رواية ابن الهواري (زين ومليكة) الفصل الاول1بقلم سهر احمد


رواية ابن الهواري (زين ومليكة) الفصل الاول1بقلم سهر احمد

 بين الثار والورث... وعشق لم يكن في الحسبان

في الصعيد، فيه حكايات بتبدأ بكلمة، وحكايات بتبدأ بدمعة، وحكايات بتفضل عايشة في قلوب العائلات سنين طويلة، حتى لو أصحابها ماتوا... والثأر عمره ما كان مجرد حكاية قديمة، ده وجع بيتورّث من جيل لجيل، وبيكبر مع كل طفل يسمع اسم العيلة التانية ويتعلم يكرهها من غير ما يعرف السبب.

وفي نجع الهواري، كان اسم الهواري لوحده كفاية يخلي الناس تحسب ألف حساب، وعلى الناحية التانية من النجع، كانت عيلة المنياوي، العيلة اللي بينها وبين الهوارية حكاية قديمة، حكاية بدأت بخلاف على أرض وورث، وانتهت بفاجعة خلت الدم بينهم ما بقاش مية.

لكن محدش كان يعرف إن الحكاية اللي بدأت من سنين هتتفتح من جديد، وإن أصعب حرب ممكن يخوضها اتنين مش هتكون حرب العيلتين... إنما حرب قلوبهم.

كان الفجر لسه بيفرد خيوطه على البلد، وصوت الديوك مالي النجع، لما خرج زين جابر الهواري من باب الدار الكبير.

شاب في أواخر العشرينات، طويل وعريض المنكبين، ملامحه فيها شدة الصعيد وهيبته، شعره أسود، ودقنه مرسومة بعناية، لابس جلباب صعيدي كحلي، وعلى كتفه شال صعيدي، وفي إيده مسبحة فضة.

زين مش مجرد ابن جابر الهواري، زين كان كبير شباب العيلة، والكلمة اللي بتطلع منه محدش بيقدر يردها بسهولة.

نزل درجات السلم الحجري، لقى عمه رجب قاعد في المضيفة، بيشرب قهوته، ووشه مكفهر.

رجب: صباح الخير يا ولد أخوي.

زين: صباح النور يا عمي... مالك؟ وشك مش عاجبني من الصبح.

رجب حط الفنجان على الأرض وقال:

رجب: المنياوية رجعوا يفتحوا سيرة الأرض.

زين وقف مكانه، وبصله بحدة.

زين: أرض إيه تاني؟ هو مفيش غير الأرض دي في البلد كلها؟

رجب: جلال المنياوي باعت ناسه امبارح، وبيقول إن الأرض اللي ورا الترعة حقه، وإن معاه ورق يثبت كلامه.

زين ضحك ضحكة ساخرة.

زين: جلال المنياوي؟! ده لو الأرض نفسها نطقت وقالت إنها بتاعته، مش هصدقه.

رجب: خليك عاقل يا زين، إحنا مش ناقصين وجع دماغ.

زين قرب منه وقال بنبرة تقيلة:

زين: العاقل هو اللي يحفظ حقه يا عمي، إنما اللي يسكت عن حقه، الناس تاكله وهو واقف.

رجب: وأبوك الله يرحمه كان عارف إن الحكاية دي أكبر من أرض، وكان دايمًا يقول إن الغلط اللي حصل زمان لازم يقف عند جيله.

اتغيرت ملامح زين، وظهر الغضب في عينيه.

زين: أبويا مات وهو شايل وجع المنياوية، وأنا مش هنسى.

رجب: بس أبوك كان راجل، وكان عارف إن مش كل اللي بيتورث لازم نكمله.

سكت زين لحظة، وبعدها أخد مفاتيح عربيته.

زين: أنا رايح أشوف الأرض بنفسي.

