رواية هي كده الفصل التاسع عشر19 بقلم ابتسام محمود الصيري

رواية هي كده الفصل التاسع عشر19 بقلم ابتسام محمود الصيري


لم تنم رنا منذ الليلة الماضية. ظلت مستيقظة، تتقلب في فراشها، تفكر في الطريقة التي يمكنها بها الاقتراب من والديها من جديد.

كيف تبدأ الحديث معهما؟ وكيف تطلب منهما الاحتواء دون أن تشعر بأنها تفرض نفسها عليهما؟

كانت تعرف أنها ابتعدت كثيرًا، وأنها لا تستطيع أن تنتظر منهما إصلاح كل شيء بينما تظل هي في مكانها. لقد قررت أن تحاول، حتى لو لم تجد الاستجابة التي تتمناها من المرة الأولى.

نظرت إلى الساعة، فوجدت أن موعد الإفطار قد اقترب.

اعتدلت في فراشها، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تقول لنفسها:

— طب ما أنا ممكن أنزل أفطر معاهم! بدل ما أفضل قاعدة في أوضتي طول اليوم، وكل واحد فينا عايش في عالم لوحده.

نهضت من فراشها، وغسلت وجهها، ثم ارتدت ملابس مريحة ونزلت إلى الطابق السفلي.

وما إن وصلت إلى غرفة الطعام حتى وجدت والديها يجلسان إلى المائدة، يتناولان إفطارهما ويتحدثان في بعض أمور العمل.

توقفت للحظة عند الباب، وشعرت بشيء من التردد، لكنها سرعان ما تجاوزته وتقدمت نحوهما.

رفعت والدتها عينيها إليها، ثم نظرت إلى الساعة المعلقة على الحائط، وعادت تنظر إليها بدهشة:

— رنا؟! إنتِ صاحية من بدري كده إزاي؟

ابتسمت رنا وهي تسحب كرسيًّا وتجلس بجوارهما:

— صباح الخير الأول يا ماما.

رد والدها مبتسمًا:

— صباح النور يا حبيبتي.

نظرت إليهما رنا، ثم قالت بصراحة:

— أنا فضلت صاحية طول الليل، ولما لقيت الصبح قرب، قلت أنزل أفطر معاكم. أنا بقالي كتير مش باكل معاكم، وعايزة أقعد معاكم شوية.

تبادلت والدتها ووالدها نظرة سريعة، وقد بدت الدهشة واضحة على وجهيهما.

قالت والدتها وهي تضع كوب الشاي على المائدة:

— طب ما تنامي يا حبيبتي، إنتِ إزاي هتفضلي صاحية طول اليوم من غير نوم؟

هزت رنا رأسها بابتسامة هادئة:

— هظبط نومي بعد كده يا ماما. بس أنا فعلًا عايزة أقعد معاكم. وبعدين عندي اقتراح.

نظر إليها والدها باهتمام:

— اقتراح إيه يا رنا؟

أخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت:

— إيه رأيكم نثبت مواعيد وجباتنا كلنا مع بعض؟ يعني نفطر ونتغدى ونتعشى سوا، حتى لو عندنا شغل ومشاغل. نحاول نفضى لبعض شوية، بدل ما كل واحد فينا بياكل لوحده في أي وقت.

ابتسم والدها ابتسامة خفيفة، بينما بدت والدتها وكأنها تفكر في الأمر.

— يا حبيبتي، الفكرة حلوة، بس إنتِ عارفة إن مواعيدنا مش ثابتة. أنا وباباكي معظم الوقت بنكون مع بعض في الشغل والاجتماعات، وساعات بنرجع متأخر، وإنتِ كمان ساعات بتنامي في الوقت اللي إحنا بناكل فيه.

أومأت رنا برأسها، ثم أجابتها بإصرار هادئ:

— عارفة يا ماما، عشان كده بقول نحاول ننظم وقتنا. ولو أنا نايمة، صحوني. حتى لو كنت نايمة، صحوني عشان أفطر أو أتغدى أو أتعشى معاكم.

ساد صمت قصير، قبل أن يربت والدها على يدها بحنان:

— حاضر يا حبيبتي، هنحاول على قد ما نقدر.

ابتسمت له رنا، ثم عادت إلى إفطارها.

وبينما كانوا يتناولون الإفطار، رن هاتف والدها الموضوع على المائدة.

نظرت والدتها إلى الهاتف، ثم عادت إلى طعامها دون أن تعلق.

