رواية ولدت من الرماد الفصل الثالث3بقلم فاطمة فارس
"مكيدة أودت بحياتي "
صلُّوا على من بُعث رحمةً للعالمين
──────────────
بعد أن ارتدت ثيابها، أخذت معها صورة والدها وأخفتها في ردائها، ثم نزلت إلى الأسفل وهي تشعر بسعادة غامرة من اهتمام إخوتها وحبّهم الذي بدأ يظهر بعد وفاة أبيها.
تقدّمت بخطواتٍ هادئة نحو غرفة المعيشة لتجد إخوتها يتحدثون بصوتٍ خافت، وحين رأوها سكتوا فجأة عن الكلام.
لم تشكّ للحظةٍ في نواياهم، ولم تعلم أن تلك ستكون آخر مرةٍ ترى فيها بيتها وذلك النعيم، فالمصير الذي ينتظرها كان كفيلًا بأن يقلب حياتها رأسًا على عقب!
بعد قليل، خرج الثلاثة وركبوا السيارة ، كان الصمت يخيّم على المكان، لا يُسمع سوى صوت المحرّك، وكلٌّ منهم غارق في أفكاره.
منال كانت تشعر بالنصر والسعادة؛ فاليوم ستتخلّص من أختها البائسة، وستمتلك هي وأخوها ثروتها ليعيشا في رغدٍ وراحة.
أما طاهر، فكانت تدور في رأسه أفكار لا حصر لها: كيف سيقنع الجميع أن أخته توفيت؟ وماذا سيقول للشرطة إن جاءت تسأل عنها؟ وماذا سيفعل مع أسيل؟
ولكي يُسكِت صوت ضميره، حاول إقناع نفسه قائلًا:
— هذا أفضل لها لتبتعد عنّا وعن البيت… يكفي أنني سأتركها على قيد الحياة!
أما الصغيرة أسيل، فكانت تجلس بجوارهم تتأمل الأشجار والعصافير من خلف النافذة، تبتسم دون وعي، غير مدركةٍ أن تلك ستكون آخر ابتسامةٍ لها. كانت تشعر بنسيم الصباح يلامس وجهها، فترتجف من برودته الخفيفة، لكنّها لم تهتم، فقد كانت مطمئنة ما دامت بينهم.
بعد ساعات، توقفت السيارة في طريقٍ طويل تحيط به الأشجار اليابسة ، كان الهواء باردًا يصفّر بين الأغصان، وكأن الطبيعة نفسها تحاول أن تحذّرها مما ينتظرها.
شعرت أسيل بيدٍ تمسك بذراعها بقوة، ففتحت عينيها بتثاقل ونظرت حولها، حتى وقع بصرها على مبنى مرتفع ذي جدران بيضاء باهتة، تعلوه لافتة كُتب عليها بخطٍ أزرق:
"مستشفى الأمراض العقلية"
تجمّد الدم في عروقها، وارتجفت شفتاها وهي تحاول النطق:
ـ هو إحنا جينا هنا ليه يا طاهر؟ مش قلت هنخرج نتمشّى؟
رفعت عينيها نحوه تبحث عن ابتسامته المألوفة، عن أي لمحة دفء… لكن ملامحه كانت جامدة كالصخر، خالية من أي رحمة!
قبضت منال على يدها بعنف وأنزلتها من السيارة، ثم دفعتها نحو طاهر بابتسامةٍ خبيثة تحمل انتصارًا شيطانيًّا.
أمسكها طاهر من ذراعها وسحبها خلفه إلى داخل المشفى، حيث سلّمها إلى رجالٍ يرتدون الزيّ الأبيض، لم يكونوا سوى طاقم التمريض.
توجّه إلى الطبيب الذي اتفق معه قائلًا بحزم:
ـ زي ما اتفقنا يا دكتور طلعت… مش عايز حد يعرف إنها هنا، لا أوراق رسمية ولا غيره، مش عايز دوشة.
ثم ألقى عليها نظرةً خاطفة وأضاف:
ـ اهتم بيها… دي أختي برضه!
أنهى كلامه بابتسامةٍ ماكرة وهمَّ بالرحيل، لكن صوت أسيل المقهور استوقفه:
ـ طاهر! استنى… رايح فين؟! هتسيبني هنا لوحدي؟!