وعلى الناحية التانية من البلد، كانت مليكة جلال المنياوي واقفة في وسط الأرض، ماسكة ملف أوراق، وبتراجع حدودها مع المهندس اللي جابه أبوها.

مليكة بنت عندها أربعة وعشرين سنة، جميلة بملامح صعيدية هادية، لكن عينيها فيها قوة وعناد، لابسة عباية واسعة بلون الزيتي، وطرحة بيج ملفوفة بعناية، وواقفة بثبات قدام العمال.

المهندس: كده يا آنسة مليكة، الحدود حسب الورق اللي معانا واضحة، ومفيش أي خلاف في القياسات.

مليكة: تمام، يبقى محدش يقرب من الأرض لحد ما الموضوع يتفحص رسمي.

جاء صوت من وراها، خشن ومستفز:

زين: ومن إمتى المنياوية بقوا أصحاب أرض الهوارية؟

التفتت مليكة، وشافت زين واقف قدامها، إيده في جيب جلبابه، وعينيه مثبتة عليها.

مليكة رفعت حاجبها وقالت:

مليكة: ومن إمتى الهوارية بقوا أوصياء على أراضي البلد كلها؟

زين ابتسم بسخرية.

زين: إنتِ عارفة إنتِ واقفة فين يا بنت المنياوي؟

مليكة: أيوه، واقفة في أرض أبويا وجدي، ولا إنت محتاج حد يفكرك؟

زين قرب خطوتين.

زين: اسمعي يا بت الناس، الأرض دي ليها أصحاب، وأصحابها مش هيسمحوا لحد ياخد منها شبر.

مليكة: وأنا مش جاية آخد حاجة من حد، أنا جاية آخد حقي، واللي معاه حق يطلعه بالقانون.

زين: القانون؟! هو إنتِ فاكرة إن كل حاجة بتتحل بورقة؟

مليكة: وأنت فاكر إن الصوت العالي بيحوّل الباطل لحق؟

المهندس حاول يتدخل:

المهندس: يا جماعة، إحنا ممكن نحل الموضوع بهدوء...

زين بصله نظرة خلت الراجل يسكت، لكن مليكة وقفت قدامه.

مليكة: متبصش للراجل كده، هو بيأدي شغله، ولا إنت متعود إن الناس تسكت لما ترفع عينك فيها؟

زين ثبت عينيه عليها.

زين: إنتِ لسانك طويل قوي.

مليكة: وأنت غرورك أطول من النجع كله.

واحد من رجال الهوارية ضحك غصب عنه، فزين لف ناحيته بنظرة أسكتته.

زين رجع بص لمليكة وقال:

زين: أبوكي بعتك تواجهيني؟ ولا دي شطارتك من نفسك؟

مليكة: أنا مش محتاجة حد يبعتني، وأنا مش بخاف من اسم الهواري زي ما أنت متخيل.

زين: يبقى الأيام هتعرفك مين زين الهواري.

مليكة: والأيام هتعرفك إن مليكة المنياوي مش سهلة زي ما أنت فاكر.

شالت ملفها ومشيت، وسابت زين واقف مكانه، بيتابع خطواتها بغضب غريب.

كان مستغرب إزاي بنت جلال المنياوي قدرت ترد عليه بالشكل ده، والأغرب إنه لأول مرة من سنين يقف قدام حد وما يلاقيش رد مناسب يقوله.

رجعت مليكة البيت، ولقت أبوها جلال قاعد في الصالون، وأخوها الأكبر حازم بيتكلم في التليفون.

جلال: إيه اللي حصل يا بنتي؟ سمعت إن زين الهواري كان هناك.

مليكة حطت الملف على الترابيزة.

مليكة: حصل اللي كنت متوقعاه، جه يتكلم كأن الأرض ملك أبوه، وافتكر إن مجرد ظهوره هيخلينا نتراجع.

جلال: زين طالع لأبوه، نفس العند ونفس الكبرياء.

