رواية وادي الذئاب المنسيه
الفصل الخامس عشر15
بقلم عمرو عبد الحميد
نوح
قلت لأبوي ناي:
لن أعطيها بالقار مثلما تريدان ولن أدع جسدها يتحلل، إنني أستطيع الحفاظ على جسدها حتى يظهر الشاهد من جديد أو أموت، أيهما أولا.
قالت خالتي ريحانة:
حتى وإن استطعت لن يفيد ذلك في شيء يا بني
قلت مصمما:
لا أعرف ماذا سيحدث مستقبلا، ولا أعرف متى قد يظهر الشاهد، لكن حتى تأتي تلك اللحظة سأحافظ على جسد ناي من الشمل إن لم تكن قد حطيت بمزية الاحتفاظ به لعشرة أعوام مثل الملديين الأنقياء. وسأعمل على إيجاد طريقة لإصلاح نسيج قلبها قبل نهوضها.
قال العم بهلول متذمرا:
لا تعبث معنا يا فتى اتركنا وشأننا
قلت:
- إنني لم أحب في حياتي مثلما أحبت ابنتكما، وإن كانت هناك ذرة أمل لعودتها إلى الحياة فلن أتخلى عنها أبدًا، أرجوكما دعا لي هذه الفرصة.
هزت زوجته رأسها نفيا، وقالت:
لا يا نوح، لقد قضي الأمر، عد إلى بيتك
قلت بنبرة أعلى:
لن أبرح هذا المكان إلا ومعي ناي
صرخ في العم بهلول:
ارحل من هنا، لقد مانت ناي، وليس لدينا طاقة نضيعها في ترهانك وغمغم باكيا مؤنيا نفسه :
_كان لا بد أن تبتعد أكثر في الغابة . يوم قررنا ترك القرية، وكان علي أن أمنع زياراتك وزيارات أمك إلينا كي نقطع كل صلة بمن يعرفون بأمرها.
لذت بصمتي لبعض الوقت مفكرًا، ثم قلت متراجعا مع الإصرار الذي وجدته في أعينهما من رفض ما عزمت عليه:
. حسنا، أستطيع مساعدتكما في حفر القبر، لكني لا أستطيع العودة إلى القرية من أجل إحضار القار، لقد قتلت أحد الجنود الذين تسببوا في قتل ناي، وسأعتقل إن عدت إلى هناك. -
حينذاك قالت خالتي ريحانة اذهب يا بهلول وأحضر أنت برميل القار من القرية، أما أنت يا نوح فاحفر قبراً في الفناء الخلفي للبيت واجعله عميقا على قدر المستطاع. هززت رأسي إيجابًا، وأوما زوجها إيجابا كذلك.
كان الليل قد أسدل ظلامه عندما أحضرت جاروفا وفأسًا ومصباحًا زيتيا وأخذت أحفر الأرض الرطبة على بعد خمسة عشر قدما من باب البيت الخلفي، بينما جهز العم بهلول عربته ذات الحصان، وثبت مصباحًا مُضاء في مقدمتها، وتحرك بها في ناحية القرية واهنا مطأطئ الرأس منتفخ الأجفان من كثرة البكاء، في حين بقيت الخالة ريحانة بجوار جثة ناي في الفناء الأمامي للبيت تنظف جسدها بالماء وتلبسها فستانا سماويا نظيفا، وتصفف
شعرها، وتزينها بخلي ذهبي أظن أنها اشترته قديما عندما باعت بيت القرية وحفظتها من أجل هذا اليوم، إذ اعتاد قومنا دفن موتاهم مع أثمن ما لديهم.
