رواية وادي الذئاب المنسيه الفصل السابع7 بقلم عمرو عبد الحميد

رواية وادي الذئاب المنسيه 
الفصل السابع7
بقلم عمرو عبد الحميد

أسيــل :
كنت أجلس في حديقة القصر الخالية بين وصيفاتي، استمع إلى غناء إحدي الفرق الموسيقية عندما افترّ ثغري عن ابتسامة خفيفة و انا اتذكر يوم ركوبي السفينة الملكية التي تركها تميم راسية على شاطئ بحر مينجا الشمالي لعام و نصف كاملين في انتظاري، بعدما حسم قلبي و عقلي معا بالعودة إلى أماريتا، و الزواج من تميم الذي فعل كل شيء من أجلي، و رغم مرور عشر سنوات تقريبا على تلك الأيام، فإنني مازلت أتذكر كل تفصيلة حدثت فيها، إذ أبحرت بنا السفينة نحو الجنوب، و بمجرد أن عبرت هضاب الريكاتا، اطلق بحّاروها السهام المضيئة نحو السماء، لترافقنا فيما بعد اثنتا عشرة سفينة أخرى ظلّت جميعها تطلق سهامها نحو السماء في تتابع ترحيبا بي، حتى وصلنا إلى شاطئ أماريتا، فوجدته مكتظاً على إمتداده يمينا و يسارا بجنود الجيش الأماريتي المصطفين بدروعهم اللامعة، يتقدمهم كبار القادة و رجال المجلس الاماريتي، و من امامهم تميم الذي ابتسم حين تقدمت نحوه و احتضنته دون قول كلمة واحدة.

كنت قد سمعت بمصطلح «زفاف اسطوري»، لكنني لم اتخيل يوما ان ينطبق ذلك المصطلح حرفيا على حفل زفافي و احتفالاته التي سبقته بأربعين ليلة كاملة، اذ تفرقت سفن الاسطول الاماريتي على امتداد بحر مينجا مواصلة اطلاق سهامها المضيئة و ألعابها النارية نحو السماء كل ليلة، و زُيّنت البيوت بالرايات الملونة، و فرّشت الطرقات و الازقّة بالورود الطبيعية, و امتلأت  الساحات بموائد الطعام المتخمة بأشهى الولائم التي أعدّها أمهر الطبّاخين في بلادنا، و جاءت الفرق الموسيقية بعازفيها و راقصيها إلى إماريتا من كل جدب و صوب لتتناثر في مدنها، حتى قيل إنه لم يكن هناك موطئ قدم واحد في البلاد لا يُسمع فيه الموسيقى خلال تلك الأيام، و قبل أسبوع كامل من يوم الزفاف مُنح كل العاملين في البلاد عشرين قطعة نحاسية منحة زفاف الملك، و أُعفوا من عملهم سبعة أيام كاملة مدفوعة الأجر .
 اما القصر الملكي فطليت جدران ساحته الكبرى بماء الذهب، و شيّدت في اوسطه -بجوار تمثال تميم- فوّارة كبرى كان ماؤها يرتفع متراقصا لعشرات الامتار، ثم جاء اليوم الموعود فاجتمعت الحشود بساحة القصر مهلّلين و متراقصين مع موسيقى الفرقة الملكية الموسيقية التي تناثر أفرادها في شرفات القصر و حول الفوّارة، و بين حين و أخر كانت مجانيق الشاطئ تطلق نحو الحاضرين كرات قماشية تفتح في الهواء قبل سقوطها إلى الارض، فتتساقط منها هدايا كثيرة مختلفة من الورد و الاقمشة و القطع النحاسية و الذهبية و الاحجار الكريمة، بينما علّقت في داخل القصر مئات الحبات من البلور المُصاغ في شكل طيور و نجوم، و في وسط قاعته العلوية وضع هيكل عظمي لذئب ضخم في صندوق زجاجي كبير، رُصّعت جمجمته و عظامه جميعها باللؤلؤ، و ثبّت في محجري عينيه حجران من الياقوت الاحمر، عرفتُ فيما بعد انه جاء بين الهدايا قبل أيام من الزفاف .
كنت انتظر في غرفتي عندما كانت الوصيفات يتحدثّن عن المشهد الاسطوري في الساحة و في قاعة القصر السفلية، و تطرّق حديث بعضهن الى امتلاء خذائن القصر بهدايا الضيوف و تراكم الهدايا الزائدة في طرقات القصر حتى اغلقتها من كثرتها، قبل ان يفتحن افواههن انبهارا عندما احضرت«جيلان» وصيفتي المقربة فستان زفافي الفضي المرصّع بثلاث آلاف قطعة من الالماس، و الذي صممه «تيمور الداني» افضل مصممي الثياب في البلاد بعدما اوصاه تميم بصنعه في اليوم الذي عدت فيه الى اماريتا، مثلما أوصى مصمما آخر من اقليم اكتارا بأن يصنع لي تاج زفافي من الذهب الاكتاري الابيض، شعرت بجسدي يرتجف اضطرابا بعض الشيء و انا ارتدي الفستان، لكن اضطرابي بلغ ذروته  حين دلف اليّ تميم بزيّه العسكري، و قبّل رأسي، قبل ان يلبسني التاج بنفسه، و يمسك بيدي و يتجه بي الى شرفة القصر المطلّة على ساحته المكتظة بالحشود لتحيّتهم، فهتفوا باسمه و اسمي بهتافات لا اكذب ان قلت انني شعرت بان الارض ترتجّ أسفل قدمي من قوّتها لأدرك في تلك اللحظات و أنا أنظر إليهم بينما يمسك تميم بيدي في رفق أنني صرت ملكة أماريتا.

