رواية ولدت من الرماد الفصل الثاني2بقلم فاطمة فارس

رواية ولدت من الرماد الفصل الثاني2بقلم فاطمة فارس

: همس الشيطان

صلُّوا على من بُعث رحمةً للعالمين.

بعد وفاة الأب، لم تعد الحياة كما كانت. 
في ذلك البيت الكبير، انطفأ الأمان، وبدأ الشيطان يهمس في القلوب. 

لم تكن أسيل تعلم أن وصية أبيها، التي أوصاهم فيها بتقسيم الميراث بما يرضي الله وحسن معاملتها، ستكون شرارةً تشعل نارًا لن تنطفئ بسهولة. 

بعد انقضاء مراسم الدفن، اجتمع طاهر مع الرجال لتلقّي العزاء، وجلست منال مع النساء اللاتي جئن لمواساتها، أما أسيل فلزمت غرفتها ولم تخرج منها. 
لكن منال لم تبقَ بين النساء طويلًا. 
انسحبت بهدوء إلى مكانٍ بعيد عن أعين الجميع، وأخرجت هاتفها من حقيبتها، ثم ظلت تحدّق في الشاشة للحظات قبل أن تجري اتصالًا. 
ما إن جاءها الرد حتى قالت بصوتٍ خافت: 
ـ أيوه… أنا محتاجة أقابلك ضروري. 
صمتت قليلًا وهي تستمع للطرف الآخر، ثم أضافت: 
ـ الموضوع لازم يتم بسرعة… ومش عايزة حد يعرف حاجة. 
استمعت إلى الرد، ثم قالت بحزم: 
ـ الفلوس مش مشكلة، المهم تعمل اللي طلبته منك. 
أنهت المكالمة، وأعادت هاتفها إلى حقيبتها، ثم ألقت نظرة سريعة حولها، قبل أن تعود إلى مكانها بين النساء وكأن شيئًا لم يحدث. 

                                   *****

في الأسفل، كان صوت القرآن يعلو، والتعازي تتوالى، بينما لم يكن في غرفة أسيل سوى صمت الذكريات وصوت شهقاتها المكتومة. 
كانت تضم قميص أبيها إلى صدرها، تستنشق رائحته التي ألفتها، وتسرح في ذكرياتها معه… 
لاح لها مشهد قديم حين كانت في التاسعة من عمرها، يوم توفيت والدتها. 
كان والدها يومها هو الوحيد الذي يهتم بها. 
كانت تنام بين ذراعيه كل ليلة، فيحاول أن يعوّضها عن غياب أمها، ويمشط لها شعرها قبل النوم، ثم يتلو عليها آياتٍ من القرآن الكريم. 
كان سندها وأمانها. 
والآن… رحل. 
تذكّرت نفور إخوتها منها ومعاملتهم الجافة التي لم تفهم سببها يومًا. 

كانت منال تكبرها بعشرة أعوام، وطاهر يكبرها بخمسة عشر عامًا، ومع ذلك، لطالما شعرت بأنها وحيدة رغم وجودهما. 
ظلت في مكانها، لا تشعر كم من الوقت مرّ عليها، حتى غلبها النعاس من كثرة البكاء. 

                                     *****

في المساء، وبعد أن رحل الجميع، جلست منال في غرفة المعيشة بجوار أخيها، وقد أكلت الغيرة قلبها. 
همست قائلة: 
ـ ها يا طاهر… فكّرت في اللي قلت لك عليه ولا لسه؟ 
فرك طاهر يديه بتوتر، وظلت عيناه شاردتين في الفراغ، ثم قال بعد صمتٍ طال: 
ـ بس بابا كان موصّينا عليها! 

