رواية بين عينيك وطن الفصل الاول1بقلم ملك احمد محمد


رواية بين عينيك وطن الفصل الاول1بقلم ملك احمد محمد
«لم أكن أبحث عن الحب حين التقيتها... لكنني منذ ذلك اليوم، لم أعد أبحث عن شيءٍ سواها.»

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في موقع بناء أحد المشروعات المعمارية...

كان صوت المعدات يملأ المكان، وتتداخل معه أصوات العمال المتناثرة في أرجائه، بينما كانت أشعة الشمس القوية تتسلل من بين أعمدة المبنى الذي لم يكتمل بناؤه بعد.

انشغل الجميع بأعمالهم؛ فهذا يحمل المعدات، وذاك يراجع المخططات، وآخرون يتابعون أعمال البناء تحت إشراف المهندسين، في حركة لا تهدأ.

وقف رجل في منتصف العمر بجوار أحد الأعمدة، يمسح العرق عن جبينه بطرف قميصه، قبل أن يلتفت عندما سمع أحد العمال يناديه.

العامل: يا أستاذ أحمد! تعالى هنا، محتاجين شوية أسمنت.

اعتدل أحمد في وقفته، ثم اتجه نحو المكان وأمسك بكيس الأسمنت، محاولًا حمله رغم ثقل وزنه.

سار به عدة خطوات، لكن قدمه اصطدمت فجأة بقالب من الطوب موضوع على الأرض، فاختل توازنه وكاد أن يسقط.

وقبل أن يحدث ذلك، امتدت يد وأمسكت بكيس الأسمنت بثبات، لتنقذه من السقوط.

نظر أحمد إلى اليد التي ساعدته، ثم رفع عينيه ليجد شابًا يقف أمامه.

كان يرتدي قميصًا أنيقًا وبنطالًا أسود، وتبدو على ملامحه الثقة والهدوء، بينما حملت نظراته شيئًا من الحزم جعل من حوله ينتبهون إلى وجوده.

ارتسمت ابتسامة جانبية على شفتي الشاب، وهو يقول بنبرة مازحة:

ـ إيه يا عم أحمد؟ ناوي تسيبلي الموقع من غير كبيره ولا إيه؟ خد بالك من نفسك شوية، كده كنت هتقع.

ابتسم أحمد وهو يستعيد توازنه، ثم قال:

أحمد: تسلم يا ابني، بس الشغل النهارده كان تقيل شوية.

أخذ الشاب كيس الأسمنت منه ووضعه جانبًا، ثم وقعت عيناه على يد أحمد، يتفحصها باهتمام.

ـ إيدك لسه بتوجعك؟

نظر أحمد إلى يده للحظة، ثم ابتسم محاولًا طمأنته.

أحمد: بسيطة يا ابني، متقلقش.

عقد الشاب حاجبيه قليلًا، وكأنه لم يقتنع بإجابته، لكنه لم يُرِد الدخول معه في نقاش طويل.

ـ بسيطة إيه بس؟ برضه متشيلش حاجة تقيلة تاني.

ثم التفت إلى أحد العمال وأشار إليه بيده.

ـ تعالى هنا.

اقترب العامل سريعًا.

العامل: أيوه يا باشا؟

أشار الشاب إلى أحمد، ثم قال بنبرة هادئة، لكنها لم تخلُ من الحزم:

ـ هو أنا مش قولتلك إن الناس اللي زي عم أحمد ما يشيلوش حاجات تقيلة؟

العامل: أيوه يا باشا.

ـ طيب ليه بتديله شغل مش شغله؟

العامل: آسف يا باشا، والله ماخدتش بالي.

ظل الشاب ينظر إليه لثوانٍ، قبل أن يومئ برأسه.

ـ خلاص، خليك واخد بالك بعد كده.

العامل: حاضر يا باشا.

حمل العامل كيس الأسمنت بدلًا من أحمد، بينما نظر الأخير إلى الشاب بابتسامة امتنان.

أحمد: ربنا يكرمك يا ابني.

ابتسم الشاب ابتسامة خفيفة، ثم أجابه ببساطة:

ـ ده أقل واجب.

أومأ أحمد برأسه، ثم عاد إلى عمله، بينما ظل الشاب واقفًا يتابع حركة العمال من حوله.

لم يكن من النوع الذي يكتفي بإصدار الأوامر من بعيد، بل كان يحرص على متابعة كل شيء بنفسه، ويتدخل فورًا عندما يلاحظ خطأً يستدعي تدخله.

وبينما كان يتفقد المكان، اقترب منه أحد المهندسين وهو يحمل مجموعة من الأوراق.

المهندس: باشمهندس، المخطط المعدل وصل.

أخذ الشاب الأوراق منه، وراح يتفحصها بعناية، يقلب صفحاتها واحدة تلو الأخرى، حتى توقف عند نقطة محددة.

