رواية هي كده الفصل العاشر10بقلم ابتسام محمود الصيري


رواية هي كده الفصل العاشر10بقلم ابتسام محمود الصيري 


انتفضت رنا عندما دوّى صوت هاتفها، فالتقطته بلهفة، لكن ملامحها تبدلت سريعًا حين رأت اسم المتصل. ألقت هاتفها بقهر، وانهمرت دموعها من جديد، لكن المتصلة لم تيأس، بل عاودت الاتصال مرة أخرى، فالتقطت رنا الهاتف وردّت بصوت هامس باكٍ:

— ألو.

— إيه يا بنتي، إنتِ فين؟ أنا تحت، يلا انزلي.

كان هذا صوت تبارك، التي تنتظرها أسفل الفيلا.

أجابتها رنا بصوت مثقل بالتعب:

— روحي إنتِ لسارة، أنا مش هقدر.

انتبهت تبارك إلى نبرة صوتها الباكية، فعقدت حاجبيها بدهشة وقلق، وسألتها:

— رنا، حصل إيه تاني من ميشو؟

أسرعت رنا في الرد، وكأنها تريد أن تنفي عنه التهمة قبل أن تُوجَّه إليه:

— لا، مش ميشو.

صمتت تبارك لحظة، ثم قالت بنبرة واثقة:

— آه، طيب، لو مش ميشو، يبقى مين؟

— خلاص يا تبارك، مش وقت سين وجيم.

— تمام، انزلي.

— مش قادرة.

— لا، هتنزلي، يا إما هطلعلك.

تنهدت رنا باستسلام، ثم قالت:

— خلاص يا تبارك، هنزل.

وقفت بتعب، وأمسكت هاتفها لتفتح تطبيق واتساب، لكنها ما إن دخلت إلى محادثة ميشو حتى وجدت أنه لم يفتح رسالتها حتى الآن. ظلت تحدق في الشاشة لثوانٍ، ثم ألقت الهاتف على السرير وهي تزفر بقوة.

بدّلت ثيابها وارتدت زيًّا رياضيًّا أنيقًا، ثم خرجت تبحث عن والدتها حتى وجدتها في غرفة مكتب والدها، تحتضنه من الخلف بينما كان منشغلًا بأوراقه، وهي تشجعه وتشاركه الحديث.

توقفت رنا عند الباب، تراقبهما في صمت.

كان مشهدًا اعتادت رؤيته؛ والدها منشغل بعمله، ووالدتها قريبة منه، تشاركه أوقاته وتسانده، وكأنهما لا يفترقان مهما ازدحمت الحياة من حولهما.

شعرت رنا بغصة في قلبها وهي تتأملهما. كانت تتمنى أن تعيش يومًا حبًّا كهذا، وأن يكون حبيبها قريبًا منها، يشاركها اهتماماته وتفاصيل حياته، ويجعلها جزءًا من يومه، لا شخصًا ينتظر منه بعض الوقت والاهتمام.

كانت تظن أن الحب سيكون هكذا، مثلما تراه بين والديها، لكن ميشو كان منشغلًا بعمله وحياته، بينما كانت هي تشعر دائمًا بأنها آخر ما يفكر فيه.

انتبهت والدتها إلى وجودها، فالتفتت إليها وسألتها:

— عايزة حاجة يا رنا؟

اقتربت رنا قليلًا وقالت:

— آه، كنت عايزة أقولك إني هنزل أبات عند سارة.

رفع والدها عينيه عن الأوراق، وقال ببساطة:

— خدي أي عربية بره بالسوق، وروحي بيها.

هزت رأسها نافية:

— لا، شكرًا، تبارك بره، هروح معاها.

ابتسمت والدتها وهي توصيها:

— خلي بالكم من نفسكم، وذاكروا، بلاش لعب.

ضحك والداها معًا، بينما اكتفت رنا بابتسامة باهتة، ثم انسحبت من الغرفة دون أن تضيف شيئًا.

داخل سيارة تبارك

ألقت تبارك نظرة جانبية على رنا، فلاحظت احمرار عينيها وخديها، وآثار البكاء التي لم تستطع إخفاءها مهما حاولت.

