
رواية هي كده الفصل السادس عشر16 بقلم ابتسام محمود الصيري
أرجو من كل شخص يقرأ الرواية أن يتفاعل معها حتى تصل لأكبر عدد ❤️
بعد عدة أيام، سافر الشيخ سالم، فعادت تبارك إلى البحث وراء ميشو.
كانت تجلس أمام حاسوبها المحمول، تتنقل بين المحادثات الموجودة على هاتفيه ميشو اللذين هكرتهما. لم تكن تعرف من أين تبدأ، لكنها كانت تصر على الوصول إلى دليل يجعل رنا ترى الحقيقة بنفسها، بعدما فشلت كل محاولاتها لإقناعها بأن ميشو لا يستحق كل هذا الحب.
فتحت إحدى المحادثات، فوجدت رسائل متبادلة بينه وبين امرأة تُدعى ليلى، تكبره بسنوات كثيرة. لم تعد رؤية محادثاته مع النساء تفاجئها، فقد اعتادت اكتشاف علاقاته المتعددة. لكن رسالة استوقفتها، فاقتربت من الشاشة وبدأت تقرأ بتركيز.
ميشو: «بكرة هعوضك عن كل الوقت اللي ضاع مننا. حجزتلك نفس المكان، ونفس الأوضة. المرة دي مش هخلي حاجة تبوظ يومنا.»
رفعت تبارك حاجبيها باستغراب، ثم عادت إلى الرسائل السابقة بحثًا عن تفاصيل أكثر.
كلما قرأت، اتضحت لها طبيعة العلاقة بينهما. كان ميشو يتعمد إرضاء ليلى حين يحتاج إلى شيء منها، ويغدق عليها الوعود والكلمات المعسولة، اما رنا كانت تحاول كسب رضاه رغم أسلوبه الفظ معها ولم تنل منه إلا الإهمال.
توقفت تبارك عند تاريخ إحدى الرسائل، وشعرت بانقباض في صدرها.
كان التاريخ هو نفسه يوم آخر امتحان لهم.
تذكرت ذلك اليوم جيدًا؛ فقد ظلت رنا تنتظر ميشو لساعات بعدما وعدها بأنه سيأتي إليها فور انتهاء امتحاناتها. كانت سعيدة بوعده، وأخبرت تبارك وقتها أنهما سيقضيان بعض الوقت معًا أخيرًا، بعيدًا عن ضغط الدراسة.
لكنه أتى متأخرًا، وإخبارها أن سبب تأخره هو أن المياه انقطعت في منزله، وأن الظروف منعته من الخروج في موعدهما. صدقته رنا رغم خيبة أملها.
أما الآن، فقد وجدت تبارك ما يجعلها تشك في كل ما حدث.
عادت إلى المحادثة، وقارنت التواريخ، حتى عثرت على رسالة أرسلتها ليلى إلى ميشو، في نفس موعد سابق بين ميشو ورنا
ليلى: «أنا خلصت اللي ورايا. هعدي عليك كمان نص ساعة، وحشتني.»
تجمدت أصابع تبارك فوق لوحة المفاتيح.
وهي تتذكر أيضًا أنه سبق أن اتفق مع رنا على مقابلتها في منزله، قبل أن يلغي الموعد بعدما ضحك عليها وأخبرها أن أقاربه سيأتون إليه فجأة، فذهبت رنا إلى سارة.
لم يكن الأمر مجرد مصادفة عابرة؛ فكلما حاولت تبارك تتبع تفاصيل مواعيده، وجدت كذبة جديدة تخفي وراءها امرأة أخرى.
لكن أكثر ما أثار غضبها لم يكن تعدد علاقاته وحده، بل التناقض الواضح في تصرفاته.
كان يحرص على مقابلة هؤلاء النساء وإرضائهن عندما يحتاج إلى شيء منهن، بينما يترك رنا تنتظر، ثم يعود إليها ببضع كلمات حلوة تعيد إليها الأمل.
