رواية وادي الذئاب المنسيه
الفصل السادس6
بقلم عمرو عبد الحميد
مصدوما نطقت إلى منى كي تستيقظ ، فتحت عينيها نصف فتحة ، و سألتني في فزع:
- ماذا هناك؟!
قلت مرتعبا:
- لقد كان الفتى يغمغم بكلمتيّ: حونا، جانا، منذ متى ينطق بهاتين الكلمتين؟!
نظرت لي في تشتت و كأنها تحاول إستيعاب ما أقوله، و قالت مستفهمة:
- ماذا تقصد؟
قلت مؤكدا:
- لقد غمغم الفتى بكلمتي حونا جانا بوضوح منذ قليل.
اعتدلت في جلستها و قالت:
- لم أسمعه يقولهما من قبل، كانت هلاوس نومه غير مفهومة دائما، لماذا تخشى هاتين الكلمتين تحديدا، ماذا بهما؟
تذكرت أنني لم أخبرها عن حديث السيد « رأفت الخولي» بشأنهما، فقلت لها عندما رأيت يامن يفتح عينيه و يحدق إليّ:
- لا شيء، سأخبرك لاحقا.
أدركتْ أنني لا أريد التحدث أمام الفتى، فهزت رأسها إيجابا، ثم بدلت القماشة المبتلة على رأسه، و أسندت رأسها إلى مسند الكنبة، و غاصت في نومها من جديد و تبعها يامن، بينما أسندتُ رأسي إلى مسند مقعدي ناظراً إلى البدر في السماء تتساقط دموعي إلى وجنتيّ رغم محاولات تماسكي، و لا يفكر عقلي سوى في تأكيد ارتباط ما يحدث لابني بما حدث للشيخ موسى و ذلك المصير الذي أراه يتحدر نحوه لحظة بعد أخرى دون استطاعتي ايجاد أي حل.
وصلنا البيت في تمام الثانية و الربع صباحا، كانت منى و يامن قد استيقظا قبلها بدقائق، ودّعنا السائق ثم دلفنا إلى بيتنا حيث صعد يامن إلى حوض مياه غرفته دون أن ننطق، سألتني منى بمجرد ان فارقنا:
- ماذا حدث في السيارة؟
قلت:
- لقد نطق يامن بكلمتين كان الشيخ موسى يرددهما وقتما عاد بذئبه إلى أهله فاقدا عقله.
احتقن وجهها رعبا، و صرخت:
- قلت لك إن ذلك الذئب هو السبب.
هززت رأسي آسفا و متفقا معها، فتابعت:
- هل هذا يعني أن إبني في طريقه إلى الجنون؟
زممتُ شفتي و لذت بصمتي قبل أن أقول في قلة حيلة:
- سأحضر روحاني المحلة الذي جئنا به من قبل مرة أخرى، لعله يجد هذه المرة طريقة للتواصل مع الجن الذي يمسه.
لاذتْ بصمتها هي الأخرى، ثم فارقتني دون أن تنطق بكلمة.
كانت ليلة من أقسى الليالي التي مرّت علينا منذ مرض ابننا، ظلّ كلانا مستيقظا في صمت طوال الليل بجوار الفتى الراقد مغمضا عينيه في حوض مياهه، انتظرنا أن يتحدث أثناء نومه من جديد لعلّنا نُكذّب ما سمعته، لكنه واصل نومه في هدوء.
عند الساعة الرابعة و النصف سألتُ منى أن تذهب إلى سريرها في الغرفة الأخرى لتريح جسدها رغم إدراكي أنها لن يغمض لها جفن، بعد جدال كبير وافقت و تركتني بجوار يامن انتظر حلول الصباح بفارغ الصبر كي أهاتف الروحاني و أترجاه ليأتي إلينا في أسرع وقت، ثم أخذ عقلي يضج بقوة مفكرا في كل ما حدث منذ رسالة الباحثة لي، حتى أصاب الألم رأسي، فخرجت إلى الشرفة لأملأ صدري بهواء الفجر لعلّه يخفف ذلك الألم بعض الشيء.
