رواية وادي الذئاب المنسيه
الفصل الرابع4
بقلم عمرو عبد الحميد
اتسعت حدقتا عيني،وإندفعت الدماء في عروقي عندما افترضت الفتاة مجئ ذئب الشيخ موسى إلى بلدنا من عالم آخر،وعلى الفور وثب إلى رأسي سرداب فوريك وماوراءه من مدن ،قالت الفتاة كلماتها بنوع من السخرية من دون ان تدري ان ذلك الافتراض قد يكون الاقرب للصواب،بالذات في قريتنا،وعندما شرد ذهني بعض الشيئ مفكراً في إمكانية عبور ذلك الذئب الى ارضنا من خلال سرداب فوريك قبل مايقرب من مائة عام،صاحت في الفتاة:
-استاذ خالد،هل انت معي؟
هززت رأسي منتبهاً اليها،فقالت في حماس شديد وهي تحدق إلى الصورة:
-سيجعلني هذا الذئب من مشاهير مجال الحفريات في العالم ان ثبت حقاً انه من فصيلة الذئاب الرهيبة.
وتنهدت بالحماسة نفسها،وتابعت وهي تنظر في عيني:
-هل تستطيع مساعدتي في فتح قبر الشيخ موسى؟أو تعرف احداً يكتم الاسرار قد يساعني في ذلك ؟
فضممت شفتي وقلت:
- ان مقابر قريتها تحيطها البيوت الان من كل جانب،كما انا القبور هنا ليست مغلقة ببوابات حديدية سهلة الفتح مثل التي تنتشر الآن في معظم مقابر البلدان،ان كل قبر مغلق بكومة من الطين الجاف المخلوط بالتبن، لذا لن يكون ماتفكري فيه بالسهولة التي تتخيلينها.
ثم سكت لحظة مفكراً وتابعت:
- اعتقد انه من الأفضل أن تستخرجي تصريحاً من الشرطة بفتح القبر ، والا ان أمسك بك الأهالي فلن تكون العواقب سليمة.
-لا ،لااريد تضخيم الامر بهذا الشكل ، تعلم أن استخراج مثل هذا التصريح سيدخلني في متاهات من سين وجيم ،وفي الاغلب سيتم الطلب بالرفض في النهاية،وقد يتسرب الأمر فتنتبه الاعين الي القبر فتتضج فرصة فتحه في الخفاء.
واضافت:
-اريد ان أدفع أموالا لشخص تثق به يستخرج لي عظام الذئب وينتهي الأمر.
أخرجت زفيري،وقلت في هدوء:
-في الحقيقة لاأعرف القبر الذي دفن فيه الشيخ موسى،ولاكن اعتقد ثمة اقارب له على قيد الحياة .لابد انهم يعرفون قبره دعي لي هذا الأمر ،وسأفكر ايضاً في الشخص الذي قد يساعدك في فتح القبر واستخراج العظام التي تريدينها.
قالت وعيناها تلمعان حماس:
-هل لي ان أقابل اقارب ذلك الرجل انا الأخرى ؟
قلت:
-ان علاقتي هنا في القرية قليلة بعد وفاة جدي ،ولا أعرف بعد أن نستطيع سؤاله عن الشيخ موسى دون أن يسبب لك متاعب سأتقصى الامر لأيام وسأهاتفك في حال وجود أي جديد.
زمت شفتيها، ثم هزت رأسها موافقة في استسلام،وقالت:
-حسناً، لاكن ارجوك لاتتأخر علي في هذا الأمر.
ثم اكملت محذرةً بإصبعها:
-واريدك ان تعدني ان تبقي ماتحدثنا بأمره سراً بيننا.
قلت :
-بإستثناء زوجتي لن اخبر احداً، لن تخبر احداً هي الاخرى ،انني اعدك بذلك
صمتت لحظة،ثم قالت:
-حسناً،زوجتك فحسب
ثم نهضت مغادرةً وهي تقول:
-سأنتظر اتصالاً قريباً منك،تكون قد عرفت اقارب الشيخ موسى الموثوقين،وعرفت ايضاً في أي مقبرة دفن .
