رواية وادي الذئاب المنسيه الفصل الثاني2 بقلم عمرو عبد الحميد

رواية وادي الذئاب المنسيه 
الفصل الثاني2
بقلم عمرو عبد الحميد

اصابتنا الحيرة جميعاً من اختفاء الجنود الغريب،وقررت انا وبعض الشبان البحث بدقة من جديد في كافة أنحاء القرية لعل هناك شيئاً نكتشفه يخص الهجانة او الخواجة فايز،غير أن بحثنا باء بالفشل، ولم نعثر على اثر واحد لهم،ثم عدنا إلى حيثما بدأنا،فوجدنا الأهالي قد امسكوا بالجمال وقسموها على انفسهم،قالوا إنهم وجدوا تسعة وعشرين جملاً فقط،اما الجمل المتبقي فادعوا  عدم عثورهم عليه،لم يكن لشاب وحيد مثلي نصيب من تلك الغنيمة بالطبع ،وان لم لم أهتم بهدا الامر من الاساس .

خلال اليوم التالي واليوم الذي يليه،كان الحذر الشديد لايزال يعم القرية،إذ ظن بعضنا ان مايحدث إختبار ما لنا،وإن الجنود سيظهرون مرة أخرى في اقرب وقت ،لذلك اعلن عمدتنا عن تدوين أسماء آخدي الجمال، محذراً اياهم من اي ضرر يصيب خليةً واحدة منها،وإلا كان السجن مصير مسببه.
أما السبب الآخر لإستمرار الحذر  بيننا هو أننا كنا نتوقع قدوم فرقةٍ أخرى من الهجانة لتبحث أمر اختفاء الفرقة الاولى،وعلى اقل تقدير ستستعيد جمالها جملاً جملاً،وربما تحملنا ثمن الجمل المفقود،لذا لم يكن غريباً ان تبقى اشتباكات القرية خامدة وان لم يكن ثمة جندي  واحد بيننا، حتى الأحاديث والنقاشات التي ظلت مشتعلة لأيام حول أمر الحريق تحولت  جميعها إلى ماحدث لأولئك الجنود.
مع اليوم العاشر من الحدر والترقب لم يحدث اي جديد،ولم يأتي إلى بلدتنا اي فرقة اخرى او حتى شرطي واحد يبحث أمر اختفاء الهجانة،ومع صباح اليوم الخامس عشر أعلن رجل من آخذي الجمال يدعى 《منصور》انه قام بذبح جمله لمن يريد أن يشتري لحماً، ظهر القلق على وجوه الجميع في البداية لكن مع منتصف النهار كانت الذبيحة قد بيعت بالكامل،وفي الايام القليلة التالية قام الآخرون بذبح جمالهم للبيع تباعاً،أو بيعها بسوق المواشي القائم بقرية مجاورة ،اما سيارة الخواجة فدفعها ثلاثة مزارعين ممن يزرعون أرضه إلى جانب بيت احدهم،والذي تعهد بحمايتها ونظافتها حتى يعود الخواجة من جديد.