كان البدر ينير الأرجاء، وقفت لدقائق ثم عدت إلى الفتى مرة أخرى، كان لا يزال غارقا في نومه، هممت لأغلق باب الشرفة، فسمعته يغمغم بكلمات غير مفهمومة، تركت الباب و اقتربت منه و جلست بجواره، توقف فجأة عن الغمغمة، مددت يدي لأجس درجة حرارته، فأصابتني لسعة قوية مفاجئة كأن مسا كهربائيا أصابني، و للحظة شعرت أن عيني رأت مشهدا من حلم ما. أبعدت يدي سريعا عن رأس الفتى، و أخدت أنظر إليه في اضطراب و خوف شديدين بينما يعلو صدري و يهبط بأنفاس لاهثة متتابعة.
بعد دقيقة واحدة مددت يدي مرة أخرى في حذر شديد و لامست رأسه، أصابتني الوخزة القوية من جديد، فثبّت يدي على رأسه بإحكام رغم شعور الكهرباء الذي كان يسري بقوة في جسدي، و أغمضت جفوني رغما عني بعدما شعرت ان عينيّ قد تخرجان من محجريهما، لأسمع في أذني فجأة تمتمات شخص يردد آية الكرسي في تلعثم بينما يسير لاهثا في مكان شبه مظلم. حاولت ان أميز صاحب ذلك الصوت، لكني لم أستطع، ثم أدركت أنني أرى بعين ذلك الشخص الذي كان يهرول ممسكا في يده مصدرا خافتا للضوء و يتمتم بأيات لا أحفظها من القرآن الكريم، إلى أن فتحت عينيّ غير مصدق حين وجدت الصوت اللاهث يحدّث نفسه قائلا:
- اهدأ يا موسى، سنلقي نظرة سريعة، و نعود إلى بيتنا
فتحت عينيّ في رعب شديد، كان يامن لا يزال نائما، تلفتُّ حولي في صدمة و ذهول؛ ما الذي يحدث؟! و مكثت أحدق إلى الفتى بأنفاس لاهثة، ثم وجدتُني ألامس رأسه من جديد، و لما شعرت باللسعة القوية ذاتها، مسحت براحة يدي على جبينه، و أغمضت جفنيّ. رأيت بعيني جنودا سمرا يلبسون ثيابا عسكرية قديمة و يركبون جمالا يتقدمون نحوي بسياطهم الطويلة، بينما يجري من حولي أناس كثيرون بجلابيبهم في حالة من الهرج و المرج و يقول أحدهم لي:
- اركض يا موسى، سيضربون من يلحقون به، اركض يا فتى إن سياطهم مؤلمة للغاية.
- «ماذا تفعل؟».
فجأة ظهر ذلك الصوت الأنثوي و الذي لم يكن غريبا عن أذني قط.
-«ماذا تفعل يا خالد؟» .
ردد الصوت السؤال نفسه بصوت أعلى مشوِّشا على مشهد الجنود الذي أراه، قبل أن ينقطع تماما، انتبهت حينها إلى منى التي كانت تقعد بجواري متعجبة و تكرر سؤالها في استغراب شديد و هي تحاول نزع يدي عن رأس يامن، كدت أخبرها بما رأيته، لكني أمسكت بكلماتي في اللحظة الأخيرة و قلت:
- لا شيء، كنت أطمئن على حرارته.
قالت:
- كاد رأسه يتحطم في يدك ، إنك مرهق للغاية، فلتنم ساعتين قبل ذهابك إلى عملك، لقد اكتفيتُ من النوم.
حاولت اقناعها بأن تتركني أكمل الجلوس بجوار الفتى لكنها أصرت، ثم وضعت يدها هي على جبهته، ترقبتُ ما إن كانت ستشعر بما شعرت به؛ إلا أنها لم تعلّق بشيء، و نظرتْ إلى باب الشرفة المفتوح، و قالت:
- لقد طلع النهار . سأنقله إلى سريره.
ثم ذهبت إلى الغرفة الأخرى لتحضر منشفة تجفف بها جسده كما تعودت أن تفعل كل صباح
اطمأننتُ إلى مغادرتها الغرفة. فاقتربت سريعا من الفتى و لامست جبهته متفحصا ما إن كان الأمر سيتكرر معي، لكن عبثا لم يحدث، فأبعدت يدي سريعا قبل عودة منى، ثم ساعدتها في نقل يامن إلى سريره، و انتقلت إلى غرفتي يشتعل عقلي بما رأيته؛ أولئك الذين رأيتهم او بمعنى أدق رأيتهم بعينيّ موسى، و الطريق المظلم الذي كان يقطعة بمصباحه، و ما إن كان ذلك الشيخ او جنّه يريدان إبلاغي بأمر ما، هل كان ..
