
رواية هي كده الفصل السابع عشر17 بقلم ابتسام محمود الصيري
نظرت رنا إليه، ثم أطلقت ضحكة قصيرة انطفأت قبل أن تكتمل.
— غير أي واحدة؟
مسحت دموعها بظهر يدها.
— طب ليه يا ميشو؟ ليه طول الوقت كنت بتحسسني إني لازم أستنى دوري عشان آخد منك شوية اهتمام؟ ليه كنت بتخليني أحس إني تقيلة عليك، وإن مجرد إني أسأل عليك أو أطلب أشوفك يبقى أنا كده بخنقك، ودراما، وعندي هوس؟
لم يجب.
فأكملت، وقد هدأ صوتها، لكن كل كلمة خرجت منها كانت أثقل من الصراخ.
— إنت عارف أكتر حاجة وجعتني إيه؟ مش الست دي، ولا اللي قبلها، ولا حتى كدبك. أكتر حاجة وجعتني إني كنت كل يوم بصحى وأختارك من جديد، وإنت ما كنتش بتختارني حتى مرة واحدة من غير ما أطلب.
انخفضت عيناها للحظة، ثم رفعتهما إليه.
— كنت فاكرة إنك لو شوفت حبي، هتحافظ عليه. وإنك لو عرفت أنا مستحملاك قد إيه، هتخاف في يوم تخسرني. لكن إنت اتعودت عليّا وأنا بستحمل، لحد ما بقيت فاكر إن مهما عملت، هرجع.
اقتربت منه خطوة أخيرة، لا لتلمسه، بل لتجعله يسمعها جيدًا.
— بس أنا تعبت يا محمد. تعبت من إني أبقى الطرف اللي بيحب أكتر، وبيسامح أكتر، وبيوجع نفسه أكتر عشان العلاقة ما تقعش. تعبت من إني أعيش على أمل إن بكرة تبقى أحسن، مع إن إنت كل يوم بتثبت لي إنك مش ناوي تتغير.
ارتجفت شفتاها، وسقطت دمعة جديدة.
— أنا مش جاية أقولك اختارني دلوقتي، ولا جاية أترجاك تحبني. أنا جيت عشان أبص في عينك وأسألك: أنا كنت إيه بالنسبالك؟ سنتين من عمري، ومن قلبي، ومن خوفي عليك، ومن دعائي إنك تكون بخير... كنت إيه فيهم يا ميشو؟
ظل صامتًا، يتنقل ببصره بين وجهها وتبارك، كأنه يبحث عن مخرج من السؤال.
وحين لم يجد إجابة، أضافت رنا بصوت متهدج:
— لو كنت قلت لي من الأول إنك مش بتحبني، كنت هتوجع، آه. كنت هعيط، ويمكن كنت هتعب فترة طويلة. بس على الأقل كنت هبقى بعيط على حقيقة، مش على وهم إنت كل يوم كنت بتساعدني أصدقه.
وضعت يدها على صدرها.
— إنت ما كسرتش قلبي بس... إنت خلتني أشك في كل حاجة حلوة جوايا. خلتني أسأل نفسي إذا كنت أستاهل الحب أصلًا، ولا أنا فعلًا قليلة زي ما كنت بحس وأنا بستنى منك حاجة ما كانتش بتيجي.
أغمضت عينيها، وأخذت نفسًا مرتجفًا.
— وأنا مش هسمح لك تعمل فيّا كده تاني.
مد ميشو يده نحوها.
— رنا، أرجوكي...
تراجعت قبل أن يلمسها.
— ما تقولش اسمي بالطريقة دي تاني.
ثم نظرت إليه للمرة الأخيرة. لم يكن في عينيها رجاء، ولا عتاب ينتظر اعتذارًا، ولا ذلك الحب الذي كان يلتقط أي إشارة منه ليمنحه فرصة أخرى.
كان فيهما حزن عميق، وجمود لم يعرفه منها من قبل.
— خلاص. المرة دي مش هفضل مستنياك تفهم قيمتي، ولا هفضل مستنية اليوم اللي تحبني فيه بالطريقة اللي أستحقها. أنا مش همشي عشان إنت طلبت مني أمشي... أنا همشي عشان أخيرًا فهمت إن وجودي هنا بيأذيني أكتر ما بيفرحني.
التفتت نحو السلم، ثم توقفت للحظة من دون أن تنظر إليه.
— في حاجات بنعرف قيمتها بعد ما نستهلكها، وفي ناس بنخسرهم وإحنا لسه فاكرين إنهم هيستحملوا أكتر.
ثم نزلت السلم.
لم ينادها ميشو هذه المرة.
أو ربما ناداها، لكنها لم تعد تريد أن تسمع.
⸻
ما إن ابتعدت رنا عن باب الشقة حتى تلاشى ما تبقى من ثباتها.
