رواية هي كده الفصل الحادي عشر11بقلم ابتسام محمود الصيري


رواية هي كده الفصل الحادي عشر11بقلم ابتسام محمود الصيري 
 

في صباح اليوم التالي...

استيقظت الفتيات على صوت المنبه، وتبادلن نظرات النعاس قبل أن تنهض كل واحدة منهن لتستعد. وبعد دقائق، التفتت تبارك إليهما وقالت بابتسامة متحمسة:

— جاهزين لآخر مادة وآخر سنة في المدرسة؟ ومستعدين لحياة الجامعة؟

قالت سارة بحماس:

— أنا جاهزة جدًا، بس يا رب آخر مادة تبقى حلوة، ويجعل ختامها مسك. 

ابتسمت تبارك مشجعةً إياها:

— إحنا تعبنا طول السنة، وعمر ربنا ما هيخذلنا.

ثم التفتت إلى رنا، التي كانت تمسك هاتفها وتقلب فيه دون اهتمام بما حولها:

— ها يا رنا، مستعدة؟

رفعت رنا عينيها إليها، وابتسمت ابتسامة خفيفة وهي تهز رأسها.

ربتت تبارك على كتفها، ثم حملت كل واحدة حقيبتها واستعددن للذهاب إلى المدرسة.

وبعد ساعات...

انتهى الامتحان الأخير، وخرجت الطالبات إلى ساحة المدرسة بأصوات تعلن انتهاء عام كامل من المذاكرة والقلق.

تنفست تبارك بعمق، وشعرت براحة خفيفة بعد أسابيع من الضغط.

اقتربت منها سارة وهي تقفز بحماس:

— أخيرًا خلصنا! يلا بقى نحتفل.

ابتسمت رنا وهي تعدل حقيبتها.

— ماشي، أهو نفصل مخنا عن المذاكرة شوية.

هزت تبارك رأسها موافقة، ثم نظرت إلى رنا بمكر:

— مش إنتِ قلتي إنك مش فاضية بعد آخر امتحان، عشان هتخرجي مع ميشو؟

تغيرت ملامح رنا قليلًا، وأجابت باقتضاب:

— أنا خاصمته ومش هكلمه تاني.

رفعت سارة حاجبها، ثم سألتها بمشاكسة:

— ولو كلمك؟

ردت رنا بثقة مصطنعة:

— أبقى كلبة لو رديت عليه!

قلدت سارة نباح الكلاب وهي تضحك:

— هو هو هو هو. 

انفجرت الفتيات الثلاث بالضحك، وتحركن نحو أحد المقاهي القريبة من المدرسة.

جلسن يتبادلن الحديث عن الامتحانات وخططهن لما بعد انتهاء العام الدراسي. وللمرة الأولى منذ أيام، بدت رنا مندمجة معهما، حتى أضاء هاتفها برسالة من ميشو: 
- صباح الخير.

ما إن قرأت الرسالة حتى ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهها، وكأن خلاف الأمس لم يعد يعنيها بالقدر نفسه. أسرعت بالرد، محاوِلةً إخفاء سعادتها:

- صباح النور... فينك كل ده؟

- شغل يا حبيبتي، والله مطحون.

- ربنا يعينك. طيب، بالنسبة للرسالة اللي فوق، ومتقولش إني دراما.

اجابها بمزاح حتى يمتص غضبها:
- إنتِ أحلى دراما كوين... ايه الدنيا معاكي؟

- على إيه؟

- فاضية؟

دق قلبها بفرحة، لكن حاولت تصنع الانشغال :

- لأ، قاعدة مع أصحابي.

-  تمام، وقت ما تكوني فاضية ابعتيلي نتقابل يا كوين.

ترددت رنا لحظة، ثم أسرعت في الكتابة، وكأنها تخشى أن ينشغل عنها مرة أخرى قبل أن تتمكن من رؤيته: 

- لا عادي، ممكن أسيبهم. 

- أجيلك فين؟

- أنا في كافيه «...».

- تمام، هلبس واجيبك. 

أغلقت الهاتف، فوجدت تبارك وسارة ترمقانها بنظرات متفحصة.

رفعت رنا رأسها بخجل: 

— إيه؟

تظاهرت الاثنتان بالانشغال، ثم قالت سارة ببراءة مصطنعة:

— لا يا قلبي، مفيش. كان فيه كلب معدي بس.

