
رواية هي كده الفصل الثامن عشر18 بقلم ابتسام محمود الصيري
مرَّ أسبوع كامل.
أسبوع اعتزلت فيه رنا العالم بكل ما فيه، أغلقت باب غرفتها، وأسكتت هاتفها، وانسحبت من حياة الجميع كأنها لم تكن يومًا جزءًا منها.
لم تكن تريد أن ترى أحدًا، ولا أن تسمع صوتًا، ولا حتى أن تتظاهر بأنها بخير من أجل خاطر أحد. كانت تريد أن تبقى وحدها، وجهًا لوجه أمام نفسها، بعيدًا عن كل شيء كانت تهرب إليه حتى لا تضطر إلى مواجهة ما بداخلها.
كان أسبوعًا قاسيًا بحق؛ لم تمر فيه الساعات كما اعتادت، بل كانت الدقيقة الواحدة كفيلة بأن تفتح في ذاكرتها بابًا لعشرات المواقف والأسئلة والمشاعر التي ظلت تدفنها تحت انشغالها بميشو.
بكت كثيرًا، وغضبت أكثر، وعاتبت نفسها حتى أنهكها العتاب. وفي كل ليلة، كانت تظن أنها وصلت إلى آخر ما يمكن أن يؤلمها، لتكتشف مع شروق اليوم التالي حقيقة جديدة لم تكن مستعدة للاعتراف بها.
لكن ذلك الأسبوع، برغم قسوته، منحها شيئًا لم تستطع سنواتها الماضية أن تمنحها إياه.
منحها فرصة أن ترى نفسها.
لا رنا التي تحب ميشو، ولا التي تنتظر رسائله، ولا التي تقيس قيمتها بمقدار اهتمام رجل بها، بل رنا التي كانت موجودة قبل كل ذلك، والتي نسيت ما تحتاج إليه بعدما أمضت عمرها تحاول الحصول عليه من المكان الخطأ.
في البداية، ظنت أن ما ينقصها هو ميشو. ثم ظنت أنها تحتاج إلى اعتذار منه، أو إلى تفسير يخفف من بشاعة الحقيقة، أو حتى إلى كلمة واحدة تؤكد لها أنه أحبها يومًا، ولو بقدر ضئيل.
لكنها، كلما أمعنت التفكير، اكتشفت أن الأمر أعمق من رجل خذلها.
كانت تحتاج إلى الحب والاحتواء، إلى أن تشعر بأنها مهمة لدى أحدهم دون أن تضطر إلى إثبات استحقاقها لذلك كل يوم. كانت تريد أن يسأل عنها أحدهم لأنه اشتاق إليها، وأن يلاحظ حزنها دون أن تضطر إلى شرحه، وأن تجد حضنًا تستطيع أن تبكي داخله دون أن تخجل من دموعها.
وللمرة الأولى، سألت نفسها بصدق:
لماذا كنت أبحث عن كل هذا عند ميشو، بينما لم أبحث يومًا عن مصدره الأول؟
العائلة.
توقفت الفكرة في رأسها طويلًا.
ألم يكن الحب الذي تفتش عنه في الخارج موجودًا في الأصل داخل بيتها؟ ألم يكن لديها أب وأم؟ ألم يكن الاثنان يحب أحدهما الآخر، ويهتم كل منهما بالآخر، ويتبادلان تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تراقبها من بعيد وتتمنى لو كانت جزءًا منها؟ كيف قفزت على رقم اثنين قبل أن تمر على واحد المرحلة الطبيعية في الحياه فهي واحد اتنان؟
كانت ترى والدها يهتم بأمها حقا، ويسألها عما تحتاج إليه، ويلاحظ تعبها قبل أن تتحدث. وكانت ترى أمها تخاف على والدها، وتعتني به، وتحرص على راحته.
كانا يعرفان كيف يحبان بعضهما.