بين حين وآخر كنتُ أتوقف عن الحفر وأتطلع إلى القمر في السماء، أنا الذي لم أتمن يومًا صدق نبوءة حائط الرؤى صرت في لحظة أتمنى ظهور الحال حتى وإن أعاد كل الذئاب القديمة وطاردوا أناس بلدنا، فكرت في ان بشر هذا الزمان لم يقترفوا جرما بقتل الذئاب، إذ فات على ذلك التاريخ أكثر من تسعة عقود، ولم يعد أحد ممن شاركوا في تلك الحرب على قيد الحياة، كما أن الحكايات القديمة كانت تروي ان اجدادنا لم يفعلوا ذلك إلا دفاعا عن أنفسهم بعد تمرد الذئاب وقتلها الآلاف منهم، ثم فكرتُ في حديث خالتي ريحانة المتعلق بنصف النبوءة غير المعلن وخوفها من نهوض ناي لتصبح جثة متحركة، وسألت نفسي:
ماذا إن فعلنا ما أرادته وغطينا القبر بالقار، وجاء يوم وظهر الشاهد ولسبب ما أزيل ذلك القار عن القبر بقصد أو دون قصد، تعرف أن ضوء الشاهد يخترق التربة الطينية والرمال لذا استُخدمت طبقات القار، فماذا لو حدث ذلك الافتراض، أليس أمرا واردا؟
بلى، لا يوجد شيء مؤكد لي هذه الحياة
أجبت نفسي وأنا أضرب الفأس بقوة وأنحسر على رفض السيد بهلول وزوجته طلبي متذكرا أحد العمال الذين عملوا معي منذ عامين وهو يخبرني أنه كان يعمل غرب الغابة . صناعة الثلج الذي تعتمد عليه حانات القرى هناك، وكيف كانوا يحضرونه كُتلا من قمم جبال الغرب ليخزنوه في هياكل مخروطية حوائطها مصنوعة من الطين والرمال وشعر الماعز بنسب معينة، يسمى الواحد منها «ياخشال»، تستطيع تلك الياخشالات حفظ الثلوج في داخلها لأسابيع حتى في أشد المناطق حرارة، أستطيع فعل الأمر نفسه مع ناي، أستطيع أن أبني ياخشالا يحفظ برودة الهواء من حولها، وأستطيع أن أتي إليها كل يوم بثلج من قمم الجبال لحفظ جسدها إن اقتضى الأمر. وضربت فأسي في التربة أمامي وأنا أحدث نفسي غاضبا:
إن هذا الطين سيأكل جسدها.
وضربت مرة أخرى وقلت آسفا:
- إن أباها وأمها يحبانها حقا، لكنهما يقتلانها إلى غير رجعة بوضعها في هذا القبر.
ثم غرست الجاروف بقوة أكبر، وقلت:
- لو كانت على قيد الحياة وخيرت فيما يصير لها بعد موتها، لاختارت أن أحفظ جسدها حتى يتسنى لنا اللقاء مرة أخرى.
ثم زفرت بقوة ونظرت إلى الحفرة المستطيلة التي كنت أقف على عمق قدمين في منتصفها، وألقيت الفأس والجاروف جانبا، ثم نظرت إلى حصاني الذي كان يرعى في حشائش الفناء على بعد خطوات مني، وهمست لنفسي:
لن أدعها ترقد في هذا التراب وهناك ذرة أمل بعودتها إلى الحياة من جديد، لن اخذلها مرة اخرى.
ثم خرجت من القبر المحفور وحملت مصباحي متجها إلى حصاني. وقفزت إلى صهوته ونكزته، ليركض ملتفا حول البيت، كانت خالتي ريحانة جالسة واضعة رأسها بين كفيها بجوار ناي، صحت في حصاني، فالتفتت لي خائفة ومندهشة وأنا أنطلق كالسهم نحوها، وقبل أن تطلق صرختها كنت قد انحنيت بجذعي والتقطت جثة ابنتها من الأرض ووضعتها أمامي، لأهرب بها إلى أعماق الغابة بأقصى سرعة الحصاني.
كانت القرى جنوب غرب الغابة تُعرف بزحامها وتحضرها دونا عن غيرها من القرى، لكني خشيت أن يعثر علي العم بهلول هناك، لذا أثرت المضي قدما نحو الشمال الغربي البعيد، وبعد فترتي استراحة واتخاذ أكثر من طريق مهجور داخل الغابة وضلال طريقي لثلاث مرات وصلت وجهتي أخيرًا مع طلوع النهار، وهناك تحاشيت القرى المطلة على الغابة، واتخذت الطريق الصخري الملتف حولها والمؤدي إلى جبال الغرب وهي أكبر سلسلة جبلية في وادينا، ويُقال إنها تحتوي بين تشعباتها وأنفاقها أربعة من عابرات بلادنا
الست، والتي لم يرها أي من جيلنا ؛ لأواصل تقدمي بالحصان بسرعة أخف بعض الشيء مع ارض الطريق الوعرة الصاعدة الى اعلى والهواء البار الشديد الذي كان يقاوم تقدمنا
قابلني أكثر من رجل مترجلين، فأوحيت لبعضهم بأن ناي نائمة، ولأخرين بأنها ثملة، فلم يعبؤوا بأمرنا، لم أكن أعرف إلى أين أذهب تحديدا، كل ما كنت أبحث عنه هو مكان أمن أضع فيه ناي حتى أتدبر أمر ذلك الياخشال، ثم ظهرت في الأفق أمامي بعيدًا قمة جبلية بيضاء يغطيها الثلج، فصحت في الحصان كي يسرع من خطاه، لنمضي قدمًا، حتى توقفنا رغما عنا عندما انتهى الطريق أمامنا فجأة بأخدود واسع عميق عمود الجرفين كان يستحيل على الحصان عبوره حينذاك نزلت عن صهوته باحثا عن أي فرع آخر للطريق، فلم اجد، لكني انتبهت إلى وجود سلم عمودي من الأحبال السميكة على بعد أقدام مني، وسلم اخر في الناحية الأخرى، كان ذلك يعني أنها النقطة الأخيرة التي يتوقف عندها الحصان عن مساعدتنا إن أردت إكمال طريقنا.