شعرت تبارك بالأسى على صديقتها. تذكرت كم مرة جلست رنا بجوارها تحكي لها عن تجاهل ميشو، ثم تنتهي بالدفاع عنه واختلاق الأعذار له. كانت ترى مقدار الألم الذي يسببه لها، ومع ذلك لم تستطع الابتعاد عنه.
أغلقت تبارك المحادثة للحظة، ثم عادت إليها. لم تكن تريد أن تتسرع أو تبني اتهامًا على مجرد مصادفة، فواصلت قراءة الرسائل حتى تأكدت من أن المواعيد كانت مرتبة بالفعل، وأن ميشو كان يخطط للقاء نساء أخريات في الوقت الذي وعد فيه رنا بالاهتمام بها.
أسندت ظهرها إلى المقعد وتنهدت بعمق.
كانت تعرف أن إخبار رنا بالحقيقة لن يكون سهلًا. ربما تتهمها بالتدخل في حياتها، وربما تدافع عن ميشو كما فعلت في كل مرة سابقة. لكنها لم تعد تحتمل رؤية صديقتها تتمسك بشخص يجعلها تشعر دائمًا بأنها أقل أهمية من الآخرين.
لم تكن تريد أن تنتصر على ميشو، ولا أن تثبت لرنا أنها كانت على حق. كل ما أرادته أن تتوقف رنا عن لوم نفسها، وعن الاعتقاد بأنها مطالبة ببذل المزيد من الجهد حتى تحصل على قليل من الاهتمام.
ومع ذلك، أدركت تبارك أن الرسائل وحدها قد لا تكفي.
ربما تجد رنا تفسيرًا لكل شيء، وتقول إن ميشو كان مضطرًا إلى مقابلة هؤلاء النساء، أو إن تبارك أساءت فهم المحادثات.
لذلك قررت أن تمنحها فرصة لترى الحقيقة بنفسها.
⸻
في اليوم التالي، اتصلت تبارك برنا وطلبت منها مقابلتها. وافقت رنا على مضض، بعدما ظنت أن صديقتها ستعود إلى الحديث عن ميشو ومحاولة إقناعها بالابتعاد عنه.
وحين جلست أمامها، قالت بنبرة متحفظة:
— خير يا تبارك؟ لو هنتكلم عن ميشو، فبلاش من فضلك. أنا تعبت من الموضوع ده.
نظرت إليها تبارك بهدوء.
— أنا مش جاية أقولك تسيبيه، ولا هطلب منك تصدقيني. أنا بس عايزاكي تشوفي حاجة بنفسك، وبعدها اعملي اللي إنتِ عايزاه.
قطبت رنا حاجبيها.
— حاجة إيه؟
أخرجت تبارك حاسوبها وفتحت المحادثة التي اكتشفتها.
— فاكرة آخر يوم امتحانات لما ميشو قالك إنه جاي لك؟
تغيرت ملامح رنا قليلًا.
— أيوه، فاكرة. ماله اليوم ده؟
— فاكرة لما فضلتي مستنياه، وفي الآخر قالك إن المياه كانت قاطعة عنده وإن ده اللي عطّله؟
تنهدت رنا بضيق.
— أيوه يا تبارك، فاكرة. بس إنتِ ليه بتفتحي الموضوع ده تاني؟
لم تجبها تبارك مباشرة، بل أدارت الحاسوب نحوها وأشارت إلى تاريخ الرسائل.
— بصي على التاريخ ده يا رنا.
نظرت رنا إلى الشاشة، ثم عادت بعينيها إلى تبارك.
— ده تاريخ آخر يوم امتحانات. إنتِ عايزة توصلي لإيه؟
— كملي قراءة.
بدأت رنا تتصفح الرسائل، بينما راقبت تبارك ملامحها في صمت.
في البداية، بدت رنا غير مهتمة، وكأنها تبحث عن أي تفسير بسيط ينهي النقاش. لكنها حين رأت الرسائل التي تحدد موعد لقاء ميشو بليلى، توقفت.
قرأت التاريخ مرة أخرى.
