رواية ولدت من الرماد الفصل الرابع4بقلم فاطمة فارس
ا" سر القلادة "
صلّوا على من بُعث رحمةً للعالمين
──────────────
كان طاهر جالسًا في غرفة نومه، يرمق زوجته الجالسة أمامه وهي تسرّح خصلات شعرها بكل هدوء، فسرح في جمالها الأخّاذ، وسأل نفسه: هل حقًا وافقت على الزواج منه من أجله، أم من أجل ماله؟
لكنه نفض تلك الأفكار من رأسه عندما تقدّمت منه تتغنّج، وهي تلعب بخصلة من شعرها بعدما جلست بجواره:
ـ حبيبي، سرحان في إيه؟
أجاب مبتسمًا:
ـ في جمالك يا حبيبتي.
ضحكت بملء فيها قائلة:
ـ لا بقى، أنا لازم أستغل لحظة الروقان دي وأطلب هدية حلوة منك.
ـ بس عيد ميلادك لسه بدري عليه؟
أجابته وهي تداعب خده بأناملها وتنظر إليه برقة:
ـ دي هدية جوازنا يا بيبي.
استطاعت برقتها تلك سلب أنفاسه، فابتسم وقال:
ـ ماشي يا برنسيسة، أنتِ تؤمرين. اجهزي بسرعة علشان ننزل نشتري الهدية اللي أنتِ حابّاها.
نهضت مسرعة، وتقدّمت نحو الخزانة وأخرجت منها بعض الملابس، وخلال دقائق كانت مستعدة.
أخذها ونزلا من المنزل، وتوجّها ناحية سيارته، فركبها وهي بجانبه تبتسم؛ فها هي في طريقها لشراء السيارة التي كانت تحلم بها منذ زمن.
كان والدها، مع أنه كان يملك الكثير من المال، كان حريصًا كل الحرص على كل ما يخرج من جيبه، فكان يقول لها دائمًا إنها مسرفة، وأنه لن يجدّد لها سيارتها مرة أخرى، وإن أرادت ذلك فلتوافق على الزواج من أي شاب غني، وتريحه منها ومن طلباتها المتكررة.
وفور أن تقدّم لها طاهر، وعلمت أنه ورث أموالًا طائلة من والده، وافقت على الزواج منه على الفور، مرتجيةً أن تعيش السعادة التي تتخيلها دومًا.
──────────────
أما منال…
فقد ركبت سيارتها الفارهة، تتحرّك بخيلاء وابتسامة ماكرة ترتسم على شفتيها، وفي عينيها بريق خبثٍ لا ينطفئ.
كان الطريق المؤدّي إلى مستشفى الأمراض العقلية طويلًا، تحفّه الأشجار الجافة، والسماء رمادية كأنها تشارك في الجريمة القادمة.
توقّفت السيارة أمام بوابةٍ حديدية عالية، تعلوها لافتة قديمة يتدلّى منها الصدأ كأنه دمٌ يابس.
نزلت من السيارة، ترفع رأسها بتكبّر، وخطت بخطواتٍ متزنة حتى وصلت إلى الاستقبال، حيث طلبت مقابلة المسؤول عن المكان.
بعد دقائق، جاء رجلٌ ضخمٌ خشن الملامح، يبدو على وجهه أثر التعب والملل. رحّب بها وأدخلها إلى مكتبه الصغير الذي تنبعث منه رائحة الدواء والرطوبة. جلس خلف مكتبه وقال بصوتٍ خافت:
ـ أهلًا بمنال هانم.
أمسكت منال بأطراف شعرها القصير تعبث بها بأصابعها، وقالت بصوتٍ زاحف كفحيح الأفعى:
ـ أهلًا بيك يا حضرة المدير… أتمنى تكون نفّذت اللي طلبته منك من فترة على التليفون.
ارتبكت نظراته؛ فهو وإن كان يقبل الرشوة، إلا أنه ما زال يحتفظ بشيءٍ من الشفقة على تلك المسكينة، لكن حبه للمال وخوفه من منال جعلاه يوافق على ما طلبته منه، حتى إنه أصدر تعليماته للعاملين بألّا يتدخل أحد فيما يحدث لها.