اومأت برأسي ايجاباً،ثم غادرت:
جلست في غرفة الضيوف بمفردي اتفحص صورة جدي، ثم أمسكت بهاتفي وبدأت ابحث في الانترنت عن فصيلة الذئاب الرهيبة ،وجدت أنها قد انقرظت بالفعل قبل أكثر من عشرة آلاف سنة،وتحدثت كثير من المقالات التي قرأتها تباعاً عن قوتها وقدرتها الفائقة في اصطياد الفرائس الاكبر ججماً،ثم اخدت اشاهد افلام تسجيلية عن حفريات تلك الذئاب،وعن الاختلاف بينها وبين الذئاب الرمادية الموجودة حالياً،وعدت إلى الصورة مجدداً لأشعر للمرة الأولى ان شكل الذئب الدي يحمله الشيخ موسى يختلف بالفعل بعض الشيئ عن الذئب الرمادي الشهير،لم اعرف ان كان ذلك شعور كادب اختلقه التوتر الذي أصابني بعد حديث الفتاة ام كنت محقاً.
دلفت إلى منى،فحكيت لها ماحدث،وما اتت من أجله الفتاة. تعجبت من الأمر ، ثم قالت:
ربما عبر الشيخ موسى سرداب فوريك قبل مائة عام،وهناك اصابه الجنون،ان السرداب يوجد اسفل بلدنا منذ مئات السنين.
ثم اردفت في هدوء :
-لاأعتقد ان الأمر يستحق كل القلق الذي اراه على وجهك.
قلتُ في قلق:
-انني افكر في الأمر في أكثر من جانب،ان استطاعت تلك الفتاة أثبات انتماء ذلك الذئب للفصيلة المقنرضة قد يتعداها الامر،وربما ذات صباح تجيئ حملات استكشافية الي بلدنا للبحث عن مزيد من حفريات الذئاب أو الحيوانات المنقرضة الاخرى،ومع المعدات التي يحضرونها قد يتم اكتشاف سرداب فوريك،ومن يدري ماذا سيحدث بعدها.
ان عالمنا ممتلئ بالشرور،وإذا اكتشف أرض زيكولا وما حولها من بلدان فلن يكون اناسها في مأمن ابداً .ستصبح ثروات تلك البلدان معمد،وغنيمة تتنافس عليها قوى هذا العالم،خاصةً مع الأزمات التي تمر بها الان،وإذا حاول اهل تلك البلدان المقاومة فلن يكون مصيرهم إلا الابادة المحققة،مع الفارق الكبير بين الأسلحة هنا وهناك
وضممت شفتي وتابعتُ:
-سيكون اكتشاف تلك العوالم هي نهايتها،وذلك هو السبب لإحتفاظي بسر سرداب فوريك كل هذه السنوات.
فكرت قليلاً في صمت كأنها وافقت تفكيري،ثم قالت:
-وماذا ستفعل؟يبدو من هيئة الفتاة أنها مثابرة وملحة، لن تهدأ إلا بعد أن تحصل على حفريات ذئبها، وأن لم تساعدها سيساعدها غيرك.
قلت:
-سأستخرج رفات ذلك الذئب بمعرفتي قبل وصولها اليه لم اخن احدا يريد مساعدتي من قبل،لكن قياساً على الاظرار التي قد تحدث صحة افتراضها لابد وأن اسارع بحرمانها من ذلك الاكتشاف،لقد زعمت عدم معرفتي لأقارب الشيخ موسى،لكني اعرف جيداً قريبه الوحيد الذي لايزال على قيد الحياة،الحاج 《رأفت الخولي 》،لن أفصح له عن الامر،لكني استطيع ان استخرج منه بعض المعلومات التي اريدها عن الشيخ موسى وذئبه.
قالت في نبرة قلقة:
-اشم رائحة مغامرة جديدة ياخالد.
هززت رأسي نافياً،وقلت:
-لا،لقد ولى زمن المغامرات ،سينتهي الامر بإخفائي رفات ذلك الذئب وسأتوقف عن ذلك الحد.
