رواية وادي الذئاب المنسيه الفصل التاسع9 بقلم عمرو عبد الحميد

رواية وادي الذئاب المنسيه 
الفصل التاسع9
بقلم عمرو عبد الحميد

 بوجه يكسوه القلق سألتني منى:
-إلى آي مكان ستذهب في عالم زيكولا فهي أرض شاسعة بها مدن كثيرة .
-تنهدت قائلاً:
-لا أعلم،سألجأ لأصدقائي القُدامى أو للملك تميم ،لا شك بآنهم سيُساعدونني للوصول إلى وُجهتي المجهولة.
قالت:
-تتحدث وكأنك ستذهب بدوننا .
-أومأت برأسي إيجاباً ،وقلت:
-بتأكيد لن أخاطر وآخذكم معي ،أجهل ما سيقابلنا من مخاطر هناك،ولا أستطيع المجازفة بإبني إن أصابه تدهور مفاجئ في حالته المرضية ،قد لا نستطيع إنقاذه .لهذا بقائك هنا معه أأمن لكِ وله .
نظرت إليَّ بعينين حائرة  تلمع بلدموع .
فقلت:
-لا يوجد حل أخر يا منى،عليَّ المخاطرة من أجل أبني قرة عيني ،فإن أصابه شئ لن أسامح نفسي ،فهو أغلى ما أملك .
عليَّ إعادة عظام ذلك الذئب المشؤوم ،لعلَّ لعنته تحل على إبننا .
-بقيت صامتة بعيون تحكي الألم فجلست بجوارها حاضنًا لها،فمسحت عبراتها وقالت :
متى ستغادر ؟
قلت:
-لا أعلم شيئا عن زيكولا منذ زيارتنا الأخيرة لها،
لا أعلم إن بقيت المدينة كما هي مُغلقة يفتح بابها مرة واحدة في العام ،
أم غُيرت القواعد بعد رحيلنا .
-ونهظت من جلستي
وقلت :
-نزلت السرداب للمرة الأولى قبل اثني عشرة عاماً في يوم الثالث من ديسمبر،كان ذلك التاريخ يوافق عيد زيكولا السنوي،من حسن الحظ أنَّ توقيت ذلك البلد يُماثل توقيتنا ،وأنَّ إحتفالاتهم الطارئة بأولاد الحكام الذكور لا تغير من المواعيد الثابتة للعيد السنوي .
ونظرت ألى مفكرة التقويم المعلقة على الحائط وتابعت :
يتبقى شهران وأحد عشرة يوما على ذلك التاريخ الذي سيوافق أيظاً اليوم السابع والعشرين من الشهر القمري ،
-ولأن سرداب فوريك لا يُظاء إلا في منتصف الشهر القمري ،سأظطر للمغادرة قبل ذلك اليوم باثنتي عشر يوماً وإلا سيفوتني يوم فتح باب زيكولا .
-ثم أردفت مطمئنا لها :
-سآخذ حاجتي من الطعام المُصبر والسوائل التي تكفيني تلك الأيام ،كما أنَّ التُجار عادة ما يجتمعون أمام باب زيكولا قبلها بأيام ،لن أكون وحيداً هناك .
قالت وهي ترتشف دموعها دون النظر الي :
-هذا إن كان توقيتك صحيحاً ،كما قلت ،لا تدري إن ظلّت القواعد هناك خلال السنوات الماضية كما هي أم تغيرت .
وأضافت :
-لكن إن كان توقيتك خاطئاً …
وسكتت وهي تعض على شفتها السفلى مغمضة عينيها بألم كأنها لا تريد أن تنطقها.
-فقلت :ستكون رحلة بلا عودة.
-ونظرت إلى يامن وقلت  :
-لكن غايتها تستحق المغامرة .
-هزت رأسها نافية وانهمرت عينيا بلدموع :
لا،لا أوافق على ذلك .إنه تهور غير مصوب ،ونحن في أمس الحاجة إليك هنا .
إقتربت منها ونزلت على ركبتي وأمسكت بيدها في  رِقة  ،وقلت مهدئاً لها:
-مازال هناك شهران تقريباًعلى كل حال،ولا ندري ما يخبئه لنا القدر خلالها 
اردت فقط مشاركتك بما يدور في تفكيري الآن فحسب ،كي نتهيأ نفسياً لما هو قادم .
صمتت لبرهة ثم قالت وهي تمسح عينيها من الدموع :
-لماذا لا تضع تلك العظام يوم البدر القادم في السرداب دون أن تعبر النقطة التي تنهار فيها فيها جدرانه ،وترى ما إن كانت ستشكل نفسها من جديد في صورة هيكل عظمي أم ،لا فإن فعلتها أتركها هناك وعُد.
ثم أردفت:
-إذا كان السرداب جسر بيننا وبين عالم زيكولا فإنَّه بذلك ينتمي إلى العالمين وأعتقد أن وضع ذلك الذئب هناك سيكون بمثابة إعادته إلى حيث ينتمي دون أن تضطر للذهاب إلى زيكولا .
-نظرت إليها مفكراً و متعجباً في آن واحد ،كانت تلك الفكرة تستحق التجربة ،وشعرت بلغباء بعدم تفكيري بشئ كهذا من قبل ،وقلت متحمساً:
-فكرة رائعة ،سأفعلها يوم البدر القادم .
-وأضفتُ بعدما هزت رأسها إيجابًا في شرود وهي تنظر إلى يامن :
-لكن إن لم تعد العظام ترتيب نفسها ،فلن أتركها هناك ،وسأذهب بها إلى أرض زيكولا يوم بدر الشهر الذي يليه……
بعد أيام من حديثي مع زوجتي منى ذهبت للمرة الثالثة إلى قبر الشيخ موسى ،فجراً كان كما تركته في المرة السابقة مُغلقا فقط بلطوب المرصوص وكان أحداً لم ينتبه إلى عدم وجود كومة من الطين تغطي بابه أزلت الطوب في حذر شديد ،وهبطت بمصباحي إلى ذلك القبر ،وأخذت جوال عظام الذئب المشؤوم ،وأعدت رص الطوب من جديد ،ثم ذهبت متجها بلجوال إلى المكان الذي دفنته فيه سابقًا ،فعلت ذلك كي أبقي عظام الذئب  في حوزتي ،خشية أن يحدث شئ مفاجئ يمنعني من الحصول عليها قبيل نزولي السرداب .