عقلت الحصان جانبًا في نتوء صخري، وحملت ناي على كتفي وبحذر شديد وألم أشد صدر من فخذي المصابة هبطت سلم الأحبال إلى أرضية الأخدود، وعبرتها نحو الجرف الآخر حيث بدأت أصعد درجات سلمه بشق الأنفس حتى أنني كدت أسقط على ظهري وأسقط ناي معي لولا أن أطراف أصابعي تشبئت بالحبل في اللحظة الأخيرة، لأتمكن من الوصول إلى الضفة الأخرى، وقتئذ وضعت ناي على الأرض وارتميت بجوارها ممسكا بفخذي المصابة وأنا أصرُّ بأسناني من شدة الألم، ثم نهضت استكشف الطريق الذي اتخذه من بين ثلاثة طرق ظهرت أمامي بين الجبال، وبعد حيرة اتخذت الطريق الأيمن منها، إذ كانت أرضه القريبة الأكثر استواء
بعد قطعي قرابة فرسخ حاملا ناي أبصرت في سفح جبل جانبي كهفا صغيرا يرتفع خمسة عشر قدمًا عن مستوى بصري، ويهبط منه منحدر رملي ضيق إلى جانب الطريق، فانحرفت إليه وصعدت منحدره ، ثم انزلت ناي برفق عند بابه لاتفحصه أولا، كان كهفا صغيرا لا تتجاوز مساحته دائرة قطرها ستة أقدام، يضرب الهواء البارد جدرانه الداخلية بقوة فطبع برودته عليها وعلى ارضيته، تأكدت من خلوه من أي خطر، ثم أدخلت ناي إليه برفق واستلقيت بظهري بجوارها كي استريح لبعض الوقت لأغمض عيني لا إراديا مع إرهاقي الشديد، لكني سرعان ما تذكرت الحصان العالق على ضفة الأخدود فنهضت وعزمت على العودة إليه، وقبل أن أترك ناي أزلت حليها الذي زينتها به أمها أثناء حفري قبرها عقدا ذهبيا ،وقرطين ودسستهما في جحر قريب من الكهف خشبة مرور أي ضال يكتشف وجودها ويبحث عن أي غنيمة معها، ثم ساويت بيدي موضع أقدامي المنطبعة على رمال منحدر الكهف، وعدت مهرول بساقي العارجة إلى الحصان، كان في نفس الموضع الذي تركته فيه امتطيته وهبطت إلى أقرب قرية للطريق، وهناك حدجني الناس بنظراتهم المستقربة إذ كنت لا أزال عاري الصدر، بنطالي ممزق وملطخ بالدماء، واصلت طريقي مطمئناً نوعا ما دون أن أخشى اعتقال الجنود لي إثر قتلي لأبي فبالإضافة إلى عدم معرفة أحد لشخصي كانت تلك القرى تخضع لسيطرة جنود وادينا القدامي لا جنود «تيبيانا» الذين يسيطرون على أمن الجانب الآخر من الغابة، ولا يخفى على أحد القطيعة بين هاتين الفئتين، ثم سألت أحد المارة:
- أين حانة القرية ؟
انزعج من هيئني، فقلت:
- إنه حادث عارض، أرجوك أريد أقرب حانة هنا. دلني على حانة قريبة، توجهت إليها مباشرة، كانت امرأة ثلاثينية ذات شعر بني طويل مموج وعينين رماديتين تقف خلف طاولة تقديم الشراب شعرت أنها اضطربت هي الاخرى من هيئتي خاصة مع خواء العانة من االزبائن في ذلك الوقت، فقلت:
- أرجوك أريدك أن تدليني على من يبيع لك الثلج. زالت حمرة الاضطراب سريعًا عن وجهها الأبيض المستدير. وقالت وهي
تنظر إلى ساقي:
هل هي اصابة شديدة؟
هرزت رأسي إيجابًا، وكررت سؤالي عن بائع الثلج، فقالت:
سيأتي في المساء إنه يحضر ثلجه من قرية بعيدة في الجنوب.
