رواية هي كده الفصل الثالث3بقلم ابتسام محمود الصيري


رواية هي كده الفصل الثالث3بقلم ابتسام محمود الصيري 


غادرت الطاولة بخطوات سريعة، ثم اتجهت نحو الدرج دون أن تلتفت خلفها.

بقي الشاب واقفًا في مكانه للحظات.

لم يكن غاضبًا، كان فقط ينظر إلى المكان الذي اختفت فيه، وكأنه يحاول فهم ما حدث، لماذا كانت تبكي؟

ولماذا بدت غاضبة منه رغم أنه لم يفعل شيئًا؟

ولماذا شعر، رغم كل شيء، أن غضبها لم يكن موجهًا إليه؟ فهي قالت له:

“وإنت اللي زيك ممكن أحتاج منه إيه؟”

لكن السؤال ظل عالقًا في ذهنه.

ما الذي كانت تقصده؟ ولماذا شعر أنها لم تكن تراه هو؟ كأنها كانت ترى شخصًا آخر.

شخصًا من ماضيها.

شخصًا جعلها تنظر إلى أي يد تمتد نحوها باعتبارها تهديدًا جديدًا، لا محاولة للمساعدة.

ظل واقفًا في مكانه، بينما كانت هي تبتعد عنه.

توجهت بخطوات سريعة نحو سيارتها، وفتحت بابها بعصبية.

وقبل أن تستقلها، توقفت للحظة.

أخذت توبخ نفسها على ما فعلته منذ قليل.

كيف تجرأت على دفعه؟

ولماذا انفجرت في وجهه بهذه الطريقة؟

لم يكن قد فعل شيئًا.

بل كان يحاول فقط أن يسألها إن كانت بخير.

لكنها هزت رأسها بقوة، وكأنها تريد أن تطرد تلك الذكرى من عقلها قبل أن تجد طريقها إلى مكان آخر في داخلها.

لم تكن تريد أن تفكر.

التفكير كان عدوها الآن.

أغلقت باب السيارة، وجلست خلف عجلة القيادة، ثم نظرت إلى الطريق أمامها بحيرة.

إلى أين تذهب؟

لم تكن تعرف.

راحت عيناها تتجولان حولها بلا هدف، حتى وقعتا على البحر.

البحر نفسه الذي كانت قد غاصت في أعماقه منذ دقائق.

ظلت تحدق فيه طويلًا.

ثم اتخذت قرارها.

أدارت محرك السيارة، وانطلقت نحوه.

لم يكن الشاطئ تابعًا لمكان خاص، ولم تكن هناك بوابات تمنع أحدًا من الدخول. كان شاطئًا عامًا مفتوحًا للجميع، فقادت سيارتها حتى وصلت إلى مشارف المياه.

**********
دخل مبنى المدرسة….

خرجت الطالبات من بوابة المدرسة تباعًا، تتعالى أصواتهن بين ضحكاتٍ متوترة وتعليقاتٍ سريعة حول أسئلة الامتحان، بينما كانت بعضهن يقلبن صفحات دفاترهن في محاولة أخيرة للتأكد من إجاباتهن.

وبينما كانت سارة تسير بجوار رنا، ظلت عيناها تبحثان بين الوجوه عن وجهٍ اعتادت أن تراه في مثل هذا الوقت.

توقفت فجأة، والتفتت إلى رنا بقلق واضح.

كانت سارة فتاة بيضاء البشرة، تتناثر فوق أنفها ووجنتيها حباتٌ صغيرة من النمش زادت ملامحها رقة، أما رنا فكانت قمحية البشرة، تزين وجهها عينان خضراوان لافتتان، يحيط بهما شعرها الكيرلي المنسدل بعفوية حول وجهها.

قالت سارة بقلق وهي تمسك هاتفها:

— أنا قلقة أوي على تبارك… محضرتش الامتحان، وكمان مش بترد عليا.

نظرت إليها رنا باستغراب، ثم رفعت كتفًا واحدًا بلا مبالاة.

— فعلًا غريبة… دي مستحيل تغيب يوم دراسي عادي، فما بالك امتحان نص السنة! دي أصلًا نفسها تدخل طب.

ازداد القلق في عيني سارة، وأمسكت هاتفها مرة أخرى، ثم ضغطت على اسم تبارك واتصلت بها للمرة التي لم تعد تتذكر عددها.

ظل الهاتف يرن…

ولا إجابة.

قالت سارة بصوت خافت:

— ربنا يستر… أنا مش مرتاحة خالص. والمشكلة إنها مش بترد. بفكر اروح لها بيتها، بس خايفة باباها يكون موجود.