وضعت يدها على فمها تكتم شهقة أفلتت منها رغمًا عنها، وانحنت قليلًا كأنها تحاول حبس الألم داخل صدرها حتى لا يسمعه أحد.
اقتربت منها تبارك فورًا.
— رنا...
لم تسألها إن كانت بخير؛ فقد كانت ترى بعينيها أن كل شيء فيها يؤلمها. ولم تقل لها إنها كانت تعرف أن ميشو لا يستحقها، أو إنها حذرتها منه من قبل. كانت تعلم أن آخر ما تحتاج إليه رنا الآن هو أن تشعر بأنها أخطأت لأنها أحبت.
اكتفت بأن وضعت ذراعها حول كتفيها.
— تعالي، أنا معاكي.
هزت رنا رأسها وحاولت استعادة أنفاسها.
— أنا كويسة.
خرجت الكلمتان ضعيفتين، متناقضتين تمامًا مع وجهها الشاحب.
لم تجادلها تبارك، سارت بجوارها، تسندها حين تخونها قدماها، وتترك لها المساحة التي تحتاج إليها حين تبتعد قليلًا عن يدها.
وعندما وصلتا إلى السيارة، جلست رنا وأغلقت الباب، ثم ظلت تحدق أمامها في صمت.
بعد لحظات أخرجت هاتفها من حقيبتها وفتحت محادثتهما القديمة.
ظهرت أمامها رسائل الحب والوعود، والكلمات التي كانت تقرؤها كلما اشتاقت إليه أو شعرت أنه ابتعد عنها أكثر مما تستطيع احتماله.
وقعت عيناها على رسالة قديمة يخبرها فيها أنها مختلفة عن الجميع، وأنه لا يريد أن يخسرها أبدًا.
مررت إصبعها فوق الشاشة ببطء، وتذكرت كم مرة قرأت هذه الكلمات لتطمئن نفسها، وكم مرة عادت إليها بعد ليلة من البكاء، وكم مرة أقنعت قلبها بأن الرجل الذي كتبها لا يمكن أن يكون هو نفسه الرجل الذي يجعلها تشعر بكل هذا الوجع.
خرجت منها شهقة أخرى.
— أنا كنت مصدقاه يا تبارك...
كان صوتها خافتًا، كأنها تخجل من اعترافها.
— والله كنت مصدقاه. كنت كل مرة أقول يمكن أنا اللي فاهمة غلط، يمكن هو فعلًا بيحبني بس مش بيعرف يعبّر، يمكن عنده ظروف وأنا اللي مش مقدرة...
سكتت ونظرت إلى الشاشة بعينين دامعتين.
— كنت بدافع عنه قدام نفسي، يا تبارك. حتى لما كان بيوجعني، كنت بخاف أظلمه.
اكتفت تبارك بالضغط على يدها برفق، بينما واصلت رنا النظر إلى الهاتف.
— عارفة إيه اللي واجعني أكتر؟ إني مش عارفة أكرهه. أنا زعلانة منه، وموجوعة منه، ومش عايزة أشوفه تاني... بس جوايا لسه حتة فاكرة الأيام الحلوة، ولسه بتسأل نفسها إذا كان في يوم حبني بجد ولا لأ.
أغمضت عينيها، وسقطت دموعها على الهاتف.
— أنا كنت بحبه لدرجة إني كنت مستعدة أصدقه حتى وأنا شايفة بعيني إنه بيكدب. كنت محتاجة أصدقه، مش عشان هو يستاهل، لكن عشان ما كنتش مستعدة أواجه فكرة إني ضيعت سنتين من عمري مع حد ما كانش شايفني أصلًا.
ظلت تبارك صامتة، تحترم وجعها وتتركها تقول ما عجزت عن قوله أمامه.
وبعد دقائق، مسحت رنا دموعها ببطء، ثم فتحت المحادثة مرة أخيرة وبدأت تحذف رسائله وصوره.
لم تكن يدها ثابتة تمامًا، لكن قرارها كان واضحًا.
حذفت صورة، ثم رسالة، ثم أخرى.
ومع كل شيء تحذفه، شعرت كأنها تنتزع خيطًا صغيرًا من قلبها؛ خيطًا ظل مربوطًا به طويلًا، حتى بعدما صار هذا الرباط يؤلمها أكثر مما يمنحها الأمان.
وحين انتهت، أغلقت الهاتف وضمته إلى صدرها للحظة، ثم أنزلته إلى حجرها.
لم تشعر بالراحة الكاملة، ولم تختفِ الذكريات فجأة. لم يتحول الحب إلى كراهية، ولم تصبح السنوات التي عاشتها بلا معنى لمجرد أنها انتهت.
لكنها، للمرة الأولى، لم تبحث عن عذر جديد له، ولم تقل لنفسها إنه ربما يتغير، ولم تنتظر اعتذارًا يعيدها إلى نقطة البداية.
أخذت نفسًا طويلًا ومسحت دموعها، ثم نظرت من النافذة.