مليكة: وأنا مش هتنازل عن حقنا يا بابا.

جلال بص لها بحزن.

جلال: يا بنتي، إنتِ متعرفيش الحكاية من أولها.

مليكة: طب احكيلي، أنا كبرت، ومن حقي أعرف ليه كل ما اسم الهواري يتقال في البيت، الدنيا بتتقلب.

جلال سكت شوية، وبعدين قال:

جلال: من سنين طويلة، جدك وجد زين كانوا شركا في أرض كبيرة، وكان بينهم اتفاق على تقسيم الورث. حصل خلاف، وكل واحد قال إن التاني خد حقه. وبعدها حصلت المصيبة اللي خلت العيلتين ما يعرفوش يبصوا في وش بعض.

مليكة: يعني كل ده بسبب ورث؟

جلال: الورث كان أول الحكاية، إنما اللي حصل بعده خلّى الجرح أعمق.

مليكة: وذنبي إيه أنا؟ وذنب زين إيه؟ إحنا ما كناش اتولدنا أصلًا!

جلال رفع عينه ليها، وكان في وشه كلام كتير مش قادر يقوله.

جلال: عشان كده بقولك ابعدي عنهم يا مليكة.

مليكة: أنا هبعد عن المشاكل، لكن مش هبعد عن حقي.

عدت أيام، والخلاف على الأرض بقى حديث النجع كله.

زين بقى يروح الأرض كل يوم، ومليكة كانت بتتابع الإجراءات مع المحامي، وكل ما يتقابلوا تحصل مشادة جديدة.

مرة اتقابلوا عند مكتب المحامي، ومرة عند الأرض، ومرة في السوق لما زين اعترض على مرور عربية نقل تابعة لعيلة المنياوي من طريق بيقول إنه تابع لأرض الهوارية.

وفي كل مرة كانت مليكة بتثبت له إنها مش هتتراجع.

وفي يوم السوق، كانت مليكة نازلة تشتري شوية حاجات لوالدتها، لما سمعت صوت عربية بتقف جنبها.

زين نزل من العربية وقال:

زين: إنتِ مبتتعبيش من كتر الظهور في وشي؟

مليكة بصتله باستغراب.

مليكة: هو السوق بتاع أبوك وأنا مش واخدة بالي؟

زين: السوق للكل، بس الظاهر إنك بتحبي تستفزيني.

مليكة: يا سلام! هو أنا بقيت فاضية أستفز زين الهواري؟

زين: أمال إيه اللي جابك هنا؟

مليكة: جايه أشتري حاجات، مش جاية أطلب إيدك.

زين كتم ضحكته بالعافية، لكنه رجع بسرعة لملامحه الجادة.

زين: إنتِ قليلة الأدب يا بت المنياوي.

مليكة: وأنت قليل الذوق يا ابن الهواري.

وقبل ما يكملوا كلامهم، سمعوا صوت بنت صغيرة بتعيط، كانت واقفة جنب عربية خضار، وشنطتها واقعة منها والحاجات متبعترة على الأرض.

مليكة جريت عليها.

مليكة: مالك يا حبيبتي؟ إنتِ تايهة؟

البنت هزت راسها وهي بتعيط.

مليكة نزلت لمستواها وبدأت تطمنها، وفي نفس اللحظة زين قرب وسألها عن اسم أهلها، وبعد شوية عرفوا بيتها، وأصر زين يوصلها بنفسه.

مليكة كانت بتراقبه من بعيد، مستغربة التغيير اللي حصل في صوته وطريقته وهو بيكلم الطفلة.

لما رجع، لقاها واقفة مستنياه.

زين: واقفة ليه؟

مليكة: كنت بشكرك.

زين بص لها باستغراب.

زين: على إيه؟

مليكة: على إنك وصلتها لأهلها.

زين: دي بنت ناس يا بنتي، ومينفعش نسيبها لوحدها.