                                   *****

في الأيام التاليه لم يحدث أي جديد ،وحالة يامن كما هي حالة جيدة نهاراً وحمى ليلية تجبره على البقاء في حوض المياه ليلاً ،في تلك الأيام ذهبت أكثر من مرة إلى الأراضي الزراعية القريبة من البيت المهجور المتواجد أسفله مدخل السرداب ،لعلَّي أعثر على أي شئ صدفة ،لكني رجعت في كل مرة خائبًا ،كذلك راقبت السماء في كل ليلة بحثًا عن نجم أسيل لعلَّ إشارة ما تصلني ،لكنه لم يظهر ،وعندما حاولت إستخراج رؤى أخرى من الفتى فشلتُ في ذلك بِعَدم وجود البدر في السماء.
مرت الأيام والساعات وحلَّ منتصف الشهر القمري وظهر البدر الذي إنتضرته بفارغ الصبر حركت حوض يامن ليواجهه ،كانت منى معي تلك المرة ،إتفقنا على نزع يدي من على جبين يامن إذا حرارته تجاوزت الحد وعلى ثلاث مرات تخللتها فترات الراحة وإغلاق باب الشرفة رأيت نفس الرؤى التي رئيتها في المرة السابقة لم أرقب أي جديد ،
لأفتح عيني قائلا لمنى :
-لو إنتبه موسى لذئب وفرَّ وقتها لما حدث هذا .
قالت وهي تغلق باب الشرفة :
-لو لم تُحظر لنا تلك العظام لما حدث كل هذا .
أومأت برأسي موافقًا ،ثم نهظت من جلستي وقلت :
-سأهبط السرداب غداً ،سأضع عظام الذئب هناك قبيل صورة فوريك المنقوشة على الحائط ،دون عبور ذلك الحد ،وأترقب ما إن كانت عظامه سترتب نفسها كما إتفقنا.
أومأت برأسها إيجابًا في صمت.
                               *****
في الصباح التالي كانت عقارب الساعة تشير إلى العاشرة أيقظتني منى قائلا :
-إن الطقس غريب للغاية اليوم،بحيث الغيوم كانت تنتشر بكثافة شديدة مغطية السماء ،ووفقا للأخبار فإن الطقس قد يستمر على حاله ثمانية وأربعين ساعة .
-تحركت مباشرة نحو النافذة وفتحتها ،كانت السماء غائمةُ للغاية وشبه مظلمة كأننا تجاوزنا وقت الغروب ،
ضممت شفتيَّ ،وقلت:
-إن إستمرت الغيوم بتلك الكثافة إلى الليل ربما لن يظهر البدر .
قالت:
-ربما هذه إشارة بأن لا تنزل السرداب الليلة .
أغلقت النافذة قائلاً:
-سأفعل ماكنت انوي بأن أنزل السرداب بعد الواحدة صباحا بعد سكون أهل القرية ،لكن مع تلك الغيوم لا شك بأنه سيهطل المطر بغزارة ويأوي الناس لبيوتهم باكراً ،إذاً سأذهب الى السرداب في وقت باكر من اليل أيظاً ليكون لدي وقت أوفر أنتضر وقت إنقشاع السحب عن البدر .