مع شروق شمس كل يوم جديد كانت نظرة الحب التي إراها في عينيّ تميم تخبرني أنني لو عشت ألف عام فوق عمري فلن أجد شخصا يحبني مثلما يحبني ذلك الملك العاشق، و رغم أنني كنت أؤمن بأن قلب المرأة لن يحب أبدا رجلين بنفس القدر، و بعد كل ما كان في داخلي تُجاه خالد، صرت الآن أؤمن بكل جوارحي أنني لا أحب و لن أحب شخصا في حياتي بقدر هذا الحب الذي أكنّه لزوجي العزيز.
كان مكاننا المفضّل في وقت فراغنا بالقصر هي مكتبته الكبرى، ندلف إليها معا كي نناقش كتابا ما، و كعادته كان يحب كثيرا الإستماع إلى وجهة نظري و يناقشني بعقلانية كبرى فيها، ، و إن إقتنع بها ووجد ما يخالفها في كتاب ما، ألقى بذلك الكتاب في نيران المدفئة مثلما كان يفعل حين دلفت إلى القصر للمرة الأولى، و عندما شعر بأنني لا أعرف كثيرا عن تاريخ البلدان، عيّن لي معلمين أحدهما إسمه «جُنيد» من أماريتا، و آخر أكبر سنا من إقليم منبق إسمه «خلدون»، كانت مهمة السيد «جُنيد»الرئيسية هي تدريسي تاريخ أماريتا و البلدان الأخرى جنوب بحر مينجا، فيما اختص السيد «خلدون» بتدريسي تاريخ بلاد شمال مينجا و من بينها زيكولا في تروس أسبوعية.