مليكة ابتسمت ابتسامة بسيطة.

مليكة: أهو طلع جواك حتة بني آدم أهو.

زين ضيق عينيه.

زين: إنتِ هتفضلي مستفزاني حتى وأنا بعمل خير؟

مليكة ضحكت ومشيت.

ولأول مرة، زين ابتسم وهو شايفها بتبعد، قبل ما يستوعب هو بيعمل إيه.

وفي ليلة من الليالي، اتجمعت العيلتين في مناسبة كبيرة عند أحد أقاربهم، وكانت مليكة مع والدتها، بينما زين كان واقف وسط رجال الهوارية.

دخلت مليكة بفستان صعيدي محتشم بلون نبيتي، وطرحة هادية، وملامحها كانت مشرقة.

زين لمحها من بعيد، وحاول يشغل نفسه بكلام عمه، لكنه لقى عينيه بترجع ناحيتها كل شوية.

أما مليكة، فكانت بتتجنب النظر ليه، لحد ما سمعت صوته قريب منها.

زين: مساء الخير يا آنسة مليكة.

مليكة التفتت بسرعة.

مليكة: مساء النور.

زين: إيه ده؟ مفيش خناقة النهارده؟

مليكة: مش كل يوم لازم أضيع وقتي معاك.

زين: يعني أنا بقيت تضييع وقت؟

مليكة: بالظبط.

زين ابتسم وقال بصوت واطي:

زين: غريبة... وأنا بقيت أدور عليكي وسط الزحمة.

مليكة اتلخبطت للحظة، لكنها أخفت ده بسرعة.

مليكة: خليك في حالك يا زين، أحسنلك.

زين: بحاول، بس إنتِ مش مساعدة.

قبل ما ترد، ظهر حازم أخوها، وبص لزين بغضب.

حازم: إنت بتعمل إيه هنا؟

زين: واقف زي ما إنت شايف.

حازم: ابعد عن أختي.

زين اتعدل في وقفته.

زين: وأنا كنت بكلمك إنت؟

حازم: أنا بقولك ابعد عنها، وإنت فاهم قصدي.

مليكة تدخلت بسرعة.

مليكة: حازم، كفاية. مفيش داعي للكلام ده.

حازم: إنتِ متدخليش يا مليكة.

زين: متعليش صوتك عليها.

حازم لف ناحيته.

حازم: وإنت مالك بيها؟

سكت زين لحظة، وبص لمليكة، وبعدها رد:

زين: ماليش بيها حاجة... لحد دلوقتي.

مليكة بصتله بصدمة، وحازم شد أخته ومشي بيها، لكن الكلمة فضلت ترن في ودنها.

مرت أسابيع، وكل يوم كان بيعدي بيكشف لمليكة جانب جديد من زين، ويكشف لزين إن البنت اللي كان فاكرها مجرد بنت عنيدة من عيلة خصمه، بقت تشغل تفكيره أكتر مما كان يتصور.

وفي يوم، وصل لمليكة ظرف قديم فيه صورة لجدها مع جد زين، وورقة بخط قديم.

كانت الورقة بتثبت إن فيه اتفاق سابق على تقسيم الأرض، لكن الجزء المهم منها كان ناقص.

مليكة خدت الورق وراحت لأبوها.

مليكة: بابا، إيه ده؟ وليه الورقة دي كانت مخبية؟

جلال اتغير لونه أول ما شافها.

جلال: إنتِ جبتي الورقة دي منين؟

مليكة: كانت وسط أوراق جدي.

جلال قعد على الكرسي، وسكت.

مليكة: أنا عايزة أفهم، هو فيه حاجة إحنا مش عارفينها؟

جلال: فيه حاجات كتير يا بنتي، بس مش كل حقيقة ينفع تتقال.

مليكة: الحقيقة اللي هتخليني أكره ناس من غير ذنب، مش عايزاها. أنا عايزة أعرف كل حاجة.