ثم تابعت وهي تنظف كوبا بقطعة قماشية:
هناك طبيب في القرية الواقعة جنوبا ن عليك أن تذهب إليه في الحال وإلا سيتمكن القيح من جرحك وقد تبتر، لقد رأيت ذلك المصير مع كثير من المهملين في إصاباتهم.
قلت:
ليس لدي نقود، شكرا على كل حال.
وهممت بالمغادرة، فقالت:
لتترك له حصانك إذا استلزم الأمر.
شكرتها مجددا، ثم خرجت دون أن أكثرث لحديثها عن الطبيب، لكني سرعان ما فكرت في صحة حديثها، فإن تلوث جرحي وأدى إلى بتر ساقي. فسيفشل ذلك كل ما جئت ساعيًا إليه، لن أستطيع إنقاذ ناي بساق واحدة، فضممت شفتي ثم عدت إليها مرة أخرى وسألتها:
ما اسم الطبيب سيدتي؟
فأجابتني:
- اسمه السيد «رسلان»، إنه أشهر شخص في القرية الأولى التي تقع جنوبنا،
أومأت برأسي إيجابا ثم التففت كي أغادر، فقالت:
- انتظر
ثم دلفت إلى غرفة وراءها وعادت بعد قليل وفي يدها قميص وبنطال نظيفان، وقالت:
- يمكنك أخذهما.
قلت باسما:
- ليس لدي نقود كما أخبرتك.
قالت:
ربما يكون لديك بحلول المساء عندما تأتى لمقابلة بائع الثلج، حتى وإن لم تمتلك لا يهمك على أي حال إنهما ليسا جديدين، اتمنى فقط أن يكون مقاسهما مناسبا.
ثم أردفت وهي تشير بيدها نحو باب في أحد أركان الحانة:
- وهناك مرحاض خلف ذلك الباب فيه وعاء ممتلئ بماء نظيف نظف
جسدك من آثار الدماء.
سألتها باسما:
- ما اسمك سيدتي؟
قالت
- سارة.
أومأت ممتنا لها ولكرمها، وبعدما نظفتُ جسدي في المرحاض ولبست تلك الثياب شكرتها مرة أخرى ووعدتها بدفع ثمنها في أقرب وقت أمتلك فيه المال، فهزت رأسها موافقة، ثم شرحت لي الطريق إلى القرية الجنوبية التي يوجد فيها ذلك الطبيب.
عندما وصلت تلك القرية لم آخذ وقتا لأستدل على بيت الطبيب «رسلان»، إذ أشار أحدهم عندما سألته عن مكانه إلى زحام شديد أمام بيت خشبي هرمي السقف، وقال:
- هناك.
كان الوقت حينها قد تجاوز منتصف النهار بقليل، هبطت عن حصاني ووقفت امام العيادة بين المتزاحمين من الرجال والنساء والاطفال دون ان ا عرف ما إن كان ذلك الطبيب هو الوحيد في تلك الأنحاء أم أنه ماهر للدرجة جعلت كل أولئك الناس ينتظرون ساعات لقائه من دون أن يبدو على وجوههم أي شعور بالتذمر.
قبيل غروب الشمس جاء دوري اخيرا، دلفت عبر باب العيادة إلى ردحة واسعة توجد في جانبها مكتبة كبرى صفت على رفوفها كتب سميكة كثيرة وعلى الجانب الآخر رُصْت أوان صغيرة وآلات معدنية.... والأحجام فوق طاولات خشبية قصيرة الأرجل، وفي نهاية الردهة كان يجلسهو خلف طاولة مثبت فوقها مصباح زيتى مضاء ويقف بجواره مساعد شاب، كما توقعت، عمره ستون عاما أو أكثر، شعره أشيب قصير خفيف عند مقدمة رأسه، حليق الشارب واللحية، عيناه خضراوان فاتحتان، وجسده ممتلئ بعض الشيء لكنه ليس سمينا إلى الدرجة التي تلفت انتباهك، قلت له وأنا أشعر بارتياح من هيئته الطيبة
- لقد أصبتُ في فخذي بالأمس طعنها أحد الجنود بسيفه، وأخاف أن يتمكن القيح منها، لا أمتلك مالا، لكن لدي حصان في الخارج عندما أبيعه سأعطيك ما تريده من مقابل.