كان هو اليوم نفسه الذي انتظرته فيه لساعات.
شعرت بانقباض في صدرها، لكنها رفعت رأسها سريعًا وقالت:
— يمكن كان عنده شغل معاها إيه المشكلة؟
لم تجادلها تبارك، بل أشارت إلى رسالة أخرى.
— طيب، اقري دي كمان.
قرأت رنا الرسالة، ثم عادت إلى السابقة. لم تكن تريد تصديق ما تراه، لكنها لم تستطع تجاهل تطابق التواريخ.
قالت بصوت متوتر:
— هو إنتِ إزاي وصلتي للواتساب بتاعه؟ وإنتِ بتفتشي في حاجة متخصكيش ليه؟
أدركت تبارك أنها بدأت تبتعد عن جوهر الموضوع، فحاولت إعادة انتباهها إليه.
— رنا، أنا مش بطلب منك تحكمي عليه من غير ما تسمعيه. أنا بس بوريكي اللي لقيته. كل مرة كان بيتأخر فيها أو ما بيجيش، كان فيه حاجة تانية بتحصل من وراكي. إنتِ من حقك تسأليه وتسمعي رده، لكن ما تفضليش تبرري له قبل ما تعرفي الحقيقة.
أخفضت رنا عينيها إلى الشاشة مجددًا.
كان جزء منها يريد إغلاق المحادثة وإنهاء النقاش، بينما بدأ جزء آخر يتساءل إن كانت كل الأعذار التي صدقتها في الماضي مجرد أكاذيب.
لكنها لم تستطع الاعتراف بذلك حتى لنفسها.
قالت بعناد:
— أنا مش هحكم عليه من كام رسالة. يمكن فيه حاجة إنتِ متعرفيهاش.
أومأت تبارك، رغم خيبة أملها.
— ماشي. عشان كده أنا مش هطلب منك تصدقيني. أنا عايزاكي تشوفي بنفسك.
فتحت رسالة أخرى، وأشارت إلى موعد جديد بين ميشو وامرأة أخرى.
— شايفة الميعاد ده؟ هو النهارده.
رفعت رنا عينيها إليها بدهشة.
— يعني إيه؟
— يعني متفق معاها على مقابلة النهارده. لو عايزة تعرفي إذا كان فيه تفسير لكل اللي شفتيه، تعالي معايا وشوفي بنفسك. بس الأول اتصلي بيه وقوليله إن عندك مشكلة ولازم تشوفيه دلوقتي حالا، حتى لو طلبتي منه تروحي ليه البيت.
تراجعت رنا قليلًا في مقعدها.
— إنتِ عايزاني أروح أراقبه؟
— أنا عايزاكي تبطلي تعيشي في الشك. إنتِ كل مرة بتقولي إنك مش هتصدقي غير لما تشوفي الحقيقة بعينيك. أهو عندك فرصة.
سكتت رنا طويلًا.
كانت تخشى الذهاب، لا لأنها لا تريد معرفة الحقيقة، بل لأنها تخاف أن تكون الحقيقة أسوأ مما تستطيع تحمله. طوال الوقت، تمسكت بفكرة أن ميشو يحبها بطريقته الخاصة، وأن إهماله لا يعني بالضرورة أنه لا يريدها في حياته.
لكن ماذا لو كان كل ما تتمسك به مجرد وهم؟
نظرت إلى الهاتف، ثم اتصلت به.
— ألو يا ميشو، أنا عندي مشكلة وعايزة أشوفك ضروري.
جاءها صوته باردًا:
— مش هينفع يا رنا، أنا عندي شغل ومسافر كمان. نتكلم بعدين.
حاولت أن تخفي ارتباكها.
— يعني مش هتقدر تشوفني حتى شوية؟
— قولتلك مش هينفع دلوقتي. لما أفضى هكلمك.
أنهى المكالمة، وظلت رنا تنظر إلى الهاتف للحظات قبل أن تغلقه.
ثم التفتت إلى تبارك وقالت:
— هروح معاكي. بس لو طلع مسافر بجد، مش هسمحلك تتكلمي عنه بالطريقة دي تاني.