ـ التعديل ده اتعمل إمتى؟

المهندس: من شوية.

قلب الشاب إحدى الصفحات مجددًا، ثم أشار إلى جزء في المخطط.

ـ هنا.

اقترب المهندس ليرى ما يشير إليه.

ـ الجزء ده محتاج يتراجع قبل ما ننفذه.

المهندس: حاضر.

رفع الشاب عينيه عن الأوراق ونظر إليه مباشرة.

ـ ومحدش يبدأ فيه غير لما أتأكد منه بنفسي.

المهندس: حاضر يا باشا.

أومأ الشاب برأسه، ثم أعاد النظر إلى المبنى الممتد أمامه.

كان المشروع من أهم المشروعات التي عمل عليها منذ بداية مسيرته المهنية، ولهذا كان يتعامل مع كل تفصيلة فيه بجدية شديدة.

لم يكن يحب ترك الأمور للصدفة، ولم يكن من السهل أن يقتنع بأي عمل قبل أن يتأكد بنفسه من أنه نُفذ بالشكل الذي يريده.

أعاد الأوراق إلى المهندس، ثم استعد للابتعاد، لكن صوتًا جاء من خلفه أوقفه.

ـ راكان... استنى!

توقف الشاب في مكانه، ثم استدار ببطء نحو مصدر الصوت.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

في مكانٍ آخر تمامًا... وتحديدًا داخل دار نشر.

على عكس الضجيج الذي ملأ موقع البناء، كان الهدوء يسيطر على المكان، ولا يُسمع سوى صوت تقليب الأوراق ونقر أصابع الموظفين على لوحات المفاتيح.

انشغل كل موظف بعمله، حتى قطعت فتاة ذلك الهدوء وهي تركض في الممر، حاملةً مجموعة كبيرة من الأوراق بين يديها.

ـ وسعولي بسرعة!

نظر إليها أحد الموظفين وضحك وهو يبتعد عن طريقها.

أحد الموظفين: براحة يا بنتي، هتوقعي!

ـ مش وقته يا محمد!

أفسح لها الموظفون الطريق، حتى وصلت أخيرًا إلى أحد المكاتب.

دخلت بسرعة، ثم وضعت الأوراق فوق المكتب، وهي تحاول التقاط أنفاسها بعد ركضها في الممر.رفعت رأسها لتجد رجلًا في منتصف العمر ينظر إليها بصمت.

ـ الأوراق أهي يا أستاذ رضوان.

نظر رضوان إلى الساعة المعلقة على الحائط، ثم أعاد نظره إليها.

رضوان: اتأخرتي المرادي.

وضعت يدها على صدرها، تحاول استعادة أنفاسها، ثم قالت بابتسامة متوسلة:

ـ معلش يا عمو، بس إنت عارف إني بتأخر في البيت.

رفع رضوان حاجبه، ونظر إليها نظرة ذات مغزى.

رضوان: بنت، أنا مش قولتلك متقوليش عمو دي في المكتب؟

ابتسمت بخفة، وكأنها لم تسمع تحذيره من قبل.

ـ آسفة يا عمو.

حدق بها رضوان لثوانٍ، قبل أن يقول بلهجة تحذيرية:

رضوان: تاني؟!

ـ خلاص بقى، معلش!

حاول رضوان إخفاء ابتسامته، لكنه لم ينجح في ذلك.

رضوان: إنتِ هتفضلي زي ما إنتِ كده طول عمرك.

ـ ما أنا عاجباك كده.

رضوان: مين قالك؟

ـ وشك قال.

ضحك رضوان وهز رأسه باستسلام، ثم أشار إلى الأوراق الموجودة أمامه.

رضوان: خلاص يا ستي، روحي شوفي شغلك بدل ما تيجي بعد كده متأخرة أكتر.

أومأت برأسها، ثم حملت بعض الأوراق من فوق المكتب.

ـ حاضر يا عمو.

توقفت للحظة، وكأنها تذكرت شيئًا مهمًا، ثم نظرت إليه بسرعة.

ـ أقصد... يا أستاذ رضوان.

ابتسم رضوان وهو يهز رأسه.

رضوان: أهو كده.

ابتسمت، ثم اتجهت نحو الباب بخطوات سريعة.

خرجت من المكتب وسارت في الممر، وهي تراجع بعض الأوراق التي تحملها بين يديها، وتحاول التأكد من أنها لم تنسَ شيئًا من مهامها.

لكنها توقفت فجأة عندما سمعت صوتًا تعرفه جيدًا يناديها من خلفها.

استني يا جود!

توقفت مكانها، ثم أغمضت عينيها للحظة، وكأنها عرفت صاحب الصوت قبل أن تستدير.

تنهدت بخفة، ثم استدارت ببطء ونظرت خلفها.

                     الفصل الثاني من هنا
تعليقات



<>