ونظرتُ في عينيها وتابعت :
-سأفعلها من أجل أصدقائي القدامى يامنى ،من أجلهم فحسب.
وأومأت برأسها وهي تنظر إلى يامن الذي فتح باب الغرفة ودلف إلينا،وقالت:
-حسناً ياخالد،تذكر فقط في كل خطوة تأخذها ان هناك طفلاً يحتاج إليك.
اومأت برأسي ايجاباً في صمت.
في صباح اليوم التالي اتجهت مباشرةً إلى منزل القريب الوحيد للشيخ موسى ديب《الحاج رأفت الخولي》،رجل في أواخر عقده السابع،يعمل ناظراً لمدرسة ابتدائية،ومازال يتمتع بصحة جيدة ،كان يعرف جدي يحتفظ جيداً ويكن له كل الاحترام،استقبلني بحفاوة شديدة حين وجدني أمام باب بيته ،وبعدما قدمت لنا زوجته كوبين من الشاي وتركتنا معاً قلت:
-لقد جئت إليك بشأن قريبك الشيخ موسى رحمة الله عليه.
تعجب لوهلة،ثم قال باسماً:
-ياه الشيخ موسى؟؟لقت توفي منذ أكثر من خمسين عاماً،لاأظن ان جيلك يعرف عنه شيئاً.
ضحكت وقلت:
-هذا صحيح،لكن جدي كان قد حكى لي عنه من قبل،وعن ذئبه،وقبل شهور نشرت صورة عبر الإنترنت كان الشيخ موسى يقف خلفيتها بذئبه،فأثار ذلك انتباه بعض أصدقائي،وجئتك لأفهم حكايته وحكاية ذئبه بعدما سألني أكثر من شخص عن قدرة رجل بسيط مثله في اصطياد ذئب شرس بهذا الشكل.
وأخرجت له الصورة،وأشرت بإصبعي الي الشيخ موسى،ارتدى نظارته الطبية وضحك وهو ينظر إلى الصورة،ثم قال:
- اعتقد أنها الصورة الوحيدة للشيخ موسى
ثم تابع:
-كان شقيق جدي الاصغر،لقبه الناس بالشيخ مثلما اعتادوا ان يلقبوا فاقدي العقول في ذلك الوقت،نشأت فوجدته يحمل ذئبه على كتفيه ويردد أية الكرسي دون توقف،سبحان الله لم يكن يخطئ في كلمة واحدة منها،قالت جدتي انه كان يحفظ القرآن الكريم كاملاً في طفولته،ولولا خروجه من المدرسة بعد وفاة ابيه لأصبح ذا شأن كبير في هذا البلد،قبل أن يطير عقله فجأة بعد أن وجدوه بين ليلة وضحاها يسير عارياً في القرية يحمل ذئبه الميت على كتفيه وفأسه في يده ويردد أية الكرسي وكلمتيين اخرينا بينها :
ثم اخد يتذكر لبضع ثوان ،ارتشف خلالها رشفة من الشاي،وتابع:
-《حونا،جاناه》كان يقول هاتين الكلمتين.
سألته مستغرباً:
-ماذا كان يعني بهما؟
قال:
لم يعرف أحد ماذا كان يعني بهذا أو بمعنى ادق لم يشغل أحد باله بما قد يهدي به شخص مسكين العقل مثله.
وتابع وهو ينظر إلى صورة الذئب:
-الغريب أن ذلك الذئب لم يتحلل جسده سريعاً مثل أي حيوان نافق آخر ،لااعرف ان كان قد قام بحشوه في الداخل بالملح الخشن أو ماذا،لكن أحد لم يستطع الاقتراب منه لمعرفة ذلك السر،إذ كان يلاصق جسده طوال الوقت كأنه جزء منه،يتجول به،ينام معه،يستحم معه ان قامت جدتي بتحميمه.
