رواية هي كده الفصل الثاني2بقلم ابتسام محمود الصيري


رواية هي كده الفصل الثاني2بقلم ابتسام محمود الصيري 


دخلت سيارتها، وأغلقت الباب خلفها، ثم أغمضت عينيها لثوانٍ، كأنها تحاول أن تستجمع ما تبقى من قوتها، رفعت يدها ببطء، وضغطت بإصبعها على زر البصمة، فانطلق محرك السيارة بصوت هادئ لا يتناسب مع العاصفة التي كانت تضج داخلها.

تحركت في الطريق بلا وجهة، لم تكن تعرف إلى أين تذهب، كل ما كانت تريده هو الابتعاد.... الابتعاد عن المدرسة، وعن الامتحان، وعن ذلك الباب الذي أغلق في وجهها، وعن الكلمات التي ما زالت تتردد داخل رأسها بلا رحمة.

"ممنوع."

كانت الكلمة تلاحقها.

كلما حاولت أن تفكر في شيء آخر. 

خرجت منها شهقة مكتومة، وظلت تقود دون أن تنتبه إلى الطريق من حولها. 
كانت عيناها مثقلتين، ورأسها يؤلمها بشدة، وكأن عقلها لم يعد قادرًا على استيعاب المزيد.

استمرت في القيادة حتى وجدت نفسها أمام مقهى يطل مباشرة على البحر.

كان المكان هادئًا رغم وجود عدد من الزبائن، وتنتشر طاولاته في مساحة واسعة مفتوحة على البحر، بينما كانت الأمواج تتحرك أمامه في هدوء، وتنعكس عليها أشعة الشمس التي بدأت تميل تدريجيًا.

أوقفت سيارتها، ثم ترجلت منها ببطء، رفعت عينيها نحو المقهى، وظلت واقفة للحظات دون حركة، وكأنها لم تكن قد اختارت المكان من قبل، بل المكان هو الذي اختارها لتحتمي به... صعدت الدرج ببطء، ودخلت إلى المقهى.

راحت عيناها تتجولان بين الطاولات، حتى وقعتا على طاولة في أقصى مكان يطل على البحر.

كانت الطاولة تواجه البحر مباشرة، ومن يجلس إليها يستطيع أن يرى امتداده كاملًا؛ زرقة ممدودة بلا نهاية، وأمواجًا تتكسر بهدوء، وأفقًا بعيدًا لا يبدو له آخر، اختارتها دون تردد.

تقدمت إليها وجلست، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد، وظلت تحدق في البحر بصمت.

وفي الوقت ذاته، كان شاب في منتصف العشرينات يتقدم نحو الطاولة نفسها، لكنه توقف في مكانه ما إن رأى الفتاة تجلس عليها.

اقترب منه النادل مسرعًا، وقال معتذرًا:

— حالًا هفضّيلك الترابيزة يا باشا، والله ما أخدتش بالي إنها قعدت على ترابيزتك.

أشار له الشاب بيده أن يتوقف، قائلًا بنبرة مقتضبة:

— خلاص، روح شوف شغلك.

ثم ظل واقفًا للحظة، يتفحصها بنظرة سريعة، قبل أن يصرف عينيه عنها ويتجه إلى طاولة أخرى في هدوء.

***************

مازالت الفتاة تتطلع البحر ربما كانت تبحث عن شيء لا تعرف اسمه، شيء يشبه الراحة،
أو الهروب.......

أو ربما كانت تريد فقط أن تنظر إلى شيء واسع بما يكفي لتستوعب كل ذلك الألم الموجود داخل صدرها، فكانت تشعر بأن حياتها تضيق عليها من كل جانب.

كانت الأمواج تتحرك بحرية، بينما كانت هي تشعر بأنها محاصرة.

كل موجة كانت تصل إلى الشاطئ ثم تعود.

أما هي، فلم تكن تعرف إلى أين تعود.

جلست أمام أنظار العاملين، وقد بدا التعب واضحًا على ملامحها.

كان الجميع يتعجبون من مجيء فتاة بزي مدرسي في هذا الوقت، خصوصًا مع السيارة الفارهة التي تركتها أمام المقهى، لكنها لم تكن تهتم بنظراتهم، لم تكن ترى أحدًا.

كانت ترى البحر فقط......