ضحكت رنا، ثم اعترفت:

— آه، صالحتُه، وهخرج معاه.

سألتها تبارك:

— إمتى؟

— هو جاي في الطريق.

ردت سارة وتبارك في صوت واحد:

— كمان؟!

ضحكن جميعًا، لكن مع مرور الوقت، بدأت رنا تفقد هدوءها. كانت تنظر إلى هاتفها كل دقيقة، ثم تزفر بضيق وهي تراقب الوقت. لم يكن ميشو قد وصل بعد، وكعادته، بدا وكأن التأخر عن الموعد أمر لا يستحق حتى الاعتذار.

حاولت رنا أن تشغل نفسها بحديث صديقتيها، لكن عينيها كانتا تعودان إلى شاشة الهاتف كلما خُيّل إليها أنها سمعت صوت إشعار.

اقترب منهن أحد العاملين في المقهى، وكان شابًا في اوائل العشرينيات. وما إن وقعت عيناه على تبارك حتى تباطأت خطواته، وانعقد حاجباه في دهشة. ظل ينظر إليها للحظات، كأنه يحاول التأكد من شيء لم يصدقه بعد، ثم قال بتردد:

— معلش... هو حضرتك اسمك تبارك محمود؟

تجمدت ملامح تبارك، كان سؤالًا عاديًا في ظاهره، لكن وقع الاسم على أذنيها أشعل في داخلها خوفًا قديمًا. اتسعت عيناها للحظة، وشعرت بانقباض مفاجئ في صدرها، كأن بابًا ظلت تحاول إغلاقه لسنوات قد فُتح دون استئذان.

رفعت رأسها إليه، ثم أجابت بنبرة حادة لم تعهدها صديقتاها منها:

— هو حضرتك هتصاحبني؟! اتفضل شوف شغلك.

تراجع الشاب خطوة، وقد بدا عليه الارتباك.

— أنا... أنا آسف، أصل افتكرت...

قاطعته تبارك وهي تشير بيدها نحو الداخل:

— اتفضل.

تردد للحظة، ثم انصرف دون أن يضيف كلمة أخرى.

ساد الصمت حول الطاولة.

نظرت رنا إلى تبارك باستغراب، فلم تكن معتادة على رؤيتها تتعامل مع أحد بهذه الطريقة: 

— مالك يا تبارك؟ هو قال إيه غلط؟ ده بينادي اسمك.

أجابت تبارك بسرعة، وكأنها تحاول إنهاء الحديث قبل أن تضطر إلى سماع المزيد:

— حتى لو اسمي، مش معنى كده إن أي حد يقف يسألني.

تدخلت سارة بهدوء، محاولةً تهدئة الأجواء:

— يا بنتي اهدي، الموضوع ميستاهلش.

لكن تبارك لم تبدُ وكأنها سمعتها. ظلت عيناها معلقتين بالمكان الذي اختفى فيه الشاب، بينما أخذت أفكارها تعود بها إلى سنوات مضت؛ إلى شوارع ضيقة ووجوه تعرفها جيدًا، وذكريات كانت تتمنى ألا تضطر إلى مواجهتها مرة أخرى.

لاحظت رنا اضطرابها، فقالت بحيرة:

— دي أول مرة أشوفك بتتعصبي بالشكل ده.

التفتت إليها تبارك، وقد لمع في عينيها غضب تخفي خلفه خوفًا أكبر.

— ممكن نقفل الموضوع؟

لم تنتظر ردًا، بل نهضت فجأة والتقطت حقيبتها.

— خليكم إنتوا، أنا همشي.

ثم غادرت المقهى بخطوات متسارعة، دون أن تلتفت خلفها.

نهضت سارة تلقائيًا لتلحق بها، لكن رنا أمسكت بذراعها، وظلت تتابع تبارك بعينيها حتى اختفت عن نظرهما.

قالت رنا بصوت منخفض:

— دي مش عصبية يا سارة... دي كانت خايفة أكيد في حاجة بنها وبين الشاب ده.

نظرت سارة إلى الباب بحيرة، ثم عادت ببصرها إلى رنا.

— طب ما نروح نشوفها.

هزت رنا رأسها بتردد، ثم قالت:

— سبيها براحتها. أنا مش عايزة أمشي، وميشو جاي دلوقتي.