ارتشف رشفة أخرى من الشاي،وضحك وهو يتابع:
- قالت لي جدتي ذات مرة ان أحد الأشقياء حاول نزع الذئب من كتفيه،فأمسك اخوها برقبة ذلك الشقي غارساً اظافره في حنجرته حتى كاد يقتله لولا انقده الناس منه في آخر لحظة،من يومها لم يحاول أحد الاقتراب منه أو من ذئبه.
وتذكر شيئا آخر،وقال:
-قالت أيضا انه كان يختفي بذئبه ليلتين متتاليتين منتصف كل شهر قمري دون أن يعرف أحد مكانه،ولما اكتشفو انه كان يتوارى خلالهما داخل أحد قبور القرية المجاورة وحاولوا إخراجه اخد يصرخ بكل طاقته رافضاً الخروج من القبر حتى تركوه،فلم يكن من جدتي إلا أن تذهب إليه بالطعام هناك في هاتين الليلتين من كل شهر.
فكرت في غرابة الأمر،ثم سألته:
-اخبرني جدي ان ذئبه دفن معه،اهدا صحيح؟
قال الرجل:
-نعم،الكل كان يظن أن الشيخ موسى ممسوس من الجن،وكانوا يعتقدون أن الجن يكمن في ذلك الذئب،وعندما مات خافوأ ان ينزعوا عنه ذئبه ودفنوهما معاً،اتدكر ان شيخاً من بلدة مجاورة هو من تولى الغسل له ولذئبه،وهو من قام بإنزال جثتيهما الى القبر بعد أن خشى اهل القرية من الأقدام على ذلك الفعل،حتى قبره لم يفتح منذ دفنه فيه بعدما خشينا ان يدفن فيه أحد آخر من العائلة،لدينا ثلاثة قبور قبر للشيخ موسى بمفرده،وقبران لباقي العائلة،احدهما للرجال والآخر للنساء
ابتسمت وأطلقت تنهيدةً قائلاً:
- ان بلدتنا ممتلئة بالكثير من القصص والحكايات.
قال الرجل:
-نعم،كانت طفولتنا لاتحتاج إلى تلفاز أو إنترنت مثل هذه الأيام بفضل كثرة تلك القصص.
قلت وانا انهض:
-اشكرك ياحاج رأفت،أردت معرفة القصة منك،لعلي استطيع إجابة الأسئلة التي يطرحها الناس عن الشيخ موسى او ادونها ذات يوم واسف لإضاعة وقتلك.
قال معاتباً:
-لاسمح الله،انك حفيد الغالي،وسعدت جداً بزيارتك.
ثم غادرت وعلى وجهي ابتسامة،ويدور في رأسي حديث الرجل عن وجود ثلاثة قبور فقط لعائلته،خصص أحدها للشيخ موسى بمفرده،كان ذلك يعني ان القبر المغلق بكومة الطين الأكثر جفافاً بين القبور الثلاثة هو قبر الشيخ موسى بعدما لم يفتح منذ أكثر من خمسة عقود،وأكملت طريقي متجهاً الى مقابر القرية.
قرأت سورة الفاتحة عندما صرت على مشارف منطقة المقابر،ثم خطوة إلى داخلها ينتابني شيئ من الاضطراب،كانت القبور تمتد عن يميني وعن يساري مقببة الشكل ومبنية من الطوب،يحمل بعضها قطع من الرخام مكتوب عليها أسماء العائلات التي تنتمي اليها،وتعزلها عن السماء مظلة مرتفعة من الصاج المدعوم بقوائم حديدية،وكان بعض النساء يجلسن بجوار بعض القبور يقرآن القرآن لموتاهن،فألقيت تحيتي عليهن،وواصلت تقدمي بين الطرقات المتشعبة باحثاً عن مقابر عائلة الخولي،إلى أن وصلت اخيراً إلى مرادي،وهناك أخرجت زفيري ارتياحاً،فمن حسن حظي ان قبور تلك العائلة لم تكن على أطراف المقابر،بل كانت تتوسعها تقريباً،وهدا مايجعلها متوارية نوعاً ما، تلفت حولي،لم يكن أحد في محيطي،فانحنيت وتفحصت كومة الطين المغلقة لكل واحد منها،كان الفرق بينها واضحاً للغاية،وفي لمح البصر أدركت أن كومة الطين التي تغلق القبر الشرقي هي الاقدم،فنهضت وألقيت السلام باسماً للشيخ موسى وانا انظر الى قبره امامي،حينداك انقبض صدري،ودبت في قلبي رهبةٌ مفاجئة لم اعرف سببها،فأسرعت بقراءة الفاتحة مرةً اخرى،ثم غادرت بإظطراب كبير عائداً إلى البيت .