توقّف للحظة، والتفت إليها، التقت عيناه بعينيها الممتلئتين بالخوف والرجاء، فشعر بوخزةٍ حادّة في صدره، وانقبض قلبه للحظة، لكنه سرعان ما أشاح بوجهه، وكأنه يخشى أن يفضحه ضعفه، ثم استدار وغادر.
فالتفتت أسيل إلى منال تصرخ وهي تبكي:
ـ منال! ما تسيبينيش هنا بالله عليكِ!
لم يلتفت أيٌّ منهما إليها، بل أدبرا ظهريهما وغادرا المكان تاركين خلفهما روحًا مكسورة تتهاوى!
نظرت أسيل إلى الباب الذي أُغلق خلفهم ببطء، فشعرت وكأن العالم كله أُغلق في وجهها ، الهواء صار أثقل، والبرودة تسلّلت إلى عظامها، وجسدها يرتجف دون أن تدري أهي من الخوف أم من الانكسار.
أمسكها رجال التمريض بقسوة، يصرخون بها لتصمت. ظلت تقاومهم وتصرخ علّ أحدًا يسمعها، لكن لم يأتِ سوى الردّ بالضرب! صرخت باسمهم مرارًا، لكن صوتها تلاشى بين الجدران الباردة، كأن المكان يبتلع صراخها.
وحين لم يستطيعوا إسكاتها، حقنوها بمخدّرٍ أسقطها في ثوانٍ.
ثم سحبوها من ذراعيها على الأرضية الرطبة، والهواء البارد يلفح وجهها، والممر الطويل يبتلعها شيئًا فشيئًا… حتى اختفى كل شيءٍ في الظلام.
──────────────
بعد رجوعهما من عند أسيل، كان شعور الضيق ما يزال يتملّك طاهر، كأنه غارق في بحرٍ مظلم لا يستطيع التنفس، رمق منال بنظرةٍ غاضبة، وعلامات الحنق تعلو وجهه، ثم قال:
ـ كدا خلاص يا منال، عملتي اللي عايزاه، سيبي أسيل في حالها بقى، كفاية لحد كدا.
وقفت تصرخ بجنون وهي تهتف:
ـ لا، مش خلاص يا طاهر، مش كفاية كدا، مش هرتاح غير بموتها.
امتعضت ملامحه وهتف بصراخٍ مماثل:
ـ قلت لا! مش هسمح لك تأذيها أكتر من كدا، مش هتقتلي أختي يا منال! خلصنا، كفاية لحد هنا.
قالت بعد صمت، وهي ما تزال تشعر بالغضب:
ـ خلاص، يبقى تموت على الورق علشان نضمن إنها مش هترجع هنا تاني، وعلشان نقدر ناخد نصيبها في الورث.
أمسك طاهر رأسه بألم، وهو يسب نفسه ويسبها داخله، ثم هتف:
ـ ودي هتعمليها إزاي؟
قالت وهي تعقد حاجبيها بإصرار:
ـ سيبني بس أفكر كدا، وبعدين هقولك هنعمل إيه.
أدار ظهره لها وصعد درجات السلم، وبداخله يرفض كل ما يحدث، لكنه يشعر دومًا أنه مقيّد بأغلالٍ من حديد، لا يستطيع الرفض لأيٍّ مما تقول.
أما هي، فخرجت من المنزل، وصعدت إلى سيارتها وقادتها بجنون، كل ما يدور أمام عينيها هو ذكرياتها والماضي، والألم الذي عاشته من وجهة نظرها، وحقدها وغيرتها تجاه أسيل.
تذكرت أن أسيل كانت دومًا تأتي فرحة وهي تحمل بيدها علاماتِها المرتفعة، ونظرات الفخر التي كانت تطل من عيني أبيها نحوها، بينما هي كانت دومًا أقل منها في العلامات وأقل منها جمالًا، كانت تشعر أن أسيل تمتلك كل شيء؛ الجمال والحب والحنان والنجاح، وهي لا تمتلك شيئًا من كل ذلك.
تذكرت حين كانت في التاسعة عشرة من عمرها، وكانت أسيل في التاسعة عندما توفّيت والدتهما.