فلماذا لم تعرف هي كيف تحصل على شيء من هذا الحب؟ أم أن الحب كان موجودًا، لكنها لم تعرف يومًا كيف تصل إليه؟
تسارعت أنفاسها، وشعرت بحرارة الدموع تتجمع في عينيها.
فهي لم تكن تتذكر كثيرًا من اللحظات التي شعرت فيها باحتواء والديها، ولا تتذكر أنها لجأت إليهما يومًا بكل ما تحمله في قلبها دون أن تخشى رد فعلهما أو تخاف من أن يُساء فهمها.
لكنها كانت تعرف شيئًا آخر.
أنها لم تكن وحدها من ابتعد.
هي أغلقت قلبها أمامهما، نعم، لكنهما أيضًا لم يقتربا بما يكفي ليجعلاها تشعر بأن بإمكانها فتحه.
كيف لطفلة أن تطلب حضنًا لم تعتد أن تطلبه؟ وكيف لابنة أن تعترف باحتياجها إلى الحنان، وهي لا تعرف إن كان اعترافها سيُقابل بالاحتواء أم بالصمت؟
لم تكن تريد أن تظلمهما، ولم تعد تريد أن تظلم نفسها أيضًا.
ربما أحبها والداها بطريقتهما، لكن الحب الذي لا يصل إلى صاحبه يتركه جائعًا.... حتى لو كان محاطًا بمن يحبونه. وربما كان عليها أن تتوقف عن انتظار أن يفهما وحدهما كل ما تعجز هي عن قوله.
لكن كيف؟ كيف ستغير علاقة تشكلت على مدار سنوات طويلة؟ وكيف ستقترب من أشخاص اعتادوا مسافة معينة بينها وبينهم، دون أن تشعر بأنها تفرض نفسها عليهم؟
كان الأمر أصعب مما تخيلت.
فالتغيير لا يعني أن تستيقظ في الصباح وتقرر أنها لن تحزن بعد اليوم، أو أنها ستصبح قوية بمجرد أن تمسح دموعها. التغيير الحقيقي هو أن تفعل الشيء الذي تخشاه، مرة بعد مرة، حتى وإن لم تحصل على النتيجة التي تتمناها من المحاولة الأولى.
لم تكن تستطيع إجبار والديها على التغير، لكنها تستطيع أن تتوقف عن الهروب، وأن تحاول الاقتراب منهما، حتى لو لم تنجح من المرة الأولى.
نهضت من مكانها، واقتربت من المرآة.
بدت شاحبة، وعيناها محاطتين بإرهاق أسبوع كامل، وشعرها الذي لم تهتم بترتيبه منذ أيام ينسدل حول وجهها بإهمال.
تأملتها طويلًا، ثم همست لنفسها:
— كفاية يا رنا.
خرج صوتها ضعيفًا، فكررت العبارة بنبرة أكثر ثباتًا:
— كفاية بقى. كفاية تعلقي حياتك بحد، وتفضلي مستنية منه يديكي حاجة إنتِ من حقك تحسي بيها من غير ما تترجيها.
انهمرت دمعة على خدها، فمسحتها.
— إنتِ مش محتاجة ميشو. إنتِ كنتِ محتاجة تحسي إنك محبوبة، وهو كان بالنسبة لك المسكن اللي فاكرة إنك هتلاقي فيه الراحة. بس المسكن مش هو العلاج.
سكتت لحظة، ثم نظرت إلى عينيها مباشرة.
— إنتِ محتاجة تتعلمي تدي لنفسك قيمة حتى لو محدش قال لك إنك غالية. ومحتاجة ترجعي تحاولي مع أهلك، حتى لو خايفة، وحتى لو اتوجعتي في أول مرة... وحتى هما مشغولين قد ايه، انا وهما جزء لا يتجزأ من بعض.
وضعت يدها على صدرها، وأغمضت عينيها.
لم تكن متأكدة أنها ستنجح، ولا تعرف إن كان والداها سيستقبلان محاولتها بالحنان الذي تفتقده أم سيظلان على عادتهما القديمة.