سألتني منى عما حدث خلال ساعات اليوم،فأخبرتها عما دار بيني وبين قريب الشيخ موسى،وعن ذلك الاظطراب الذي أصابني عندما وقفت أمام القبر،ثم اردفت إليها مطمئناً عندما رأيت قليلاً كبيراً على وجهها هي الاخرى:
- اعتقد ان ذلك طبيعي مع ماأنوي فعله،يبدو أن ساعات الراحة الأخيرة قد جعلت قلبي هشاً وكأنني لم أمر بما يعادل خطورة ذلك مئات المرات.
سألتني ،والقلق يزال على وجهها:
-متى تنوي فتح ذلك قلت:
-سأراقب منطقة القبور أكثر من ليلة أولاً لأختار التوقيت المناسب لاأريد التعجل فيمسك بي أحد الأهالي ويقع الفأس في الرأس،وبالنسبة لمروة سأعمل على تأخير عودتها الى القرية بقدر المستطاع.
هزت رأسها ايجاباً من دون ان تنطق.
خلال الايام التالية قسم وقتي بين ثلاثة أشياء رئيسية؛عملي نهاراً وبحثي ليلا عبر الإنترنت عن تفاصيل أكثر تخص الذئاب الرهيبة ،والذهاب في وقت يتعدى منتصف الليل الى منطقة المقابر مراقباً البيوت المضائة التي تحيطها،هاتفتني مروة اكثر من مرة،تعمدت تجاهلها في البداية،لكن مع الحاحها الكبير اجبت اتصالها،واخبرتها كاذباً انني مازلت لاأعرف قبر الشيخ موسى،ولم ألتقي أقرباءه بعد.
مع نهاية اسبوع من الذهاب إلى المقابر أدركت صعوبة الأمر مع انتشار انارة الأعمدة المنتشرة بين القبور ،وكذلك انارة البيوت التي تحيطها طوال الليل ،هاتفتني الفتاة مرة أخرى مع نهاية الأسبوع الثالث،وقالت أنها ستزورني خلال أيام،حاولت ان انبط عزيمتها بعد مقدرتي على إيجاد أي جديد،وعدم جدوى مجيئها،لكني شعرت من نبرتها تلك المرة أنها صارت ترتاب امري،ووجدتها تخبرني صراحةً أنها ستأتي مع زميل لها يدرس نفس المجال في جامعة المنصورة،ويعرف بعض الأشخاص في قريتنا،زادت تلك المحادثة توتري،وفي الايام التالية عاودت الذهاب إلى منطقة المقابر بمعدل أكثر لعلي اصادف فرصة تلوح اختار من خلالها توقيتاً مناسباً،بيد أن شيى لم يختلف عن المرات السابقة.
مرت عشرة ايام. أخرى لم يحدث فيها أي جديد،ولم تهاتفني خلالها الفتاة، أحسست حينها في داخلي أنها قررت ابعادي عن الامر تماماً وتوليها الأمر بنفسها بمساعدة زميلها،فحاولت محاولتي بإصرار كي اجد توقيتاً مناسباً قبل وصولها هي ومن معهاالى القبر،ثم اتت الفرصة من ذهب ثلاثةايام اخرى عندما سمعت مكبر الصوت ينادي بأن الكهرباء سوف تنقطع من القرية واجوارها في تمام الحادية عشرة مساءً حتى السابعة من صباح اليوم التالي،اعتاد مسؤلو شركة الكهرباء والمياه على مثل هذه التنبيهات كي تأخد كل أسرة احتياطاتها بشأن فصل الأجهزة الكهربائية وتخزين المياه للبيوت التي تعتمد على مضخات رفع المياه للأسوار العاليا،كانت الساعة في. يدي وقتها تشير الى السادسة مساءً،وكانت الشمس في طريقها إلى الغروب عندما تناهى ذلك النداء الى مسامعي انا ومنى التي كانت تجلس بجواري،وبمجرد ان انتهى،نظرت إليها وقلت دون تفكير:
-سأخرج عظام الذئب الليلة.