كانت ترى حنان أبيها على أختها مبالغًا فيه من وجهة نظرها، ولكن الحقيقة أنه لم يدخر جهدًا في أن يعوّض أبناءه الثلاثة عن فقدان والدتهم، فكان دومًا يحنو عليهم جميعًا ولم يفرّق بينهم.
لكن الطبيعي حينها أن يهتم لأمر ابنته ذات التسع سنوات أكثر منهم؛ فهم في عمر يسمح لهم بتخطّي فاجعة موت والدتهم، لكنها كانت صغيرة حينها، فكيف لها أن تتخطى كل ذلك وحدها؟
كان يحنو عليها ويحاول تعويضها بكل ما يملك من حب وحنان، فهو يدرك أنه لن يعيش لها طويلًا ، كان يرى أن أختها وأخاها نالا من الحب والحنان ما يجعلهما يعيشان باقي عمرهما بأحسن حال، لكنها هي وحدها من فقدت حب واهتمام ورعاية والدتها، فأغدق عليها بالمزيد من الرعاية والحنان.
كان دومًا يلبي رغبات الجميع، لم يرفض لمنال طلبًا يومًا، وكان يهتم بتعليمها هي وطاهر، وكان يفعل جلّ ما يملك ليكون لهم الأب والأم.
كانت منال قاسية عليه طوال حياتها، لطالما اتهمته أنه ظالم وأنه يفضّل أسيل عليهم، لكنه كان ينفي ذلك؛ فهو حقًا لم يظلم أحدًا منهم.
حاول مرارًا وتكرارًا أن يمحو تلك الترهات من داخل ابنته، لكنه طوال تلك السنين لم يستطع، فكان يدعو لها بالهداية والصلاح.
خرجت من شرودها وعيناها تذرفان الدموع، فأوقفت السيارة جانبًا وخرجت منها تستنشق بعض الهواء، بينما تطايرت خصلات شعرها بفعل الهواء الشديد.
أخرجت هاتفها وطلبت رقم صديقٍ قديم لها، وقصّت عليه كل ما تريد، فوعدها بأن يحل لها مشكلتها تلك؛ فهو يعمل ضابطًا، وهذا الأمر في صميم عمله.
وبعد قليل، هاتفها مرة أخرى، وأخبرها أنه منذ قليل، ولحسن الحظ بالنسبة لها، أتتهم فتاة في حادثٍ مأساوي، لم يتعرّفوا على ملامحها، ولم تكن معها أي هوية تدل عليها.
ثم قال لها أن تأتي هي لكي تتعرّف على الجثة وتقول إنها أختها، وبعدها سيتولى هو تسهيل ما يمكنه من الإجراءات والتلاعب بما يلزم.
ابتسمت منال وشكرته، وقادت سيارتها نحو مركز الشرطة.
وما هي إلا لحظات حتى ظهر لها شاب ذو ملامح جامدة في أوائل الثلاثينيات، وركب معها متجهًا نحو المشرحة؛ لتتعرّف على الجثة، ولكي يمهّد لها الطريق في الإجراءات التي ستُستكمل بعد ذلك.
وصلوا بعد قليل أمام المشرحة، ودخلت منال بخطواتٍ هادئة وهي تدّعي الحزن، وعلى وجهها تنهال دموع واهية.
فتح لها الممرض الباب، فدخلت وهي تذرف الدموع، ثم كشفت عن وجه الجثة الموضوعة تحت الملاءة البيضاء.
كانت تعلم يقينًا أنها ليست أسيل، ومع ذلك صرخت باسمها وراحت تولول وتنوح، واضعةً يدها على فمها وكأنها على وشك الانهيار.
قام الضابط الفاسد بمساندتها وإخراجها من المكان، ثم أخبرها أن عليها استكمال بعض الإجراءات اللازمة لإثبات هوية الجثة ودفنها.
هاتفَت طاهر وقصّت عليه كل ما حدث، فأتى مسرعًا، وهو لا يعرف كيف أتقنت منال دورها بكل براعة، وكيف استطاعا أن يجعلا تلك الجثة تُسجّل رسميًا على أنها أسيل، بينما هي ما تزال على قيد الحياة.