لكنها أدركت أن عليها أن تبدأ بنفسها، وأن تمنح العلاقة فرصة لم تمنحها لها من قبل.
فهي لم تعد تريد أن تبحث عن النجاة في قلب رجل، بينما قلبها نفسه لا يعرف أين يجد الأمان.
مسحت رنا وجهها، ثم اتجهت إلى الحمام. غسلت وجهها، ورتبت شعرها الكيرلي، وارتدت ملابس نظيفة بعد أيام من الإهمال، ثم عادت إلى غرفتها وجلست على السرير.
أمسكت هاتفها للمرة الأولى منذ أيام، وظلت تحدق في الشاشة قليلًا.
كانت هناك أسماء كثيرة لم ترد على اتصالاتها، ورسائل لم تفتحها، ومكالمات فائتة من تبارك وسارة.
شعرت بوخزة في قلبها.
لم تكن تبارك مجرد صديقة وقفت بجانبها، ولم تكن سارة مجرد شخص شاركها بعض أيامها. كانتا من الأشخاص الذين حاولوا الوصول إليها حين قررت أن تغلق أبوابها في وجه الجميع.
ومع ذلك، تركتهما خارج حياتها.
شعرت رنا بالخجل من نفسها؛ فقد أمضت وقتًا طويلًا تعاتب ميشو لأنه لم يكن موجودًا حين احتاجت إليه، بينما كانت هناك أيدٍ حقيقية تمتد إليها، وهي التي اختارت ألا تمسك بها.
فتحت سجل المكالمات، وضغطت على اسم تبارك، ثم أضافت سارة إلى مكالمة جماعية.
رن الهاتف مرة، ثم مرتين، وثلاثًا.
جاءها صوت سارة مترددًا ومندهشًا:
— ألو؟
لم ترد رنا في البداية. كانت تنظر إلى اسم سارة على الشاشة، ثم إلى اسم تبارك الذي ظهر بعد لحظات، وكأنها لم تصدق أنها فعلت ذلك بالفعل.
جاء صوت تبارك سريعًا:
— ألو؟ مين معايا؟
تنفست رنا بعمق.
— أنا.
ساد الصمت للحظات، ثم جاء صوت سارة وقد ارتفع من المفاجأة:
— رنا؟!
تبعته تبارك بلهفة واضحة:
— رنا؟! إنتِ رنا بجد؟!
ابتسمت رنا رغم دموعها.
— أيوه، أنا رنا.
— يا بنتي إنتِ فين؟! إنتِ كويسة؟! إنتِ كنتِ فين طول الأسبوع ده؟! إحنا اتجننا عليكي!
تداخل صوت سارة مع صوتها:
— إنتِ ليه مش بتردي علينا؟ إحنا كنا بنبعتلك ونتصل بيكي كل يوم! أنا كنت هموت وأجيلك، وتبارك هي اللي منعتني. كانت بتقولي لما هتبقي كويسة هترجعي.
أغمضت رنا عينيها، وشعرت بغصة في حلقها.
— شكرًا يا تبارك على المساحة اللي ادتهالي. فعلًا كنت محتاجة ليها، وأنا آسفة إني قلقتكم عليّا.
سكتتا للحظة، ثم سألتها تبارك بحذر:
— إنتِ كويسة يا رنا؟ يعني... كويسة بجد؟
ابتلعت رنا دموعها.
— مش عارفة أقولك إيه، بس أنا أحسن من الأول، أو يمكن بدأت أفهم حاجات كتير ما كنتش فاهماها.
— طب إنتِ لوحدك دلوقتي؟ أجيلك؟
— أنا عايزة أشوفكم إنتوا الاتنين. ينفع نتقابل؟
جاء رد سارة سريعًا:
— طبعًا ينفع! إنتِ بس قولي المكان وأنا هكون هناك.
أما تبارك، فظلت صامتة لثوانٍ قبل أن تسأل:
— إنتِ متأكدة إنك عايزة تخرجي؟ مش عايزاكي تضغطي على نفسك عشان تحسي إنك بقيتي أحسن.