شعرت تبارك بالارتياح لموافقتها، لكن القلق لم يفارقها. كانت تعرف أن رنا قد تكرهها بعد ما ستراه، أو تلومها لأنها دفعتها إلى مواجهة لم تكن مستعدة لها.
ومع ذلك، فضلت أن تغضب منها الآن على أن تظل صامتة وترى صديقتها تغرق في علاقة تؤذيها يومًا بعد يوم.
قالت تبارك بهدوء:
— من حقك تحكمي بنفسك يا رنا. وأنا مش هقولك تعملي إيه. كل اللي عايزاه إنك تشوفي الحقيقة، وبعدها القرار قرارك.
نهضت رنا والتقطت حقيبتها، ثم تبعت تبارك نحو الباب.
كانت لا تزال تحب ميشو، ولا تزال تبحث في داخلها عن عذر ينقذه من كل ما رأته. لكنها، للمرة الأولى، لم تكن متأكدة تمامًا من أنها ستجده.
أما تبارك، فكانت تشعر بثقل ما ينتظرهما. لم تكن تعرف كيف ستتصرف رنا حين تراه، ولا إن كانت ستتمكن من تقبل الحقيقة إذا جاءت مخالفة لكل ما آمنت به.
كل ما كانت تعرفه أنها لن تسمح لصديقتها بأن تواجه تلك اللحظة وحدها.
صعدت رنا إلى شقة ميشو بمفردها، بينما بقيت تبارك في الأسفل تنتظرها، بعدما أصرت رنا على مواجهته وحدها.
وقفت أمام الباب، وظلت تحدق فيه طويلًا، وكأنها تحاول استجماع ما تبقى بداخلها من قوة قبل أن تطرق بابًا طالما تخيلت أنها ستدخله يومًا وهي مطمئنة، لا وقلبها يرتجف من ألف سؤال.
كانت قد انتظرته طويلًا، بما يكفي لتختلق له الأعذار حتى حين لم يترك لها ما تستند إليه. كلما غاب، أقنعت نفسها أنه مشغول، وكلما تجاهلها، قالت إنه ربما يمر بظرف صعب. وحين شعرت أنها لم تعد تعني له شيئًا، تشبثت بكلمة حلوة قالها لها ذات يوم، وكأنها دليل كافٍ على أنه ما زال يحبها.
لم تكن ساذجة كما سيحاول أن يصورها لاحقًا، لكنها كانت تحبه؛ والحب أحيانًا يجعلنا نتمسك بأقل الأشياء، فقط لأننا نخاف أن نواجه حقيقة أننا نتمسك بالوهم.
رفعت يدها وطرقت الباب بقوة.
وحين سمعت خطوات تقترب من الداخل، أسرعت ووقفت جانبًا، تخفي نفسها عن العين السحرية.
انفتح الباب.
وما إن وقعت عينا ميشو عليها حتى اختفت ابتسامته، وتبدلت ملامحه في لحظة.
— رنا؟!
ظهرت على شفتيها ابتسامة ساخرة، بينما راحت عيناها تتفحصان وجهه.
— الله! مش إنت كنت مسافر؟
تلفت خلفه بقلق، ثم أمسك بذراعها محاولًا إبعادها عن الباب.
— إنتِ إيه اللي جابك هنا؟! إنتِ لازم تمشي حالًا!
سحبت ذراعها منه ونظرت إليه باستغراب مصطنع.
— ليه؟ في إيه؟ هو أنا جيت في وقت مش مناسب؟
— رنا، مش وقته الكلام ده. امشي، وبعدين نتكلم.
ثبتت قدميها في مكانها، ونظرت إلى الداخل من فوق كتفه.
— نتكلم بعدين؟ هو إنت بقالك قد إيه بتقولي نتكلم بعدين؟ كل مرة ليها بعدين، وكل سؤال ليه بعدين، وكل مرة أحتاجك فيها ألاقي نفسي بستنى. طب قولي، إمتى بقى الوقت المناسب بالنسبالك؟
ضغط على أسنانه محاولًا خفض صوته.