ومع وجود الضابط الذي كان يسهّل لهما الإجراءات، استطاعا استكمال الأوراق اللازمة والتلاعب بإثبات هوية الجثة، حتى أصبحت في السجلات هي أسيل.
ثم دُفنت تلك الفتاة التي لم يعرف أحد هويتها، بينما كان الجميع يظن أنها أسيل.
وما هي إلا ساعات إضافية حتى كانا قد انتهيا من الدفن، وعادا إلى بيتهم يستقبلان العزاء في أختهم، بملامح جامدة تخفي خلفها سرًّا لا يعلمه أحد.
صوّب طاهر عينيه نحو منال، فوجدها تذرف الدموع أمام المعزّين.
ظل ينظر إليها للحظات، وفي داخله سؤال واحد لا يفارقه: أيّ نوع من البشر هي حقًا؟
نعم، هو مخطئ… لكنه لم يكن يظن يومًا أنه قد يصل إلى هذا الحد، ولم يشعر أنه بذلك الشر الذي يراه الآن في عينيها.
امتلأ البيت الكبير بصوت البكاء، وارتفعت أصوات النساء في كل زاوية من القاعة المكتسية بالسواد والمملوءة برائحة البخور والموت.
جلس الأخوان في الصف الأول يستقبلان العزاء وملامحهما متقنة الصنع؛ بوجوه شاحبة وأعين مطرقة للأرض، وخلف تلك الأقنعة كان يختبئ وجهُ جريمةٍ مكتملة الأركان.
نظرة سريعة بينهما كانت كفيلة بفضح نواياهما، لكنها مرّت على الناس مرور الكرام.
لقد نجحت مسرحيتهما، وكأن العدل قد دُفن مع أختهم.
──────────────
وبمجرد انتهاء أيام العزاء، بدأ طاهر في تنفيذ الجزء الأخير من خطته.
جلس في مكتبه الواسع، تحيط به رائحة الورق والحبر، وأمامه شهادة وفاة مزوّرة حصل عليها من موظفٍ فاسدٍ في لحظات معدودة.
ابتسم، فهو كان يخشى أن تفتضح فعلتهما، وهو يتمتم:
— أخيرًا… انتهى كل شيء!
ثم شرع في حصر ممتلكات أبيه: البيت الكبير، الشركة، والأرصدة البنكية… لم يُبقِ شيئًا.
هاتف الرجل الذي اتفق معه على البيع، وأخبره أنه جاهز ليسلّمه كل الأوراق اللازمة لملكية المنزل والشركة، فأخبره الرجل أنه سيأتي له في الحال بالمال لينتهوا من كل ذلك.
بعد ساعة، دخل عليه رجل بملامح جامدة في أواخر الأربعينيات، يحمل بيده حقيبة سوداء. تقدّم نحوه، وجلس أمامه، ثم قال بعملية:
ـ اتفضل، دي الفلوس كلها، تقدر تعدّها لو حابب.
أجابه وهو يمسك ملفًا أمامه ويمد يده به إليه:
ـ مفيش داعي يا باشمهندس، ودي الأوراق المطلوبة جاهزة على إمضتك.
أخذها الرجل منه، وأخرج قلمًا من جيبه، ثم وقّع اسمه وأنهى كل ما يتعلق بالبيع.
وبعد أن انتهى، صافح الآخر بابتسامة كلها حقد؛ فها هو قد أخذ البيت والشركة التي كانت ملكًا لمنافسه الوحيد، فطالما نافسه والد طاهر في العمل بكل شجاعة، لكن الآخر حين علم بوفاته، وبأن ولده سيبيع كل ما يملك، كان أول المتقدمين للشراء.
بعد رحيل الرجل بثوانٍ، طرقت منال باب المكتب الذي كان قديمًا ملكًا لأبيها، بعد أن أوصلته إلى باب المنزل.
ثم دخلت وهي ترمقه بفرحة لم تستطع مداراتها، قائلة:
ـ خلاص يا طاهر، خلصت إجراءات البيع؟
أجاب وهو يشعر بضيق خفي وإحساس بعدم الفرحة يتملكه بين الحين والآخر، كان يشعر أنه مقيّد ولا يستطيع إلا أن يجاري منال فيما تقول.