ابتسمت رنا بحزن.
— أنا اللي عايزة أشوفكم يا تبارك. المرة دي أنا اللي بتصل، وأنا اللي بطلب أشوفكم. محتاجاكم، ومحتاجة أتكلم معاكم.
ردت تبارك بحب:
— خلاص يا حبيبتي. ابعتيلي بس لما تتحركي.
أنهت رنا المكالمة، وظلت تنظر إلى الهاتف للحظات.
كانت مكالمة قصيرة، لكنها شعرت بعدها بشيء لم تشعر به منذ أيام.
أنها لم تعد مضطرة إلى مواجهة كل شيء وحدها.
⸻
بعد وقت قصير، وصلت رنا إلى المكان الذي اتفقت عليه مع تبارك وسارة.
دخلت بخطوات هادئة، وعيناها تبحثان عنهما بين الجالسين، حتى لمحتهما تجلسان إلى إحدى الطاولات.
كانت سارة أول من انتبه إليها.
اتسعت عيناها، ونهضت من مكانها بسرعة.
— رنا!
التفتت تبارك، وما إن رأتها حتى وقفت هي الأخرى.
اقتربت منهما رنا، ولم تكد تصل حتى احتضنتها سارة بقوة.
— إنتِ وحشتيني أوي يا غبية! إنتِ إزاي تعملي فينا كده؟!
خرجت ضحكة صغيرة من رنا وسط دموعها.
— أنا آسفة يا سارة.
ابتعدت سارة قليلًا، وأمسكت وجهها بين يديها تتفحصه.
— إنتِ خسيتي؟ إنتِ أكلتي أصلًا الأسبوع ده؟ بصيلي كده... إنتِ كنتِ بتعيطي؟
لم تستطع رنا الإجابة.
اقتربت تبارك، ولم تسألها أي سؤال. فتحت ذراعيها فقط.
نظرت رنا إليها، وشعرت أن كل ما حاولت التماسك من أجله خلال الطريق بدأ يتداعى.
خطت نحوها واحتضنتها.
لم يكن حضنًا عابرًا، ولا حضن شخص يحاول مواساة صديقة حزينة فحسب، بل كان حضنًا اعتذرت فيه رنا عن كل مرة دفعت فيها تبارك بعيدًا، وعن كل مرة اختارت فيها أن تغلق الباب بدلًا من أن تسمح لها بالدخول.... عن كل مرة ذمة فيها.
أحاطت تبارك بها بذراعيها، وربتت على ظهرها برفق.
— خلاص يا رنا... إنتِ هنا. اهدي يا حبيبتي.
لكن رنا لم تهدأ. ازداد بكاؤها حتى خرج صوتها متقطعًا:
— أنا آسفة يا تبارك... أنا عارفة إني غلطت في حقكوا.
شدتها تبارك إلى صدرها.
— خلاص يا حبيبتي، مفيش حاجة. اهدي بس.
ابتعدت رنا عنها قليلًا، ومسحت دموعها بيد مرتعشة، ثم نظرت إلى الاثنتين.
— ممكن نقعد؟ عايزة أتكلم معاكوا.
جلست الثلاث، وظلت رنا صامتة للحظات، تجمع الكلمات التي ظلت حبيسة صدرها طوال الأسبوع.
لم تكن تريد أن تقدم أعذارًا، ولا أن تحكي لهما كم تألمت فقط. كانت تريد أن تعترف بما فعلته هي أيضًا، وأن تقول لهما إن وجودهما في حياتها لم يكن شيئًا عابرًا، حتى لو تصرفت أحيانًا وكأنه كذلك.
رفعت عينيها إلى تبارك أولًا.
— أنا مش عارفة أبدأ منين.
قالت تبارك بهدوء:
— ابدئي من أي حتة يا رنا. إحنا سامعينك.
أخذت رنا نفسًا عميقًا.