ترددت سارة في مكانها. لم تكن تريد ترك تبارك وهي بهذه الحالة، لكنها لم ترد أيضًا أن تجعل رنا تشعر بأنها تفضل تبارك عليها، خاصة أنها تعرف كم أصبحت حساسة تجاه كل ما يتعلق بالاهتمام والحب.

نظرت مرة أخرى إلى الباب الذي خرجت منه تبارك، ثم إلى رنا التي عادت تتفقد هاتفها بقلق.

كانت سارة ممزقة بين صديقتين؛ إحداهما غادرت وهي تحمل خوفًا لا تفهم سببه، والأخرى بقيت تنتظر شخصًا قد يتأخر كعادته، رغم كل ما سببه لها من وجع، ولم تكن تعرف أيهما تحتاج إليها أكثر في تلك اللحظة.

أما تبارك، فكانت قد ابتعدت عن المقهى بالفعل،

⸻

دخلت تبارك الفيلا بخطوات بطيئة، وكأنها تجر خلفها ثقل يوم لم ينتهِ بعد. خلعت حذاءها عند الباب، ثم التقطت علبة الطعام التي أحضرتها معها واتجهت إلى بيت هوكي الصغير.

ابتسمت حين وجدت بعض الطعام المتبقي في طبقه؛ على الأقل، لم تتركه جائعًا هو الآخر.

ما إن رآها حتى بدأ يقفز بحماس، ويضرب الباب بمخالبه، كأنه يعاتبها على غيابها. فتحت له، فانطلق نحوها يلعق يديها ووجهها، ويدور حولها قبل أن يعود للقفز من جديد.

ضحكت بخفوت، ثم احتضنته بقوة.

— وحشتني يا هوكي...

دفنت وجهها في فروه الناعم وأغمضت عينيها. كانت بحاجة إلى حضن، أي حضن، لا يطلب منها تفسيرًا ولا يطرح عليها أسئلة. حضن لا يعرف شيئًا عن الماضي، ولا يهتم بما تخفيه خلف صمتها.

جلست على الأرض، فاستلقى هوكي بجوارها ووضع رأسه فوق ساقها. مررت يدها على ظهره، وتنهدت طويلًا قبل أن تهمس:

— أنا غبية... ليه عملت كده مع حسن؟

لم يجبها سوى الصمت، لكن عقلها لم يمنحها الراحة.

ما لو مكنتش عملت كده، كان ممكن يتكلم قدام البنات.

ابتلعت ريقها بصعوبة، وشدت أصابعها حول فرو هوكي.

يا رب، لو كان قال على اللي كان رابطنا من زمان؟

أغمضت عينيها بقهر.

— كل اللي بنيته كان ممكن ينهار في ثانية.

سكتت قليلًا، ثم هزت رأسها كأنها تحاول إقناع نفسها قبل أي أحد آخر.

— لا... أنا معملتش حاجة غلط. أنا كنت بحمي نفسي.

لكن ماذا لو لم يفهم أحد ذلك؟ ماذا لو ابتعدت عنها صديقاتها حين يعرفن الحقيقة؟

همست بصوت خافت:

— حتى صحابي كانوا ممكن يبعدوا عني...

ثم توقفت، وكأنها فوجئت بالسؤال الذي خرج من أعماقها:

— أنا صح...؟

لم تجد إجابة. فقط شعرت بالخوف يلتف حول قلبها، كخيط يضيق كلما حاولت الإفلات منه.

وفجأة، أضاءت شاشة هاتفها باسم عبدالله 💪.

تبدلت ملامحها في لحظة، وكأن نافذة فُتحت في غرفة مظلمة. اختفى حسن من تفكيرها، وابتعدت عنها المخاوف قليلًا، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة لم تستطع منعها.

ضغطت على زر الإجابة بسرعة.

جاءها صوته الدافئ:

— إيه يا برنسيس؟ بقيتي فاضية؟

ابتسمت دون أن تشعر.

— آه، فاضية.

— تمام، جهزي نفسك على ما أجيلك.

أسرعت تقول:

— متتعبش نفسك، أنا اللي هاجيلك.

ضحك بخفة.

— مين قال إنك هتسوقي؟ النهارده البرنسيسة ليها سواق مخصوص.

رفعت حاجبيها بدهشة، رغم أنه لا يستطيع رؤيتها.