في تمام الثانية عشرة صباحاً كنت قد جهزت أدواتي؛جاروفاً معدنياً صغيراً،ومصباحاً ضوئياً،وقفازاً جلدياً،وجوالاً من الخيش،وقارورة ماء متوسطة الحجم،وفي تمام الواحدة ونصف صباحاً خرجت من بيتي.
كان الظلام سائداً مع انقطاع الكهرباء وتواري النجوم والبدر وراء غيوم السماء،انرت مصباحي في بداية الطريق بعد تأكدي من سكون جميع البيوت على جانبيه،واطفأته عندما انقشعت السحب عن البدر وأظهر ضياؤه الطريق امامي، ثم وصلت الى رقعة المقابر فدلفت اليها عابراً صفين منها،كانت الأجواء هناك ساكنة حد الموت،وحالكة السواد مع عدم وصول البدر إليها أثر مظلة الصاج الممتدة فوقها،وعندما تفحصت البيوت المحيطة بالمقابر في الاتجاهات كافة كانت جميعها تشبه تلال سوداء لاتظهر فيها نقطة ضوء واحدة،حينداك انرت مصباحي من جديد، وأكملت طريقي نحو قبر 《الشيخ موسى》
عندما وصلت إلى أمام القبر دق قلبي بالرهبة داتها التي شعرت بها حين وقفت أمامه من قبل،فتمتعت بآيات من القرآن بصوت خفيض،ثم ارتديت قفازي وبدأت ازيل بالجاروف كومة الطين المغلقة لباب القبر في هدوء حذر، ساعدتني شدة جفاف الطين على سرعة ازالته،فحمدت الله في داخلي انهم لم يستخدموا الاسمنت لإغلاق القبور في تلك الآونة،ثم أصدر الجاروف صوتاً عالياً فجأة مع ارتطامه بحجر أسفل كومةالطين،فتوقفت حابساً انفاسي ثم اكملت عملي من جديد بعد بضعة دقائق تفحصت حينها سكون الأجواء من حولي.
استغرقت ازالة كومة الطين وما حولها من حجارة ثلث ساعة تقريباً،إلى أن ظهر باب القبر الذي كان مغلقا بطوب لين مرصوص دون مادة لاصقة، مثلما تعودنا ان نفعل في قريتنا،مددت يدي وازلت الطوب واحدة وراء أخرى حتى فتحت الباب عن آخره،ثم صلطت ضوء المصباح داخل القبر،ومددت يدي وانا احرك المصباح يميناً ويساراً،كانت أرضية القبر رملية تنخفض قرابة متر عن الأرضية في الخارج،يقبع عليها كفن طويل مهترئ تظهر منه جمجمة بشرية وبعض العظام ،وبجوارها كفن صغيرة تظهر منه مقدمة جمجمة الذئب،همست الي نفسي بقلب يدق خوفاً:
-رحمة الله عليك ياشيخ موسى،اعتنى المغسل بذئبك وكفنه بكفن خاص به.