أدارت السيارة بثقة، ثم قالت بهدوء:

— مش هسألك مالك، أنا عارفة ومتأكدة إن آخرك هترمي نفسك في حضني وتحكيلي كل حاجة.

لم تلتفت إليها رنا، وظلت تحدق في الطريق أمامها، محاولةً كبح دموعها التي كانت تهدد بالانهمار من جديد.

وفي داخلها، أخذت الأسئلة تتزاحم دون أن تجد إجابة واحدة تريح قلبها.

يا ترى العيب فيا، ولا في مين؟ ما بابا بيحب ماما، وهما الاتنين دايمًا مع بعض، وبيشاركوا بعض كل حاجة... ليه ميشو بعيد عني؟ ليه مش بيشاركني اهتماماته؟ ليه بحس إني لوحدي حتى وأنا معاه؟

زفرت رنا بألم وقهر، وأشاحت بنظرها نحو النافذة، بينما واصلت تبارك القيادة، تراقبها بين الحين والآخر في صمت، وتمنحها الوقت الذي تحتاجه حتى تستطيع الكلام.
________
وصلت تبارك ورنا إلى منزل سارة، ذلك المنزل الذي لا تقل فخامته عن فيلتهما؛ تحيط به حديقة واسعة تتناثر فيها الأزهار، بينما تنعكس أضواء النجوم على واجهته الزجاجية الأنيقة، فتمنحه مظهرًا أشبه بقطعة من الضوء استقرت على الأرض.

ترجلتا من السيارة معًا، وسارتا نحو المدخل. وما إن دخلتا حتى استقبلتهما والدة سارة بابتسامتها الدافئة التي اعتادتاها، وكأنها تفتح لهما ذراعيها قبل أن تفعل ذلك بيديها.

— أهلًا يا بنات، منورين يا حبايبي.

ابتسمت تبارك، وانحنت تقبّل يدها باحترام.

— الله ينور عليكي يا طنط.

أما رنا، فاكتفت بمصافحتها وابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيها؛ ابتسامة تشبه ضوء شمعة أوشكت على الانطفاء، لا تملك من الدفء إلا مظهره.

لم يغب ذلك عن والدة سارة، لكنها لم تضغط عليها بالسؤال، واكتفت بأن قالت برفق:

— اطلعوا لسارة، دي مستنياكم من بدري.

صعدتا الدرج بخطوات سريعة، وما إن دفعت تبارك باب الغرفة حتى وجدتا سارة جالسة على فراشها، تتصفح هاتفها. رفعت رأسها نحوهما، وما إن وقعت عيناها على رنا حتى انعقد حاجباها بقلق.

— مالك يا رنا؟

ألقت رنا بنفسها على الفراش، وأسندت رأسها إلى الوسادة، ثم أجابت بفتور:

— مفيش.

تبادلت سارة وتبارك نظرة سريعة. كانت سارة على وشك أن تسألها مجددًا، لكن تبارك هزت رأسها بخفة، وكأنها تطلب منها أن تترك لها بعض الوقت.

لوت سارة شفتيها، ثم همست لها:

— ماشي، سيبيها براحتها.

وما إن استقرت تبارك في الغرفة حتى وضعت يدها على بطنها وقالت بصوت مسموع:

— أنا جعانة!

ضحكت سارة، وقد وجدت في إعلان تبارك المفاجئ عن جوعها فرصة لتغيير الأجواء.

— يا بنتي الدادة مشيت من بدري.

نهضت تبارك وهي تشمر كميها، ثم اتجهت نحو الباب بثقة.

— وأنا ناقصني إيد.. ورايا على المطبخ؟

قهقهت سارة، ونهضت لتلحق بها، ثم التفتت إلى رنا وسألتها:

— هتيجي معانا؟

لم ترفع رنا رأسها عن الوسادة، واكتفت بأن قالت:

— لا، روحوا إنتوا، ماليش في الجو ده.

توقفت تبارك لحظة، ونظرت إليها بحنان لم تُرد أن تفرضه عليها. كانت تعرف أن بعض الأحزان لا يبددها الطعام ولا الضحك، وأن الإنسان قد يحتاج أحيانًا إلى أن يختبئ من العالم قليلًا، حتى لو كان العالم الذي حوله لا يريد سوى مساعدته.