قال بتلعثم:
ـ احم… في الحقيقة البنت منهارة لوحدها، ده غير إننا خلّيناها في غرفة منفصلة، وإيديها دايمًا متكتفة… وكل يوم بتاخد جلسة كهربا، وأنا شايف إن ده كفاية عليها.
وقفت منال غاضبة، وضربت المكتب بقبضتها وهتفت بسخطٍ حادّ:
ـ أنا هنا اللي أقول إيه اللي يمشي وإيه لأ، فاهم؟ ما تنساش نفسك! وبعدين مش مكفيك الفلوس اللي أخدتها؟ اللي أمرت بيه يتنفّذ حالًا… وإلّا…
سكتت، ثم رمقته بنظرةٍ نارية جعلته يبتلع ريقه بخوف.
قال محاولًا التماسك:
ـ الموضوع مش موضوع فلوس يا هانم… أنا بس…
قاطعته بانفعال وهي تحني أذنه إليها بنبرةٍ آمرة قاطعة:
ـ تمام! لو مش قادر تنفّذ اللي طلبته منك، أنا هنفّذه بنفسي! ومش عايزة أي مخلوق يتدخل في اللي بعمله هنا… أظن كلامي واضح؟
هزّ المدير رأسه بيأسٍ وطاعةٍ، ثم تناول سماعة الهاتف بملامح مقتضبة، واتصل بالطبيب المسؤول عن حالة «أسيل»، وأمره صراحةً ألا يتدخل مطلقًا بين أسيل وأختها مهما حدث، وأن يتظاهر بأنه أصمّ لا يسمع، وأعمى لا يرى، مهما تعالت صرخاتها أو رأى بعينيه ما يحدث لها.
أمسكت منال حقيبتها ولملمت أشياءها، وخرجت بخطواتٍ غاضبة، تدق الأرض بكعبها العالي كأنها تعلن الحرب.
كانت الغرفة التي حُبست فيها أسيل معتمة؛ الجدران رمادية باهتة كأنها تئنّ من قصص الجنون التي شهدتها. في أحد الأركان نافذة صغيرة يعلوها الصدأ، يكاد يمنع الضوء من الدخول.
جلست أسيل على سريرٍ حديدي بارد، تغمض عينيها، فيما كانت لمياء تجلس بجوارها تحمل صحن طعامٍ تحاول إطعامها منه برفق، لكن أسيل فقدت شهيتها للحياة قبل الطعام، وفقدت الكثير من وزنها.
دخلت منال الغرفة بخطواتٍ غاضبة، ونظرت إلى أختها باحتقارٍ وقالت بصوتٍ ملتهب:
ـ إيه يا شيخة؟! لسه متماسكة كده إزاي؟ حبسناكِ هنا، وخسرتي بيتك وفلوسك وأمانك… ولسه زي ما أنتِ؟!
فتحت أسيل عينيها بتعب، ونظرت إلى أختها بمرارة الخذلان، ولم تردّ.
ازداد غضب منال، وتقدّمت نحوها بخطواتٍ سريعة، وانتزعت الصحن من يد لمياء وسكبته على الأرض. ثم أمسكت لمياء من كتفيها وسحبتها بعيدًا عن الفراش، وجلست مكانها.
أمسكت بشعر أختها بعنف، ولفّته حول يديها، وقالت بغلّ:
ـ تعرفي؟ أنا السبب في كل اللي أنتِ فيه!
ضحكت ضحكةً مجنونة وأكملت:
ـ أنا اللي أقنعت طاهر يجيبك هنا، وأنا اللي خليته يكرهك… وأنا كمان اللي هخلّص عليكِ بإيدي! زي ما موتك اتكتب في الشهادة… هتموتي في الحقيقة كمان! ومحدش هيسأل عنك؛ لأنك خلاص… انتهيتِ!
كانت أسيل تشعر بأن الهواء يضيق، وأن أنفاسها تختنق، وعيناها تملؤهما الدموع، فصمتت دون مقاومة، وهي تعلم أن أي مقاومة ستزيد من عذابها.
أخرجت منال سوطًا من حقيبتها وقالت ببرود:
ـ فكي قيودها يا… يا اسمك إيه أنتِ، وخلي ضهرها في وشي واخرجي من هنا.
قالتها دون أن تكلف نفسها عناء معرفة اسمها، وكأن اسم لمياء لا يعني لها شيئًا.
ترددت لمياء، لكن الخوف ألجمها، ففعلت ما أُمرت به على مضض، وهي تتمنى لو تستطيع إنقاذها.
خطت خطواتها نحو الخارج، وعيناها معلّقتان على أسيل، ترمقانها بحزنٍ بالغ، وقبل أن تخرج سمعت صوت منال يتردد آمرًا:
ـ هاتيلي مقص جديد!
تجمّدت لمياء في مكانها لعدة لحظات، فسارعت منال بالصراخ فيها:
ـ واقفة عندك ليه؟ هاتي اللي طلبته منك، وإلّا هطردك من هنا!
أسرعت لمياء بالخروج، وهي تتمتم ببعض الكلمات في خوف.
بعد لحظات من الصمت، ارتسمت ابتسامة متهكمة على شفتي منال، قبل أن تنهال على أسيل بضرباتٍ متتالية، وهي تتنفس بعنف، وصدرها يعلو ويهبط من شدة الانفعال.
كان الألم يسكن كل نفسٍ من أنفاس أسيل؛ كانت يد أختها تضربها بلا رحمة، والسوط يلهب ظهرها حتى تمزقت ملابسها، وامتلأ جسدها بالجروح، والدماء تسيل على الأرضية الباردة.
لم تصرخ ولم تنهر، فقط انهمرت دموعها بصمتٍ موجع… كأن صوتها مات منذ سُجنت هنا.
ألقت منال السوط أرضًا حين تعبت يدها من الضرب، ثم فكّت قيود أسيل بقسوة، وعدّلت وضعها لتجبرها على النظر في وجهها.
نظرت إليها أسيل بابتسامةٍ باهتة ممزوجة بالألم، كأنها تقول: هذا كل ما عندكِ؟
دخلت لمياء، فارتجف جسدها من المنظر؛ الدماء على الأرض، والفراش مبلّل بها، وظهر أسيل ينزف بغزارة.
اقتربت منها بخوف، لكن منال صرخت فيها:
ـ اديني المقص!
أعطتها إياه، وجلست بجوار أختها المنهارة، وأمسكت خصلات شعرها بعنف وهي تقول بخبث:
ـ هو ده شعرك اللي كنتي فرحانة بيه؟ مش ده اللي بابا بنفسه كان بيسرحه ليكِ ويضفره كمان؟ أنا هخليكِ تندمي على كل لحظة حسستيني فيها إنه بيحبك أكتر مني.
وبقسوةٍ مجنونة، بدأت تقص شعرها دون ترتيب، تقطع الخصلات الواحدة تلو الأخرى، وهي تسبّها بأقذر الكلمات.
وحين انتهت، بصقت عليها وخرجت من الغرفة بخطواتٍ ثقيلة، وهي تقول ببرودٍ شيطاني:
ـ ما تفرحيش كتير… لسه لينا لقاء تاني قريب أوي.
أنهت حديثها وخرجت من المكان بأكمله.
ما إن خرجت، حتى سارعت لمياء بالاقتراب منها بخطواتٍ مرتعشة، ودموعها تغرق وجهها.
غطّت أسيل بشالها الممزق، وساعدتها على الجلوس فوق الفراش.
كانت أسيل شاحبة، بالكاد تتنفس. شعرت أن الظلام يبتلعها ببطء، وأن روحها تتهاوى كأوراق الخريف… ثم أغلقت عينيها وغابت عن الوعي من شدة الألم والحزن.