مع اقتراب مرور شهر على تلك الليلة الغامضة،أخبرني من كان ينوي شراء ارضي بصرف نظره  عن الأمر مع الخسارة التي تكبدها من حريق محصوله،ونصحني بالبحث عن مشترٍ آخر،زادني الأمر ظيقاً بإجباري  على الإنتظار مزيداً من الأيام ،لكن بعد ثلاثة أيام أبلغني رجل ممن باعوا جمال الهجانة عن رغبته في شراء أرضي  مقابل ثمانية جهينات، وافقت على الفور، وفي مساء ذلك اليوم ذهبت معه هو ومساح من قرية مجاورة إلى الأرض لقياسة مساحتها قبل إتمام البيعة،تحدثنا ونحن في الطريق إليها عن مرور شهر بالتمام والكمال على اختفاء الجنود،وعدم حدوث أي رد فعل من الشرطة أو الحكومة وكأن شيئاً لم يحدث ،قال المساح انه يؤمن بأن الحكومة   ستأتي إلى القرية عاجلاً ام اجلاً،وقد اتفقنا معه في ذلك الامر،ثم غيرنا مسار الحذيث إلى سفري المنتظر إلى القاهرة حتى وصلنا إلى الارض،وهناك بدأ المساح في أخد قياساته ومعه المشتري،فتركتهما وجلست انتظرهما  عند ضفة الترعة الشرقية،واخذت انظر بعيداً نحو مبنى الطاحونة،لربما تكون المرة الأخيرة التي اراه فيها،ثم شعرت برغبة في التبول فيما كانت إمرآتان تزرعان ارضاً بجواري،فسرت نحو الطاحونة كي أقظي حاجتي وراء جدار بعيداًعن اعين النساء ،ليلفت نظري-بينما كنت اتبول-أثر حذاء مطبوع بوضوح على الأرض على بعد أقدام من الطاحونة ،كأن صاحبه غرس في ذلك الموضع،استغربت لوهلة،ثم صرفت اهتمامي عنه ،وأكملت نظري الي مائي المتدفق نحو جدار الطاحونة،لكنني عدت ببصري مرة أخرى نحو ذلك الاثر،واقتربت منه بعدما دار في رأسي ان أغلب المزارعين يجوبون الحقل حفاة الأقدام ، وأن نشقة ذلك الأثر الواضحة لاتشبه ثلاثة شموس متجاورة بأشعتها يحيطها إطار مكتمل ليست إلا لحذاء غالٍ   لاأعتقد ان أحدنا يستطيع شراءه.
نظرت إلى الجدار أمامي وانا اتذكر الأحذية العسكرية طويلة العنق التي كان ينتعلها جنود الهجانة،ثم درت في حدر نحو الطاحونة، كان كل شيئ كما اعتدته دوماً ،بابها الحديدي مغلق بقفله،الجدار متأكلة  مصمتة،حتى الأرض الجافة حولها لم الحظ فيها أي أثار أقدام أخرى ،جال في بالي ان انظر حول الفتحة الصغيرة الموجودة في جدارها الشرقي رغم يقيني بأنني لن أرى إلا ظلاماً حالكاً طالماً لاتنسل أشعة الشمس المشرقة عبرها ،لكني سمعت صوت المشتري يناديني كي اسرع بالذهاب إليهما بعدما انتهيا من قياس مساحة الأرض،فاتجهت نحوهما.

 عدت إلى البيت بعدما وعدني المشتري بإحضار نقوده في صباح اليوم التالي لإتمام البيعة، خبر مثل ذالك كان من المفترض أن يجعلني اطير من الفرحة، لكن ماشغل بالي كلياً هو اثر الحذاء المطبوع بجوار الطاحونة،وكلما حاولت التفكير في شيئ آخر وثب الأمر نفسه في رأسي من جديد،لطالما سمعنا في طفولتنا قصصاً مرعبة عن الطاحونة المهجورة،لكن مع بلوغنا ادركنا أنها ليست إلا محاولات تخويفية  من الأهالي لأطفالهم  كي لايقتربوا من الترعة الشرقية دات العمق الكافي لغرق  أي شخص لايستطيع  السباحة،ثم فتحت نافذة غرفتي الخشبية على مصراعيها بعدما ضاق صدري من كثرة  التفكير،كان القمر في السماء بذراً مكتملاً مثلما كان  في الليلة نفسها التي شهدت اختفاء الجنود،نظرت إليه شارداً وعقلي يواصل ضجيجه،ثم حدثت نفسي مؤنباً:
-لماذا تشغل نفسك بهذه القرية من الأساس ؟غداً ستأخد نقودك وتهجرها إلى الأبد
 وأغلقت النافذة من جديد،غير أن رأسي لم يهدأ،بل وصل الفضول في داخلي الي ذروته مع شيوع السكون الارجاء كافةً ،ووجدت نفسي انظر إلى لمية الجاز المعلقة على جدار الغرفة لتضيئها،وقلت وانا احدثها:
-سأذهب إلى هناك لأنظر عبر فتحة الجدار  مرة واحدة فقط ،مرة واحدة وسأعود في الحال،وغداً سأذهب إلى العمدة لإخباره بأمر ذلك الاثر، لكني عدت وجلست على سريري،وأكملت إلى نفسي مخوفاً لها:
-الى أين تذهب في هدا التوقيت؟ألا تتذكر أمر الجنية التي ظهرت لجدك من قبل وقتها كان يروي ارضه بعد منتصف الليل ؟نعم،أخبرتني امي عن ذلك الامر مراراً وتكراراً،وأن اباها اقسم لها ان تلك الجنية كانت تجلس فوق شجرة قريبة من أرضه ليلتها بشعرها الاسود الطويل الدي تدلى من أعلى الشجرة إلى جدعها،ووجهها النحيف دي العينين العموديتين التي يماثل طول الواحدة منها حبة موز صغيرة ،ولولا ضحكتها الصارخة المفاجئة لما انتبه إلى شعرها المبسوط على الأرض أمامه الدي كاد يدوسه بقدمه، والله يعلم ماكان سيحدث وقتها،ليركض إلى  داره يهدي ويرتجف،ولم يكرر ذهابه إلى هناك ليلاً بعد ذلك اعقل ياموسى،الصباح رباح ،والنهار له عينان ،اهدأ يافتى.
لا.إنني احفظ القرآن كاملاً،سأذهب إلى هناك،وسأقرأ أية الكرسي طوال الطريق، لن يستطيع جن الاقتراب مني ،سأقرأها بصوت عالٍ،عالٍ جداً،قال الشيخ مصطفى ان أية الكرسي تحرق الجن،الشيخ مصطفى لايكذب،سأقرأها وأقرأ غيرها من الآيات، ومن يريد أن يحترق فل يقترب مني ،سألقي نظرة سريعة عبر الفتحة ليطمئن قلبي ان وجود ذلك الأثر ليس إلا مصادفة لاأكثر،وسأعود سريعاً،نظرة واحدة فقط،وسأعود لأخلد إلى النوم.
 ونظرت إلى اللمبة من جديد وحدثتها:

الطريق مضاء بالبدر ؛ لكني احتاج إليك لأرى ما في داخل الطاحونة . نعم إنك كافية ايتها اللمبة ، سامحيني على مرافقتك لي في ذالك المكان المهجور ، لكني ساعود بك سريعا ، آه ، سآخذ ايضا فأسي الصغير ، من يدري لربما ذئب بري يقابلني ، اعرف ان الذئاب البرية اختفت قبل مولد أبي كان الحوض الشرقي مشهورا بعوائها مثلما حكت لي امي ايضا ، لكن الاحتياط واجب .
هيا يا موسى قبل ان يغطي السحاب البدر.
ثم ارتديت جلبابي ، وعلقت فأسي الصغير بجيبه ، وحملت لمبة الجاز ، وخرجت الي الشارع متجها نحو حوض الاراضي الشرقيةوسط نباح الكلاب الضالة التي استغربت مرور احد الاشخاص في ذلك التوقيت .

عندما ابتعدت عن منطقة المباني السكنية واقتربت من طرف الرقعة الزراعية بدأت سرعة الريح تشتد شيئا فشيئا على غير العادة في ذلك الوقت من العام ، فأخفضت فتيل لمبتي كي لا تنطفئ ، ثم نظرت الى البدر ؛ وحدثت نفسي مطمئنا بأن كل شئ على ما يرام ، وواصلت تقدمي بالطرقات الترابية الممتدة بين الاراضي الزراعية حتى وصلت الى مشارف ارض الخواجة ، كان ظل غرفة الاسود قد ظهر في الافق فارتبكت قليلا ، ثم مرت سحابة مفاجئة امام البدر ساد معها الظلام ، فبلغ ارتباكي ذروته وتوقفت مكاني ابتلع ريغي بدقات قلب خائفة ؛ قبل ان اتمالك نفسي وازيد ضياء لمبتي وأقرأ آية الكرسي بصوت عال ، واكمل طريقي نحو الموضع الذي رأيت به أثر الحذاء قبل ساعات ، وهناك نزلت ركبتي مقربا الضياء من الاثر ونقوشه ، كأني أؤكد لنفسي ان ما رأيته نهارا لم يكن خيالا توهمه عقلي ، ثم نهضت والتففتالى الجدار الآخر الذي تتوسط أسفله الفتحة الصغرى ، ونزلت على ركبتي من جديد مادا رأسي محدقا بعيني في داخلها من دون اللمبة ، كان الظلام حالكا ، فأمسكت باللمبة وأدخلتها مادا ذراعي بميل حذر الى داخل الفتحة وانا احرك رأسي يمينا ويسار لعلي ارى ما تظهره اللمبة فرأيت بالكاد ما رأيته من قبل ؛ قادوس الطاحون المغطة بألاتربة وجزء من ذراعها الخشبية الطويلة الغارقة بين شبابك العناكب لا شئ آخر ، حدثت نفسي
- هل اطمأننت لا يوجد جنود في الداخل ، والطاحونة كما هي منذ سنوات هيا عد إلى بيتك .
وكنت اخرج ذراعي لولت ان عيني لاحظت وضوح الرؤية داخل الطاحونة فجأة من دون سبب واضح ، لا لم تكن نيران اللمبة السبب ، زاد الضياء داخل الطاحونة فجأة مع انقشاع السحابة المغطية للبدر ، انتفض قلب غير مصدق ، وبدأت اقرأ آية الكرسي من جديد بصوت عال وانا انظر الى السماء ولما اخرجت يدي وضعت اللمبة جانبا ، ونظرت عبر الفتحة مرة اخرى متفحصا ، كان كل شئ في الداخل واضحا كأنك أشعلت لمبة كبرى في كل ركن من اركان الطاحونة ، ثم غطت سحابة البدر فساد الظلام فجأة في الداخل وكأن اللمبات قد اطفئت ، ثم انقشعت السحابة عنه فعادة الضياء في الداخل من جديد ، نظرت حولي اتلفت خوفا من وجود جن يراقبني كما راقبت الجنية جدي ؛ وأكملت تلاوة آيات أخرى من القرآن وانا افكر في العودة راكضا الى القرية لأصرخ الى الاهالي بأن يأتوا الى  الطاحونة ليروا ما يحدث لولا أنني لا حظت شيئا لم أنتبه إليه من الارتباك عندما ابصرت محتويات الداخل بعد سطوع البدر . لم يكن القادوس منغمسا في اكوام التراب ولا الذراع غارقة وسط شباك العناكب الكثيفة كما رأيتهما عندم أدخلت لمبة الجاز في للمرة الاولى ، فأغمضت عيني ثم فتحتهما من جديد للاتأكد ان ما اراه ليس تخيلا أو وهما من شدة الخوف الذي ينتابني ، وحدقت الى الداخل من جديد لابصر الطاحونة   جلية نظيفة كأن أحدهم قام بتنظيف أجزائها للتو ، همست الى نفسي :
- ربما خدعتني إضاءة اللمبة ، اهدأ يا موسى ، لا تقلق .
ونظرت جانبا الى اللمبة الموضوعة على الارض بجواري وحملتها بذراعي الى الداخل مجددا ، ظل كل شئ كما هو ؛ الطاحونة واضحة غير منغمسة في ركام او شباك العنكبوت ، فأخرجت يدي بأنفاس عالية سريعة ، واتخذت قراري بالعودة إلى القرية لإخبار الناس في صلاة الفجر بما رأيته ، ونهضت وكدت اتحرك فمرت سحابة اخرى امام البدر ، لا اعرف لماذا جال في بالي ان استدير وأعاود النظر إلى داخل الطاحونة ، وهذا ما فعلته بالفعل ، نزلت سريعا على ركبتي ونظرت إلى الداخل مرة أخرى ، كان الظلا حالكا ، فمددت يدي بالمبة عبر الفتحة لأتسمر مكاني مرتعبا ، كادت أكوام التراب المغطية للقادوس وشباك العنكبوت المتشعبة داخلها :
- ماذا ! هل اصابني الجنون ام انا عالق في حلم ما ؟
لأفاجأ قبل ان أكمل كلامي بتبدل الصورة امامي تدريجيا لتختفي شباك العنكبوت شيئا فشيئا هي وأكوام الأتربة ، وتنصع أجزاء الطاحونة مع انقشاع السحابة عن البدر وظهوره بالكامل من جديد ، فسقطت من يدي اللمبة بداخل الطاحونة إثر الرعب الشديد الذي أصابني ، وسقطت انا الآخر على ظهري بجسد مخشب ، انظر وانا راقد على الارض بعين جامدة عبر الفتحة التي صارت في مستوى بصري ، ولا أقوى على التحرك ، ثم انتفض قلبي من موضعه لدرجة كادت توقفه عندما صدر صوت قوي مفاجئ من داخل الطاحونة ؛ فجمعت قواي الخائرة وانا أتمتم بآية الكرسي ، وزحفت على ركبتي لأقترب من الفتحة مجددا بأنفاس لاهثة ، لأفتح فاهي عن آخره مذهولا ومرعوبا بعدما رأيت ذراع الطاحونة الخشبية تدور ذاتيا ببطء شديد في مدار أفقي ، مصدرة صريرا متقطعا ، بينما تلفظ تباعا من قادوس الطاحونة أشلاء بشرية ؛ أقدام وسيقان وأياد وأمعاء وأذرعة ورؤوس جاحظة الاعين ، جميعها سمراء الجلد ، لم أكن في حاجة إلى من يخبرني أنها أشلاء جنود الهجانة الذين اختفوا قبل شهر .

وقتئذ أحسست أن الموت يقترب مني بعدما بلغت دقات قلبي أقصاها ، ومكثت مكاني مجمدا أحدق إلى الأشلاء التي يتواصل اندفاعها من قادوس الطاحونة مع كل حركة إضافية للذراع الخشبية ، قبل ان يشعر وجهي فجأة بأنفاس لافحة ، وتتناهى إلى مسامعي زمجرة قريبة للغاية ، فنظرت عن يميني ، فوجدته يقف على بعد خطوة واحدة مني يحملق في فاتحا فكيه عن آخرهما ، وأنيابه الحادة الطويلة تلمع بقوة مع ضوء البدر . .......
تعليقات



<>