أطلقت رنا ضحكة قصيرة خالية من أي حماس.

— لا، مستحيل أروح. وأشوف الراجل الهمجي ده؟ لا يا ستي، أنا ناقصة.

رمقتها سارة بنظرة عتاب وإبلغتها:

— رنا… متقوليش كده عيب وتبارك لو سمعتك هتزعل.

— اولاً أنا بقول الحقيقة كل مرة بنروح عندها بحس إني داخلة مكان ممنوع أتنفس فيه…. ثانيًا هي عارفة ومتأكدة أنه شخص لا يتعاشر ولا يتقعد معاه ثواني.

رمقتها سارة بغضب ولم تجبها.

وظلت عيناها لا تزالان معلقتين بشاشة الهاتف، وكأنها تنتظر أن تضيء فجأة باسم تبارك.

كانت تعرف أن تبارك لا تتأخر عن دراستها، ولا تتغيب عن امتحان، ولا تتركها معلقة بهذا الشكل من دون رد.

وكان هناك شيء بداخلها يخبرها أن غيابها هذه المرة ليس عاديًا.

وصلتا إلى السيارة المخصصة لنقلهما إلى المنزل، فصعدتا إلى الداخل وجلستا في مقعديهما.

وبمجرد أن تحركت السيارة، أعادت سارة الاتصال مرة أخرى.

رن الهاتف طويلًا…

ثم انقطع.

تنهدت سارة وهي تخفضه ببطء.

— تبارك… ردي بس طمنيني عليكي.

نظرت رنا من النافذة، ثم قالت بنبرة حاولت أن تبدو عادية:

— يمكن نايمة.

هزت سارة رأسها نافية.

— لا… مش نايمة اكيد… أكيد في حاجة.

قالت رنا وهي تلوح بيدها بضيق، وقد بدأ الغيره تسيطر على ملامحها:

— بقولك إيه يا سارة؟ ما تبطلي توتر شوية! اللي زيها مش مستني يحضر امتحان عشان تكون دكتورة ولا مهندسة… اللي زيها تشتري شهادة أحمد زويل نفسه وتنسبها ليها! فخفي شوية بقى، بدل ما انتى موتراني معاكي.

اتسعت عينا سارة بدهشة، والتفتت إليها في صدمة، وكأنها لم تصدق ما سمعته منها، ثم قالت معاتبة:

— إنت إزاي تقولي كده على تبارك؟ وإنت عارفة كويس إنها مش بتحب تاخد حاجة ما تعبتش فيها، وإنها حقانية جدًا، وبتحب التعليم، وحلمها تبقى دكتورة بمجهودها وتعالج الغلابة!

ف تنهدت رنا بضيق:

— في إيه؟ خفي شوية عليا… 

-بجد أنا مصدومة من كلامك.

رفعت رنا حاجبها، وردّت بسخرية ممزوجة بالعتاب:

— مصدومة؟! إنت حتى ما هانش عليكي تطمني عملت إيه في الامتحان كأن هي صحبتك الوحيدة، بس عمومًا… إنت بتحبي تبارك أكتر مني.

نظرت إليها سارة للحظات، ثم تنهدت قبل أن تقول بهدوء:

— رنا، أنا مقدرة إنك بتحبيني، وإن صحبتنا من ابتدائي، وإنك زعلانة من إن تبارك دخلت علينا في ثانوي… بس هي لما جت كانت جديدة ومكنش ليها أصحاب، وغير كده هي كويسة مع الكل.

ثم ابتسمت لها، وربتت على ذراعها قائلة بنبرة حنونة:

— وعمومًا يا روني، ما تزعليش… عملتي إيه في الامتحان يا قمري إنت؟

لم تجبها رنا، واكتفت بالصمت وهي تنظر أمامها.

ضحكت سارة، ثم غمزت لها بمشاكسة وقالت:

— إنتى بتغيري عليا يا بطة إنتى؟ يا أم عيون خضره انتى. 

ابتسمت رنا رغمًا عنها، وسرعان ما تبادلت الفتاتان الضحكات، ثم تابعتا طريقهما في صمت.
**********

ترجلت تبارك من سيارتها، ثم وقفت أمام البحر واضعة يديها على خصرها، ترمقه بنظرة قوية، وكأنها تتحداه.

كان البحر هادئًا.

أما هي، فكانت النيران تشتعل داخل صدرها.

بدأت تخلع ملابسها بعشوائية، دون أن تفكر في شيء.

لم تكن تهتم بمن قد يراها.

ولم تكن تفكر في نظرات أحد.