فزعت لمياء وأسرعت تنادي الطبيب لكي يفحصها، وهي تذرف الدموع على ما حدث أمام عينيها.
──────────────
عادت منال إلى بيتها بعد يومٍ طويل، فبعد أن انتهت من أسيل، ذهبت إلى أحد النوادي لكي تهدأ قليلًا، وأخذت تضحك مع زملائها وكأنها لم تكن قد دمّرت أختها منذ قليل.
ما إن خطت نحو الداخل حتى وجدت زوجها ينتظرها في غرفة المعيشة؛ ملامحه متوترة وعيناه تشتعلان غضبًا.
كان يجلس على الأريكة الجلدية، يداه متشابكتان أمامه، وصوته حين تحدّث بدا حادًا رغم محاولته التماسك.
ابتسمت له منال بخبثٍ خفي، وهي تقول بنغمةٍ ناعمة تمتص بها غضبه:
ـ أهلًا يا حبيبي… جيت بدري يعني؟
نظر إليها معتز للحظات، ثم رفع معصمه يتفقد ساعته قبل أن يعيد نظره إليها بحدةٍ خفيفة:
ـ كنتِ فين يا منال كل ده؟ وليه ما عرّفتينيش إنك خارجة؟
اقتربت منه بخطواتٍ بطيئة محسوبة، وانحنت قليلًا لتحتضنه بخفة، وهي تقبّل وجنته قائلة:
ـ أبدًا… زهقت من القعدة لوحدي، فقلت أطلع أتمشى وأشم هوا.
لم يعلّق كثيرًا؛ فانشغاله الدائم بعمله يجعله يشعر بالذنب تجاهها، بل أمسك يدها وجلسا سويًا على الأريكة، ثم قال برفق:
ـ طيب… تعالي علشان عايزك في موضوع كده.
جلست بجواره وهي تتظاهر بالاهتمام، بينما قلبها يضجّ بالترقّب.
همس وهو يمرر أنامله على شعرها برفق:
ـ أولًا يا ستي، أنا مسافر كام يوم علشان الشغل… وقلت أسألك لو حابة تيجي معايا.
سعدت بالخبر وكادت تعلن موافقتها، لكنها تذكرت فجأة أنها لم تأخذ حقها من أسيل بعد، فحوّلت ابتسامتها إلى نظرةٍ حزينة، وقالت بصوتٍ مكسورٍ متصنع:
ـ معلش يا حبيبي، المرة الجاية إن شاء الله… أنا محتاجة أزور واحدة صاحبتي مريضة شوية.
ابتسم وهو ينهض ويساعدها على النهوض:
ـ على راحتك يا حبيبتي… المهم يلا نتعشى، أنا مستنيك بقالي كتير.
اتجها معًا نحو غرفة الطعام، حيث كانت الأضواء الصفراء الدافئة تنعكس على مائدةٍ أنيقة، تفوح منها رائحة الطعام الساخن.
جلست منال مقابلًا له وسألته وهي تعبث بملعقتها:
ـ هتسافر إمتى؟
أجاب وهو يمسك الخبز ويقطع منه قطعة صغيرة قبل أن يغمسها في طبق الذي أمامه:
ـ بعد أسبوع إن شاء الله، بس قلت أقولك بدري.
ساد صمتٌ قصير، لا يُسمع فيه سوى صوت الملاعق وهي تطرق الأطباق؛ كلٌّ منهما كان غارقًا في عالمه: هو يفكر في الصفقة التي ينتظرها بعد أسبوع، وهي تفكر في كيف ستعذب أسيل وبأي طريقة.
رفع معتز نظره إليها فجأة، وفي عينيه بريق تساؤل:
ـ منال… هو ليه لما كنت باجي أزوركم طول فترة الخطوبة ماكنتش بشوف أختك خالص؟ وكمان مستغرب جدًا… إزاي عملت حادث وهي رايحة تزور قبر والدك؟ ليه سبتوها تروح لوحدها؟ مش المفروض تكوني معاها أنتِ أو طاهر .