لم تفُت رنا تلك النظرة، فقررت أن تستغل الفرصة للمشاكسة قليلًا.

مدت يدها بسرعة نحو الهاتف، وأمسكته قبل أن يرفعه والدها، ثم نظرت إلى الشاشة ورفعت حاجبيها بدهشة مصطنعة:

— إيه ده يا بابا؟! مراتك التانية بتتصل بيك؟! الحق يا بابا، ماما هتعرف!

تجمدت ملامح والدتها للحظة، ثم التفتت إليها باستغراب:

— مرات مين يا بت إنتِ؟! إنتِ بتقولي إيه؟!

انفجرت رنا ضاحكة، وأعادت الهاتف إلى والدها وهي تقول:

— بهزر يا ماما، بهزر! هو أنا لو لقيت واحدة بتتصل ببابا هسيبها تعدي كده؟ ده أنا هحقق في الموضوع بنفسي!

نظر إليها والدها ضاحكًا، ثم مد يده وربت على رأسها:

— يا بنت المجنونة، هاتي التليفون قبل ما تبوظي الدنيا!

ضحكت رنا، ثم اقتربت منه وعانقته من جانبه، واضعة رأسها على كتفه، قبل أن ترفع وجهها وتنظر في عينيه:

— خلاص يا بابا، أنا بهزر معاك. إنت عارف إني بحبك، صح؟

ضمها والدها بذراعه، وقبّل رأسها:

— عارف يا حبيبتي، وربنا يخليكي ليا.

بقيت رنا قريبة منه للحظات، ثم أمسكت يده بين يديها وقالت بحنان:

— ربنا يخليك ليا إنت كمان يا بابا.

ابتسم لها والدها، وضغط على يدها برفق، فبادلته الابتسامة ثم عادت إلى إفطارها.

لم تمضِ سوى دقائق حتى نظرت والدتها إلى ساعتها، ثم نهضت من مكانها والتقطت هاتفها وأوراقها، وهي تقول:

— يلا يا شريف، هنتأخر على الميتنج.

رفع والدها عينيه إلى الساعة بسرعة، ثم تناول آخر رشفة من كوب الشاي ونهض بدوره.

اقتربت منه رنا فجأة وعانقته مرة أخرى:

— هتوحشني يا بابا.

نظر إليها والدها باستغراب، ثم ضحك:

— يا بنتي أنا رايح الشغل، مش مسافر!

ابتسمت رنا وهي تشدد عناقها للحظة قبل أن تتركه:

— هتوحشني برضه!

رفعت والدتها حاجبها وهي تتجه نحو الباب، وقالت بمشاكسة:

— ممكن نأجل الدلع ده؟ عندنا ميتنج، ولا إنتِ عايزة باباكي يتأخر على شغله بسببك؟

ضحك والدها، بينما التفتت إليها رنا بابتسامة واسعة:

— يا ماما، هو أنا لحقت أدلع أصلًا؟!

هزت والدتها رأسها بيأس مصطنع، ثم أشارت إليها بيدها:

— ربنا يعيننا عليكي. يلا يا شريف!

ودّعها والدها بابتسامة، ثم خرج مع والدتها، التي بدأت تتحدث معه عن جدول اجتماعات اليوم بمجرد أن تجاوزا باب المنزل.

وقفت رنا تتابعهما بعينيها حتى اختفيا عن نظرها، ثم عادت ببطء إلى غرفة الطعام.

جلست على الكرسي الذي كانت تجلس عليه منذ قليل، ونظرت إلى الأطباق المتبقية على المائدة.

كان الصباح مختلفًا عن كل صباح آخر، لكنها لم تتوقع أن تتغير الأمور بهذه السرعة.

وبعد لحظات، مدت رنا يدها لتساعد العاملة في حمل الأطباق، لكن العاملة سارعت إلى الاعتراض:

— لا يا أستاذة، سيبيهم لي. أنا هلمّ كل حاجة.

ابتسمت رنا وهي تحمل أحد الأطباق:

— عادي، يا ستي. ما أنا بساعدك أهو، مش هسيبك تلمي كل ده لوحدك.

حاولت العاملة أخذ الطبق منها مرة أخرى، لكن رنا تمسكت به وهي تضحك:

— خلاص بقى، سيبيني أساعدك بدل ما نتخانق على طبق!

تعجبت العاملة أمام إصرارها، ولم تجد إلا أن تتركها تساعدها، فبدأت رنا تجمع بقية الأطباق وتحملها إلى المطبخ.