وأخرجت زفيري متنهداً وقلت :
-تذكرني هذه الغيوم بليلة التي رئيتها في رؤى الشيخ موسى ثم نظرت إلى ساعة يدي وأردفت :
-سأتحرك لإخراج جوال العظام في التاسعة مساءً،ثم أتجه بعدها مباشرة إلى البيت المهجور .
أومأت برأسها صامتة 
                           *********
في تمام الساعة التاسعة مساءً ،خرجت من بيتي حاملا حقيبة سوداء تحوي جاروف معدني وزجاجة ماء صغيرة ومصباح رأسٍ وكمامة كلب بوليسي ،كنت قد إشتريتها كي ألجم بها مقدمة جمجمة الذئب كنوعٍ من الإحتراس (كما تعلمون  أخذ الحيطة واجب)واتجهت نحو رقعة الارض لي دفنت فيها عظام الذئب ،كانت غيوم السماء لا تزال كثيفة تحجب ظوء البدر ،فيما واصلت الأمطار الهطول،ولما إقتربت الى الرقعة التي أقصدها ،دوى صوت الرعد فجأة كفرقعة حادة ،ولمعت السماء بضوء البرق،وحينها أدركت أن وقع أقدامي يماثل في نمطه وقع أقدام الشيخ موسى ،الذي سمعته في رؤى الفتى،فإهتزَ جسدي برعشة قوية كأن الكهرباء سرت في عروقي ،لدرجة فكرت في التراجع والعودة إلى البيت ،لكني تماسكت وواصلت تقدمي،حتى وصلت إلى مقصدي الرقعة التي دفنت فيها جوال عظام الذئب وأخرجته ،ونظرت إلى ساعة يدي كانت تشير إلى التاسعة ونصف ،وقتئذٍ أطلقت السماء رعداً أخر ولمعت ببرق جديد صورت به البيت المهجور أمام عيني من بعيد،فتقدمت نحوه حاملا الجوال ،وعندما إقتربت من سوره ألقيت بلجوال وحقيبتي الى الجهة الأخرى منه ،ثم تسلقته في خفة ربما لم تكن لتتواجد لولا فقداني كثيراً من وزني مع شهور الإرهاق الماضية.
دلفت إلى داخل البيت لم يتغير مطلقاً عن آخر مرة دخلته فيها،ثم هبطت إلى قبوه ،كانت الصخرة الكبرة لا تزال في موضعها،وضعت الجوال جانباً ،وهممت بإزاحة الصخرة بكل قوتي هنالك شعرت أن وزنها تضاعف عن آخر مرة حركتها فيها ،فأسندت ظهري إليها محاولاً بكل طاقتي دفعها ،غير أنها لم تتحرك بوصة واحدة ،حدثت نفسي وأنا أشعر بخوار قواي.
-لا،لم أكبر إلى هذا الحد .
قم زفرت بقوة وزعقت من جديد ،وبدأت أدفعها وانا أصرُّ على أسناني حتى تزحزحت مسافة صغيرة،دفقت وأنا أزعق؛
-هيااا.
تزحزحت مسافة أخرى ،فأمسكت بركبتي لاهثاً محاولاً إلتقاط أنفاسي ،ثم جمعت قواي وهممت بلدفع مرة أخرى ،لكنِّي توقفت حينما سمعت صوتاً من خلفي يقول  لي فجأة:
-هل تحتاج إلى مساعدة أيها الكاذب 
تعليقات



<>