توقف الطعام في حلقها، واتسعت عيناها قليلًا؛ شعرت بأنفاسها تتقطع، وسعلت بشدة.
نهض مسرعًا وناولها كوب الماء، فارتشفت القليل وهي تحاول استجماع هدوئها، ثم مسحت فمها بمنديلٍ وهي تبتسم ابتسامةً باهتة:
ـ أولًا يا حبيبي، أسيل الله يرحمها كانت انطوائية جدًا، ما بتحبش تقابل حد، علشان كده لما كنت بطلب منها تنزل تسلّم عليك كانت بترفض، وبتقولي أسلّم عليك بالنيابة عنها… كانت دايمًا بتتحجج بالمذاكرة.
توقفت قليلًا، ثم تابعت بخبثٍ هادئ:
ـ وثانيًا… هي اللي أصرت تروح لوحدها ورفضت إن حد يروح معاها، كنا فاكرينها هتهدى لما ترجع، بس النصيب بقى… الحمد لله.
أنزلت وجهها للأسفل، ورسمت على ملامحها علامات الحزن كأنها تتذكر فاجعة فقدها.
ترك معتز الملعقة من يده، وتقدم ناحيتها، ثم جلس بالمقعد المجاور لها وأمسك بكفها برفق، قائلًا بنبرةٍ حنونة:
ـ أنا آسف، مش قصدي أفكرك بيها وبوالدك الله يرحمه.
مسحت دمعةً وهمية سالت على خدها، وهمست بصوتٍ مبحوح:
ـ ربنا يرحمهم… والله قلبي بيتقطع عليهم، خسرت أبويا وأختي مع بعض ومبقاش ليا حد غير طاهر.
قال بأسى:
ـ ربنا يرحمهم يا حبيبتي، ادعيلهم بالرحمة، هما في مكان أحسن دلوقتي.
ثم ابتسم ليخفف عنها:
ـ وبعدين هو طاهر بس اللي ليكِ؟ وأنا فين؟ ده أنا استعجلت جوازنا علشان متحسيش إنك لوحدك.
ابتسمت بخبثٍ داخلي، وقد شعرت بالنصر؛ فزوجها صدّق كل كلمة قالتها له.
وتذكرت تلك الأيام حين كان معتز يأتي لزيارتهم، وكيف كانت تحذر أختها من النزول أو حتى الظهور أمامه؛ حتى في الخطوبة لم تسمح لها برؤيته أو بالحضور، وأقنعت والدها حينها أنها رفضت النزول بحجة المذاكرة.
كانت تخاف أن ينجذب إليها… فهي أجمل منها.
أفاقت من شرودها على صوت معتز القلق وهو يلمس كتفها برفق:
ـ مالك يا منال؟ بنادي عليكِ مش بتردي ليه؟
ابتسمت وهي تضع يدها على يده قائلة:
ـ مفيش يا حبيبي… كنت بس بفكر إني محظوظة إنك في حياتي.
ضمّها إليه وهو يربت على شعرها بحنان:
ـ ربنا يباركلي فيكِ يا منال.
لم يكن يعلم أنه تزوج حيّةً سامة في هيئة امرأة!
──────────────
في المساء…
كان طاهر يجلس في مكتبه الواسع؛ جدرانه يغلب عليها اللون الكحلي، وتتدلى منها لوحة كبيرة لوالده الراحل.
على المكتب تراكمت الملفات والأقلام، وبجواره كوب قهوة تفوح منه رائحة البن المحمّص.
فتح أول ملف وأخذ يقرأ بتركيزٍ شديد؛ فقد استثمر ثلث ماله في البورصة على أمل أن يجني أضعافه لاحقًا.
دخلت زوجته فاتن مرتديةً فستانًا منزليًا ناعمًا، وقالت بمللٍ واضح وهي تتكئ على الباب:
ـ أنت لسه قاعد هنا يا طاهر؟ أنا زهقت من البيت، ما تيجي نتمشى شوية؟
رفع رأسه نحوها، وفجأة ارتجف قلبه… تذكر أسيل وتلك الليلة التي قال لها فيها نفس الجملة قبل أن يقودها إلى مصيرها المظلم!