وبعد أن انتهت، صعدت إلى غرفتها لتنام قليلًا بعد ليلة طويلة.

ربما لم يكن ما فعلته اليوم كافيًا لتغيير علاقتها بأهلها، وربما لم تلحظ والدتها حتى كم أسعدها أن تجلس معها على المائدة.

فربما لا تستطيع تغيير كل ما حدث في الماضي، لكنها تستطيع أن تبدأ في صنع أيام مختلفة من الآن.
_______

كانت تبارك جالسة على طرف السرير، والهاتف بين يديها، وعيناها معلقتان بآخر رسالة بينها وبين عبدالله.

«آخر مرة.»

كلمتان كتبتهما بعد ساعات من التردد، ومع ذلك لم تستطع أن تتخلص من شعورها بأنها على وشك ارتكاب حماقة، أو ربما كانت هذه المرة الأولى التي تسمح فيها لنفسها بفعل شيء تريده حقًا.

نهضت من مكانها واتجهت إلى التسريحة. تناولت زجاجة الخمر وصبّت لنفسها كأسًا، ثم عادت وجلست. حاولت أن تشغل نفسها بأي شيء، لكن أفكارها كانت تعود إليه في كل مرة.

ماذا ستقول له حين تراه؟ وكيف ستنظر في عينيه بعد كل مرة صدّته فيها، وكل رسالة تركتها بلا رد؟ هل ستستطيع أن تشرح له لماذا كانت تهرب منه، رغم أنها كانت تتمنى قربه؟

أطلقت ضحكة ساخرة وهي تصب كأسًا آخر.

— ما إنتِ اللي وافقتي، جاية دلوقتي تعيطي ليه؟

سكتت، ثم مررت يدها على وجهها، قبل أن تهمس:

— وحشتني يا عبدالله... وحشتني أوي.

خرجت الكلمات من فمها قبل أن تتمكن من منعها. أطرقت برأسها، وكأنها تخشى أن يسمعها أحد، رغم أنها كانت وحدها.

تناولت كأسها، ثم وضعتها جانبًا ومدت يدها إلى الهاتف. فتحت محادثته وكتبت:

«نتقابل في مطعم...»

أضافت اسم المطعم والموعد، ثم أرسلت الرسالة سريعًا قبل أن تتراجع.

لم تتأخر إجابته.

— تمام يا تبارك، هكون مستنيكي.

ظلت تحدق في رده لحظات، ثم أغلقت الهاتف وأسندته إلى جوارها.

— ربنا يستر.
________

وقفت رنا أمام المرآة، تتفحص ملابسها للحظات، قبل أن تلتقط هاتفها وتبحث عن والدتها، التي وجدتها داخل غرفة مكتب والدها. كانت تريد أن تفتح معها أي حديث، حتى لو كان عن شيء بسيط كاختيار ملابسها.

وجدت والدتها جالسة على أريكة، منشغلة بمراجعة بعض الأوراق، فاقتربت منها ورفعت الهاتف أمام عينيها.

— مامي، إيه رأيك أشتري الأوتفيت ده ولا ده؟

ألقت والدتها نظرة سريعة على الصور، ثم عادت إلى أوراقها دون أن ترفع رأسها.

— يا رنا، إنتِ ذوقك حلو، اشتري أي حاجة تعجبك.

لم تتراجع رنا، بل قرّبت الهاتف منها أكثر، وقالت بإصرار مصطنع:

— بس أنا عايزة ألبس المرة دي على ذوقك إنتِ، عايزة رأيك يعني.

تنهدت والدتها وهي تقلب إحدى الصفحات.

— يا رنا، قلت لك مش فاضية دلوقتي، اختاري اللي يعجبك وخلاص.

انخفض الهاتف قليلًا في يد رنا، لكنها لم تفقد حماسها. راحت تفكر في طريقة أخرى تستدرج بها والدتها إلى الحديث، حتى تذكرت موقف الصباح، حين أشعلت غيرتها بمزحتها عن الزوجة الثانية.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة ماكرة. يبدو أن لديها مفتاحًا صغيرًا لباب والدتها المغلق، لكنها لن تستخدمه كثيرًا حتى لا ينكشف أمرها سريعًا.

استدارت نحو والدها، الذي كان يجلس على أحد مقاعد المكتبة، ثم رفعت صوتها متعمدة أن تسمعها والدتها:

— طب خلاص يا مامي، أنا هروح أسأل بابي. على الأقل هو فاضي لي، وممكن كمان أقنعه يتجوز واحدة صغيرة بدل مديرة الأعمال اللي مش فاضية لبنتها.