— بمعنى؟

— هتفهمي بعدين.

عضت شفتها وهي تحاول إخفاء ابتسامتها.

— موافقة.

— ابعتيلي اللوكيشن يا برنسيس.

— حاضر.

أنهت المكالمة، ثم نهضت واتجهت إلى خزانتها. فتحتها، لكنها لم تمد يدها إلى الملابس المعلقة، بل انحنت وأخرجت صندوقًا صغيرًا كانت تخبئه في آخر الرف.

فتحته بحذر، وظهر داخله فستان أحمر طويل.

مررت أصابعها فوق قماشه الناعم، ثم ابتسمت.

— النهارده هلبسك.

لم يكن الفستان قديمًا، بل كان من الأشياء التي احتفظت بها بعيدًا عن الأنظار؛ قطعة جميلة لم تكن تملك حرية ارتدائها كما تشاء.

ارتدته أمام المرآة، فانسدل على جسدها بأناقة، ومنحه الشق الطويل على جانبه لمسة من الجرأة الهادئة. تركت شعرها الطويل منسدلًا على كتفيها، بعدما اعتادت سنوات أن تخفيه في ضفيرة مشدودة، ثم وضعت لمسات بسيطة من الزينة، وانتعلت صندلًا ذهبيًا رقيقًا، وحملت حقيبة صغيرة من اللون نفسه.

وقفت أمام المرآة تتأمل انعكاسها.

كانت تشبه نفسها، ومع ذلك شعرت كأنها ترى فتاة افتقدتها طويلًا؛ فتاة لم تختفِ تمامًا، لكنها انتظرت لحظة مناسبة لتظهر من جديد.

قبل أن تغادر، عادت إلى هوكي وملأت طبقه بالطعام أكثر من المعتاد، ثم ربّتت على رأسه.

— متزعلش مني، هرجعلك بسرعة.

خرجت من الفيلا، وما إن أغلقت الباب خلفها حتى أضاء هاتفها برسالة من عبدالله يخبرها بوصوله.

كان عبدالله يقف مستندًا إلى سيارته، يتفقد هاتفه حين رفع رأسه ورآها تقترب.

توقف عن الحركة للحظة.

ظل ينظر إليها بإعجاب واضح، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة لم يستطع إخفاءها.

— هو القمر نزل بدري النهارده؟

احمر وجهها، وأخفضت عينيها بخجل.

— ميرسي.

ابتسم وهو يفتح لها باب السيارة.

— أوعي تفتكري إني بعاكسك... أنا بوصف الحقيقة بس.

ضحكت بخفة وجلست، بينما دار هو حول السيارة ليستقر خلف المقود.

انطلقت السيارة، وساد بينهما هدوء مريح. كانت تبارك تنظر من النافذة، بينما كان عبدالله يلقي عليها نظرات خاطفة بين الحين والآخر. لفت انتباهه عطرها الرقيق، المختلف عن المرات السابقة، لكنه لم يعلّق؛ فقد بدا له أنها تستمتع بهذه اللحظة، ولم يُرِد أن يفسدها بكثرة الكلام.

وبعد دقائق، بدأت تبارك تعبث بأصابعها، ثم التفتت إليه بتردد.

— ممكن أطلب منك طلب؟

نظر إليها سريعًا.

— اتفضلي.

— عايزة أعدي على مكان... عشر دقايق بس.

ابتسم.

— ما نخليه يوم تاني؟

هزت رأسها نافية.

— لو مخلصتش الحوار ده، مش هعرف أخرج وأنا مرتاحة.

تأمل ملامحها لحظة، ولاحظ أن وراء طلبها شيئًا لا تريد شرحه الآن. لم يلح عليها، واكتفى بإيماءة هادئة.

— خلاص، قوليلي نروح فين.

أخبرته بالمكان، فغيّر اتجاهه، وتابع القيادة دون أسئلة أخرى.

توقف عبدالله أمام المقهى نفسه الذي كانت تبارك تجلس فيه مع صديقتيها. نزلت من السيارة واتجهت إلى الداخل وحدها، بينما بقي هو ينتظرها.

ما إن دخلت حتى فوجئت بأن رنا وسارة لا تزالان هناك.

