رواية بين ظلم وصبر الفصل الثاني2بقلم داليا صلاح نصار


رواية بين ظلم وصبر الفصل الثاني2بقلم داليا صلاح نصار


"نزلت دموعها وهي تترجاه: هتطلعني في نص الليل وأنا عروسة كدة يا صابر؟ عشان إيه؟ أنا ما عملتش حاجة، حرام عليكوا."
نزلت سكينة من على الدرج وهي تُتمتم بسٌباب وألفاظ قبيحة، وخلفها ابنها صبحي يسأل في فضول: هو فيه إيه يا أمّا.. مالها العروسة؟ لم ترد عليه أمه التي اتجهت للخارج قبل أن تنادي على صابر تستعجله.

صلّت صابرة الفجر وجلست على سجادتها تدعي وتناجي ربها حتى سمعت طرق مزعج على الباب، راحت نحو الباب وفتحت لتتفاجأ ببنتها صباح تبكي، فُزعت وهي تسألها: فيه إيه يا صباح؟ ايه اللي جابك وبتعيطي كدة ليه؟ ردت عليها سكينة من خلفها، بنتك بتقول عايزة تروح للدكتور، شوفيها بقى مالها، أخذتها في أحد الأركان لتسألها على راحتها، ثم ضربت على صدرها قائلة: هما شاكين فيكي ولا ايه؟ ثم رفعت صوتها وهي تردد: لا أنا بنتي أشرف من الشرف، لفّت الحجاب حول رقبتها بعد أن رفعته على رأسها وأمسكت بذراع بنتها: بينا ع الدكتور يا صباح يا بنتي، فقامت صابرين بالاتصال بعمها الذي يسكن بالقرب منهم، ليأتي مسرعاً وهو يسأل صابر: هو فيه إيه بالظبط؟

هرول الجميع إلى المركز الصحي الكامن بوسط القرية، اقتحمت سكينة الباب قائلة عايزين دكتورة نسا، أدخلتهم الممرضة إلى الطبيبة مروة التي لم تستوعب سر قدوم العائلة بهذا الوقت، وبعد مرور عدة دقائق قضتهم مروة تستمع ل سكينة ول صابرة، خلعت نظارتها الطبية، ثم نظرت لملامح صباح الخائفة ثم قالت لها: طيب اتفضلي على السرير.

استلقت صباح على السرير وجسدها يرتجف، فطمأنتها مروة: حاولي تهدي، ما تقلقيش ثم قامت بالفحص، خلعت القفاز وقامت برميه في السلة، بادرتها سكينة بالسؤال: ها يا دكتورة؟ تنهدت مروة قبل أن ترد: صباح زي الفل، كل ما في الأمر إن الغشاء اللي عندها مطاطي، والنوع ده مش لازم يحصل نزيف أثناء العلاقة، لم تُكمل الطبيبة حديثها قاطعتها سكينة وهي تصرخ: يعني إيه بقى الكلام ده إن شاء الله، إحنا عايزين نشوف شرفها بعنينا، بينما حمدت صابرة ربها: الحمد لله ظهر الحق، قولتلكوا بنتي أشرف من الشرف. 
نظرت صباح لزوجها بعتاب ولم تنطق، فقال لأمه: خلاص يا أما بقى يلا نروّح، وخرجوا جميعاً، ومروة تضرب كف على الأخر مستنكرة ما رأته مرددة في نفسها: لسه فيه ناس بتفكر كدة! لا حول ولا قوة إلا بالله.

عادت صباح إلى شقتها وهي تجر قدميها، ما زالت لم تصدق ما حدث لها في ليلة العُرس، وهي التي كانت يتغني أهل القرية بأخلاقها وأدبها، ظلت تبكي حتى أشرقت الشمس، سمعت صوت رنين جرس الباب، فقام صابر الذي لم ينطق منذ عودته، فتح لأمه التي قالت له: يلا عشان نفطر، سمعت صباح صوتها نظرت لأعلي وهي تحاول نسيان الأمر، لكن ما زال هناك وجع يكمن في ذلك الجنب الأيسر، وجع لن يعرفه إلا من مر بمثل ما مرت به. قطع شرودها صوت زوجها وهو ينادي: يلا صباح عشان الفطار، ترددت قبل أن تبادره: كُلوا انتوا بالهنا والشفا أنا مش قادرة أكل. فتركها ونزل، وجد أمه واقفة في منتصف الدار بانتظاره، ثم سألته: وفين العروسة؟ جلس على الأرض ليتناول الطعام وهو يرد: تعبانة ومش عايزة تاكل.

