رواية وادي الذئاب المنسيه
الفصل الثالث3
بقلم عمرو عبد الحميد
-قرية البهو فريك2021م:
《كل عام وانت بخير ياصديقي،وعقبال مليون سنة》
《عيد ميلاد سعيد ياخلودة،ويارب دائماً في صحة وسعادة》
《اهلا بك في نادي الأربعين مديري العزيز ،ربنا يجعلها سنة حلوة عليك وعلى يامن》
كانت المباركات بمناسبة بلوغي عامي الأربعين تنهال على صفحتي الشخصية في تطبيق التواصل الاجتماعي 《فيسبوك》منذ الساعات الأولى لصباح ذلك اليوم ،والحقيقة لولا هدا التفكير السنوي من التطبيق لما تذكرت ان عيد ميلادي قد حان ،على عكس منى التي لم تكون لتفوت مثل هده المناسبة،وكعادتها في المساء كانت قد أعدت كعكة الشيكولاتة السنوية،وعلقت زينة الردهة بمساعدة ابننا يامن الدي بلغ عامه التاسع قبل بضعة شهور ،وبعد غناء ثلاثتنا اغاني اعياد الميلاد الشهيرة تولى يامن إطفاء شموع الكعكة بدلا مني ليصيح في بعدها:
-هيا،تمنّ أمنية في سرك.
ابتسمت لطلبه المفاجئ دون أن انطق ،ولوهلة وجدت نفسي اتمنى ان يحدث جديد يغير وتيرة حياتي الثابثة منذ قرابة عشر سنوات.
نعم ،لقد سئمت ذلك الجمود الدي أصابنا خلال السنوات الماضية،فإني لازلت اعيش في قرية البهو فريك،وعملي كما هو؛محاسب في إحدى شركات المنصورة،وبعد وفاة جدي قبل سبع سنوات توقفت حكايتنا المستمرة عن أرض الذكاء ،وعاماً بعد عام قلت حكايتي ايضاً إلى يامن عن تلك الأرض ،وأن ظل الفتى يؤمن تماماً أنها ليست سوى قصص خيالية لاتختلف عن القصص التي يقرؤها،أما منى فأثرت انا تتدخل في هذه القصص مطلقا مبديةً قلقها من ارتباط تلك الأرض بدماء عائلتنا،ومعلنة لي تخوفها عن تعلق يامن بسرداب فوريك ورغبته في الدهاب إلى هناك يوما ما، تفهمت ذلك القلق ومع الوقت توقفت عن سرد تلك الحكايات تماماً،وبقيت في داخلي عالقاً بمفردي في ذاكرتي بأرض زيكولا،متمنياً ان يأتي يوم واجداً اياد ونادين قد عبرا سرداب فوريك الينا لأخبرهما انني قد سميت إبني على اسم يامن صديقي،أما اسيل فلا اتذكر مرور يومٍ في السنوات الأولى بعد عودتي من أرض زيكولا دون أن يؤلف عقلي قصة جديدة من حدث يجمعني انا وهي مرة اخرى،ورغم أنني كنت أدرك أنها مجرد خيالات لن تقدم ولاتؤخر ظلت تلك الأفكار ترافقني سنوات طويلة.
حاولت كثيراً اخفاء الأمر عن منى،لكني كنت اعرف انها تشعر بإنتشار جزء كبيرة من تفكيري بأسيل،وأن لم تعلق عن الأمر من قريب أو من بعيد فأخذت اجبر نفسي شيئاً فشيئاً على تجنب تلك الأفكار ،لأكرس حياتي كلها لزوجتي وليامن،وتصبح أرض زيكولا مع مرور السنوات اعظم ماضٍ في حياتنا وسرنا الأكبر الدي لايعرفه أحد سوانا،وخاصةً بعد وفاة جدي وصديقه مجنون السرداب،وتمضي حياتنا الروتينية كأسرة مصرية دون تغير مند عامي الأربعين الذي بدا وكأن أمنيتي في أول ايامه بتحرك في حياتي الجامة قد بدأت في التحقق في اليوم التالي له.