لطالما شعر بضيق شديد وارتجافة في جسده، وأمور أخرى بعد وفاة أبيه، لكنه لم يكن يعلم لماذا يشعر بكل ذلك حقًا:
ـ أيوة يا منال، هقسم الفلوس دلوقتي وهديكِ نصيبك تعملي بيه اللي أنتِ عايزاه.
نظرت إلى الحقيبة الموضوعة أعلى المكتب التي تحوي المال، وأردفت:
ـ هخرج وأتفسح وأشتري كل اللي نفسي فيه، وأخيرًا هصرف من غير حساب.
أكملت وهي تنهض وتمسك هاتفها الذي تصاعد رنينه:
ـ آه صح، معتز عايز يعجل بالفرح يا طاهر، لأنه خايف عليّا لتجرالي حاجة بعد اللي حصل، أنا قلت لازم أبلغك طبعاً.
أومأ برأسه يحركها إلى أسفل وأعلى، ولم يجب عليها، وشعور الضيق يخنقه كأنه غارق في بحر شديد الظلمة ولا يستطيع التنفس.
أما هي، فأنهت كلامها وخرجت مسرعة لترد على خطيبها بكل سعادة، فها هي تضرب عصفورين بحجر واحد؛ تخلصت من أختها، وأيضًا ستعيش حياة سعيدة برفقة خطيبها الذي يحبها.
──────────────
مر شهر، تغيّرت حياتهما رأسًا على عقب؛ انتقل طاهر إلى فيلا فخمة في ضواحي المدينة، حيث الحدائق الواسعة، وأصبح يرتدي أفخم البدل، ويقود أحدث السيارات، ويرتاد أرقى الأماكن.
أما منال، فتزوجت من خطيبها بعد أن طلب منها أن يسرعوا في إجراءات الزفاف؛ فهو خشي عليها الوحدة.
صارت إحدى سيدات المجتمع الراقي؛ تمشي بثقة بين الحاضرات في حفلاتها الباذخة، وتتألق بثياب فاخرة ومجوهرات براقة… وكل هذا بثمن خيانة أختها التي لم يسأل أحدٌ عنها بعد تلك الليلة.
لم يهتموا لكلام الناس ولا إلى ما سيقوله البعض عنهم: كيف يفرحون بعد شهر واحد من وفاة أختهم هكذا؟ وكان رد منال دومًا على من يسألها أنهم أسرعوا بالزواج لكي ينسوا فاجعتهم في أختهم الحبيبة.
──────────────
في الجهة الأخرى من المدينة، وفي مبنى رمادي ضخم تفوح منه رائحة المطهرات، كانت أسيل مستلقية على سريرٍ بارد داخل غرفتها .
طوال ذلك الشهر كانت تصرخ وتنادي بأسماء إخوتها، تستجدي وجوهًا تعرفها، لكن لا مجيب! كانت تقول والدموع تخنق صوتها:
ـ أنا مش مجنونة… طاهر ومنال هما اللي رموني هنا بسبب الورث!
لكن كل ما حصدته هو الصدمات الكهربائية والصفعات التي تزيدها ضعفًا ووجعًا.
حينها أدركت أن لا مخرج لها من هذا السجن الأبيض، فاختارت الصمت… صمتٌ ثقيل كالموت لا يُسمع فيه إلا أنينها المكتوم.
كانت يداها مقيّدتين بحزامٍ جلدي إلى جانبي السرير، وجسدها الضعيف يرتجف تحت بطانية خفيفة.
تنظر إلى السقف كأنها تبحث عن مخرجٍ للسماء، وتهمس لنفسها بصوتٍ مبحوح:
ـ ليه يا طاهر؟… هي دي وصية أبوك؟ تبقى دي آخرتها ترمي أختك الصغيرة في مصحّة؟!
اغرورقت عيناها بالدموع، لكنها لم تبكِ، فقط انكمشت على نفسها كعصفورٍ مبتلٍّ بالماء؛ فبعد محاولاتها المتكررة للهرب، قيدوها في فراشها حتى لا تحاول العودة إليهم مجددًا.
من بعيد، كانت تراقبها لمياء، ممرضة في أواخر العقد الرابع من عمرها، ذات وجهٍ بشوش رغم التعب، وعينين يملؤهما الحنان.