قالت بلا مبالاة، وبنبرةٍ حاقدة: 
ـ طول عمره بيفضّلها علينا يا طاهر، وهي على طول بتتحامى فيه مننا! دلوقتي خلاص… راح اللي كانت بتعاندنا علشانه، ومحدش هيقدر يساعدها. 
أخذت نفسًا، ثم أكملت بخبث: 
ـ أختك ضعيفة يا طاهر… بكرة تتجوز وييجي واحد غريب يلهف فلوس أبونا كلها منها، والورث بدل ما يتقسم على تلاتة، يتقسم على اتنين بس! 

سكت طاهر طويلًا. 
كانت كلماتها تتسلل إلى ذهنه، وتوقظ داخله مشاعر قديمة لم يكن يعترف بها حتى لنفسه. 
تذكّر الأيام التي كان يرى فيها أباه يبتسم لأسيل بحنان، بينما يكتفي معه بنظرةٍ عابرة أو كلمةٍ مقتضبة. 
تساءل في نفسه: 
«أكان حقًا أبونا يحبها أكثر؟ أم أنني أنا من قصّرت؟» 
لكن منال لم تمنحه فرصةً للتراجع. 
راحت كلماتها تدور في رأسه، حتى بدأت شكوكه القديمة تتحول إلى حقد، وبدأ يقنع نفسه بأن والده ظلمه حين منح أسيل ذلك الحب والاهتمام. 
شعر بمرارةٍ في صدره، وكأن جرحًا قديمًا انفتح من جديد. 
نظر إلى منال، فوجد في عينيها بريقًا غريبًا؛ خليطًا من الغيرة والانتصار. 
تردّد قليلًا، ثم خرج صوته في النهاية حاسمًا: 
ـ عندِك حق… بعد يومين يكون العزاء خلص، ننفّذ على طول. 
ابتسمت بمكر وقالت: 
ـ أيوه كده… هو ده الكلام! 

أما أسيل، فلم تكن تعلم شيئًا عما يُحاك ضدها؛ كانت تحبهما رغم كل ما لاقته منهما، وتتمنى أن تجد في أخويها بعد وفاة أبيها السند الذي حُرمت منه. 

                             
                                     *****

بعد أن مضى اليومان، ذهب طاهر مع منال إلى غرفة أسيل؛ إذ لم تطأ قدمها خارجها منذ وفاة أبيها. 
طرق طاهر الباب، ثم فتحه ودخل، ونظر إليها بحنانٍ زائف قائلًا: 
ـ وبعدين يا أسيل؟ هتفضلي حابسة نفسك كده كتير؟ 
اقتربت منها منال وضمّتها، تربّت على ظهرها قائلة: 
ـ حرام عليكِ يا حبيبتي، هتتعبي نفسك كده… وبعدين لو بابا كان موجود، مكانش هيرضى يشوفك بالحالة دي. 
انتبهت أسيل لهما، فقد كانت شاردة الذهن. 
وحين سمعت منال تذكر والدها، خرجت من أحضانها ونظرت إليهما بعينين متعلقتين بأي ذرة حنان، كالغريق الذي يتشبث بقشة. 
نادى طاهر على الخادمة، فجاءت بالطعام، ثم جلس بجوار أسيل وأخذ يطعمها بيده. 
ومن يراهما في تلك اللحظة، لظن أنهما يحاولان التخفيف عن شقيقتهما المكلومة. 
لكن ما يضمرانه كان أبعد ما يكون عن الرحمة. 
بعد أن أنهت طعامها، طلب منها طاهر أن ترتدي ثيابها، مؤكدًا أنه سيخرج بها في نزهة صغيرة لتغيّر جوًا وتستعيد ابتسامتها. 
فرحت أسيل كثيرًا بذلك الحنان الذي استشعرته منهما للمرة الأولى، وامتلأ قلبها بالأمل، حتى دعت الله في سرّها أن يديم إخوتها لها. 
لم تكن تعلم أن تلك الرحلة الصغيرة ستكون بداية أسوأ أيام حياتها.

                   الفصل الثالث من هنا
تعليقات



<>