خلال الثلاث سنوات الأولى بعد الزواج واصل تميم حملاته الخارجية أين بلدان شمال مينجا للقضاء على ما تبقى من اتفاقيات البشر مقابل الديون. كان يقود بعضها أحيانا، و في أحايين أخرى كان يوكّل قائد جيوشه السيد «جرير» لقيادة تلك الحملات، بينما إهتممت في تلك الأوقات بشؤون القصر الداخلية دون أن أتدخّل من قريب او من بعيد في شؤون الحكم لإقتناعي التام بإنها أمور تحتاج إلى من هو أكثر مني خبرة و تخصّصا، ...لذا في السنوات السبع الأخيرة أعاد تميم جيشه بالكامل إلى البلاد بعدما تأكد من انتهاء العمل بتلك الإتفاقيات، لتمضي حياتنا و حياة شعبنا خلال تلك السنوات في رخاء و ازدهار و حب شعبي لي وصل إلى درجة العشق، حتى جاءت تلك الليلة و ما حدث فيها من أمر غريب، حيث كنت أجلس في قاعة القصر الرئيسية مع بعض السيدات و السادة من الضيوف الرسميين نستمع إلى عزف إحدى الفرق الموسيقية التي حضرت إلينا من بيجانا، و لم يكن تميم معنا في ذلك الحين، إذ كان في طريق عودته من زيارة مناجم الريميوز،و بمجرد أن انتهى الحفل و غادر الضيوف و صعدت السلالم الداخلية للقصر مع وصيفاتي حتى فوجئت بهيكل الذئب العظمي المرصع باللؤلؤ و الموضوع في صندوقه الزجاجي وسط القاعة العلوية منذ يوم زفافي يقفز فجأة من صندوقه محطما زجاجه، و يهاجمني على حين غرة، و كاد يفترسني لولا حارسي الشخصي الذي ضرب جمجمته بسيفه في اللحظة الأخيرة لتسقط متدحرجة بعيدا عن باقي عظامه، تتناثر منها حبات اللؤلؤ متقافزة في أرجاء القاعة لنفاجأ بباقي هيكله العظمي يزحف مقتربا من الجمجمة و يعيدها إلى موضعها في مقدمته، و سرعان ما نفض بقية اللؤلؤ عن عظامه، ثم ركض نحو النافذة المفتوحة على مصراعيها، و قفز منها إلى خارج القصر مخلّفا حبات اللؤلؤ في طريقه. ركضت إلى النافذة وراءه، و نظرت عبرها في ذهول و أنا أبصر ذلك الهيكل العظمي و هو يفر بعيدا بينما يركض الناس أمامه في رعب شديد و صدمة لا تتقبلها عقولهم، لأفاجأ بعدها بخمس هياكل عظمية لذئاب أخرى تظهر في الأفق، و تركض هي الأخرى في نفس الاتجاه الذي فر إليه ذئبنا، تجاه بوابة المدينة الشمالية.
في رعب شديد وقفت مكاني مجمدة الجسد أحدق نحو الذئاب و هي تواصل ركضها كأنها من لحم و دم. قبل أن أسأل الوصيفات المدهوشات هن الأخريات بجواري ان كان ما أراه حقيقيا أم هلاوس لا يراها غيري، لتجيبني  «جيلان» في صدمة: 
- إنه حقيقي تماما.
عندما اختفت الذئاب من محيط رؤيتنا ، و عاد الحراس ليؤكدوا خلو القصر من أي هياكل أخرى، و خروج الستة الهياكل من البوابة الشمالية نحو بحر مينجا ليبحروا إلى داخله دون أن يستطيع الحراس الامساك  بها من المفاجأة التي أصابتهم، عدت إلى غرفتي بقلب يدق فزعا و أنفاس تلهث رعبا مما حدث.
عاد تميم عند منتصف الليل و علم بما جرى، لم يصدق ما سمعه من حراسه لولا انني أكدت له صحة قولهم. حينذاك أمر حراسه سريعا بالإنتشار في المدينة و البحث عن أي هياكل أخرى في البيوت و احراقها من دون الانتظار لمعرفة سر صحوة تلك العظام من الموت و حركتها، و بعد ساعة واحدة اجتمع بمستشاريه من رجال المجلس الاماريتي. دعاني في تلك الليلة لحضور ذلك الاجتماع رغم حالة الاضطراب التي لم تغادرني، كان جميعهم لا يجدون تفسيرا لعودة تلك الهياكل إلى الحياة. ثم أتي بالرجال الذين كانوا يملكون الهياكل الخمسة التي ركضت هي الاخرى، فقال جميعهم الحديث نفسه؛ كانت الذئاب في بيوتهم منذ سنوات طويلة كنوع من التزيين المنزلي، و فجأة دبت فيها الحياة و ركضت خارجا.
انتهى ذلك الاجتماع دون ان يصل تميم إلى شيء مفهوم او تفسير واضح لما حدث، حتى فوجئنا بإحدى الوصيفات التي كانت تقف بالشرفة جانبا تصرخ فجأة و هي تنظر عبر النافذة، و عندما اقتربت منها انا و تميم توقفنا مكاننا في تعجب و دهشة لم نشعر بهما في حياتنا من قبل، اذ وجدنا بدرا إضافيا في السماء يسطع بشدة على مقربة من القمر الاعتيادي الذي كان بدرا ايضا في تلك الليلة. نظر تميم نحوي بملامح قلق لم أشهدها على وجهه سابقا، أما انا فشعرت بأنني سأسقط إلى الارض من الرعب الذي اجتاحني.
تساءل تميم الى مستشاريه الذين لم يكونوا قد غادروا بعد ان كان احدهم يعرف شيئا عن ظهرو قمرين في السماء في الآن نفسه، وقفوا جميعا و كأن على رؤوسهم الطير، حينذاك دلف الينا السيد  «خلدون» مهرولا يتساقط منه العرق بغزارة. و انحنى للملك تميم. ادركت في داخلي ان هرولته الينا في ذلك التوقيت ترتبط بظهور ذلك البدر الاضافي، و كنت محقة. حين قال في تلعثم بمجرد وقوفه أمامنا:
- هل نظرت الى السماء من النافذة سيدي؟
قال تميم محاولا اخفاء قلقه:
- نعم ، بدر اضافي في السماء لا نعرف عنه شيئا.
قال الرجل في رعب حقيقي :
إنه شاهد وادي الذئاب ،قد عاد للظهور من جديد..
تعليقات



<>