نهض من مقعده وهو يشير إلى سرير جانبي ذي حشية جلدية، فرقدت عليه وخلعت بنطالي، فأخذ يفحص فخذي وأسفل قدمي بعناية شديدة دون أن ينطق بشيء حتى عندما دس إصبعه في جرحي وهو ينظفه بسائل لا أعرفه وصرخت من شدة الألم أكمل عمله وكأن شيئًا لم يحدث، ثم انتهى فضمد فخذي بقماش نظيف، وسألني:
- كم عمرك؟
قلت:
- عشرون عاما سيدي.
قال:
إنك محظوظ ضربة مثل هذه كان من المفترض أن تقطع أحد شرايين فخذك الرئيسية، لكنك نجوت. تحتاج فقط إلى تغيير هذه الضمادة كل يومين، وساعطيك بعض الأعشاب كى تتناولها كل مساء حتى التئام الجرح تماما. وأشار إلى مساعده، فأعطاني زجاجة من الأعشاب المُسالة كان قد جهزها بالفعل وسيده يحدثني.
فقلت مؤكدًا في حرج:
- بعد أن أبيع الحصان سأدفع لك ثمن هذا سيدي. هز رأسه إيجابًا من غير أن ينطق، ثم أشار إلى المساعد كي يحضر مريضا آخر، فخرجت عائدًا إلى القرية الأولى أملا في اللحاق بمن يبيع الثلج
إلى الحانة.
كانت الحانة صاخبة ومكتظة بالزبائن عندما عدت إليها، قلت للسيدة سارة التي كانت تقف مكانها وراء طاولة الأكواب مثلما قابلتها في الظهيرة:
- هل جاء الرجل؟
قالت ، وهي تملأ كوبا بشراب من زجاجة نصف ممتلئة، وتناوله إلى نادل يقف منتظرا بصحفته:
أعتقد أنه على وشك الوصول.
سألتها وأنا أنظر إلى الزبائن الجالسين على الطاولات:
- هل تعرفين أحدًا قد يُبدل حصاني ببغل أو حمار ويدفع لي فارقًا جيدًا من المال؟
قالت:
هل ذهبت إلى السيد «رسلان»؟
اجبتها:
نعم
اردفت:
ومتى ستعود إليه ؟
قلت:
بعد يومين سأذهب إليه من اجل تغيير الضمادة
قالت:
اذن مُر علي قبل أن تذهب إليه أكون قد دبرت لك أمر استبدال الحصان.
وتابعت وهي تشير إلى مقعد شاغر:
سيقدم لك «سلاف» النادل عشاء، ساخصم ثمنه منك عندما تحصل على مال حصانك اجلس هناك وعندما يأتي «همام» بائع الثلج سأناديك تعجبت كرمها للمرة الثانية، وجلست على المقعد الذي أشارت إليه أفكر في ناي التي تركتها في الكهف.
قدم لي النادل طبقا كبيرًا به ثلاث كعكات محشوة بالتمر، فأكلت واحدة ودسست الباقيتين في جيبي عندما نادت لي السيدة سارة وهي تتحدث مع رجل كان القش يلتصق بثوبه وشعره المبللين، ونهضت إليهما سريعا،
فقال وهو يتفحص وجهي:
- قالت السيدة إنك تنتظرني منذ الظهيرة.
قلت:
- نعم سيدي.
قال:
- كم لوحا تريد من الثلج ؟
أجبته:
- لا أريد ثلجا، أريد فقط زيارة المكان الذي تحفظ فيه ثلجك، لقد سمعت عن الياخشالات وأريد أن أراها. ..
نظر إلى السيدة سارة كأنها خيبت أمله في بيعة كان يأملها، ونظرت لي هي الأخرى متعجبة، فقلت:
- أرجوك. إنني أريد بناء ياخشال من أجل حفظ شيء ما، وأستطيع العمل معك دون مقابل، سأساعدك في توزيع الثلوج على الحانات، لقد نشأت قويا وبمجرد أن يلتئم جرح ساقي ستجدني خير مساعد لك
قال:
لست الا عاملا عند صاحب العمل، ولدينا من العمال ما يكفي لكن إن أردت رؤية الياخشال فإنه ليس سرا، يمكنك المجيء معي، لقد أوصتني السيدة سارة بك، وهذه السيدة نحبها هنا، ولا نرفض لها أو لأبيها طلبا، فقط عليك الانتظار حتى أنتهي من توزيع ألواح الثلج على باقي الحانات، وسأعود لأخذك معي، إن الياخشالات تقع على بعد عشرين ميلا جنوبا.