ثم خرجت مع سارة، تاركتين رنا وحدها مع أفكارها.

في المطبخ

وقفت تبارك أمام الثلاجة، تُخرج المكونات واحدًا تلو الآخر، وتضعها على الطاولة بترتيب من يعرف طريقه في المطبخ جيدًا. تحركت بخفة بين الأرفف والأدراج، حتى بدا المكان وكأنه مطبخها الخاص، لا مطبخًا تزوره على فترات.

أما سارة، فسحبت مقعدًا وجلست عليه تراقبها، وقد بدأت ابتسامة ماكرة تتسلل إلى وجهها.

— إيه بقى سر العيون اللي بتلمع والضحكة اللي أول مرة أشوفها دي؟

رفعت تبارك حاجبها، ثم وكزتها في ذراعها بخفة.

— يعني أنا كنت مش بضحك؟

هزت سارة رأسها بحسم مصطنع.

— بصراحة؟ لأ.

ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها، ومثّلت دور المحقق الذي أوشك على كشف أخطر أسرار القضية:

— أخرك ابتسامة كده بالمعلقة، لكن النهارده الموضوع مختلف. ضحك من القلب، وعيون بتلمع، وسرحان كمان! لا، لا، فيه سر كبير هنا.

توقفت تبارك عن تقطيع الخضراوات للحظة، ثم عادت إلى عملها متظاهرة بالانشغال. لكنها لم تستطع منع ابتسامتها من الظهور، فرفعت يدها وأبعدت خصلة من شعرها خلف أذنها، وكأنها تحاول إخفاء ما فضحته عيناها.

اقتربت سارة منها، وضيقّت عينيها بانتصار:

— أهووو! عرفتك!

ثم أشارت إليها سارة بإصبعها:

— الموضوع بدأ من وإحنا خارجين من المدرسة، صح؟ اعترفي بقى.

شردت تبارك للحظة، وعادت إلى ذاكرتها صورة عبدالله؛ ابتسامته الهادئة، وطريقته في الاستماع إليها، وكلماته التي لم تحاول اقتحام عالمها، بل وقفت عند حدوده تنتظر أن تسمح له بالدخول.

لم يكن الأمر مجرد لقاء عابر بالنسبة إليها. كان هناك شيء مختلف في وجوده، شيء يشبه نافذة صغيرة فُتحت في غرفة ظلت مغلقة طويلًا، فدخل منها بعض الهواء النقي.

لاحظت سارة شرودها، فصفقت بيديها بحماس.

— أهو! أهو! يبقى فيه حاجة فعلًا!

تنهدت تبارك باستسلام، ثم قالت بنبرة حاولت أن تجعلها عادية، رغم أن ابتسامتها خانتها:

— طيب، هحكيلك.

صفقت سارة بسعادة، وكأنها انتظرت تلك اللحظة منذ سنوات.

— كنت عارفة! طب هسهّلها عليكي… فيه شاب؟

وضعت تبارك المكرونة في الوعاء، ثم ابتعدت قليلًا عن الموقد، والتفتت إليها.

— بصي، فيه شاب آه، بس والله مش زي ما إنتِ متخيلة.

رفعت سارة حاجبها، ومالت نحوها باهتمام.

— أومال إيه؟

ابتسمت تبارك تلقائيًا، وكأن مجرد تذكره كان كافيًا ليخفف شيئًا من ثقل قلبها.

— لذيذ، وبعتبره زيك بالظبط.

اتسعت عينا سارة بصدمة مصطنعة، ثم نظرت إلى نفسها من أعلى إلى أسفل، قبل أن تعود ببصرها إلى تبارك.

— زيي؟!

انفجرت تبارك ضاحكة.

— يا بنتي قصدي صاحبي زيك، مش أكتر!

وضعت سارة يدها على صدرها، وأطلقت زفرة ارتياح مبالغًا فيها.

— الحمد لله! كنت هقول البنت فقدت نظرها!

ضحكتا معًا، وامتلأ المطبخ بصوت ضحكهما، حتى خُيّل إلى تبارك أن الحياة يمكن أن تكون بسيطة أحيانًا؛ ضحكة صافية، وصديقة تحبها، وشخص جديد يجعلها تشعر بأن قلبها لم يفقد قدرته على الفرح.