ما إن وصلت كلماتها إلى مسامع والدتها حتى رفعت رأسها فجأة، وتركت الأوراق ونهضت من مكانها.

— إنتِ قلتي إيه يا بت إنتِ؟!

كتمت رنا ضحكتها، وأسرعت بالوقوف خلف والدها قبل أن تلحق بها والدتها، ثم اقتربت وجلست على ذراع كرسيه، قائلة بوجه بريء:

— بابي، إنت مش شايف إنك محتاج تتجوز واحدة صغيرة كده، تدلعك وتهتم بيك بدل ما تفضل مستني مديرة الأعمال الفاضلة تفضى لك؟

رفع والدها عينيه إليها، وما إن فهم مقصدها حتى انفجر ضاحكًا.

— إيه يا بنتي؟! هو إحنا هنعيد موضوع الصبح؟

وضعت رنا يدها على كتفه، ثم مالت نحوه بابتسامة واسعة.

— أنا بقول مصلحتك يا حبيبي. وبعدين تخيل كده واحدة تصحى الصبح تقول لك صباح الخير يا روحي، وتعمل لك الفطار، وتسألك محتاج حاجة ولا لأ...

توقفت لحظة، ثم نظرت إلى والدتها وأضافت ببراءة مستفزة:

— مش زي ناس تانية، كل اللي شاغلها الميتنجات والاجتماعات، و«يلا بسرعة، مفيش وقت»!

شهقت والدتها بغيظ مصطنع، وتقدمت نحوهما.

— رنا! إنتِ بتتكلمي بجد؟!

التفتت إليها رنا، ثم رفعت حاجبيها بدهشة متصنعة.

— هو أنا قلت حاجة غلط يا مامي؟! ده أنا بفكر في راحة بابي بس.

ضحك والدها وهو يجذبها برفق نحوه، فاستغلت الفرصة وجلست إلى جواره، ثم أحاطت كتفيه بذراعيها.

— بس بصراحة يا بابي، أنا مش مقتنعة إنك هتلاقي واحدة أحلى من مامي.

تبدلت ملامحها فجأة إلى الجدية، ثم نظرت إلى والدتها وأكملت:

— يعني مهما حصل، مفيش أحلى منك يا قمر. إنتِ بس محتاجة تفضي لنا شوية، بدل ما ضرة تاخدنا منك.

لم تستطع والدتها منع ابتسامتها، رغم محاولتها الحفاظ على ملامح الغضب.

أما والدها، فضم رنا إليه وقبّل رأسها بحنان.

— يا ستي، أنا مش عايز غير أمك، ربنا يخليهالي. إنتِ بقى بطلي تخربي البيت وترخمي عليها، عشان أنا مقدرش أستغنى عنها لحظة.

ضحكت رنا وهي تستند برأسها إلى كتفه.

— خلاص يا حبيبي، طالما إنت مش عايز غيرها، يبقى لازم هي كمان تدلعك شوية. مش معقول أفضل أنا اللي أدافع عن حقوقك الزوجية!

— حقوقي الزوجية؟! يا نهار أبيض! إنتِ اتعلمتي الكلام ده فين؟!

انفجرت رنا ضاحكة، بينما اقتربت والدتها منها ولوّحت بإصبعها أمام وجهها.

— والله يا رنا، لو ما بطلتي كلامك ده، لأخليكي تندمي على الساعة اللي اتولدتي فيها!

اختبأت رنا داخل حضن والدها، وأمسكت بذراعه وهي تنظر إلى والدتها بتحدٍّ مرح.

— شايف يا بابي؟! أهو ده رد الجميل! أنا بحاول أحافظ على استقرار حياتك الزوجية، وهي عايزة تنتقم مني!

ضحك والدها مجددًا، ثم أمسك بيدها وربت عليها.

— خلاص يا حبيبتي، متخافيش. أنا هحميكي منها.

رفعت رنا رأسها إليه وابتسمت بحنان.

— عارفة يا بابي، إنت حبيبي أصلًا.

قبّل والدها جبينها مرة أخرى، بينما تنهدت والدتها وهي تنظر إليهما، ثم قالت بغيظ لم يخلُ من المرح:

— طبعًا، ما هو طول ما إنت مدلّعها كده، هتفضل راكبة على دماغنا!

نهضت رنا سريعًا، ثم التفتت إلى والدتها بابتسامة واسعة.