— أنا الأسبوع اللي فات كنت فاكرة إني لو قفلت على نفسي وبعدت عن الناس كلها، هقدر أرتاح. كنت حاسة إني مش عايزة أشوف حد ولا أتكلم مع حد. كنت عايزة أختفي شوية لحد ما الوجع يخف.
نظرت إلى يديها المتشابكتين فوق الطاولة.
— بس اللي حصل إني فضلت لوحدي مع دماغي، وكل يوم كنت باكتشف حاجة جديدة عن نفسي. اكتشفت إني كنت مستنية من ميشو حاجات أكبر بكتير من مجرد الحب. كنت مستنية منه يحسسني إني مهمة، وإن فيه حد شايفني، وإن فيه حد هيختارني حتى لو أنا ما طلبتش منه...
توقفت قليلًا، ثم رفعت رأسها.
— ولما فكرت كويس، لقيت إني من زمان وأنا بدور على الإحساس ده. كنت محتاجة احتواء، ومحتاجة أحس إن فيه مكان ليا في حياة الناس اللي بحبهم، وإن وجودي مش حاجة لازم أستحقها كل يوم.
ارتعش صوتها.
— وكنت فاكرة إن ميشو هو اللي هيقدر يديني كل ده. كنت فاكرة إن لو حبني بجد، هحس إني أخيرًا بقيت كفاية.
سكتت، ثم أطلقت زفرة طويلة.
— بس أنا كنت غلطانة في حاجة مهمة. أنا خليته يبقى مصدر كل حاجة محتاجاها، لدرجة إني نسيت نفسي، ونسيت الناس اللي كانوا موجودين فعلًا في حياتي.
التفتت إلى تبارك.
— وإنتِ كنتِ واحدة من الناس دي.
انخفض صوتها.
— كل يوم كنتى بتنصحيني فيه بدون ملل، ويوم ما اخدتيني من بيته ومهمكيش ممكن يحصلك ايه، ويوم ما وقفتي قدامه ومنعتيه إنه يمد إيده عليّا، إنتِ ما كنتيش بتحميني منه ومن ضربة وبس... إنتِ كنتِ بتحميني من إني أصدق إن من حقي أستحمل أي حاجة عشان حد بحبه.
اغرورقت عينا تبارك بالدموع، لكنها ظلت صامتة.
تابعت رنا:
— وحتى بعد كل اللي حصل، ما حاولتيش تفرضي عليّا أعمل إيه. ما سحبتيش مني حقي إني أواجهه، رغم إنك كنتِ خايفة عليّا. فضلتي موجودة، وسندتيني من غير ما تحسسيني إني ضعيفة.
مدت رنا يدها فوق الطاولة وأمسكت يد تبارك.
— شكرًا إنك ما مشيتيش، وإنك فضلتي صاحبتي حتى وأنا ما كنتش بعرف أكون صاحبتك كويس.
لم تتمالك تبارك نفسها أكثر. أمسكت يد رنا بكلتا يديها، وقالت بصوت متأثر:
— يا بنتي إنتِ صاحبتي، مش واحدة غريبة عني. أنا مش مستنية منك شكر على إني أقف جنبك. أنا كنت خايفة عليكي، وكنت بتعذب وأنا مش عارفة إنتِ بتاكلي ولا بتنامي ولا بتعيطي لوحدك ولا لأ.
ثم التفتت رنا إلى سارة.
كانت سارة تحاول أن تبدو متماسكة، لكنها لم تستطع إخفاء التأثر في عينيها.
ابتسمت لها رنا ابتسامة صغيرة.
— وإنتِ يا سارة... أنا عارفة إني قصرت في حقك برضه.
رفعت سارة حاجبيها، محاولة تخفيف الجو.
— آه، قصرتِ؟ ده إنتِ اختفيتِ اختفاء أهل الكهف! أنا كنت ناقص البس عمه وقفطان واقول جهاااد انتى فين يا جهااد.