ثم قالت بحماس طفولي لم تستطع إخفاءه:

— هعرّفك عليه في يوم.

رفعت سارة إصبعها محذرة.

— موافقة، بس أنا اللي هحكم عليه بنفسي. مش هتضحكي عليّا بكلمتين حلوين وتقوليلي إنه ملاك!

ضحكت تبارك وهزت رأسها موافقة، لكن سارة سرعان ما هدأت ملامحها، ونظرت نحو باب المطبخ الذي خرجتا منه.

— طيب، إنتِ عرفنا إيه اللي مفرحك… إنما رنا، مش عارفة ناقصها إيه. عندها كل حاجة، وبرضه طول الوقت زعلانة!

اختفت ابتسامة تبارك قليلًا، ونظرت إلى صديقتها بجدية:

— سارة، أنا مش متعودة منك تقللي من مشاعر أي حد بالشكل ده. إنتِ متعرفيش ظروف كل واحد عاملة إزاي، ولا إيه اللي بيوجعه من جوه.

صمتت سارة، وقد أدركت أن كلماتها ربما كانت أقسى مما قصدت، تابعت تبارك وهي تعود إلى تحريك الطعام:

— مش معنى إن حياتها من بره شكلها حلو إن قلبها مرتاح. إحنا علينا نقف جنبها وننصحها، إنما مش من حقنا نحكم على وجعها. وفي الآخر، هي حرة تاخد برأينا أو لأ.

خفضت سارة عينيها قليلًا، ثم أومأت برأسها:

— عندك حق. أنا بس مش عارفة أساعدها إزاي.

التفتت إليها تبارك، وابتسمت ابتسامة هادئة:

— ساعات مش محتاجين نحل مشاكل الناس، قد ما محتاجين نسمعهم من غير ما نحسسهم إنهم غلطانين عشان زعلانين.

بقيت كلمات تبارك معلقة في ذهن سارة، بينما انشغلت الاثنتان بإعداد الطعام. ولم تكن سارة تعرف أن صديقتها التي تتحدث بهذه الحكمة تحمل في داخلها وجعًا أكبر مما تسمح لأحد برؤيته؛ فبعض الناس يتعلمون كيف يواسون الآخرين، لأنهم يعرفون جيدًا معنى أن يحتاج المرء إلى من يواسيه ولا يجده.

بعد أقل من ساعة

امتلأت الطاولة بالأطباق، وانتشرت رائحة الطعام الشهية في أرجاء المنزل. كانت تبارك قد أعدت كل شيء بعناية، بينما جلست سارة تتأمل الأطباق بإعجاب واضح.

رفعت سارة صوتها نحو الدرج:

— رنااا! يلا، الأكل هيبرد!

ظهرت رنا عند أعلى الدرج، وألقت نظرة سريعة على الطاولة، ثم قالت بصوت خافت:

— كلوا إنتوا، أنا شبعانة.

رفعت تبارك رأسها نحوها، وحاولت أن تستدرجها بابتسامة مرحة:

— هيفوتك نص عمرك لو مجتيش. 

لكن رنا اكتفت بهز رأسها:

— بالهنا والشفا.

ثم استدارت وعادت إلى الغرفة، تاركة خلفها صمتًا أثقل من خطواتها.

تبادلت سارة وتبارك نظرة حزينة، ثم جلستا لتناول الطعام. تذوقت سارة أول لقمة، وما إن ابتلعتها حتى أغمضت عينيها باستمتاع، وضربت كفًا بكف.

— أقسم بالله، أكلك تحفة!

ثم رفعت رأسها نحو الدرج ونادت مجددًا:

— يا رنا، تعالي بس دوقي، مش هتندمي!

جاءهما صوت رنا من بعيد:

— كلوا إنتوا، ألف هنا.

تنهدت سارة، ثم عادت إلى طبقها وهي تقول:

— مش عارفة أعمل معاها إيه.

ابتسمت تبارك ابتسامة خفيفة، وناولتها طبقًا آخر.

— سيبيها دلوقتي. لما تبقى مستعدة تتكلم، هتيجي لوحدها.