— طيب، لو سيادة المديرة غيرانة، أركب على دماغها هي! بس إنتِ قولي إنك فاضية، وأنا أقنعه إنه ما يتجوزش عليكي.

ردت والدتها بسرعة، وكأنها تخشى أن تضيّع الفرصة:

— آه، فاضية!

اتسعت ابتسامة رنا، ورفعت هاتفها أمامها.

— حلو أوي! اختاري بقى معايا أوتفيت.

ضحك والدها وهو يهز رأسه باستسلام.

— كل اللي حصل ده عشان أوتفيت؟! ما كنتِ اخترتي من ساعتها!

اقتربت رنا منه، وطبعت قبلة على خده. 

ثم قالت والدتها:

— أعترف بالذنب، بس كله إلا جوازك من واحدة غير. 

ضحك والدها، بينما أمسكت رنا بالهاتف وجلست إلى جوار والدتها، وبدأتا تتفحصان الصور معًا. لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى استقرتا على اختيار مناسب.

لكن ما ظهر على ملامح رنا لم يكن مجرد فرحة باختيار ملابسها؛ كانت سعادتها أكبر من ذلك بكثير.

احتضنتها والدتها فجأة، ثم ابتعدت قليلًا لتنظر إليها باستغراب محبب.

— كل ده فرح عشان اخترت لك أوتفيت؟!

هزت رنا رأسها بسعادة، ثم عانقتها من جديد، مستمتعة بتلك اللحظة التي طالما افتقدتها.

لم تعد والدتها إلى عملها فورًا، بل ظلت معهما تتبادل الحديث، بعدما تحولت محاولة رنا البسيطة إلى جلسة عائلية لم تكن والدتها تنوي منحها وقتًا من الأساس.

وبين ضحكات والدها واعتراضات والدتها، شعرت رنا أنها نجحت، ولو قليلًا، في صنع مساحة تجمعهم من جديد.

ولعلها تستطيع، خطوة بعد أخرى، أن تجد طريقها إلى قلبيهما من جديد.
_______

في المساء، جلست تبارك قبالة عبدالله في مطعم يطل على البحر، بينما كان النسيم القادم منه يحرّك خصلات شعرها برفق.

لم تكن تعرف من أين تبدأ، ولا كيف تقول كل ما ظل حبيس صدرها طوال تلك المدة. أما عبدالله، فكان يراقب شرودها دون أن يقاطعها، تاركًا لها المساحة التي تحتاج إليها.

قطع الصمت أخيرًا.

— تشربي إيه؟

التفتت إليه وكأنها عادت من مكان بعيد.

— أي حاجة.

تأملها قليلًا، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.

— خلاص، أنا هختار لك المرة دي.

— ماشي.

طلب مشروبين، ثم عاد ينظر إليها. كان لديه الكثير ليقوله ويسأل عنه، لكنه تذكر وعده لها بألا يضغط عليها، فاختار أن ينتظر حتى تتحدث من تلقاء نفسها.

وصلت الطلبات، ومع ذلك ظل الصمت يخيّم على الطاولة. كانت تبارك تقلب الملعقة بين أصابعها، وتفتح فمها أحيانًا كأنها ستقول شيئًا، ثم تتراجع.

وبعد وقت، رفعت عينيها إليه فجأة.

— عبدالله...

— عيونه.

عادت بنظرها إلى البحر، وقالت بصوت خافت:

— لو حد قالك إنه تعبان... تصدقه من غير ما تسأله ليه؟

ظل ينظر إليها للحظات، ثم أجاب ببساطة:

— لو الشخص ده إنتِ، آه.

التفتت إليه، وكأنها لم تتوقع إجابته. ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، سرعان ما اختفت وهي تخفض عينيها.

لم يسألها عن سبب السؤال، ولم يحاول استغلال اللحظة ليعرف ما تخفيه. اكتفى بأن يظل إلى جوارها.

لكن مع مرور الوقت، بدأ أثر الخمر التي تناولتها قبل مجيئها يظهر عليها بوضوح. أصبحت كلماتها أبطأ، ونظراتها أقل تركيزًا، وراحت تضحك فجأة ثم تصمت دون سبب واضح.

لاحظ عبدالله تغيرها، فعقد حاجبيه بقلق، لكنه لم يحرجها بالسؤال.

وبعد دقائق، أطلقت تبارك ضحكة قصيرة، ثم اختفت ضحكتها فجأة.

نظر إليها باستغراب.