ضحكت رنا، وخرجت ضحكتها هذه المرة أكثر صدقًا، رغم الدموع التي ما زالت عالقة في عينيها.
— تستاهلي أعمل لك محضر إزعاج، والله.
ضحكت سارة، ثم هدأ وجهها قليلًا.
— بس بجد يا رنا، أنا كنت زعلانة. مش عشان ما رديتيش عليّا وبس، لكن عشان كنت حاسة إنك بتبعدي عننا كل ما تتوجعي، وكأنك لازم تواجهي كل حاجة لوحدك. وأنا مش عايزة أبقى صاحبتك بس في الأيام الحلوة.
خفضت رنا رأسها.
— أنا آسفة يا سارة. إنتِ كمان كنتِ بتحاولي توصلي لي، وأنا كنت بقفل كل الأبواب.
رفعت عينيها إليها وأكملت:
— بس أنا بدأت أفهم إن مش لازم أبقى قوية طول الوقت، وإن مش كل مرة أحتاج حد يبقى ده معناه إني ضعيفة أو إني بحمله فوق طاقته.
مدت يدها نحو سارة.
— أنا ممتنة ليكي بجد، ومش عايزة أفضل بعيدة عنكم كل ما أتوجع.
أمسكت سارة يدها وضغطت عليها.
— خلاص يا ستي، سامحتك. بس بشرط.
ابتسمت رنا.
— إيه هو؟
— لما تزعلي، تعيطي عندنا. لما تتخنقي، تيجي تتخانقي معانا. لما تحسي إنك مش طايقة العالم، ابعتي لنا نقعد ساكتين معاكي. إنما حكاية تختفي أسبوع وتخلينا نلف حوالين نفسنا دي، لا يا حبيبتي، مش هتتكرر.
ضحكت رنا من بين دموعها.
— حاضر.
ثم أضافت بجدية:
— وأنا كمان مش عايزة علاقتنا تفضل مجرد إنكم تساعدوني وقت ما أقع. أنا عايزة أكون موجودة ليكم إنتوا كمان. عايزة أسأل عنكم، وأسمعكم، وأقف جنبكم، مش أفضل طول الوقت مستنية منكم تنقذوني.
نظرت تبارك إليها بإعجاب هادئ.
— أهو ده الكلام اللي يفرحني.
مرّت لحظات من الصمت، قبل أن تتذكر رنا شيئًا آخر.
تنهدت، ثم نظرت إلى تبارك بتردد.
— فيه حاجة كمان عايزة أقولها لك.
عقدت تبارك حاجبيها.
— خير؟
ترددت رنا، ثم قالت:
— أنا عارفة إني شلت السنة دي.
تغيرت ملامح تبارك قليلًا، لكنها لم تقاطعها.
أكملت رنا، وهي تحاول أن تجعل صوتها ثابتًا:
— أنا عارفة إن ده كان بسبب إهمالي، وإنّي قصرت في مذاكرتي، وضيعّت وقت كبير وأنا مركزة في حاجات ما كانتش تستاهل كل ده. أنا مش جاية أبرر لنفسي، ولا أقول إن اللي حصل غصب عني. أنا عارفة إن النتيجة دي مسؤوليتي.
نظرت إلى تبارك مباشرة.
— بس أنا مش عايزة أكرر نفس الغلطة. السنة الجاية هقدر باذن الله اعوض كل اللي فاتني.
هزت تبارك رأسها باعتراض محبب.
— استني عندك. مين قال لك إنك هتستني للسنة الجاية؟
نظرت رنا إليها باستغراب.
— يعني إيه؟
— يعني إنتِ هتدخلي امتحان الدور التاني في المواد اللي شيلتيها.
ترددت رنا.
— يا تبارك، أنا عارفة إني قصرت، بس أنا فعلًا مش جاهزة. بقالي فترة مش مركزة، ومش عارفة هلحق ألم المنهج إزاي.
مالت تبارك نحوها.
— طب ما نلمه سوا.
حدقت رنا فيها.