تعجبت؛ فقد كانت رنا تخبرهما أن ميشو في الطريق منذ ساعات، وكانت تتوقع أن تكون قد غادرت معه منذ وقت طويل.

لكنها لم تتوقف عند الأمر، بل اتجهت مباشرة إلى العاملين في المقهى، حتى وصلت إلى حسن.

رآها عبدالله من بعيد وهي تتحدث معه. لم يستطع سماع ما تقول، لكنه لاحظ أنها بدت أكثر هدوءًا هذه المرة؛ اعتذرت له، ثم ابتسمت، ووضعت شيئًا في يده قبل أن تغادر.

لم يحاول أن يتدخل أو يسألها عما حدث.

وحين عادت إلى السيارة، استقبلها بابتسامة بسيطة، وفتح لها الباب دون تعليق.

جلست تبارك، فشغّل أغنية أجنبية هادئة، ثم انطلق بالسيارة.

وقبل أن يبتعدا عن المقهى، لمحت تبارك رنا تخرج منه وهي تبتسم، ثم تتجه نحو سيارة جيب زرقاء كانت ملك لميشو الذي ينتظرها بداخلها.

تلاشت ابتسامتها قليلًا، لكنها لم تقل شيئًا.

أما عبدالله، فواصل القيادة، بينما راحت تبارك تردد كلمات الأغنية بصوت منخفض. استمع إليها للحظات، ثم التفت إليها مبتسمًا.

— تحبي ندخل سينما؟

التفتت إليه، وأشرقت ملامحها بحماس طفولي.

— بجد؟

ضحك على حماسها:

— أيوه بجد.

— يلا بينا!

غيّر عبدالله اتجاهه نحو السينما، بينما عادت تبارك إلى متابعة الأغنية، وقد بدأت تنسى، ولو لبعض الوقت، كل ما أثقل قلبها في ذلك اليوم.

في الوقت نفسه، جلست رنا إلى جوار ميشو في سيارته، تحاول أن تخفي ضيقها خلف ابتسامة خفيفة، قالت وهي تشير إلى الطريق:

— هنروح نوصل سارة.

رد ببساطة:

— بس كده؟ إنتِ تأمري.

سكتت لحظة، ثم سألته بصوت خافت:

— ممكن أعرف اتأخرت ليه؟

أجاب وهو يقود:

— الميه قطعت، وفضلت مستني لحد ما عيني راحت في النوم.

التفتت إليه بعدم تصديق.

— وأنا عادي كده تسبني مستنياك بالساعات؟

زفر ميشو بضيق، وكأن سؤالها عبء لا يريد تحمله.

— حبيبتي، هديها شوية. ما كنتِ قاعدة مع أصحابك، وبقولك عيني راحت في النوم.

حاولت رنا أن تسيطر على انفعالها. لم تكن تريد أن يتحول اللقاء إلى شجار، لكنها أيضًا لم تستطع تجاهل شعورها بأنها دائمًا الشخص الذي عليه أن يتفهم ويصبر.

— تمام يا ميشو. ياريت بعد كده تبقى مقدّر إني مستنياك.

تغيرت ملامحه، وضغط على المقود:

— لا، هسهس مش مطلوب النهارده. اهدي كده.

ابتلعت رنا ردها، وشعرت بالخيبة تتسلل إلى قلبها من جديد. حتى حين حاولت أن تتحدث بهدوء، بدا له عتابها إزعاجًا لا أكثر.

تجاهل ميشو الموضوع،  ثم بعد وقت  توقف بالسيارة وهو يلتفت إلى سارة التي كانت تجلس في الخلف، وسألها:

— الشارع ده صح؟

وقبل أن تتمكن سارة من الإيماء برأسها، ظهرت سيارة جيب سفاري فجأة من الجانب الأيسر، واصطدمت بسيارته.

دوّى صوت الاصطدام، واهتزت السيارة بعنف.

أدار ميشو المقود بسرعة محاولًا تفادي الاصطدام مرة أخرى، ثم ضغط على المكابح، بينما تعالت صرخة رنا، وتشبثت سارة بالمقعد أمامها.

وفي لحظات، تحولت الرحلة التي بدأت بابتسامة إلى فوضى لم يكن أحد منهم مستعدًا لها...

فهل كان الاصطدام مجرد حادث عابر، أم أن ما سيأتي بعده سيغيّر مسار يومهم جميعًا؟

تعليقات



<>