديد منها دون أن يفهم الناس سبباً لذلك ،قبل ان يُفاجئوا بمهاجمة الذئاب لهم حتى قُتل في اليوم الأول أكثر من ثلاثة آلاف رجل وإمرأة وطفل من أهل الوادي ،قبل أن يتخذ الآخرين ملاجئ ويحتموا منها.
وأخرج زفيره متنهداً ثم أردف:
لأيام كثيرة إستمر عواء الذئاب وتهجمها الوحشي على أي شخص عابر أمامها ،حتى أعلن أحد الملديين عن رؤية شهدها إثر تخاطره مع ذئبه ،وقتئذٍ عُرِف أن بدراً في عالم آخر شهد لقتل بشري لذئب (صامون)بوحشية ليراه شاهد الوادي فيما بعد إذ تتخاطر الأقمار في العوالم جميعًا ،وكما روى مؤلف الكتاب بث شاهد الوادي ما حدث في اذهان الذئاب لتراه ،فأعلنت الذئاب تمردها على البشر.
حاول أهل الوادي تقديم فدية لشاهد عما حدث ،لكن الذئاب لم تقبل بها ،واصرت على الانتقام لسليل عائلتها السامية ،فما كان اولئك القوم إلا العزم على قتل تلك الضواري حماية لأرواحهم ،فإنتضروا يوم فتح عابرة الغابة التي تتدفق عبرها قطعان الفرائس وتجتمع الذئاب عندها من أجل اصطيادها ،وبينما كانت الذئاب تطارد فرائسها ،قام جنود ذلك الوادي بإطلاق كرات اللهب نحو الغابة من جميع الإتجاهات لتلتهمها التيران بما فيها من ذئاب وحيوانات برية،لتقوم فيما بعد الحرب الكبرى التي إستمرت في كر وفر لمدة ثلاث سنوات ،والتي قتل فيها اكثر من ستة الآف جندي وقتلت الذئاب جميعا التي كان عددها ما يعادل المئتي الف ،وتم شنق الملديون بإعتبارهم من فصيلة الذئاب .
مع موت آخر الذئاب الموجودة في الوادي اختفى اختفى الشاهد من السماء ولم يكترثوا لذلك لاعنين السنين التي عاشوها أسفل ضيائه .لكنهم نهضوا ذات صباح ليفاجئو بنبوءة محفورة على حائط الرؤى تقول قد وعد الذئاب بنهوضها من جديد ولو بعد ألف عام إن إستطاع أي بدر رؤية عضمة من عضام ذئب (صامون)المقتول حينها سيعاود الضهور مرة أخرى وسيُنهض من الموت كل ذئب يصله ضياؤه لينتقم إنتقاما. شديدًا من كل بني آدم
بحث الجنود هناك عن الملدي الذي نقش تلك الرؤية لكنهم لم يعثروا عليه،ومع الخوف الذي إنتاب الناس هناك مما ذكر في تلك النبوءة امر ملكهم بتجميع عضام الذئاب والملديين الموتى من كافة بقاع تلك المملكة ودفنها في واد رملي يوجد بين جبلين عضيمين بأقصى الشرق وتغطية رماله بطبقة من القار الاسود المخلوط بلرمال حتى لا يستطيع ضوء الشاهد الوصول الى العضام إن صدقت النبوءة ،ليسمى ذلك المكان منذ ذلك الحين (بوادي الذئاب المنسية)ثم مضت السنوات تباعاً دون أن يظهر الشاهد في السماء او تفتح العابرات فقل منسوب بحيرة (جمارة)عاماً بعد عام،وعلى اثر ذلك قل الخير في الواد ونضبت ارضه وثرواته مع جفاف البحيرة تماما..
….كذلك صار الوادي صيداً سهلا للممالك المجاورة التي تمردت مع فقدان جيشه قوة الذئاب ،لتحتله مملكة أخرى تسمى (تيبيانا)وتجعل اهله الذين عاشوا قروناً طويلة في ترف وبذخ المصدر الأول للعبيد رجالا ونساء في شمال بحر (قُعير)الرملي ليذوقوا اقصى أنواع الذل والمهانة.
-ثم صمت ،واكمل بعد قليل كأنه تذكر شيئاً:
-تحدث المؤلف ايضا في نهاية كتابه عن وجود ممر ذيق متعرج يوجد بين رمال بحر (قعير)المتحركة،ظهر ذلك الممر مع سطوع ظوء الشاهد عليه في نهاية حرب الذئاب كي يفر من يستطيع من الملديين والذئاب عبره ،حيث لا يستطيع احد رؤيته دون ظوء الشاهد أعتقد أن الذئاب التي ظهرت هياكلها في أمريتا أو البلدان الاخرى قد سلكت ذلك الطريق فراراً من ذلك الوادي ،وقتلها الناس في بلداننا خاصة أن مؤلف الكتاب تحدث عن تتبعه عظاما نافقة تناثرت على إمتداد ذلك الممر حتى إستطاع الوصول إلى جنوب بحر (قعير)دون أن يفصح عن أي معلومة عنه .