— إيه يا ستي؟ أول مرة أشوفك بتضحكي كده.

أمالت رأسها قليلًا، وحدقت فيه بعينين لامعتين.

— أصل أنا نسيت...

توقفت، ثم ضحكت مرة أخرى.

— نسيت إني كنت بعرف أضحك.

اختفت ابتسامته، وقال بهدوء:

— متقوليش كده يا تبارك.

هزت رأسها ببطء، ثم نظرت إلى البحر.

— لا، بجد... أنا بقالي سنين مش عايشة.

لم يجبها فورًا. كان يريد أن يسألها عما تقصده، لكنه لاحظ أن عينيها بدأتا تمتلئان بالدموع.

مسحت إحداها بطرف إصبعها، ثم نظرت إليه بابتسامة ساخرة.

— لو حكيتلك، هتكرهني... أو هصعب عليك.

رفع رأسه إليها سريعًا.

— مستحيل أكرهك.

ضحكت بخفة، لكن ضحكتها هذه المرة لم تدم.

— كل الناس بتقول مستحيل، وبعدين بتمشي.

اقترب عبدالله قليلًا من الطاولة، وقال بصدق:

— أنا مش كل الناس.

ظلت تحدق فيه، وكأنها تحاول أن تقرر إن كانت تصدقه أم لا. ثم وضعت كفيها فوق الطاولة، وراحت تعبث بأصابعهما المرتجفة.

— إنت عايز تعرف اللي جوايا؟

— أكيد يا تبارك.

ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم مالت نحوه قليلًا.

— طب اسمع...

لكنها ما إن حاولت استجماع كلماتها حتى لاحظ عبدالله اضطراب حديثها وثقل جفنيها. عندها أدرك أنها لم تعد في كامل وعيها، وأنها ربما كانت على وشك إخباره بأمور لم تكن لتقولها في حالتها الطبيعية.

تنهد بهدوء، ثم قاطعها برفق.

— استني يا تبارك.

نظرت إليه باستغراب.

— ليه؟

— عشان إنتِ مش في حالتك دلوقتي.

عبست ملامحها، وسحبت يديها من فوق الطاولة.

— أنا كويسة.

— لا يا تبارك، إنتِ شكلك شربتي قبل ما تيجي، وأنا مش عايزك تقولي حاجة وتندمي عليها بعدين.

اتسعت عيناها قليلًا، ثم سألته بصوت متردد:

— يعني إنت مش عايز تعرف؟

صمت لحظة قبل أن يجيبها.

— نفسي أعرف كل حاجة، ومش هكدب عليكي. نفسي أفهم إيه اللي حصل، وليه بتبعدي عني كل ما أحاول أقرب منك. بس مش بالطريقة دي.

ظل ينظر إليها وهو يكمل:

— أنا عايزك تحكيلي وإنتِ بكامل وعيك، عشان تبقي إنتِ اللي اخترتي تحكي، مش عشان إنتِ مش قادرة تتحكمي في كلامك دلوقتي.

سكنت ملامحها قليلًا، وظلت تنظر إليه طويلًا.

— يعني هتستنى؟

ابتسم ابتسامة صغيرة.

— هستنى لحد ما تبقي مستعدة.

لم تستطع تبارك منع دموعها هذه المرة. انهمرت على وجنتيها، فحاولت مسحها سريعًا، لكن دموعًا أخرى لحقت بها.

لم يمد عبدالله يده إليها، ولم يحاول لمسها. ترك لها مساحتها، واكتفى بأن يقول بصوت هادئ:

— براحتك يا تبارك... أنا مش مستعجل.

غطت وجهها بكفيها، وخرج صوتها متقطعًا بين شهقاتها.

— أنا تعبت يا عبدالله... تعبت أوي.

شعر بانقباض في صدره، لكنه لم يسألها عن السبب. كان يدرك أن وراء كلماتها شيئًا أكبر مما تستطيع قوله الآن.

انتظر حتى هدأت قليلًا، ثم قال:

— طيب، يلا أوصلك البيت. نتكلم في كل ده لما تبقي أحسن.

هزت رأسها باعتراض ضعيف.

— مش عايزة أروح.

— طيب، بس لازم ترتاحي. يلا، هساعدك.

لم تجبه، واكتفت بخفض رأسها. طلب عبدالله الحساب، ثم انتظر حتى انتهى قبل أن يساعدها على النهوض.