— رنا، بطلي تعملي مشاكل وامشي!
انتقلت عيناها إلى الداخل مجددًا، ثم عادت إليه ببطء.
— ليه؟ هو فيه حد جوه؟
ارتبك للحظة، لكنه سرعان ما أجاب:
— أمي جوه.
تأملته رنا لثوانٍ، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة خالية من الفرح.
— أمك؟
لم تنتظر رده، بل مالت قليلًا محاولة النظر إلى الداخل.
— طب ما تعرفني على طنط!
وقبل أن يمنعها، رفعت صوتها:
— يا طنط! يا طنط، إزي حضرتك؟
ظهرت سيدة من داخل الشقة، وتوقفت بجوار ميشو، تنظر إلى رنا باستغراب.
— مين البنت دي يا ميشو؟
تجمد ميشو في مكانه، وتلعثم وهو يحاول البحث عن إجابة.
— دي... دي...
نظرت رنا إليه، وشعرت بشيء ينكسر في صدرها.
حتى اسمها، الاسم الذي كانت تحبه حين ينطقه، لم يستطع أن يقوله الآن.
خرج صوتها هادئًا وساخرًا على نحو موجع:
— إيه يا ميشو؟ مش عارف تقولها مين دي؟ تحب أقولها أنا؟
— رنا، امشي!
مسحت دموعها التي بدأت تتجمع في عينيها، ثم التفتت إلى السيدة، محاولة الحفاظ على ما تبقى من ثباتها.
— يا ترى بقى حضرتك مين فيهم؟ الست اللي قال لي إنها بتديله فلوس عشان يعمل مشروع؟ ولا الست اللي متجوزة ومش طايقة جوزها، واللي بياخد منها فلوس مقابل اللي بيعمله معاها؟ ولا فيه حكاية تالتة لسه ما عرفتهاش؟
تغير وجه السيدة، وانتقلت نظراتها من رنا إلى ميشو.
أما هو، فاشتعل الغضب في عينيه، ومد يده يجذب رنا بعيدًا عن الباب.
— إنتِ اتجننتي؟! بتقولي إيه؟!
ابتعدت عنه بعنف، وقد بدأ صوتها يرتجف رغم محاولاتها السيطرة عليه.
— لأ، أنا بس أخيرًا بدأت أفهم!
أشارت إليه بيد مرتعشة.
— كل مرة كنت بتختفي فيها، وكل مرة كنت بتقولي مشغول، وكل مرة كنت أستناك بالساعات وأفضل أبص في تليفوني مستنية منك رسالة تطمن قلبي... كنت بتكون هنا أو مع واحدة غيرها!
ثم التفتت إلى السيدة، التي أخذت ملامحها تتبدل بين الصدمة والشك.
— اسأليه يا طنط! اسأليه أنا مين، ووعدني بإيه، وقال لي إيه، وخلاني أستنى إيه!
التفتت السيدة إليه.
— ميشو، هي بتقول إيه؟ وإيه الكلام ده؟
حاول أن يستعيد سيطرته على الموقف، فرفع يده في إشارة مستهينة برنا.
— دي واحدة سكرانة وبتحاول تعمل مشكلة بيني وبينك. متصدقيش الكلام ده.
خرجت من رنا ضحكة قصيرة، مخنوقة بالدموع.
لم يكن فيها شيء مضحك، لكنها كانت الطريقة الوحيدة التي استطاعت بها أن تمنع نفسها من الانهيار.
وفي تلك الأثناء، صعدت تبارك إلى الطابق بعدما طال انتظارها وبدأ القلق ينهش قلبها. وحين وصلت، وجدت رنا واقفة أمام الباب، ووجهها شاحب، وعيناها تلمعان بدموع تحاول حبسها.
توقفت تبارك على بُعد خطوات، تراقبها بقلق. أرادت أن تقترب وتحتضنها، أن تسحبها من هذا المكان قبل أن تسمع كلمة أخرى تحطمها، لكنها تراجعت.