بدأ الأمر في تلك الرسالة الإلكترونية التي وصلت إلى هاتفي عبر《محادثات الفيسبوك》
-《استاذ خالد،إسمي مروة طارق،اريد مقابلتك في اقرب وقت بخصوص امر مهم،شكراً مقدماً》
تعجبت بمجرد قراءتي الرسالة،وعلى الفور تصفحت حسابها الشخصي،كانت صورتها الشخصية توحي بأنها في منتصف العشرينات،وجهها رقيق خمري البشرة،عيناها عسليتان واسعتان تشعانْ ذكاءً واضحاً،وشعرها مُجدّل في جدائل رقيقة كثيرة تزيد جمالها جمالاً،تمسك في يدها مجموعة كتب،وتشير بيدها الآخرى إلى مكتبة الإسكندرية التي ظهرت في خلفية الصورة ،فكرت في أنها لاتزال طالبة في جامعة،خاصةً أنها لم تضع معلومات أخرى على صفحتها سوى أنها تعيش في الإسكندرية ، وأكملت تصفحي في حسابها لعلي اعرف من خلال منشوراتها ماقد تريده مني ،فلم اجد اي رابط قد يجمعني بها،عدت الى الرسالة من جديد،ورددت كتابةً:
-مرحباً مروة،بخصوص أي شأن؟لاأظن انك تقصدينني.
في اقل من دقيقة جاء الرد:
-اهلاً وسهلاً استاذ خالد،اقصدك تماماً سيدي ،اعدرني لن استطيع شرح الأمر مطلقاً عبر هذه الدردشة،امازلت تعيش في قرية البهو فريك ؟
تأكدت حين ذاك أنها تقصدني فعلاً،وكتبت مستغرباً:
كتبت سريعاً:
هل استطيع مقابلتك هدا الاسبوع هناك؟وسأشرح لك كل شيئ وقتها.
فكرت ضاماّ شفتيّ،ثم كتبت لها:
-انتظري دقيقة واحدة لو سمحتِ.
ثم حدثت منى التي كانت تشاهد التلفاز بجواري:
-هناك فتاة غريبة تريد أن تزورنا.
تعجبت، وسألتني على الفور :
-من؟!
اعطيتها الهاتف فتصفحت بعينيها الرسائل،ثم القت نظرة سريعة على حسابها هي الاخرى،وسألتني في اقتضاب:
-هل تحدثت لأحد عن أرض زيكولا مؤخراً؟
هززت رأسي نافياً،ضمت شفتيها ثم تمتمت:
-امر غريب،ماذا تريد منك؟!
قلت:
-لاأعرف، تصر على مقابلتي اولاً.
قالت وهي تنظر إلى صورتها أمام مكتبة الإسكندرية:
-يبدو أنها طالبة في كلية ما.
ثم نظرت إلى وتابعت:
-اخشى المفاجآت،خاصةً مفاجآتك،ولكن على كل حال ان كان منك شيئ قد تفيدها به فلا تبخل عليها.
اومأت برأسي متفقاً معها،ثم اخدت الهاتف مرةً اخرى،وكتبت لصاحبة الرسالة:
-ربما نلتقي في المنصورة ان اردتِ.
ردت على الفور:
-أرجوك ،سآتي إلى القرية،اريد ان اتفحص شيئاً ما في وجودك شعرت ان التوتر قد أصابني بعض الشيئ،ليس سرداب فوريك ومكثت انظر إلى الرسالة دون كتابة أي شيئ،فكتبت لي بعدما طال انتظارها:
-معي استاذ خالد؟
كتبت:
-حسناً،إن أردت القدوم فأهلاً وسهلاً بك.
ودونت لها رقمي لسهول الوصول الي،فردت:
-شكراً جزيلاً سيدي،سأهاتفك خلال أيام،إلى اللقاء.
-الى اللقاء.
قلت لمنى:
-ستأتي خلال ايام،اعتقد أنها صحفية أو كاتبة عثرت على شيئ ما يخص سرداب فوريك.