كانت خطواتها غير ثابتة، فحرص على أن تسير ببطء حتى وصلا إلى سيارتها. أخذ منها المفتاح وفتح لها الباب، وانتظر حتى جلست، ثم وضع حقيبتها بجوارها وأغلق الباب برفق.

دار إلى مقعد السائق وجلس خلف المقود، ثم التفت إليها.

كانت تستند إلى المقعد، وعيناها نصف مغمضتين، وآثار الدموع لا تزال واضحة على وجهها.

تأملها بقلق، ثم سألها:

— إنتِ قادرة توصفيلي حاسة بإيه؟ دوخة بس، ولا في حاجة تانية مضايقاكي؟

حركت رأسها ببطء، وتمتمت بكلمات لم يستطع فهمها.

لم يشأ أن يفترض أن الأمر مجرد تأثير للخمر، فقرر أن يوصلها إلى المنزل ويظل مطمئنًا عليها.

أدار المحرك، وانطلقت السيارة في طريقها إلى الفيلا.

أما تبارك، فظلت صامتة طوال الطريق، بينما كان عبدالله يلقي عليها نظرات قلقة بين الحين والآخر.

توقفت السيارة أمام بوابة الفيلا، وأطفأ عبدالله المحرك، ثم التفت إلى تبارك التي كانت تستند برأسها إلى زجاج النافذة، وقد غلبها التعب.

— تبارك... وصلنا.

لم تجبه. حاولت فتح الباب، لكن أصابعها لم تطاوعها، فترجّل عبدالله سريعًا وفتح لها الباب بنفسه.

ما إن حاولت النزول حتى اختل توازنها، فأسرع يسندها قبل أن تسقط.

— بالراحة... خلي بالك.

تمتمت بكلمات غير مفهومة، ثم همست بصوت ضعيف:

— آسفة...

نظر إليها باستغراب، لكنه لم يسألها عن السبب.

— مفيش داعي للأسف. يلا، خلينا ندخل...

ثم سألها:

— في حد جوه؟

هزت رأسها نفيًا وهي تقول:

— تؤتؤ.

أسند ذراعها فوق كتفه، وأحاطها بحذر حتى لا تفقد توازنها. وعندما وصلا إلى الباب، حاولت إخراج المفتاح من حقيبتها، لكنه سقط من يدها.

التقطه عبدالله وفتح الباب، ثم تردد للحظة. كان يعلم أن دخوله إلى منزلها دون إذن قد يسبب لها مشكلة، لكنه لم يستطع تركها بهذه الحالة.

— سامحيني، بس مينفعش أسيبك لوحدك كده.

دخل معها، وساعدها حتى وصلت إلى الأريكة. جلست، ثم أغمضت عينيها وأراحت رأسها إلى الخلف.

سألها بقلق:

— تبارك... إنتِ سمعاني؟

فتحت عينيها بصعوبة، ونظرت إليه دون تركيز.

— إحنا في البيت؟

— أيوه، وصلنا.

حاولت الاعتدال في جلستها، لكنها عادت تستند إلى الأريكة، وعيناها نصف مغمضتين.

ظل يراقب أنفاسها للحظات، حتى اطمأن إلى أنها بدأت تستعيد وعيها تدريجيًا.

نهض بهدوء واتجه إلى المطبخ.

لم يكن يعرف أماكن الأشياء داخل الفيلا. فتح أحد الخزائن، فوجد أكوابًا مرتبة بعناية، ثم لمح عبوة قهوة سريعة التحضير.

بعد دقائق، عاد يحمل كوبًا يتصاعد منه البخار، ووضعه فوق الطاولة أمامها.

ثم بلل منشفة صغيرة بالماء البارد، وعاد يجلس أمامها.

قال بصوت خافت:

— ممكن؟

فتحت عينيها بصعوبة، ونظرت إليه دون تركيز، ثم أومأت برأسها بهدوء.

اقترب قليلًا، ومرر المنشفة برفق فوق جبينها، ثم على وجنتيها اللتين جفت فوقهما آثار الدموع.

لم تكن اللمسة تحمل أي جرأة، بل كانت أقرب إلى عناية أم بابنتها المريضة.

أغمضت عينيها مرة أخرى، وشعرت لأول مرة منذ سنوات أن لمسة إنسان لا تحمل خوفًا أو عقابًا أو أوامر.

بعد لحظات، سحب يده بهدوء، وقال بابتسامة صغيرة:

— القهوة هتساعدك شوية.