كانت تعرف رنا جيدًا. وتعرف أنها لم تأتِ إلى هنا لتسمع نصيحة، بل لتسترد صوتها الذي ضاع منها طويلًا وهي تحاول إرضاء رجل لم يعرف قيمة قلبها.
لذلك بقيت قريبة منها، مستعدة للتدخل إن احتاجتها، لكنها تركت لها حق المواجهة.
رفعت رنا رأسها نحو ميشو، وكانت دموعها تنساب الآن دون أن تحاول إيقافها.
— واحدة سكرانة؟
كررت الكلمة ببطء، ثم وضعت يدها على صدرها.
— أنا؟ أنا اللي كل مرة تأذيني فيها أحاول أقنع نفسي إنك مشغول؟ أنا اللي كنت لما أزعل منك ألوم نفسي وأقول يمكن أنا اللي بطلب كتير، يمكن أنا اللي مش مقدرة ظروفه، يمكن هو تعبان ومش قادر يتكلم؟
ارتجف صوتها، لكنها واصلت:
— أنا اللي كان يكفيني أطمن عليك يا ميشو! مش كنت بطلب منك المستحيل، ولا كنت عايزة حاجة كبيرة... كنت عايزة أعرف إنك بخير. رسالة واحدة، مكالمة دقيقة، أي حاجة تحسسني إني لسه على بالك!
سكتت لحظة، ونظرت إليه بعينين غارقتين في الوجع.
— حتى دي مكنتش بتهون عليك.
حاول مقاطعتها، لكنها رفعت يدها تمنعه.
— لأ، اسمعني المرة دي. طول الوقت كنت بتتكلم وأنا أصدق، كنت توعد وأنا أستنى، كنت تغيب وأنا أبرر، وكنت ترجع بكلمتين حلوين فأرجع ألوم نفسي إني زعلت منك أصلًا!
انكسر صوتها عند الجملة الأخيرة، فأغمضت عينيها لحظة تحاول التقاط أنفاسها.
— سنتين يا ميشو... سنتين وأنا بحاول أحبك بالطريقة اللي تريحك إنت. كل مرة كنت بحس إني مش مهمة عندك، كنت أعمل نفسي قوية وأقول: معلش، بكرة يفهمني، بكرة يحس بيا، بكرة يختارني زي ما أنا اخترته.
فتحت عينيها ونظرت إليه مباشرة.
— كنت فاكرة إن صبري هيخليك تحس بيا، وإن حبي هيخليك تتمسك بيا. ما كنتش أعرف إني كل مرة بسامحك فيها، كنت بسهّل عليك إنك توجعني من جديد.
تدخل ميشو محاولًا إنهاء الموقف، وبدأ يدفع الباب ليغلقه في وجهها.
لكن رنا وضعت يدها على الباب ودفعته بكل قوتها، فارتد إلى الخلف واختل توازنه وسقط على الأرض.
خرج صوتها من أعماق صدرها، مبحوحًا ومحمّلًا بكل ما كتمته طويلًا:
— لأ! المرة دي مش بمزاجك! إنت هتسمعني غصب عنك! كفاية اللي عملته فيا، وكفاية إنك كل مرة كنت بتخليني أشك في نفسي عشان ما أشكش فيك!
رمقها ميشو بغضب، بينما وقفت أمامه ودموعها لا تتوقف.
— ومين قال لك إن اللي فاقد الوعي بس هو اللي سكران؟!
ضربت بيدها على صدرها، كأنها تشير إلى مكان الوجع الذي عجزت عن وصفه.
— المجروحين سكرانين! واللي اتهانوا سكرانين! واللي فضلوا طول الليل يسألوا نفسهم: أنا عملت إيه عشان أستاهل كل ده؟ سكرانين!
ابتلعت شهقة كادت تقطع كلامها، ثم أكملت:
— أنا كنت برجع من كل مرة بتكسرني فيها وأقعد لوحدي أقنع نفسي إن بكرة هيبقى أحسن. كنت أعيط لحد ما أنام، وأصحى الصبح أستنى منك كلمة، ولما ما تتصلش، أختلق لك عذر جديد!