أخذت سارة لقمة أخرى، ثم أشارت إلى الطعام بإعجاب.

— تسلم إيدك، طعمه في حتة تانية!

ضحكت تبارك بفخر، ورفعت ذقنها قليلًا.

— عيب عليكي! أمي مصرية صعيدية أصيلة.

ضحكت سارة، ثم راحت تتأملها بنظرة مازحة.

— والله ساعات بشك إنك بنت من طبقة عالية جدا، وعايشة في فيلا  ومعاها عربية اخر موديل.  

تجمدت ابتسامة تبارك للحظة.

كانت كلمات سارة عفوية، لا تقصد بها جرحًا، لكنها لمست مكانًا حساسًا داخلها؛ مكانًا يذكّرها بأن ما يراه الناس رفاهية وامتيازًا قد يكون بالنسبة إليها قيدًا محكمًا، وأن البيت الفخم لا يعني بالضرورة قلبًا مطمئنًا أو حياة تستحق أن تُحسد عليها.

ومع ذلك، أخفت الوخزة خلف ضحكة خفيفة، وقالت بنبرة مرحة:

— لو أمي كانت عايشة كانت هتشوف اللي انتى فيه ده مش دلع ماسخ … ده عااار، عندنا البنت قبل ما تتعلم ألف باء، بتكون عرفت تعمل المحشي والصواني، وتوقف المطبخ على رجل…. يا فشله. 

ضحكت سارة معها، ولم تنتبه إلى أن ضحكة تبارك لم تكن هذه المرة صافية تمامًا.

فبعض النكات تُقال لتضحك من حولنا، وبعضها الآخر يُقال كي لا يلاحظ أحد أننا على وشك البكاء.

بعد الانتهاء من الطعام، اتجهت الفتاتان إلى غرفة سارة، حيث كانت رنا تجلس على طرف الفراش، تحدق في هاتفها دون اهتمام حقيقي بما يظهر على شاشته.

جلست تبارك إلى جوار سارة، وبدأت الاثنتان في إخراج كتبهما وأدواتهما استعدادًا للمذاكرة. حاولت سارة أن تشرح إحدى النقاط، فقاطعتها تبارك لتصحح معلومة، ثم استكملتا معًا مراجعة الدرس.

كانت المذاكرة تسير على نحو متقطع؛ تشرح إحداهما، وتكمل الأخرى نقطة نسيتها، ثم تتوقفان فجأة لتضحكا على موقف قديم أو تتبادلا حكاية قصيرة، قبل أن تعودا إلى الكتب من جديد.

أما رنا، فكانت تجلس بينهما بجسدها فقط، بينما ظل عقلها في مكان آخر.

فتحت كتابها، ومررت عينيها على السطور، لكنها لم تستوعب حرفًا واحدًا. كانت الكلمات تتداخل أمامها، وتتحول إلى أشكال باهتة لا معنى لها، بينما كانت أفكارها تعود في كل مرة إلى هاتفها، وإلى الرسالة التي أرسلتها إلى ميشو ولم يفتحها بعد.

كلما حاولت أن تركز، تسللت إلى ذهنها صورة وجهه. 

كانت تحاول أن تقنع نفسها بأنها ستتوقف عن التفكير فيه، لكنها كلما حاولت الابتعاد عنه داخل عقلها، وجدته ينتظرها في نهاية كل فكرة.

مر الوقت سريعًا دون أن تنتبهن إلى عقارب الساعة وهي تتجاوز منتصف الليل. ومع آخر صفحة راجعتها الفتاتان، أغلقت سارة كتابها، ثم تمددت في مقعدها وهي تتمطى بتعب.

— خلاص، لو ذاكرت أكتر من كده هنسى اسمي. 

ضحكت تبارك وهي تغلق كتابها أيضًا.

— وأنا كمان. كفاية علينا كده.

أما رنا، فلم تعلق. أغلقت كتابها بهدوء، ثم وضعته جانبًا، وكأنها تؤدي حركة اعتادت القيام بها دون أن تشعر.

تبادلت سارة وتبارك نظرة مستغربة؛ فحتى حين كانت رنا حزينة، اعتادت أن تجادلهما أو تطلق تعليقًا ساخرًا، أما هذا الصمت الثقيل فلم يكن يشبهها.