حقا هززت رأسي موافقا في فرحة، وشكرتُ السيدة سارة من جديد .حقا في سعيك نحو المجهول يُسخّر لك القدر أناسا لا تعرفهم بذللون لك عقبات الطريق، وسارة واحدة منهم.
ركبت مع همام عربته وعقلت حصاني في مؤخرتها، وتحركنا نحو الجنوب ترتعش أجسادنا من البرد القارس في ذلك الوقت، بعد قرابة ساعتين وصلنا إلى منطقة طرقية في الجنوب تنتصب فيها سبعة أبراج مخروطية يناهز ارتفاع الواحد منها ثلاثين قدمًا على أقل تقدير، ورغم ظهورها أسفل ضوء القمر كان من الصعب علي معاينتها ليلا، فأثرت الانتظار حتى طلوع النهار كي أفحصها جيدا، وحينذاك فارقني همام عائدا إلى بيته.
مع شروق الشمس صهل حصاني بجواري، فتحت عيني متكاملا فوجدتني مستلق على الأرض بعدما غلبني النعاس، وثلاثة صبية ييقفون بجواري ويحدقون إلى غاضبين، تساءلت وأنا أنهض من رقدتي.
- ماذا بكم ؟!
قال أوسطهم طولاً متذمرًا:
إنك تعيق طريقنا أنت وحصانك وأشارا إلى عربة ذات حصان تقف على بعد خطوات مني، يوجد في صندوقها انبعاج يغطيه غطاء كبير من جلد الماشية،ادركت انها عربة الثلج القادم من قمم الجبال،فيما فتح على الجانب الاخر مني باب اقرب االياخشالات لي، اعتذرت لهم، ثم ابتعدت وحصاني عن طريقهم، وسرت وراءهم ماشرة إلى داخل الياخشال هابطا سلمه الداخلي كـانت ارضيته المستديرة مخفضة عن مستوى الأرض في الخارج قرابة خمسة أو ستة أقدام، وواسعة تحتوي اربعة صناديق خشبية ضخمة يتدلى من كل واحد منها سلم عمودي من الخيرزان، صعدها الصبية تباعا وهم يحملون على أكتافهم مكعبات كبرى من الثلج ملفوفة بالقش والخيش وجلود الحيوانات ليضعوها في داخلها، نظرت إلى هيكل الياخشال الداخلي وجدرانه التي كانت تضيق كلما ارتفعت إلى الأعلى لتنتهي بفتحة دائرية في القمة تظهر عبرها السماء، وسألت أحد الصبية وأنا منبهر ببرودة الجو من حولي:
إلى متى تستمر صلابة الثلج قبل أن يذوب؟
قال:
أسبوعان على الأكثر. هززت رأسي إيجابًا في سعادة، ثم مررتُ يدي على جدار الياخشال البارد مستكشفا بنيته، ثم طرقته برفق بقبضة يدي، كما قال صاحبي قديما. كان مصنوعا من الرمال والطين وشعر الماعز، حاولت تبين إن كان هناك مكون آخر غير تلك العناصر، بيد أن صوتا أجش نطق فجأة من خلفي:
- ماذا تفعل أيها الشاب؟
التفت، كان رجلا خمسينيا ممتلئ الوجه ثيابه نظيفة ورائحته عطرة أدركت أنه صاحب تلك الياخشالات، وبجواره وقف رجل آخر بدا أنه أقل شأنا
قلت:
- لقد جئت طالبا للمساعدة سيدي، إنني أريد بناء ياخشال.
ضحك هو والرجل الآخر ساخرين، فقلت باقتضاب:
- إنني جاد في هذا.
سألني:
- من أي بلد جئت؟
قلت:
- من قرية تقع في الشمال، إنني قريب السيدة «سارة» مالكة الحانة التي تشتري ثلجكم.
لا أعرف لماذا كذبت تلك الكذبة، لكني أكملت كاذبا:
- إنني صياد بري واريد بناء ياخشال كهذا لأحفظ فيه لحوم صيدي أطول فترة ممكنة.
فكر ثم تساءل:
- هل لديك مال؟
إن بناء الياخشال مكلف للغاية.
قلت في حماسة شديدة:
- سأعطيك حصاني مقابل المؤن وأجر بناء واحد .
ضحك وقال:
- لست أنا من يبنيه. ثم إن حصانك هذا يكفي لبناء قدمين على الأكثر من هذه الجدران، إن بنائيه نادرون
قلت:
- لا أريد كل هذا الارتفاع، أريد ارتفاعًا يكفي لتبريد صندوق واحد صغير فحسب.