اقتربت منه خطوة، وبدت عيناها كأنهما تسألانه عن كل ليلة مرت عليها وهي تنتظره.
— إنت عارف إنت ذلّيتني قد إيه؟ أنا اللي كنت بفتش عن أي علامة تطمني إن ليا مكان عندك، وإنت كنت بتديني من وقتك الباقي، ومن اهتمامك الفتات، وأنا كنت باخده وأفرح بيه كأني أخدت الدنيا كلها!
سكتت، وخرجت منها شهقة موجوعة.
— أنا مش زعلانة بس إنك خنتني... أنا زعلانة على نفسي. على رنا اللي كانت بتدافع عنك قدام نفسها قبل الناس. على رنا اللي كانت كل ما حد يقول لها إنك مش بتحبها، تزعل منه وتدافع عنك، وهي مش عارفة إنك أول واحد سايبها لوحدها!
تراجعت خطوة وهزت رأسها بعدم تصديق.
— أنا حبيتك بجد يا محمد. والله حبيتك بجد. ما كنتش بلعب، ولا كنت مستنية منك مصلحة، ولا كنت بقول كلام حلو عشان آخد منك حاجة. أنا كنت عايزاك إنت... إنت وبس.
انخفض صوتها فجأة، وصار أكثر ألمًا من صراخها.
— كنت عايزاك تختارني، حتى لو الدنيا كلها ما اختارتنيش. كنت عايزاك تبقى أماني، مش الحاجة اللي أخاف منها. كنت عايزاك لما أضعف ألاقيك، مش ألاقي نفسي واقفة لوحدي في مواجهة كل اللي عملته فيا.
نظرت إلى وجهه، تبحث فيه عن أي أثر للرجل الذي أحبته، عن ذرة ندم أو كلمة واحدة تثبت أن كل ما عاشته معه لم يكن وهمًا كاملًا.
لكنها لم تجد ما كانت تبحث عنه.
فأكملت وصوتها يرتعش:
— أنا كنت كل يوم بخسر حتة مني عشان أحافظ عليك، وإنت ولا مرة سألت نفسك أنا بدفع إيه عشان أفضل جنبك!
رفع ميشو صوته محاولًا إسكاتها:
— خلصتي؟! كفاية فضايح بقى!
تجمدت رنا لثانية، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة موجوعة، وكأن كلمته الأخيرة وضعت نهاية لكل أمل كانت تحاول إنقاذه.
— فضايح؟
نظرت إليه طويلًا.
— أهو ده كل اللي فارق معاك. مش فارق معاك إني اتوجعت، ولا إني جيت هنا ولسه جوايا حتة صغيرة بتتمنى تطلع غلطانة فيك. كل اللي فارق معاك إن الناس ما تعرفش حقيقتك!
تدخلت السيدة أخيرًا، وقد تبدلت ملامحها تمامًا.
— ميشو، أنا عايزة أفهم إيه اللي بيحصل ده، ومين البنت دي فعلًا، وإنت مخبي إيه عني؟
التفت إليها بسرعة.
— يا حبيبتي، متسمعيش كلامها، دي واحدة بتحاول توقع بينا!
ضحكت رنا بمرارة.
— يا حبيبتي؟
ثم نظرت إلى السيدة.
— أهو، نفس الكلام، ونفس الطريقة، ونفس الوعود اللي كنت بسمعها وأنا فاكرة إن ليا مكان مختلف. بس حضرتك عارفة إيه الفرق بيني وبينك؟ إني كنت فاكرة إني بحبه، وهو كان سايبني أصدق إني الوحيدة.
أمسك ميشو بذراع رنا بعنف، وهمس من بين أسنانه:
— إنتِ كده بتضيعي كل حاجة! امشي من هنا، وأنا هكلمك بعدين!
نظرت إلى يده الممسكة بذراعها، ثم رفعت عينيها إليه.