نهضت تبارك واقتربت منها، ثم جلست إلى جوارها ومدت ذراعيها نحوها دون أن تقول شيئًا.

وما إن احتضنتها حتى انهارت رنا، اندفعت دموعها بغزارة، كأنها كانت تحبس خلف عينيها نهرًا كاملًا، ولم يعد في وسعها أن تمنع مياهه من الفيضان. تشبثت بثياب تبارك، وأخفت وجهها في صدرها، بينما راحت شهقاتها تتلاحق دون انتظام.

أسرعت سارة بالاقتراب منهما، وجلست على الجانب الآخر، وبدأت تربت على ظهر رنا برفق.

لم تسألاها في البداية عن شيء. تركتاها تبكي، وكأنهما تعرفان أن بعض الكلمات لا يمكن أن تخرج إلا بعد أن تأخذ الدموع حقها.

وبعد لحظات، همست تبارك وهي تمرر يدها على شعرها:

— رنا، أنا عارفة إن ميشو هو السبب.

رفعت رنا وجهها قليلًا، وكانت عيناها محمرتين ووجنتاها مبللتين. حاولت أن تبتسم، لكنها لم تستطع:

— وميشو ماله؟ الظاهر إن العيب فيا أنا. كل الناس بتكرهني… حتى مامي وبابي.

توقفت لحظة، وكأنها تحاول أن تلتقط أنفاسها، ثم تابعت بصوت متكسر:

— ساعات بحس إني شبح، يا تبارك. شبح ماشي وسط الناس، محدش بياخد باله منه، ومحدش بيحس بوجوده. أنا نفسي أفهم… إنتوا كلكم بتتعاملوا معايا كده ليه؟ ليه حاسة إن محدش بيحبني؟

شعرت سارة بانقباض في صدرها، ونظرت إلى تبارك عاجزة عن الرد. لم تكن تتخيل أن رنا، التي اعتادت أن تبدو مرحة وصاخبة، تحمل كل هذا الخوف خلف ضحكاتها.

أما تبارك، فابتعدت عنها قليلًا حتى تتمكن من النظر إلى عينيها، ثم أمسكت بيديها وقالت بثبات:

— إحنا بنحبك يا رنا، ومش معنى إنك حاسة إنك لوحدك إنك فعلًا لوحدك. وبعدين، مفيش أهل بيكرهوا عيالهم.

لكن رنا هزت رأسها بعنف، وكأن الكلمات التي يفترض أن تطمئنها تزيد ألمها بدلًا من أن تخففه:

— أمال اللي هما فيه ده اسمه إيه؟!

خرج السؤال منها محمّلًا بسنوات من الخيبة، لا بوجع يوم واحد. كانت لا تبحث عن إجابة بقدر ما كانت تبحث عن شخص يعترف أخيرًا بأن ما تشعر به حقيقي، وأنها ليست فتاة مغرورة تريد الكل يرحز معاها وتفتعل الحزن من فراغ.

تجمدت تبارك في مكانها، لامست كلمات رنا جرحًا قديمًا في أعماقها، جرحًا حاولت دفنه طويلًا تحت طبقات من الصمت والتماسك. وفي لحظة خاطفة، هاجمتها ذكرى مؤلمة؛ ذكرى اختلط فيها الفقد بالتخلي، والدموع بغبار كثيف كان يملأ المكان، حتى بدا الهواء نفسه ثقيلًا، كأن التراب ذكريتها تسلل إلى صدرها ومنعها من التنفس.

تسارعت أنفاسها للحظة، وشعرت وكأن ما حدث يومها يتكرر أمام عينيها. أغمضتهما بقوة، وضغطت على أصابعها محاولة أن تستعيد توازنها، ثم أخذت نفسًا بطيئًا قبل أن تتكلم.

لم تكن تريد أن تنقل ألمها إلى رنا، ولم تكن تملك إجابة كاملة عن كل ما يجري في قلوب الآباء والأمهات. لكنها كانت تعرف أن الشعور بالوحدة داخل البيت قد يكون أشد قسوة من الوحدة في أي مكان آخر.