الفتى يحلم و انتقل ذلك الحلم لي بطريقة ما؟! ام انا من كنت احلم؟ و لماذا حدث ذلك الامر في الليلة ذاتها التي نطق فيها يامن بكلمتي الشيخ موسى؟ حاولت تذكر المزيد مما رأيته عند ملامستي جبهة الفتى لعل شيئا فاتني، لكن ظل مشهد الطريق المظلم و الجنود هما السائدين فحسب، فكرت في قريب الشيخ موسى من جديد، وعزمت على الذهاب إليه لمعرفة المزيد عن قريبه لربما أعثر على شيء ما يرشدني وسط الضياع الذي يصيبني و يصيب أسرتي.
في تمام التاسعة صباحا توجهت مباشرة إلى بيت السيد «رأفت الخولي»، ضحك حين رآني، و قال:
- لعلك جئت من جديد كي تسألني عن الشيخ موسى.
قلت:
- نعم سيدي، أريد معرفة كل شيء عنه.
قال بإبتسامة طيبة دون أن يسألني عن سر استفساراتي المتكررة:
- لقد أخبرتك كل شيء سابقا، ماذا تريد أن تعرف أيضا؟
سكتُ، ثم قلت:
- كيف جُنّ الشيخ موسى؟
قال:
- كما أخبرتك، عاد فجأة حاملا ذئبه و فاقدا عقله.
قلت:
- و الكلمتان اللتان كان يرددهما؛ حونا جانا ، ألا تدري حقا ماذا كان يقصد بهما؟
قال:
- و الله يا ولدي لو كنت أعرف لأخبرتك.
بعدئذ لم أكن اعرف عما أسأل عنه بالضبط، فقلت:
- هل لديك أي شيء من متعلقاته؟
فكر الرجل ثم قال بعد ثوان:
- شهادة وفاته، كانت بين الاوراق التي تركتها أمي.
قلت:
هل لي أن أراها؟
قال:
- انتظر فحسب.
ثم دلف ببطء إلى إحدى غرف بيته، و غاب فيها لأكثر من عشرين دقيقة، ثم عاد و في يده ورقة قديمة مصفرّة، و قال:
- هذه هي مات سنة 1962 م.
نظرت إلى الشهادة، كان تاريخ الوفاة المدوّن "7 سبتمبر 1962م"، و دوّن تاريخ مولده "9 مارس 1903م"، و سبب الوفاة المدوّن هو هبوط مفاجئ في دورة دمه، تذكرت ما رأيته عند ملامسة جبين يامن، كان الصوت الصادر الذي سمعته يوحي بعقلانية صاحبه و هدوءه، فإن كان ما رأيته قد حدث في الواقع من قبل، فهذا يعني أنني رأيت شيئا شهده الرجل قبل فقدانه عقله، فسألت السيد رأفت:
- في أي عام فقد الشيخ موسى عقله؟
فكر الرجل ثم قال:
- في العام الذي تزوجت فيه خالة أمي، و ولدت فيه أمي أيضا، قالت جدتي انهم لم يفرحوا بتلك الزيجة و لا بولادة أمي بعد ما حدث لشقيقهما الوحيد.
سألته:
- في أي عام تحديدا؟!
قال:1921م.
همست إلى نفسي:
- 1921م.
بعدها لم أجد في بالي أسئلة أخرى، فشكرته كثيرا و اعتذرت له عن ازعاجي له، فلامني على اعتذاري مؤكدا على استقباله لي في أي وقت، ثم غادرت و انا اردد:
-1921م.
في المساء كان القمر بدرا أيضا, حاولت اقناع منى عندما صارت الساعة الواحدة صباحا بالنوم في غرفتنا، و تركي مع الفتى في غرفته. دون ان اخبرها عن رغبتي في استبيان ما قد يحدث تلك الليلة أيضا، لكنها رفضت شاكة في أمري، اضطررت في النهاية إلى وضع بعض الاقراص المنوّمة التي أحضرتها من صيدلية القرية و انا عائد من زيارة السيد «رأفت الخولي» في كوب حليبها، و عندما غابت في سباتها حملتها برفق إلى سريرها، و دلفت إلى غرفة الفتى و فتحت باب الشرفة على مصراعيه، ثم حركت حوض المياه بالقرب منه ليكون مواجها للبدر، و مددت يدي و لامست جبين الفتى و انا احدق إلى البدر و أغمضت عينيّ..