اقتربت تبارك منها وقالت بصوت حنون:
— صدقيني يا رنا، أنا عملت كده عشان بحبك، مش عشان أوجعك. كنت خايفة عليكي، وخايفة تفضلي معلقة نفسك بحد كل يوم بيثبت لك إنه مش بيحافظ عليكي. بس والله ما كان نفسي أشوفك بالوجع ده.
التفتت إليها رنا.
لم يكن في عينيها غضب من تبارك، ولا لوم لأنها دفعتها إلى مواجهة الحقيقة. كان فيهما تعب أكبر من أن يتحول إلى عتاب.
ربتت تبارك على يدها.
— تحبي نروح نقعد في أي مكان شوية؟ نشرب حاجة، أو نتمشى، أو حتى نفضل مع بعض من غير ما نتكلم. مش لازم ترجعي البيت دلوقتي لو مش عايزة.
هزت رنا رأسها بالنفي.
— متأكدة؟
أومأت رنا ببطء.
ترددت تبارك، ثم سألتها بحذر:
— طب أطلع معاكي؟ أقعد جنبك من غير ما أتكلم، لحد ما تهدي؟
نظرت رنا إليها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة متعبة، تحمل الرفض.
ضغطت تبارك على يدها.
— طيب، هوصلك. بس لو احتجتيني في أي وقت، حتى لو الساعة تلاتة الفجر، كلميني.
أومأت رنا وعادت تنظر إلى الطريق.
طوال الرحلة، لم تتحدثا كثيرًا.
كانت تبارك تلقي عليها نظرات خاطفة من وقت لآخر، وكلما رأت الدموع تتجمع في عينيها، قاومت رغبتها في سؤالها عما يؤلمها. كانت تعرف أن رنا لا تحتاج إلى من يعيد فتح الجرح أو يذكرها بما حدث، بل إلى مساحة تتألم فيها من دون أن يطالبها أحد بالتعافي سريعًا.
وحين وصلتا إلى منزل رنا، أوقفت تبارك السيارة وراقبتها حتى دخلت المبنى، ولم تتحرك إلا بعدما اطمأنت إلى وصولها.
صعدت رنا إلى شقتها وفتحت الباب، ثم دخلت وأغلقته خلفها.
ساد الصمت.
لم يكن هناك صوت سوى خطواتها الخافتة، ثم صوت الباب حين استقر في مكانه.
وقفت للحظات في منتصف الغرفة، لا تعرف إلى أين تذهب، ولا ماذا تفعل بكل هذا الفراغ الذي تركه اليوم في قلبها.
كانت الغرفة كما تركتها، والأشياء في أماكنها، والسرير الذي طالما جلست عليه تتحدث مع ميشو عبر الهاتف لا يزال كما هو.
لكنها لم تعد الشخص نفسه الذي خرج من هذا البيت.
اقتربت من السرير وجلست على حافته، ثم نظرت إلى هاتفها المغلق.
للمرة الأولى منذ وقت طويل، لم تكن تنتظر رسالة منه، ولا اعتذارًا أو تفسيرًا أو وعدًا جديدًا.
انحنت إلى الأمام وغطت وجهها بيديها، ثم بكت.
بكت على حبها الذي لم يجد مكانًا آمنًا يستقر فيه، وعلى كل مرة كتمت فيها وجعها حتى لا تخسره، وعلى كل لحظة جعلت فيها نفسها آخر الأولويات كي تظل اختياره الأول.
بكت على رنا التي كانت، في كل مرة يبتعد فيها، تركض وراءه بقلبها، بينما لم يلتفت هو ليرى كم كانت تتعب.
لكن وسط كل ذلك الوجع، كان هناك شيء واحد تغير.
لم تعد تلوم نفسها لأنها أحبته، ولم تعد تعتبر إخلاصها خطأً أو قلبها الطيب عيبًا يجب أن تخجل منه.
كان خطؤها الوحيد أنها ظلت تحاول وحدها إنقاذ علاقة تحتاج إلى اثنين.
رفعت رأسها ومسحت دموعها، ثم أغمضت عينيها للحظات.
كانت الوحدة التي تنتظرها ثقيلة، وغرفتها تبدو باردة، والصمت من حولها يشبه ليلًا طويلًا لا تعرف متى ينتهي.
لكنها، رغم كل شيء، كانت أرحم عليها من انتظار شخص يجعلها تشعر بالوحدة وهي معه.
ربما كانت رنا قد اعتادت أن تعيش وحدها، وربما ستحتاج إلى وقت طويل حتى تتعلم كيف تبدأ من جديد.
لكنها هذه المرة لن تعود إلى باب ميشو لتطلب منه أن يحبها.
ستتعلم، ولو ببطء، كيف تعود إلى نفسها، وكيف تحبها بالقدر نفسه الذي منحته له يومًا، دون أن تنتظر من أحد أن يمنحها الإذن بذلك.