فتحت عينيها، ونظرت إلى رنا بحنان، ثم قالت بصوت هادئ، وإن كانت الكلمات تخرج من قلب يعرف الوجع جيدًا:

— صدقيني يا رنا، ساعات الأهل بيبقوا فاكرين إنهم بيأمّنوا مستقبل ولادهم بطريقتهم. بيعتقدوا إن الأمان هو إنهم يضمنوا ليكي بيت وفلوس وتعليم وحياة مريحة، وبيفتكروا إن طول ما كل ده موجود، يبقى هما كده عملوا اللي عليهم.

توقفت قليلًا، ثم أضافت:

— بس ساعات بينسوا إن الأمان مش بيتبني بالفلوس بس. الأمان كمان إنك تحسي إن فيه حد سامعك، وإن زعلك فارق معاه، وإنك تقدري تحكي من غير ما تخافي إن مشاعرك تتقلل أو تتفهم غلط.

ابتلعت رنا غصتها، ونظرت إليها بعينين دامعتين.

— وأنا ومشاعري فين يا تبارك؟ أنا عايزة أحس إنهم شايفني… عايزة أحس إني بنتهم، مش مجرد حد عايش معاهم في نفس البيت.

لم تجد تبارك ما تقوله.

كيف تشرح لها أن بعض الآباء يظنون أنهم يمنحون أبناءهم أفضل حياة ممكنة، بينما يتركون في قلوبهم فراغًا لا يستطيع أي بيت فاخر أو رصيد كبير أن يملأه؟ وكيف تخبرها أن فهم أسباب تصرفاتهم لا يعني أن عليها أن تنكر ألمها أو تتظاهر بأنه لا وجود له؟

لم يكن لديها جواب شافٍ، ولا كلمات سحرية تعيد ترتيب كل شيء داخل رنا.

لذلك، اكتفت بأن ضمتها إلى صدرها مرة أخرى.

احتضنتها بقوة، وكأنها تحاول أن تمنحها بالأذرع ما عجزت الكلمات عن منحه. وانضمت سارة إليهما، فالتفت ذراعاها حول صديقتها، وظلت تربت على ظهرها في صمت.

بكت رنا طويلًا، حتى خفتت شهقاتها شيئًا فشيئًا، لكن دموعها لم تكن وحدها التي تركت أثرها في الغرفة؛ فقد جلست سارة تفكر في كلماتها السابقة، وتشعر بالخجل لأنها كادت تحكم على صديقتها من ظاهر حياتها، بينما انشغلت تبارك بمحاولة إخفاء اضطرابها، حتى لا تضطر إلى شرح الجرح الذي فتحته كلمات رنا في داخلها.

ثلاث فتيات اجتمعن في غرفة واحدة، لكن كل واحدة منهن كانت تحمل عالمًا مختلفًا خلف ضلوعها؛ واحدة تبحث عن الحب فلا تجده حيث تتمنى، وأخرى تحاول أن تفهم الآخرين بينما تعجز عن فهم ما حدث لها، وثالثة تملك بيتًا آمنًا وحبًا واضحًا، لكنها بدأت تدرك أن ما تراه نعمة في حياتها قد يكون وجعًا خفيًا في حياة غيرها.

بعد وقت طويل، هدأت رنا قليلًا، وأخذ التعب منها ما لم تستطع الدموع أخذه. تمددت الفتيات على الفراش، وأطفأت سارة المصباح الرئيسي، مكتفية بالضوء الخافت المنبعث من الأباجورة القريبة.

استلقت سارة وهي تفكر في أسرتها؛ في أمها التي تستمع إليها مهما طال حديثها، وفي أبيها الذي يسألها عن يومها ويتذكر تفاصيلها الصغيرة. شعرت بامتنان عميق، كأنها رأت تلك النعمة للمرة الأولى بوضوح، وأدركت أن الحب الذي اعتادت وجوده حولها ليس أمرًا عاديًا ينبغي أن تمر عليه دون انتباه.

أما رنا، فكانت مستلقية في صمت، تحدق في السقف، وقد هدأ بكاؤها لكن قلبها ظل مثقلًا. لم تكن تعرف إن كانت ستستيقظ في الصباح وهي أكثر قوة، أم أن أول نظرة إلى هاتفها ستعيدها إلى نقطة البداية. كل ما عرفته أنها لم تعد قادرة على حمل كل هذا وحدها، وأنها للمرة الأولى سمحت لأحد بأن يرى هشاشتها دون أن تتظاهر بأنها بخير.