جلال أخيرًا قرر يتكلم.

جلال: جدك وجد زين كانوا متفقين إن الأرض تتقسم بالنص، لكن بعد وفاة جدك، الورق الأصلي اختفى، وكل عيلة اتهمت التانية إنها استولت على حقها. وبعدها حصلت الحادثة اللي مات فيها عم زين، وكل واحد بقى شايل التاني المسؤولية.

مليكة: وإنت كنت عارف إن الورق موجود؟

جلال: كنت عارف إن فيه نسخة، لكن ما كنتش أعرف إنها عند جدك.

مليكة: يبقى لازم نعرف الحقيقة.

وفي نفس الليلة، زين كان قاعد مع عمه رجب، لما دخل عليهم رجل كبير من رجال البلد، اسمه عم صابر، وكان معروف إنه شاهد على الخلاف القديم.

عم صابر: يا ولاد الهواري، أنا عايز أتكلم معاكم في موضوع قديم.

زين: اتفضل يا عم صابر.

عم صابر: موضوع الأرض والثأر اللي بينكم وبين المنياوية... الموضوع ده فيه ظلم كبير حصل.

رجب رفع عينه بسرعة.

رجب: إنت بتقول إيه يا عم صابر؟

عم صابر: بقول إن مش كل اللي اتقال زمان كان صحيح، وإن فيه ورق وشهادة اتدفنت عشان ناس معينة تستفيد من الأرض.

زين وقف.

زين: مين اللي عمل كده؟

عم صابر: اللي عمل كده مات، واللي يعرف الحقيقة لسه عايش، بس خايف يتكلم.

زين قرب منه.

زين: أنا عايز الحقيقة، حتى لو كانت ضد عيلتي.

رجب بصله بحدة.

رجب: إنت واعي بتقول إيه يا زين؟

زين: أيوه يا عمي، أنا تعبت من عداوة مش فاهمين أصلها، ومش هفضل أكره ناس عشان حكاية محدش عارف حقيقتها.

عم صابر هز راسه وقال:

عم صابر: يبقى لازم تعرف إن مليكة معاها طرف من الورق اللي بيدور عليه الكل.

في صباح اليوم التالي، زين راح لبيت المنياوي.

دخول ابن الهواري لبيت المنياوي كان حدث لوحده، والخدم والرجال وقفوا يتابعوه باستغراب.

خرج جلال بنفسه، وملامحه كانت متحفزة.

جلال: خير يا زين؟ إيه اللي جابك دارنا؟

زين: جاي أتكلم في موضوع الأرض.

جلال: مفيش بينا كلام.

زين: يبقى لازم يكون فيه، عشان الظاهر إن فيه حد لعب بالعيلتين سنين طويلة.

في اللحظة دي خرجت مليكة، وكانت ماسكة الورقة القديمة.

مليكة: أنت عرفت؟

زين بص لها.

زين: عرفت إن معاكي ورق ممكن يغير كل حاجة.

مليكة: وإنت جاي تاخده؟

زين: جاي أشوفه، مش آخده.

مليكة مدت إيدها بالورقة.

مليكة: اتفضل، بس بشرط.

زين: قولي.

مليكة: الحقيقة تطلع كاملة، حتى لو هتزعل الهوارية.

زين بص في عينيها وقال:

زين: وحتى لو هتزعل المنياوية.

جلال تدخل:

جلال: وأنا موافق، بس الموضوع ده لازم يتعرض على كبار العيلتين.

زين هز راسه.

زين: موافق يا عم جلال.

ولما مليكة مدت الورقة لزين، لمست صوابعه صوابعها للحظة، فالاتنين سحبوا إيديهم بسرعة.

لكن النظرة اللي اتبادلت بينهم كانت أطول من أي كلمة.