— شيل إيدك.
لم يفعل، فانتزعت ذراعها منه.
— لأ، المرة دي مش هضعف. ومش هتقول لي كلمتين حلوين عشان أرجع أصدقك، ومش هتخليني أشك في نفسي عشان تطلع إنت المظلوم.
ثم وجهت نظرها إلى السيدة.
— ولسه معرفتيش أنا مين؟ أقولك. أنا واحدة كان بيلعب بمشاعرها، كل ما يحتاج حد يصدقه ويطبطب عليه ويستحمل قلة أصله، يرجع لها. ولما يلاقي مصلحته عند واحدة زيك، يختفي كأني مش موجودة.
رمقت ميشو بنظرة احتقار.
— بس واضح إن حضرتك ما كنتيش عارفة إنك مش لوحدك في الحكاية دي. ولا يمكن كنتِ عارفة، بس كل واحدة فينا كانت فاكرة إن التانية مش موجودة.
احمر وجه ميشو من الغضب، واندفع نحوها رافعًا يده.
لكن تبارك تحركت في اللحظة نفسها، ووقفت أمام رنا، ممسكة بيده بقوة قبل أن تصل إليها.
— إيدك دي لو اتمدت عليها، هتندم!
كان صوت تبارك حادًا، لكن عينيها لم تفارقا رنا إلا للحظة، لتتأكد أنها لم تتأذَّ.
أما رنا، فظلت واقفة خلفها، تنظر إلى ميشو بعينين دامعتين. لم تعد تخاف منه بقدر ما أصبحت تشفق على نفسها التي أحبته يومًا.
لم تتدخل تبارك لتسحبها أو تمنعها من الكلام. اكتفت بأن تبقى حاجزًا بينهما، تمنع أذاه عنها وتترك لها حقها في أن تقول ما جاءت من أجله.
في تلك اللحظة، نظرت السيدة إلى ميشو نظرة طويلة، ثم سحبت يدها من ذراعه حين حاول التشبث بها.
— إنت كداب!
حاول الاقتراب منها.
— استني بس، إنتِ فاهمة غلط، وأنا هفهمك كل حاجة.
دفعته بعيدًا عنها.
— ابعد عني! أنا مش عايزة أسمع منك ولا كلمة!
ثم التفتت إلى رنا، وفي عينيها غضب وجرح وشيء من الخجل، قبل أن تستدير وتمشي مسرعة، تاركة ميشو واقفًا عند الباب، عاجزًا عن إيقافها أو حتى استيعاب ما حدث.
تحرك خلفها خطوة.
— استني! إنتِ رايحة فين؟!
لكنها لم تلتفت.
اختفت من أمامه، وبقي هو مكانه، بينما كانت رنا تنظر إليه في صمت.
للمرة الأولى، رأته يخسر شخصًا أمام عينيها من دون أن تستطيع هي إنقاذه من نتيجة أفعاله.
ومع ذلك، لم تشعر بالانتصار.
فلا شيء في هذا المشهد أعاد إليها الليالي التي قضتها في انتظاره، ولا الدموع التي أخفتها عنه، ولا الثقة التي منحته إياها بينما كان يستهين بها.
كل ما شعرت به هو ذلك الفراغ الثقيل الذي يتركه الإنسان حين يكتشف أنه كان يحاول وحده الحفاظ على كل ما بناه في قلبه.
عاد ميشو يلتفت إليها، وقد أدرك أن آخر من كان يستطيع التشبث به لا يزال واقفًا أمامه.
— رنا، استني. إنتِ فاهمة غلط، والله العظيم الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
هزت رأسها ببطء.
— مش زي ما أنا فاهمة؟
اقترب منها خطوة، لكن تبارك تحركت تلقائيًا، فرفع يديه محاولًا تهدئة الموقف.
— أنا بحبك إنتِ، والله العظيم بحبك. إنتِ عارفة إنك غير أي واحدة، وأنا كنت هفهمك كل حاجة، بس إنتِ جيتي في وقت غلط!