وتبارك، التي اعتادت أن تخفي ألمها خلف ابتسامة هادئة، ظلت مستيقظة بضع دقائق أطول منهما. كانت ذكرى الماضي لا تزال تتردد في أعماقها، مثل صوت بعيد لا يتوقف تمامًا، لكنها حاولت أن تدفعها إلى الخلف، وأن تتشبث بالحاضر؛ بصديقتيها القريبتين منها، وبذلك الشعور الجديد الذي بدأ يتسلل إلى قلبها منذ التقت عبدالله.

كانت كل واحدة منهن تحمل مشاعر لا تعرف الأخرى عنها إلا جزءًا صغيرًا.

وبينما كانت الأفكار تدور في رؤوسهن، بدأ النوم يتسلل إليهن ببطء، حتى استسلمت سارة ورنا له بعد دقائق قليلة.

أما تبارك، فكانت على وشك أن تغفو حين اهتز هاتفها فوق الكومود بصوت خافت.

فتحت عينيها بصعوبة، ومدت يدها تتحسس الهاتف حتى وجدته. أضاءت الشاشة باسم عبدالله، فتبدلت ملامحها دون أن تشعر، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة لم تحتج إلى سبب كبير كي تظهر.

فتحت الرسالة.

عبدالله: طمنيني عليكي؟

ظلت تنظر إلى الكلمات لثوانٍ.

لم تكن رسالة طويلة، ولا تحمل اعترافًا صريحًا أو وعدًا كبيرًا، لكنها لامست داخلها شيئًا افتقدته طويلًا؛ شعور أن هناك من يتذكرها دون أن يحتاج إلى مناسبة، ومن يسأل عنها دون أن يطلب منها مقابلًا.

كتبت بسرعة:

- أنا كويسة الحمد لله، وهبات عند صاحبتي سارة. بكرة آخر امتحان.

لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى ظهر الرد.

- الحمد لله. بعد الامتحان نتمشى شوية؟

عضّت تبارك شفتها السفلى، وهي تحاول أن تخفي ابتسامتها عن نفسها، رغم أنه لا أحد يراها. فكرت في وعدها لسارة ورنا بأن يخرجن معًا بعد الامتحان، ولم ترد أن تتراجع عنه، لكنها لم تكن تريد أن تضيع فرصة رؤيته أيضًا.

كتبت باعتذار:

- وعدت البنات إننا هنخرج بعد الامتحان، بس لو تحب نتقابل بالليل؟

جاءها الرد سريعًا، وكأن عبدالله لم يحتج إلى التفكير طويلًا.

- بالليل أحلى.

اتسعت ابتسامتها قليلًا، ثم كتبت له:

- ماشي، نتفق بكرة على المعاد.

وضعت الهاتف فوق الوسادة بجوارها، واستدارت على جانبها، ثم سحبت الغطاء حتى كتفيها.

كان غريبًا كيف تستطيع كلمات قليلة أن تترك في النفس أثرًا لا تصنعه أحاديث طويلة. لم يتغير شيء في حياتها خلال تلك الدقائق، لكن شيئًا صغيرًا تغيّر في داخلها.

للمرة الأولى منذ وقت طويل، لم يكن آخر ما تفكر فيه قبل النوم هو ما قد يحدث غدًا، ولا الطريقة التي ستتجنب بها غضب والدها، ولا الألم الذي تخشى أن يعود إليها في أي لحظة.

كانت تفكر في موعد بسيط، ومشوار قصير، وشخص يجعلها تبتسم دون أن يطلب منها أن تشرح سبب حزنها أولًا.

أغمضت عينيها، وعلى شفتيها ابتسامة هادئة بدت غريبة عليها، حتى شعرت للحظة أنها استعارتها من فتاة أخرى لا تعرفها.

ثم استسلمت لنوم هادئ، كأن قلبها وجد أخيرًا استراحة قصيرة من حرب لم تنتهِ بعد.


تعليقات



<>