بعد أيام من البحث، اتضح إن الأرض كانت متقسمة بالفعل بين العيلتين، وإن فيه جزء من المستندات اتخبّى بعد خلاف قديم، وإن الاتهام اللي اتوجه لعيلة المنياوي بخصوص وفاة عم زين ما كانش مبني على دليل.

الحقيقة ما رجعتش اللي ماتوا، لكنها كشفت إن سنين من الكراهية اتبنت على أسرار وأخطاء، وإن ناس كتير دفعت تمن خلاف ما كانش ليها ذنب فيه.

اتجمع كبار العيلتين في دار الهواري.

جابر، والد زين، كان قد توفى من سنين، لكن عمه رجب كان حاضر، وجلال المنياوي قاعد قدامه.

رجب بص لجلال وقال:

رجب: الظاهر إننا ظلمنا بعض يا جلال.

جلال رد بصوت مكسور:

جلال: والسنين اللي راحت مين يرجعها يا رجب؟

زين اتكلم:

زين: اللي راح مش بإيدينا نرجعه، لكن اللي جاي بإيدينا نختاره. أنا مش عايز أولادي في يوم من الأيام يقعدوا مكاننا، ويكرهوا عيال بعض بسبب حكاية إحنا نفسنا ما فهمناهاش.

جلال بص لمليكة، اللي كانت واقفة جنب والدتها، وبعدها رجع بص لزين.

جلال: كلامك كبير يا ولد الهواري.

زين: مش أكبر من اللي ضاع مننا.

واتصافحت الأيدي أخيرًا، لكن فيه قلبين كانوا لسه واقفين عند أول الطريق.

بعد انتهاء القعدة، خرجت مليكة لحديقة الدار، ووقفت تحت شجرة الجميز القديمة.

سمعت خطوات وراها، وعرفت صاحبها من غير ما تلتفت.

مليكة: إيه؟ جاي تفتح خناقة جديدة؟

زين وقف جنبها.

زين: لا، جاي أسألك سؤال.

مليكة: اتفضل.

زين: هو إنتِ لسه شايفاني مغرور ومتعجرف؟

مليكة ابتسمت.

مليكة: شوية.

زين: شوية بس؟

مليكة: متفرحش أوي، لسه الطريق طويل.

زين ضحك وقال:

زين: طب وأنا لو قلتلك إني بقيت مستني أي فرصة أشوفك فيها؟

مليكة سكتت، وبصت بعيد.

زين كمل بصوت أهدى:

زين: عارف إن بينا حكاية أكبر مننا، وعارف إن اللي حصل زمان مش سهل يتنسي، بس أنا مش عايز أعيش باقي عمري محكوم بكراهية ناس ماتت، ولا عايزك تكوني مجرد بنت من عيلة المنياوي في عيني.

مليكة التفتت له.

مليكة: وأكون إيه؟

زين قرب خطوة، لكن حافظ على مسافة بينهما.

زين: تكوني مليكة... البنت اللي كل ما أقول هبعد عنها، ألاقي نفسي بدور عليها.

مليكة نزلت عينيها، وابتسامة صغيرة ظهرت على وشها.

مليكة: إنت فاكر إن الموضوع سهل؟ أبويا مش هينسى اللي حصل في يوم وليلة، وأهلك كمان.

زين: عارف، وعشان كده مش هطلب منك حاجة في السر، ولا هخليكي تقفي ضد أهلك عشاني.

مليكة: وأنت مستعد تواجه عيلتك؟

زين: لو عيلتي هتطلب مني أكرهك عشان اسم أبوكي، يبقى لازم أعلّمهم إن مليكة ملهاش ذنب في اللي حصل زمان.

مليكة رفعت عينيها ليه.

مليكة: وأنا مش هقبل إنك تتنازل عن حقك عشاني.

زين ابتسم.

زين: أنا مش بتنازل عن حقي يا مليكة... أنا بس عرفت إن فيه حاجات أغلى من الأرض والورث.