— إنتِ بتهزري؟
— لأ، مش بهزر. أنا هذاكر معاكي.
تدخلت سارة وهي ترفع يدها:
— وأنا كمان موجودة، على فكرة. مش هتذاكري مع تبارك لوحدها وتسيبيني أتحسر على مستقبلي العلمي!
ضحكت تبارك.
— يا ستي إنتِ أول واحدة بتنام وهي فاتحة الكتاب!
اعترضت سارة:
— كدابة! أنا بس بحب أذاكر في وضع أفقي عشان أريح ظهري!
انفجرت رنا بالضحك، ضحكة خرجت من قلبها هذه المرة، قبل أن تضع يدها على فمها وكأنها فوجئت بصوتها.
نظرت إليها تبارك مبتسمة.
— أهو. الضحكة دي بقالنا أسبوع مستنيينها.
اختفت ابتسامة رنا تدريجيًا، وحل محلها التأثر.
— بس يا تبارك، أنا مش عايزة أحمّلك مسؤولية مذاكرتي. إنتِ عندك حياتك، ومش عايزة أبقى عبء عليكِ مرة تانية.
أمسكت تبارك يدها بجدية.
— رنا، بصي لي.
رفعت رنا عينيها إليها.
— أنا مش هاذاكر لك بدل ما إنتِ تذاكري، ومش هفضل أجري وراكِ كل يوم عشان أقول لك افتحي الكتاب. إنتِ اللي هتتحملي مسؤولية نفسك، وإنتِ اللي هتلتزمي. أنا هكون جنبك، وهشرح لك اللي تحتاجي مساعدة فيه، وهنقسم المنهج، وهنراجع سوا. لكن المجهود نفسه إنتِ اللي هتعمليه.
أومأت رنا ببطء.
تابعت تبارك:
— وإنتِ مش عبء عليّا عشان بتحتاجي مساعدة. كلنا في وقت من الأوقات بنحتاج حد يقف جنبنا. أنا لو كنت مكانك، كنت هحب إنك تعملي معايا نفس الحاجة.
نظرت رنا إليها طويلًا.
كان غريبًا كيف استطاعت تبارك، ببضع كلمات، أن تجعل المساعدة تبدو شيئًا لا يستدعي الخجل.
لم تقل لها إنها ستنقذها، ولم تعدها بأن الطريق سيكون سهلًا. بل وضعت أمامها مسؤوليتها، ثم مدت يدها لتساعدها على حملها.
وهذا بالضبط ما كانت تحتاج إليه.
قالت رنا بصوت متأثر:
— أنا مش عارفة أقول لك إيه.
ردت تبارك فورًا:
— ولا حاجة. افتحي الكتاب بس!
ضحكت سارة.
— يا بنتي سيبيها تتنفس، لسه راجعة من الاعتزال!
أشارت تبارك إلى رنا بإصبعها.
— الاعتزال خلص. من النهارده عندنا جدول مذاكرة، ومش هتخليني أندم إني وافقت أكون مدرسة خصوصية ببلاش!
رفعت رنا حاجبيها بمكر.
— ببلاش؟ لا، كده الموضوع فيه استغلال. أنا هذاكرلك المادة اللي انتى شيلاها وش.
ضحكت الفتاتان، ثم هزت رنا رأسها وهي تبتسم.
— خلاص. هدخل امتحان الدور التاني.
توقفت تبارك عن الضحك، ونظرت إليها لتتأكد أنها جادة.
— بجد؟
أومأت رنا.
— بجد. أنا هحاول، ومش ههرب من المسؤولية تاني. حتى لو ما لحقتش أعمل كل حاجة زي ما نفسي، هعمل اللي أقدر عليه، وهدي نفسي فرصة.
ثم أضافت بنبرة أكثر هدوءًا:
— ومش عايزة أفضل طول عمري أقول إن حياتي ضاعت بسبب شخص. أنا اللي لازم أقرر أعمل إيه باللي باقي منها.
ابتسمت تبارك، وشعرت بشيء من الراحة يتسلل إلى قلبها.