قالت:
لاأظن ان يامن يتحدث إلى زملائه عن حكايتك الخاصة بأرض زيكولا،وانا لم أخرج هدا السر من فمي ابداً،وانت أيضا لم تتحدث إلى أحد بعد وفاة جدك وصديقه.
هززت رأسي متفقاً معها،فباغتتني بسؤال سريع:
-هل رأيت النجم قريباً؟
نظرت لها وقلت:
-لا،كانت آخر مرة منذ سبع سنوات.
اومأت برأسها ايجاباً،ثم اكملت حديثها وهي تنظر إلى التلفاز:
-انا أيضاً لم اره مطلقاً منذ كان يامن رضيعاً،لننتظر ونرى ماذا تريد،لعله أمر آخر تماماً
بعد ثلاثة أيام رن هاتفي برقم غريب،قال صوت نسائي اتى من الجانب الآخر من الخط:
-مرحباً سيد خالد،انا من تحدث إليك عبر برنامج محادثات 《فيسبوك》قبل أيام
نطقت:
مروة؟
قالت:
-نعم،هل لي ان ازورك في منزلك الساعة السادسة مساء اليوم؟
نظرت إلى ساعتي،كانت الساعة تشير إلى الثانية عشر ظهراً ،فقلت:
-نعم،على الرحب والسعة.
خلال الساعات التي تلت تلك المحادثة حاولت ان اشغل رأسي بأشياء أخرى لعل القلق الذي أصابني يقل بعض الشيئ،لكني لم استطع وجلست أنتظر مرور الوقت دقيقة دقيقة بفارغ الصبر، إلى أن رن جرس الباب اتت قبل الساعة السادسة بعشر دقائق، هبطت إلى الطابق السفلي وفتحت الباب على الفور ،وجدتها امامي بهيئتها التي لم تختلف كثيراً عن صورتها في مواقع التواصل الاجتماعي سوى أن شعرها المجدل كان أطول قليلاً،قالت بعينيها المتحمستين:
-سيد خالد ؟
اومأت برأسي إيجاباً وانا انظر الى سيارتها الحمراء الصغيرة التي كانت تقف أمام البيت،فأردفت:
-هل تسمح لي بالدخول؟
أشرت لها إلى الداخل باسماً،وقلت في حرج :
-بالطبع.
رحبت بها منى كذلك،وألقى يامن ترحيباً سريعاً قبل أن يغادرنا إلى الطابق العلوي،ثم تركتنا منى بمجرد شعورها ان الفتاة تريد محادثتي بمفردي.
قالت مروة عندما جلست في غرفة الضيوف:
-اعتذر من اقتحامي حياتك بهذا الشكل المفاجئ،لكن هناك أمر اكتشفته منذ شهور،وأريدك ان تساعدني بخصوصه.
وتابعت عندما نظرتُ إليها في ترقب:
-انني أدرس الدكتوره في مجال الحفريات الفقارية،وهناك جزء هام في رسالتي يرتبط بشدة بمنشور كنت قد نشرته على صفحتك بتطبيق 《فيسبوك 》قبل شهور.
إندهشت مما تقوله،وانا احاول تذكر أي شيئ نشرته من قبل في مجال الحفريات ،وعندما لم يآتِ في بالي شيئ من هدا القبيل شعرت أنها تقصد شخصاً آخر ،غير أنها أخرجت من حقيبتها صورة 《فوتوغرافية 》مطبوعة بالأبيض والأسود ،واكملت:
-لقد جئت إليك بخصوص هده الصورة.