مليكة: زي إيه؟

زين ثبت عينيه عليها وقال:

زين: قلب ابن الهواري اللي شكله اتكتب عليه يتعب بسبب بنت المنياوي.

ضحكت مليكة رغم محاولتها إخفاء ابتسامتها.

مليكة: يا نهار أبيض! هو إنت بتعرف تتكلم حلو كده؟!

زين: أمال كنتِ فاكراني بعرف أزعق بس؟

مليكة: الصراحة كنت فاكرة كده.

زين ضحك، وبعدها قال بجدية:

زين: مليكة... أنا عايز أجيلك من الباب، وأطلبك من أبوكي قدام الناس كلها، بس مش قبل ما تكوني إنتِ موافقة.

مليكة فضلت ساكتة، وبعد لحظة قالت:

مليكة: أنا مش هقولك إني بحبك، لسه قلبي مش مستوعب إن الشخص اللي كنت بشوفه خصمي ممكن يبقى أقرب الناس ليا.

زين: وأنا مش مستعجل على كلمة، يكفيني إنك تديني فرصة أثبتلك إني مش زي الصورة اللي رسمتيها عني.

مليكة ابتسمت وقالت:

مليكة: نشوف يا ابن الهواري.

زين مد إيده ناحية باب الحديقة وقال بمكر:

زين: طب اتفضلي يا ست مليكة، قبل ما أبوكي يطلع يلاقينا واقفين ويحسبني بخطفك من داركم.

مليكة ضحكت ومشيت قدامه، وهو ماشي وراها، ولأول مرة من سنين، اسم المنياوي ما كانش بيحرّك الغضب في قلبه.

كان بيحرّك حاجة تانية خالص.

لكن اللي محدش كان يعرفه، إن الصلح اللي حصل بين الهوارية والمنياوية ما عجبش كل الناس.

وفي نفس الليلة، كان فيه راجل واقف في ضلمة مخزن قديم، بيقلب في ورق أصفر، وعلى وشه ابتسامة غريبة.

دخل عليه شاب وقال:

الشاب: الورق وصل يا كبير.

الراجل رفع عينه وقال:

الراجل: يعني زين ومليكة قربوا يعرفوا الحقيقة كلها؟

الشاب: أيوه.

قفل الراجل الملف بعنف وقال:

الراجل: يبقى لازم نتحرك قبل ما الورق ده يظهر... لأن لو زين الهواري عرف مين اللي سرق حق أبوه زمان، مش بس الورث اللي هيتفتح من جديد، ده أسرار ناس كتير هتطلع للنور.

وبص للصورة القديمة اللي كانت على الترابيزة، صورة تجمع جابر الهواري وجلال المنياوي ورجل ثالث واقف بينهم.

ابتسم وقال:

«الحب اللي بدأ بين الهواري والمنياوي... ممكن يكون هو نفسه اللي يفتح باب الحقيقة اللي اتدفنت من سنين!»

أما زين، فكان لسه واقف في شرفة دار الهواري، بيبص على نور بيت المنياوي من بعيد.

دخل عليه عمه رجب وقال:

رجب: سرحان في إيه يا ولد أخوي؟

زين ابتسم من غير ما يبصله.

زين: في واحدة شكلها هتتعبني العمر كله.

رجب ضحك وقال:

رجب: يا ساتر يا رب! هو ابن الهواري وقع؟

زين لف له وقال بثقة:

زين: وقع يا عمي... بس المرة دي مش ناوي أقوم.

والحكاية لسه في أولها... لأن ابن الهواري لما يحب، مش هيكون الحب عنده مجرد كلمة، ومليكة المنياوي مش من النوع اللي يسلم قلبه بسهولة.

فهل ينتصر العشق على سنين الثأر؟ ولا أسرار الماضي هتفرق بين قلبين اختاروا بعض رغم كل شيء؟

                   الفصل الثاني من هنا
تعليقات



<>