قال بنبرة هادئة:
سيكلفك الكثير أيضًا، والارتفاع المنخفض الذي تتحدث عنه سيضطرك الإحضار الثلوج كل يومين على الأكثر.
ضمم شفتي مفكرا ثم قلت:
سأتكفل أنا بحفر القاع، وسأساعد البناء في البناء وخلط المؤن وحملها اليه ،
هز رأسه رافضا كأن كلامي لم يقنعه،فخطرت في بالي فكرة كرهت ذاتي وانا افكر فيها، لكني لم أكن أمتلك غيرها مع إغلاقه كل الأبواب أمامي، وعدم رغبتي في إضاعة مزيد من الأيام، وقلت:
حسنا، دلني على بناء منهم، وسأعطيه المقابل الذي يريده فقال الذي يقف بجواره ضاحكا:
إنني البناء، ما المقابل الذي تدفعه؟
قلت أسفا وأنا أفكر في حلي ناي:
لدي عقد ثمين من الذهب سأعطيه لك مقابل بناء ذلك الياخشال، لكن لي شرطاً ورجاءً، اما شرطي فان تبدأ في بناء الياخشال بعد يومين وان تنجز بناءه في أسرع وقت ممكن. وأما رجائى فألا تبع ذلك العقد كي اشتريه منك لاحقا عندنا اجمع ثمنه.
جاءت فكرتي بتأخير بناء الباخشال ليومين عندما تذكرت أنني لم أحدد بعد المكان المناسب لبنائه ووجدت حاجتي ليوم آخر غير اليوم الذي كنا فيه في أبحث عن مقصدي، لكني في الآن نفسه فكرت في ناي وتلك الساعات التي تضيع هباء دون وضع جسدها في الثلج، فتابعت إلى صاحب الياخشال عندما أبدى البناء موافقته على كلامي:
سيدي فأريد شراء منك صندوقا صغيرًا يتسع لذبيحة متوسطة الحجم وما حولها من ثلج،
وصمت عت للحظة مفكرًا وأكملت:
ولوحان خشبيان يتحملان عبور عربة ممتلئة فوقهما، طول الواحد مهما خمسة عشر قدمًا على الأقل، على أن ينقل تلك الأشياء «همام» إلى قريتي الآن ومعه تسعة ألواح من الثلج. وتسعة أخرى أخذها منه .
غدا، وسأرسل لك معه اليوم قرطا ذهبيًا ثمنه أضعاف ثمن من الأشياء التي طلبتها، مع الرجاء نفسه بأن تحافظ على ذلك القرط حتى استعيده منك.
استغرب طلباتي، فقلت مبررًا:
- هناك صيد أود الحفاظ عليه حتى اكتمال بناء الياخشال
فابتسم وقال:
لك ما طلبت
كان الجو لا يزال باردا داخل الكهف عندما عدت إليه قبيل غروب الشمس لأطمئن على ناي وأخذ قرطها إلى همام الذي أصر على ضمان حقه أولا قبل أن يسمح لي بإكمال الطريق الجبلي بعربته وحدي، ساعدني اللوحان الخشبيان على عبور العربة للأخدود، ورغم التعب الشديد الذي أصابني وأنا أحمل الصندوق إلى الكهف إلا أن ملاءمته لجسد ناي أنساني كل شيء، ثم جال في ذهني وأنا أنظر إليها وهي نائمة كالملاك بين ألواح الثلج بهيئة سليمة لم تصب بأي تغيير أنها تمتلك صفة الاحتفاظ بجسدها كالملايين الأنقياء، لكني واصلت تغطية جسدها بالثلج لتختفي تماما عن بصري وأنا أتمتم لنفسي:
مادمتُ غير متيقن من ذلك الأمر فلا مجال للمجازفة. أعدت العربة لهمام، وعدتُ لأنام في الكهف بجوار صندوقها تلك الليلة، وما إن طلع النهار حتى خرجت لأبحث عن المكان المناسب لبناء الباخشال كان في بالي البحث عن مكان يحمل مواصفات معينة؛ يكون قريبا من الطريق الصاعد إلى قمة الجبل الثلجية، وفي نفس الوقت متواريا عن الأنظار لا يصل إليه أحد بسهولة، ويا حبذا لو لم يكن بعيدًا للغاية عن القرية، فأخذت أبحث بحصاني اليوم بأكمله متنقلا من واد إلى واد، حتى عثرت على مرادي في النهاية سهل رملي ضيق بين تل صغير وجبل شاهق تميل قمته نحو
ذلك التل لتحجب السماء عن الأرض أسفلها، الطريق إليه ملتو لا يمكن لأحد الوصول اليه بسهولة، وليس بعيدا للغاية ععن الطريق الصاعد الى القمم الثلجية، أدركت من اللحظة الأولى التي وطأت فيها اقدام حصاني ذلك السهل ، أنه المكان المناسب، حتى عندما أحضرت البناء إليه تعجب من اختياري ذلك المكان وأقسم أنه لن يحمل المؤن إليه ما دامت العربة لن تستطيع بلوغه، أخبرته بأنني سأحمل على صهوة حصاني كل ما يحتاج إليه من عربته الواقفة على جانب الطريق الجبلي إلى أرض السهل: أجولة من شعر الماعز. وزجاجات ممتلئة ببياض البيض، وطمي من مستنقعات الغابة، ورماد ناعم للغاية، وأوان من الماء، حملتها تباعًا إليه بينما كان يحفر أرضية الياخشال الدائرية، أما الرمال فلم يكن أكثر منها في أرجاء السهل.