— كده أنا اطمنت عليكي شوية.
رفعت رنا عينيها إليها.
— شوية بس؟
— أيوه، شوية. لسه عايزة أشوفك فاتحة الكتاب فعلًا، مش بتقولي كلام حلو وتختفي أسبوع تاني!
ضحكت رنا، ثم مدت يدها وأمسكت يد تبارك مرة أخرى.
— مش هختفي يا تبارك.
توقفت لحظة، ثم قالت بصدق:
— ومش هقول لك إني اتغيرت في أسبوع، لأني عارفة إن التغيير مش كده. أنا بس فهمت إني لازم أشتغل على نفسي بدل ما أفضل مستنية حد ييجي يغير حياتي عشاني.
نظرت إلى سارة، ثم إلى تبارك.
— أنا عايزة أتعلم أحب نفسي، وأصلح علاقتي بأهلي، وأهتم بمستقبلي، وأبطل أخلي شخص واحد هو مركز الدنيا كلها. مش هعرف أعمل ده في يوم وليلة، بس هحاول.
ابتسمت سارة وقالت:
— وإحنا معاكي، بس بشرط إنك تسمعي الكلام المرة دي.
ضحكت رنا.
— حاضر يا ماما سارة.
— ماما مين يا بت؟! أنا لسه صغيرة على الأمومة دي!
تبادلت الفتيات الضحكات، وفي تلك اللحظة، شعرت رنا بدفء افتقدته طويلًا.
لم يكن كل شيء قد أصبح بخير. لم تختفِ خيبتها في ميشو، ولم تُحلّ مشكلتها مع والديها، ولم تتبدل سنوات الإهمال والبعد بمجرد قرار اتخذته أمام المرآة.
لكنها لم تعد تقف في المكان نفسه.
للمرة الأولى منذ زمن، لم تكن تتحدث عن شخص تريد أن يحبها، أو رجل تتمنى أن يعود، أو رسالة تنتظرها لتشعر بأنها مهمة.
كانت تتحدث عن نفسها.
عن مستقبلها.
عن مسؤوليتها.
وعن علاقاتها التي تريد أن تمنحها فرصة جديدة.
⸻
ظل هاتف تبارك يضيء بين الحين والآخر برسائل عبدالله، لكنها كانت تتجاهلها، حتى وصلتها رسالة جديدة:
«أنا مستني ردك... حتى لو بكلمة لأ.»
ظلت تحدق في الشاشة طويلًا، قبل أن تكتب أخيرًا:
«مش هينفع.»
ما إن وصلته رسالتها حتى ابتسم. لم تكن موافقة، لكنها على الأقل ردّت عليه.
كتب سريعًا:
«ليه؟»
قرأت السؤال، ثم أغلقت الهاتف دون إجابة.
لاحظت سارة شرودها، فسألتها:
— عبدالله برضه؟
هزّت تبارك رأسها، فعادت سارة لما كانت تفعله دون أن تضغط عليها.
مرّت ساعات قبل أن تفتح تبارك هاتفها مجددًا، فوجدت رسالة أخرى منه:
«لو خايفة، أوعدك مش هسألك عن أي حاجة. تعالي اقعدي معايا عشر دقايق بس، ولو مش مرتاحة، امشي في أي وقت.»
ترددت وهي تقرأ كلماته. كانت تريد رؤيته، لكنها تخشى ما قد تشعر به حين تكون معه.
قالت سارة بهدوء:
— ادي لنفسك فرصة تسمعيه، مش لازم تقرري أي حاجة دلوقتي.
لم تجبها تبارك، وانتهى اليوم، وعادت كل منهما إلى بيتها.
وفي المساء، وبعد تردد طويل، كتبت تبارك:
«آخر مرة.»
لم تمر دقيقة حتى جاءها رده:
«اتفقنا ❤️»
ابتسم عبدالله وهو يقرأ رسالتها، وكأنه استعاد أملًا كاد يفقده.