رواية هي كده الفصل الاول1بقلم ابتسام محمود الصيري
كانت تقود سيارة فارهة بسرعة جنونية على الطريق، مرتدية زيّها المدرسي، بينما كانت أصابعها المرتجفة تقبض على عجلة القيادة بقوة. كانت تحاول أن ترى الطريق من خلال ستار كثيف من الدموع، لكن عينيها كانتا تفيضان بها بلا توقف، حتى بدا الأمر وكأنها لم تعد ترى شيئًا سوى الألم.
أخرجت منديلًا من حقيبتها، وبدأت تمسح به وجهها بعشوائية، محاولة إزالة آثار مكياج ليلة امس. كان صوت بكائها مرتفعًا متقطعًا، يخرج من صدرها كأنفاس مختنقة عجزت عن كتمان ما بداخلها.
لم تكن تقود بسرعة فحسب، بل كانت تهرب… نعم، كانت تهرب من ذكرى مؤلمة، ومن خبر لم يحمل لها سوى الوجع، ومن أمرٍ فرض عليها ولم يكن لها فيه خيار.
لقد تراكم كل شيء فوق قلبها حتى عجزت عن الاحتمال.
كادت أن تتسبب في حادث أكثر من مرة، لولا ستر الله.
كانت السيارات تمر من جوارها بصعوبة، وأصوات سبهم تتعالى احتجاجًا، لكنها لم تكن تسمع شيئًا. لم تكن تسمع سوى صوت بكائها، ونبض قلبها المتسارع، وكلماتٍ مبهمة كانت تتردد داخل رأسها بلا رحمة.
كل ما كانت تعرفه أنها يجب أن تصل….كان عليها أن تصل قبل فوات الأوان.
وبعد دقائق بدت لها كأنها دهر كامل، توقفت أمام مبنى فخم للغاية، تحيط به أسوار عالية وبوابة ضخمة يقف عندها عدد من أفراد الأمن.
ترجلت من السيارة بسرعة، ثم أغلقت الباب خلفها، ومسحت دموعها بيد مرتعشة، محاولةً أن تستعيد تماسكها. لكنها لم تستطع. كان وجهها شاحبًا، وعيناها حمراوين، وصوتها مكسورًا من كثرة البكاء.
تقدمت نحو أحد أفراد الأمن، وقالت بصوت ضعيف يحمل رجاءً يكاد ينكسر:
— ممكن تدخلني؟
نظر إليها الرجل بصرامة، ورد بقوة:
— ماينفعش، ممنوع.
اقتربت منه خطوة، وكأن كلمة “ممنوع” كانت آخر شيء تريد سماعه.
— لو سمحت، أنا كده هسقط.
— ممنوع. المدير مبلغ إن مافيش أي طالب يدخل بعد ربع ساعة من بداية الامتحان، وحضرتك متأخرة أكتر من ربع ساعة.
ارتجفت شفتاها، وحاولت أن تشرح، رغم أن الكلمات كانت تتعثر في حلقها:
— صدقني كان عندي ظرف.
— ممنوع.
كلمة واحدة…. لكنها سقطت عليها كأنها حكم نهائي على حياتها كلها.
اتسعت عيناها، وبدأت الدموع تتجمع فيهما من جديد، قبل أن تنفجر أخيرًا بصوت عالٍ، محمل بكل القهر الذي كانت تحاول كتمانه منذ أن بدأت رحلتها:
— يعني إيه ممنوع؟ مستقبلي يضيع عشان نص ساعة؟
ظل الرجل على موقفه، وقال بلهجة حازمة:
— لو سمحتي، دي قوانين. اتفضلي امشي عشان مناخدش معاكي أي إجراء.
تجمدت في مكانها، لم تستوعب كلماته.
مستقبلها….. كل ما تعبت من أجله.
كل السهر، وكل الخوف، وكل الضغط، وكل ما تحملته وحدها… سوف يضيع الآن بسبب نصف ساعة…. نصف ساعة فقط.
استدارت ببطء نحو سيارتها، وكأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها، مدت يدها، وأمسكت بباب السيارة بقوة، حتى ابيضت مفاصل أصابعها، كانت تحاول ألّا تبكي، تحاول أن تبدو قوية.
لكن كيف يمكن للمرء أن يكون قويًا حين يشعر أن كل شيء ينهار أمام عينيه؟
رفعت رأسها ببطء، ونظرت إلى مدرستها، نظرت إليها طويلًا.
كان في عينيها حب غريب لهذا المكان، حب لم يكن من السهل فهمه، لم تكن مجرد مدرسة بالنسبة إليها، كانت شيئًا أكبر بكثير.
كانت حلمًا، وعدًا قطعته على نفسها.
وربما كانت آخر شيء في حياتها ما زالت تحاول التمسك به.
ظلت تحدق في المبنى بصمت، بينما كانت دموعها تنساب على خديها بحرارة، حتى بدت وكأنها تشق طريقها فوق بشرتها من شدة ما حملته من ألم، ثم أغمضت عينيها، وللمرة الأولى منذ وصلت، سمحت لنفسها أن تنهار، لم يكن تأخرها مجرد تأخر، ولم تكن تلك الدموع بسبب امتحان فحسب.
كان هناك شيء آخر، شيء أكبر بكثير، شيء جعل فتاة ترتدي زيًا مدرسيًا وتقود سيارة فارهة بهذا الثمن، أن تصل إلى امتحانها وهي تبكي كما لو أن العالم كله قد سلب منها، لكن لا أحد في ذلك المكان كان يعرف الحقيقة.
ولا أي شخص رأى تلك الفتاة الغنية التي معاها احدث سيارة .
فخلف ذلك الثراء الظاهر، كانت تخفي سرًا ثقيلًا.
سرًا كان هو السبب الحقيقي وراء تأخرها…
والسبب الذي جعلها تقود كأنها تهرب من الموت.