اعتدلت بصعوبة في جلستها، ثم أمسكت الكوب بكلتا يديها. كانت أصابعها ما تزال ترتجف، فأمسك عبدالله أسفل الكوب للحظة حتى لا يسقط منها، ثم تركه فورًا عندما شعر أنها أصبحت تمسكه جيدًا.

ارتشفت رشفة صغيرة وأغمضت عينيها، وكأن دفء القهوة بدأ يعيد إليها شيئًا من روحها.

ساد بينهما صمت طويل، لم يحاول عبدالله كسره. كان يشعر أن أي سؤال الآن سيكون ظلمًا لها.

وضعت الكوب ببطء فوق الطاولة، ثم همست دون أن تنظر إليه:

— شكرًا...

ابتسم ابتسامة هادئة.

— متشكرنيش، أنا معملتش حاجة.

رفعت عينيها إليه، ولأول مرة نظرت إليه طويلًا.

لم تكن ترى الشاب الذي اعترف لها بحبه قبل قليل، بل كانت ترى شخصًا بقي بجوارها بعد انهيارها.

امتلأت عيناها بالدموع من جديد. حاولت منعها، لكنها فشلت، فانهمرت دموعها في صمت.

أشاح عبدالله بوجهه قليلًا، ليس لأنه لا يريد أن يراها، بل لأنه أراد أن يمنحها مساحة تبكي فيها دون أن تشعر بالخجل.

مرت دقائق لم يُسمع خلالها إلا صوت أنفاسها المتقطعة.

ثم رفعت يدها ببطء، وترددت طويلًا قبل أن تمد أصابعها المرتجفة وتلامس ظهر كفه.

تجمد عبدالله مكانه، ونظر إلى يدها، ثم إليها.

كانت هذه أول مرة تبادر فيها هي بالاقتراب.

قبضت على يده بخجل شديد، وكأنها تخشى أن تتراجع في أي لحظة، ثم همست بصوت بالكاد يُسمع:

— عبدالله...

رفع عينيه إليها بهدوء.

ابتلعت ريقها، ثم قالت وهي تهرب بعينيها إلى الأرض:

— ممكن...

ابتسم بحنان.

— ممكن إيه؟

سكتت تمامًا، وظلت ممسكة بيده لعدة ثوانٍ، قبل أن يخرج منها طلب لم تكن تتخيل يومًا أنها ستنطقه.

قالت بصوت مرتعش:

— تحضني؟

توقفت أنفاس عبدالله، حتى إنه ظن أنه لم يسمع جيدًا.

نظر إليها في صمت، فوجدها تغلق عينيها من شدة الخجل، وتكمل بصوت مكسور:

— لو... لو مش هتضايق.

ظل ساكنًا للحظة، لا يعرف كيف يتصرف. كان يعلم جيدًا أنها تحت تأثير الكحول، فقال برقة:

— مستحيل أضايق... بس ممكن إنتِ اللي تتضايقي بعد كده.

هزت رأسها نافية ما قاله، لكنه أراد أن يطمئن أكثر، فسألها:

— إنتِ متأكدة؟

هزت رأسها ببطء.

اقترب منها ببطء شديد، وكأنه يخشى أن يفزعها، ثم فتح ذراعيه دون أن يقترب أكثر.

كانت هي من اقتربت هذه المرة، واستندت برأسها إلى صدره.

وظلت تبكي بكل الوجع الذي كتمته لسنوات.

أما هو، فاكتفى بأن ضمها برفق، لا أكثر ولا أقل.

وبعد لحظات، خرج صوتها من بين شهقاتها:

— ممكن...

توقفت قليلًا، ثم أكملت بصوت خافت:

— تحط إيدك على شعري؟

أغمض عبدالله عينيه للحظة.

كان يدرك أن هذا الطلب لم يكن طلب فتاة تبحث عن الحب، بل طلب روح لم تعرف الأمان منذ زمن.

رفع يده ببطء شديد، ووضعها فوق شعرها برفق، ثم بدأ يربت عليه بحركات هادئة، دون أن ينطق بحرف أو يحاول استغلال قربها.

كان كل ما يتمناه في تلك اللحظة أن يخفف عنها بعضًا من ذلك الحمل الذي كانت تحمله وحدها منذ سنوات.

وفي اللحظة التي بدأت فيها أنفاسها تهدأ قليلًا، قطع سكون الفيلا صوت محرك سيارة توقفت أمام البوابة.

تجمد جسد تبارك بين ذراعيه، واتسعت عيناها رعبًا، ثم همست بصوت خرج كالفزع:

— بابا...

تعليقات



<>