سألت زميلتها عن تلك الفتاة المقيّدة، فحكت لها الحكاية كلها؛ كيف جاءت منذ شهر تصرخ وتقول إنها ليست مريضة، وكيف لم يصدقها أحد.
شعرت لمياء بمزيج من الحزن والعطف، فقررت أن تكون هي المسؤولة عنها.
ذهبت إلى الطبيب وطلبت منه الإذن، فوافق فورًا، خاصة بعدما أرهقتهم أسيل في أيامها الأولى حين كانت تقاوم بشراسة.
في المساء، دخلت لمياء الغرفة بخطواتٍ هادئة تحمل صينية صغيرة عليها كوب ماء ووجبة خفيفة. جلست قربها وقالت بصوتٍ ناعمٍ دافئ:
ـ إزيك يا بنتي؟… عرفت إن اسمك أسيل، اسم جميل والله! بيقولوا الاسم من صفات صاحبه، وإنتِ شكلك فعلًا رقيقة زي اسمك.
كانت أسيل تستمع إليها بصمت، عيناها فارغتان من الحياة، تحدّقان في السقف كأنها تنظر من خلاله إلى ذكرياتها.
تابعت لمياء بحنان:
ـ أنا قلبي بيقولي إنك مش مريضة يا بنتي… اعتبريني صديقة، أو أخت، أو حتى زي أمك… فضفضي يا بنتي يمكن ترتاحي.
لكن أسيل لم تجب، فقط أغلقت عينيها في استسلامٍ تام للوجع.
ابتسمت لمياء رغم الصمت، وضعت الطعام قربها وأكملت حديثها وكأنها تحكي لنفسها:
ـ أنا اسمي لمياء، بشتغل هنا بقالي عشر سنين… اتجوزت زمان، بس ربنا ما كتبليش إني أخلف، وده كان سبب طلاقي منه، يمكن علشان كده حبيتك أول ما شفتك وحسيتك قريبة لقلبي.
أنهت حديثها وخرجت بهدوء، تاركةً خلفها دفئًا خافتًا امتزج ببرودة الغرفة.
مرّ أسبوعٌ آخر عليها لا جديد فيه سوى أن لمياء واصلت زيارتها اليومية؛ كانت تتحدث، تضحك، وتروي حكايات، بينما أسيل تستمع في صمتٍ صخري لا حياة فيه.
كانت تشعر بصدق لمياء معها، لكن قيد الخيانة الذي وضعته يدا إخوتها على قلبها كان أشد وطأة من القيود الجلدية.
ظلت تُقابل حنان لمياء بجفاءٍ مصطنع، كأنها تحمي آخر حصن لها من الانهيار والوقوع في الثقة الزائفة مجددًا.
أما العاملون الآخرون في المصحّة، فكانوا قساة القلوب لا يعرفون للرحمة طريقًا… وحدها لمياء كانت تشعل شمعةً صغيرة في ظلمة عالمها.
─────────────
وفي تلك الأثناء، كان طاهر يحتفل بزفافه من امرأةٍ جميلة ذات حسبٍ ونسب.
في قاعة فخمة وسط موسيقى صاخبة، كانت ضحكاته تتردد في أرجاء المكان وكأنه لم يدفن يومًا ضميره!
احتضن عروسه أمام الجميع وعيناه تلمعان بالزهو، دون أن يرمش له جفن على ما اقترفت يداه.
نسي شعوره بالضيق المستمر الذي صاحبه منذ وفاة والده، بعد أن شاهد تلك الفتاة الحسناء في زفاف منال. فمنذ تلك اللحظة لم يستطع نسيانها، وتقدّم لخطبتها، وها هو في طريقه إلى السفر ليقتنص من الحياة بعض الأوقات السعيدة برفقتها، لعله ينسى كل ما حصل.
أراد أن يهنأ ويسعد وينسى أنه ترك وراءه روحًا محبوسة تتألم بسببه.
فهل ستستسلم أسيل للقدر، أم سيكتب الله لها النجاة من هذا السجن؟
تُرى، ما مصيرهم جميعًا، وماذا يخبّئ القدر لكلٍّ منهم؟