البحر الذي اختارته دون وعي، ربما لأنها كانت تحتاج إلى مكان لا يسألها عن سبب بكائها، لا يلومها على تأخرها، ولا يخبرها بأن ما حدث مجرد "قوانين"، كانت تحتاج إلى شيء يصمت معها، وكان البحر يجيد الصمت.

اقترب منها النادل، ووقف أمامها منتظرًا طلبها.

رفعت عينيها إليه، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، لم تكن ابتسامة فرح.

بل كانت ابتسامة شخص تذكر فجأة ذكرى جميلة، فوجد نفسه يتمسك بها للحظات حتى لا يغرق تمامًا في حزنه، فقالت بهدوء:

— عايزة شاي بلبن.

هز النادل رأسه وقال:

— أي حاجة تاني؟

هزت رأسها نافيةً.

ثم أسندت رأسها إلى الخلف، وأغمضت عينيها بقوة، كانت تحاول أن تطرد كل ما يدور داخل عقلها.

لكن عقلها لم يرحمها.

كلما حاولت نسيان شيء، عاد إليها شيء آخر.

صوت.

وجه.

ذكرى.

كلمة.

وكلها كانت تؤلمها بالطريقة نفسها.

وضعت يدها على وجهها، ثم راحت تمسح آثار دموعها التي لم تتوقف تمامًا.

عضت شفتها بقوة، محاولةً كتم شهقاتها، لكن جسدها خانها.

خرجت منها شهقة مرتفعة، ثم أخرى.

حاولت أن تخفض رأسها حتى لا يلاحظ أحد انهيارها، إلا أن ألمها كان أكبر من قدرتها على الاختباء......

ومن بعيد، كان هناك شاب مازال يراقبها بصمت، لم يكن يعرفها، ولم يعرف ما الذي جاء بها إلى هذا المكان، لكنه لم يستطع أن يمنع عينيه من التعلق بها.

تأمل عينيها الواسعتين بلونهما العسلي، المحاطتين برموش كثيفة جعلتهما تشبهان عيني غزالة مذعورة.

ثم انتقلت عيناه إلى شفتيها الوردية الممتلئة، اللتين لم تكونا بحاجة إلى أي زينة كي تلفتا الانتباه، وانسياب شعرها الطويل الناعم حول كتفيها، بلونه البني الداكن، في فوضى زادت من شحوب وجهها وتعب ملامحها.

لكنه سرعان ما أدرك أن جمالها لم يكن أكثر ما لفت انتباهه، بل حزنها.

كانت تبكي كما لو أن شيئًا داخلها قد تحطم منذ وقت طويل، شيء لا يمكن إصلاحه بكلمة ولا بدمعة ولا حتى بمرور الوقت.

لم يطل بقاء الشاب في مكانه وهو يراقبها، وهي تحاول عبثًا أن تخفي انهيارها، نهض من مكانه و لم يعد قادرًا على الاكتفاء بالمشاهدة،تقدم نحوها بخطوات هادئة، حتى أن توقف أمام طاولتها.

رفعت عينيها إليه ببطء.

كانت نظرتها حادة رغم الدموع التي أغرقت وجهها، وكأنها لم تعد تحتمل وجود أي شخص آخر حولها.

قال لها بهدوء:

— إنت كويسة؟

ظلت تحدق فيه لثوان، ربما كان سؤالًا عاديًا، لكنها لم تعد قادرة على سماع أي سؤال، لم تعد تحتمل نظرات الشفقة، ولا محاولات الفضول.

ولا أي شخص يحاول الاقتراب من ذلك المكان المظلم داخلها.

وفجأة، انفجرت ثورتها، وقفت بعنف، حتى تحرك الكرسي خلفها، وقالت بصوت عال هائج، اختلط فيه الغضب بالقهر:

— ولو مش كويسه.....!
وإنت اللي زيك ممكن أحتاج منه إيه....؟ اتفضل  روح مكان ما جيت.

قالتها بحدة، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها، رافعة ذقنها قليلًا في تحدٍّ، وكأنها بذلك تحسم الحديث وتغلق الباب أمام أي محاولة أخرى منه للكلام. 

اتسعت عيناه قليلًا، لكنه لم يتحرك.... أما هي، فلم تنتظر ردًا منه، دفعته بيدها بعيدًا عنها، ثم التقطت حقيبتها بسرعة، كانت حركاتها فوضوية، مرتجفة، وكأنها تريد الهرب من المكان بأكمله، لا منه وحده.

                 الفصل الثالث من هنا 

تعليقات



<>