كانت تفعل ما يخطر في بالها فقط.

كما اعتادت.

خلعت ملابسها حتى لم يتبقى عليها سوى ملابسها الداخلية، ثم اتجهت نحو المياه.

خطت إلى الداخل دون تردد.

وحين غمرها الماء، شعرت ببرودته تلامس جسدها، لكنها لم تتوقف.

واصلت التقدم حتى غاص جسدها داخل البحر.

ثم بدأت تسبح.

كانت تلقي بجسدها فوق الأمواج، وتتركها تحملها بعيدًا.

كلما ابتعدت عن الشاطئ، شعرت أنها تبتعد قليلًا عن كل ما يؤلمها.

عن المدرسة.

عن الامتحان.

عن ذلك الباب المغلق داخلها.

وعن ذلك الشيء الذي كان ينهش قلبها منذ وقت طويل.

كانت تسبح بلا هدف.

تغوص.

ثم تطفو.

ثم تلقي بجسدها فوق المياه، تاركة البحر يحملها حيث يشاء.

وفي الجهة الأخرى، كان عبدالله لا يزال جالسًا إلى الطاولة نفسها التي كانت تجلس إليها منذ قليل.

كان يستطيع رؤية البحر من مكانه.

وكان يستطيع رؤيتها.

ظل يتابع ما تفعله بصمت، وقد بدا عليه الحذر الشديد.

لم يكن يعرف ماذا يفعل.

هل يتدخل؟

هل يتركها؟

هل يذهب خلفها؟

كانت تتصرف بطريقة متهورة، وكان يشعر أن شيئًا ما قد يحدث في أي لحظة.

لذلك ظل يراقبها.

لم يكن يريد أن يتدخل في حياتها.

لكنه أيضًا لم يستطع أن يتركها بمفردها.

وبعد وقت طويل، خرجت من المياه، بدت مرهقة تمامًا.

لم تفكر في شيء.

توجهت إلى سيارتها، وفتحت حقيبتها، ثم أخرجت منها حقيبة صغيرة تحتوي على ملابس أخرى.

دخلت إلى السيارة وأغلقت الباب خلفها، ثم بدلت ملابسها بسرعة.

وبعد أن انتهت، أخرجت زجاجة خمر، وراحت تشرب منها.

لم تكن تشرب احتفالًا.

ولم تكن تبحث عن المتعة.

كانت فقط تريد أن يتوقف عقلها.

أن يتوقف الألم.

أن تصمت الذكريات.

استمرت في الشرب حتى بدأ جسدها يشعر بالاسترخاء، وبدأ التنميل يتسلل إلى رأسها.

أسندت رأسها إلى الخلف، وأغمضت عينيها.

للمرة الأولى منذ ساعات، لم تعد تسمع شيئًا… حتى صوت أفكارها.

غاصت في نوم عميق.

أما عبدالله، فظل يراقب السيارة من بعيد.

ولم يكن يعرف أن الفتاة التي ظن في البداية أنها مجرد فتاة مدللة ثرية…

كانت في الحقيقة تحمل داخلها وجعًا أكبر بكثير مما يمكن أن يتخيله.

ولم يكن يعرف أيضًا أن هذه اللحظة ستكون أول مرة يخاف فيها عليها…

قبل أن يعرف حتى اسمها.

ظل عقل عبدالله يحاول تفسير كل ما حدث أمامه.

ما هذا العبث؟

ما هذه التركيبة الغريبة التي لم يرى مثلها من قبل؟

من تكون تلك الفتاة؟

وماذا تحمل داخلها؟

ظلت الأسئلة تتدافع داخل رأسه بلا توقف، وكل سؤال منها كان يفتح بابًا لسؤال آخر.

لم يكن فضوله هو ما يدفعه إلى التفكير فيها.

على الأقل، هكذا كان يقنع نفسه.

لم يكن يريد معرفة اسمها، ولا عائلتها، ولا سبب امتلاكها سيارة فارهة وهي لا تزال طالبة.

لم يكن ذلك مهما بالنسبة إليه.

ما كان يشغله حقًا هو حالتها.

تلك الفتاة لم تكن تتصرف بصورة طبيعية.

كان واضحًا أنها تمر بشيء ما.

شيء جعلها تقود سيارتها بسرعة متهورة، وتبكي أمام الجميع، ثم تغضب من شخص لم يفعل لها شيئًا، وبعدها تلقي بنفسها في البحر وكأنها تبحث عن طريقة لإخماد نار مشتعلة داخل صدرها.

                  الفصل الرابع من هنا
تعليقات



<>