نظرت الى الصورة في تعجبٍ كبير،إذ كنت اعرفها جيداً، كانت صورة قديمة لجدي عبد القوي التقطت في أواخر عشرينات القرن الماضي،كان عمره ستة او سبعة أعوام وقتها على أقسى تقدير،يحمله ابوه ويقف بجواره ثلاثة رجال يرتدون طواقيهم وجلابيبهم الفلاحي،ويبتسمون إلى المصور بأسنانهم البيضاء ووجوههم السمراء التي لفحتها الشمس،كان جدي يحتفظ بتلك الصورة،ونشرتها على صفحتي بتطبيق التواصل الاجتماعي قبل عامين بالفعل في اليوم العالمي للتصوير بإعتبارها أقدم صورة شهدتها قريتنا ،ومعلقاً اسفلها بالشبه الكبير بين جدي في طفولته ويامن ابني،شاركتها بعض الصفحات المهتمة بالتصوير انذاك متعجبين من نقاء الصورة وجودتها رغم قدمها،وانتهى الامر،فقلت وانا انظر الى الصورة:
-ماذا بها؟أنها صورة قديمة لبعض رجال قريتنا قبل أكثر من تسعين عاماً،أخبرني جدي ان مصوراً رحالا اتى إلى القرية حينها والتقط للرجال هذه الصورة ،واحتفظ بها ابوه ومن بعده جدي.
سألتني:
-هل الصورة الاصلية موجودة؟
فقلت :
-نعم.
قالت :
-هل تسمح لي ان اراها؟
قلت متعجباً:
-بالطبع
ونهضت إلى غرفة أخرى لأحضر الصورة من صندوق مقتنيات جدي قابلتني منى في الردهة وسألتني:
-هل الامر يخص زيكولا ؟
هززت رأسي نافياً،وأكملت طريقي الى الغرفة واحضرت الصورة وذهبت بها اليها،حدقت إليها بمجرد أن امسكتها ، فسألتها في ترقب:
-هل هناك أمر ما بخصوص جدي ورفاقه؟
قالت وهي تواصل تحديقها إلى الصورة :
-لا،لايتعلق الأمر بالرجال المبتسمين إلى المصور،وانما يتعلق بهذا الرجل.
وأشارت بإصبعها إلى خلفية الصورة،حيث يقف خلف الرجال رجل طويل اللحية والشعر نصفه العلوي عارٍ تماماً،بينما يطفي نصفه السفلي سروال قصير ممزق،ويلتف حول مؤخرة عنقه حيوان مغلق العينين قلت:
-الشيخ موسى ديب؟
وتابعتُ:
قال جدي انه كان مخبولا. يطوف القرية بهذا الذئب الميت على كتفه حتى انه لقب ب "الذيب"نسبةً الى ذلك
قالت:
-نعم،هذا ماجئت اليك من أجله خصيصاً،لقد عثرت على صورتك على فيسبوك ،وبدأت ابحث على مصدرها منذ شهور حتى وصلت منشورك الأصلي ،رأيت لك تعليقاً يخص هذا الرجل،قلت فيه ان اهل القرية دفنوا ذئبه معه في. قبره حين مات.
تذكرت اني كتبت ذلك بالفعل حين سألني أحد عن غرابة هيئة الشيخ موسى،فأردفت مروة:
-إن الذئب الذي يحمله هذا الرجل على كتفيه يشبه الى حدٍ كبير سلالة الذئاب الرهيبة التي تصورتها أكبر معاهد الحفريات في العالم.
قلت:
-لاأعرف كثيراً عن الذئاب،لكن ما الذي يهم في ذلك؟
قالت:
-لقد انقرظت تلك السلالة من الأرض منذ ثلاثة عشر ألف سنة .
وتابعت بعدما زمت شفتيها:
-انني اوقن تماماً ان رأس هذا الذئب لايشبه سلالة الذئاب الرمادية الموجودة حالياً.
ثم نظرت إلي واكملت:
-إن ماأفكر فيه لايتعدي إلى الآن مرحلة الشكوك،لاكن ستأكده بقايا الذئب في قبر الشيخ موسى.
قلت مستغرباً ومستنكراً ماتقوله:
-هل تريدين ان تفتحي ذلك القبر؟
قالت:
-نعم،وأن كان تصوري صحيحاً فإما أن يعني ان الذئاب الرهيبة لم تنقرض قبل آلاف السنين كما يظن العالم.
وصمتت لحظة،وأكملت باسمة وهي تنظر في عيني:
-واما ان يعني ان مجئ ذلك الذئب إلى بلدتكم من عالم اخر.....