ثم وضعت المصباح بين كفي ومددت ساقي بحذر إلى داخل القبر،وهبطت إلى ارضيته محاولاً إلا ادوس عظمة بقدمي،ثم حملت كفن الذئب بعظامه إلى داخل جوالي بدون ان أضيع وقتاً في أي تفاصيل اخرى وخرجت من القبر،وأعدت سريعا رص طوب الباب مثلما كان،وباستخدام جاروفي خلطت الطين الجاف بالماء الذي كان معي صانعاً عجيناً طينياً،وعلى قدر المستطاع أغلقت القبر بكومة من الطين تماثل حجماً الكومة التي ازلتها،أملا ان تجف مع طلوع النهار والا يلاحظ أحد في الايام القادمة،ثم نهضت وتفحصت الأجواء من حولي،كان السكون لايزال سائداً،نظرت في ساعتي،كانت تشير إلى الثانية صباحاً واربعين دقيقة،فحملت جوالي وادواتي واسرعت عائداً إلى بيتي،وهناك صرخت في منى بمجرد أن رأتني دالفاً إليها بجوالي المنبعج:
-ظننت ستتخلص منه بعيداً.
قلت:
-لم يعد هناك الا وقت قصير على صلاة الفجر ،وخشيت ان يراني أحد فيشك في امر هدا الجوال
قالت في غضب:
-لم يكن ذلك اتفاقنا،قلت انك ستتخلص منه بعيداً.
قلت بصوت هادئ:
-علي ان افحص هذه العظام جيدا،لست متخصصاً،لكن قد تساعدني المقالات والصور والافلام التي عكفت عليها في الايام الماضية،من يدري؟لعل الفتاة مخطئة ويكون ذئباً عادياً ونرتاح من كل ذلك،لن يستغرق الامر حتى الصباح،وقبل أن تنهظي من نومك اعدك بأن هذه العظام لن تكون في بيتنا.
قالت مغمغمة في استنكار:
-انام؟؟ومن يستطيع النوم وفي بيته عظام كانت مدفونة لعقود مع رجل يقال انه كان ممسوساً من جن.
قلت مهدئاً لها:
-ارجوك،اتركيني فقط الان،واعدك في الصباح لن يكون هناك شيئ تخشينه.
وافقت على مضض،ثم تركتني وغادرت إلى الأعلى.
كانت الساعة قد صارت الثالثة والنصف صباحا عندما أخرجت رفات الذئب من الجواب ووضعته بحذر شديد على طاولة صغيرة في وسط غرفة الضيوف يقبع عليها مصباحان مضيئان،ثم بدأت ازيح بحرص الكفن المهترئ عن العظام ففاحت رائحة طحنة في أركان الغرفة.
كانت العظام مفككة عن بعضها تتعلق بأغلبها بقايا ضئيلة من الانسجة،جمجمة كبيرة دات فك كبير ومحجري عينين واسعين،وضلوع متباينة الطول ،وعظام طويلة وأخرى مسطحة،وفقرات مختلفة الاحجام،فرغت جميعها امامي على امتداد الطاولة،ثم أمسكت بالجمجمة في رهبة ورفعتها إلى مستوى عيني،فأبصرت شقاً غير منتظم الحواف طوله حوالي ستة سنتيمترات يظهر في مؤخرتها،ففكرت في داخلي وانا أتحسس ذلك الشق ان تلك الإصابة هي ماتسببت في موته،وتذكرت حديث قريب الشيخ موسى عن قول جدته انه عاد إليهم حاملاً الذئب وفأسه،وهمست الى نفسي:
-ظربة فأس قاتلة.
ثم تحسست الانياب والضروس الكبيرة في الفكين السفلي والعلوي بعدما أثار انتباهي الانياب الأربعة سيفية الشكل التي يصل طول الواحدة منها إلى قرابة خمسة سنتيمترات،حاول تذكر وصف الذئاب الرهيبة أي المقالات التي قرأتها كي أقارن مأراه بها،لكني شعرت بتشوش كبير ،وأدركت في نفسي انه بالرغم من كثرة ماقرأته فإن الجزم يمثل تلك الامور لن يستطيع القيام به إلا متخصص،ثم وضعت الجمجمة جانباً ونظرت إلى باقي العظام،وبدأت افحصها على عجل،لكني سرعان ماأخرجت زفيري يائساً بعدما شعرت ان عقلي تائه لايستطيع تحديد أي شيئ،فتركت العظام مبعثرة على الطاولة وقررت في داخلي ان ادفنها بمجرد طلوع النهار في أي قطعة ارض بعيدة،حتى وأن عثر عليها شخص من القرية فلن يظن سوى أنها عظام كلب تحللت انسجته قبل سنوات،ثم فتحت النافدة لعل الرائحة العطنة التي كانت تفوح بقوة في الغرفة تتلاشى،وتركت أحد مصباحي الطاولة مضاءً،وحملت الاخر واتجهت إلى باب البيت،وتيقنت من إغلاقه جيداً،ثم صعدت إلى غرفة نومي بعد ذلك كي امكث هناك الساعات المتبقية حتى طلوع النهار،وقبل أن تنطق منى بشيئ،قلت:
-سأخفي العظام بعيداً وإن تشرق الشمس،وننسى هدا الأمر.