استغرق بناء الباخشال أربعة أيام كاملة رغم ارتفاعه الذي لم يتجاوز عشرين قدمًا، وفي صباح اليوم الخامس كان الصندوق الذي ترقد فيه ناي يتمركز في منتصف أرضيته أسفل فتحة قمته التي تظهر عبرها صخور الجبل الذي يغطي السهل، تذكرت وأنا أنظر نحو تلك الفتحة حديث البناء وهو يخبرني عن دورها في إخراج الهواء إلى الأعلى كمدخنة في حين يدخل الهواء البارد إلى الياخشال عبر فتحاته الجانبية السفلية، لتحدث دورة تبريد كاملة تصقلها الجدران العازلة للحرارة التي صنع خلطتها بنسب لا يعرفها الكثيرون.
للأسف اضطررت إلى مبادلة القرط الآخر بمزيد من ألواح تلج همام بعدمااستغرق البناء أيامًا أكثر مما توقعت، وإن أخبرني في المرة الأخيرة بأنه لن يحضر لي ثلجا مجددا إذ كان ما لديه يكفي بالكاد حانات القرى، كنتُ على كل حال أنوي الاعتماد على ثلج القمم الجبلية في الأيام التالية مع فقداني كل حلي ناي وعدم امتلاكي أي قطعة نقود إضافية. في اليوم السادس عدت مرة أخرى إلى حانة السيدة سارة، قالت باسمة عندما رأتني أدلف إليها:
مرحبا أيها الصياد، كيف حالك؟
أدركت أنها تبادلت الحديث عني مع همام، فقلت باسما:
- إني بخير، هل استطعت إيجاد من يستبدل حضاني بحمار أو بغل
قالت:
نعم، منذ يومين وافق رجل على مبادلة حصانك بيغله، وسيعطيك فارق ثلاث عشرة قطعة نحاسية. لقد ضمنت له حصانك على مستوليتي فترك لك كيس النقود هنا، وعقل بغله في إسطبل الحانة الخلفي ابتسمت شاكرًا لها، فأخرجت لي كيس النقود، فسألتها:
- كم أدين لك من المال الملابس وطعام اليوم الأول؟
قالت باسمة:
لا شيء كانت هدية لك من حانتنا، لقد عُرف عنا إكرام الضيوف، سأخذ مقابلا في المرات القادمة، إن بغلك في الإسطبل الخلفي، ولا تنس أن تعقل حصانك مكانه، شكرتها كالعادة ثم اتجهت ببغلي إلى الطبيب «رسلان» الذي كان من المفترض أن أزوره قبل ستة أيام، كان الزحام كثيفا هناك أكثر من المرة السابقة، خاصة مع إحضار الأهالي لأربعة شبان تنزف أجسادهم بغزارة إثر عراكهم مع بعض الأشقياء، وأمره بإدخالهم أولا، فانتظرت بين البقية في الخارج أتابع خروج أولئك الشبان مضمدين واحدا وراء الآخر، حتى جاء دوري فدلفت إليه، كرر ما فعله في المرة الماضية بيد أن ألم فخذي كان أخف كثيرا، ثم انتهى من لف ضمادته فأعطيت لمساعده قطعتين نحاسيتين، وهمت بالمغادرة، لكني وقفت قبيل الباب، والتفت إلى الكتب الكثيرة المصفوفة على رفوف مكتبته، ودار في رأسي ما فعله مع الشبان الجرحى، لأستدير إليه وأسأله:
- هل تستطيع إصلاح قلب إنسان طعن بالرمح سيدي