انتهت صابرة من عجن وخبز الفطير، وقامت بوضعه في الفرن الكبير لتحضيره، وأنهت صابرين وضع الكعك والبسكوت في صناديق ثم قالت لأمها: انتي لازم تنامي شوية بقى يا أما ما نمتيش من امبارح، ردت عليها أمها التي تلهث من شدة التعب: معلش يا بنتي، نخلص بس الصباحية بتاعت أختك، ونوديلها كل حاجة نتطمن عليها ونرجع ننام براحتنا بقى، ثم طلبت منها أن تُحضر أقفاص الخضار والفاكهة، تذمرت صابرين قائلة: والحاجات دي كلها هنوديها إزاي بس؟ وليه كل ده أصلاً؟ أجابتها أمها: العوايد كدة يا بنتي، مش عايزة حد يبقى كاسر عين أختك، زي ما بيعملوا في البلد بعملها، وأنا كلمت الواد حمادة يودينا بالتوكتوك بتاعه، تهكمت صابرين وقالت بسخرية: توكتوك؟ هوالتوكتوك هيشيل كل ده؟ إنتي عايزة عربية نقل يا أمي.

وكز صابر اخته قائلاً: ما تقومي تعملي الشاي يا بت يا أسماء وبطلي رغي شوية، رفعت حاجبها وهي ترد عليه: ما بتتشطرش غير عليا أنا مش كدة؟ قضب حاجبيه: قومي يا بت فِزي اعمليلنا الشاي، فقامت ببطء وهي تقول لأمها: وانتوا بقى صدقتوا كلام الدكتورة؟ مش يمكن دافعينلها عشان تقول كدة! صاح في وجهها: ايه اللي بتقوليه ده؟ فهدأته أمه ثم قالت لأسماء: روح انتي اعملي الشاي يا أسماء، دخلت للمطبخ، نظرت سكينة لابنها قبل أن تتفوه: اختك معاها حق يا صابر، أنا مش مرتاحة للدكتورة دي، جحظت عينا صابر وقبل أن يرد سمع صوت الزغاريد مع دخول ام صباح وبنتها صابرين  تحملان صواني الفطير الساخن المصنوع بالسمن البلدي ورائحته تفوح في كل الأرجاء، والاقفاص المحملة بالفاكهة والخضروات الطازجة وأقفاص أخرى مملؤة بالطيور البلدي، وضعت نصف ما حملته أمام سكينة قائلة بخجل: طبعاً الحاجات دي ليكي يا ست سكينة والفطير بالسمن البلدي يستاهل بوقك، نظرت لها سكينة باشمئزاز ثم قالت: بس خلي صابرين وحمادة يدخلوهم جوه، زفرت صابرين بعد أن طلبت منها أمها ان تحملهم وتدخلهم لكنها نفذت الأمر بالنهاية، بعدها صعدت لبنتها صباح ببقية الأقفاص، فتحت لها صباح وعانقتها بشدة، سألتها أمها: عاملة ايه يا بنتي؟ صمتت قليلاً وردّت: الحمد لله يا أمي كويسة، ثم قامت لتحضر لها كوباً من العصير فأوقفتها أمها قائلة: مالوش لزوم يا بنتي أنا هامشي بقى ما دام اتطمنت عليكي، هنروّح بقى عشان أنا واختك ما نمناش، ترجتها صباح أن تبقى معها لكن رفضت أمها التي خافت عليها من كثرة كلام سكينة، ونزلت سريعا.
لم تمر الساعة حتى وجدت صباح حماتها تنادي عليها قائلة: يلا يا عروسة عشان تتزلي تدبحي الطيور دي وتنضفيها.
******************** استغفروا 

جلست مروة على الأريكة بجانب زوجها قائلة: تخيل يا مصطفى جالي عريس وعروسة بعد الفجر عشان ما حصلش نزيف، وحماتها بتتهمها في شرفها! تغيرت ملامح زوجها بعد ان اعتدل وقال باهتمام: أهو ده اللي كنت خايف منه، الناس هنا مش زي القاهرة يا مروة، وبلاش تبقي نبطشية بالليل كدة تاني، قاطعته بحزن: والله أنا مش صعبان عليا غير البنت، لو تشوف شكلها وهي خايفة وبتترعش كدة، حقيقي قطّعت قلبي، وبعدين ده اكتر من تِلت بنات مصر غشاءهم مطاطي يعني، تنهد مصطفى وسألها: طب وبعدين ايه اللي حصل بقى؟

قامت صباح بدبح الطيور تنفيذاً لأمر حماتها حتى حلّ الليل، وجلست لتُنظفهم وتضعهم في الأكياس البلاستيكية، لتخزينهم في المبرد، وقد بدا عليها الإرهاق والتعب، اقتربت منها أسماء لتسألها بجرأة ممزوجة بفجاجة: إلا قوليلي يا صباح، هو البتاع المطاطي اللي عندك ده هيخليكي تخلفي عادي ولا لأ؟ صُدمت صباح لمعرفة أسماء بالأمر، ولم تستطع الرد عليها، شعرت أن رأسها سينفجر فصعدت مسرعة إلى شقتها، وارتمت على الفراش، لم تستفق من الصدمة حتى جاء زوجها، دخل إلى الغرفة وطلب منها أن ترتدي ملابسها، مسحت دموعها وهي تسأل باستغراب: ليه هنروح فين تاني؟ ابتلع ريقه قبل أن ينطق: هنروح لدكتورة تانية في مصر. اتسعت عينا صباح على أخرها، شعرت بدوار مفاجئ وسقطت على الأرض مغشية عليها.

                     الفصل الثالث من هنا
تعليقات



<>