هزت رأسها في غير اقتناع،فوضعت رأسي على الوسادة،لكن ماإن سقطت جفوني حتى سمعت صوت ارتطام اتى من أسفل،وثبت خوفاً من فراشي ووثبت منى هي الاخرى خائفة وامسكت بدراعي،قلت والخوف يغمر كل خلية من جسدي.
-لعل قطاً غريباً اسقط شيئاً في الظلام.
ثم نهضت من موضعي،وأمسكت بالمصباح وانرته،بينما تحركت منى من خلفي تتشبث في طرف ثيابي العلوي،ونزلنا بحذر السلم الداخلي للبيت،كان السكون قد عاد مرة أخرى،قالت هامسةً:
-تخلص من تلك العظام الان،ابعدها عن هدا المنزل.
ربت على يدها،وقلت هامساً:
-اطمئني. لايوجد شيئ.
وواصلنا نزول السلم،ثم تقدمنا في ترقب وخوف شديدين نحو الغرفة التي تركت فيها عظام الذئب،ليتجمد كلانا رعباً بعدما وجدنا يامن يقف أمام عظام الذئب ويحمل مصباح الطاولة في يده،صرخت منى من المفاجأة:
-يامن. ماذا تفعل هنا؟
جفن الصبي مرتعباً،ثم صرخ إلينا في تلثم:
-كنت اظن ان ابي هنا بعدما وجدت هدا المصباح نضاءً،وجئت فوجدت هذه.
اقتربت منه منى وابعدته عن الطاولة،إذ أن مالفت انتباهي وجعل قلبي ينبض بقوة هي عظام الذئب التي كانت قد تركتها مبعثرة قبل دقائق على سطح الطاولة،اد وجدتها قد انتظمت جميعها لتشكل هيكلاً عظمياً مكتملاً للذئب؛الجمجمة متصلة بالفقرات التي تراصت في هيئة عمود فقري يتصل بالأمام بعظام لوح الكتف المتصلة بعظام الأرجل الأمامية ،ومن الخلف بعظام الحوض المتصلة بعظام الارجل الخلفية وبعظيمات الذيل،وتواجه المقدمة الجمجمة النافذة بشكل عمودي،قلت ليامن وانا انظر الى عظام الذئب في حذر بالغ وقلبي ينخلع من موضعه.
-هل قمت بترتيب العظام؟
قال:
-لا
سرت رعشة عظيمة في جسدي،كنت على يقين انني تركت العظام مبعثرة في غير انتظام وغير موجهة للنافدة،وقلت لمنى دون أن انظر إليها:
-اخرجي يامن حالاً من الغرفة.
إلا أنها همست لي بصوت خائف مرتعش وهي تواجه النافدة المفتوحة:
-انظر:
نظرت إليها بطرف عيني،ثم اقتربت منها بخطى حذرة وعيني على هيكل الذئب،فأشارت الي السماء،كانت السماء صافية يوجد بها البدر في الاتجاه نفسه الذي تتجه إليه مقدمة جمجمة الذئب،فزاد رعبي رعباً،غير ان ذاك لم يكن ماتقصده منى،بل كانت تقصد النجم الوحيد الذي كان يلمع في السماء بعيداً عن البدر،لتتابع في رعبٍ شديد:
- انه نجم اسيل،لقد عاد للظهور من جديد.