شعر بقشعريرةٍ تسري في جسده، وازدادت أنفاسه ثقلًا.
أهو ندم؟ أم أن ضميره يصرخ من جديد بعد أن خالف وصية أبيه؟
مدّت فاتن يدها تلمس ذراعه بقلقٍ واضح، وهي تقول:
ـ مالك يا حبيبي؟ سرحان في إيه؟
ابتسم ابتسامةً باهتة وقال وهو ينهض متكلفًا التماسك:
ـ أبدًا، سرحت في الشغل شوية.
احتضنها سريعًا كمن يحاول أن يهرب من طيفٍ يطارده، ثم قال بلطفٍ مرهق:
ـ معلش يا فاتن، خليها يوم تاني… أنا تعبان جدًا، خلينا ننام دلوقتي، وبكرة نخرج زي ما أنتِ عايزة. وبعدين يا ستي، مش كنا لسه بره الصبح واشترينا العربية اللي نفسك فيها؟
قالت ضاحكة وهي تتذكر أمر السيارة:
ـ آه فعلًا، معلش بقى، أصلًا مش متعودة على قعدة البيت دي.
ـ طيب يلا نطلع نرتاح، وبكرة هخرجك في المكان اللي تختاريه.
اتجه معها ناحية الباب وخرجت معه، ومع كل خطوة نحو غرفته، كان صدى صوتٍ خافتٍ يهمس داخله:
سامحني يا والدي…
──────────────
أما في الجانب الآخر… كانت أسيل نائمة على فراشٍ أبيض في غرفةٍ صغيرة يغمرها ضوء القمر المتسلل من النافذة، وعلى الطاولة بجوارها كوب ماء وعلبة دواء.
انحدرت دمعةٌ حارقة من عينها، فسارعت لمياء، تلك السيدة الحنون، إلى مسحها بأنامل مرتجفة، وهي تهمس بحنانٍ أمومي:
ـ يا حبيبتي يا بنتي… حقك عليا، مقدرتش أحوش عنك.
جلست بجانبها تربّت على شعرها بخفةٍ لتشعرها بالأمان.
فتحت أسيل عينيها ببطء، ونظرت إليها بنظرات امتنانٍ صامتة؛ لم تكن لمياء تحمل نفس دمائها، لكنها كانت أرحم بها من إخوتها الذين غرتهم الحياة الدنيا.
ابتسمت لمياء وهي تهمس بفرحةٍ خافتة:
ـ أخيرًا أفقتِ… حمدًا لله على سلامتك يا بنتي.
هزّت أسيل رأسها بخفوت، وكانت تلك أول مرة تتفاعل فيها منذ جاؤوا بها إلى هنا.
تمتمت لمياء وهي تمسك يدها برفقٍ دافئ:
ـ لو بس تتكلمي… نفسي أسمع صوتك، والله يعلم ربنا إني بحبك كأنك بنتي وعايزة أشوفك مبسوطة.
رفعت أسيل نظرها إليها كأنها تحاول إخراج الكلمات من بئرٍ عميق، ثم همست بصوتٍ واهنٍ مرتجف:
ـ عايزة… أصلي.
تجمّدت الدموع في عيني لمياء من السعادة، وساعدتها على الجلوس قائلة بابتسامةٍ دافئة:
ـ حاضر يا حبيبتي، هساعدك تتوضي وتوقفي تصلي.
بعد قليل، وقفت أسيل بجسدٍ هزيل وروحٍ منكسرة تواجه ربها في خشوعٍ عميق؛ ركعت وسجدت، ودموعها تغسل وجهها وهي تهمس:
يا رب… فرّج كربي وأخرجني مما أنا فيه!
وحين انتهت، همّت بجمع سجادة الصلاة، لكن طرف القلادة المعلقة بعنقها تشابك بخيوط السجادة.
حاولت فكها بخوفٍ ألّا تنقطع، فهي أثمن ما تملك.
اقتربت لمياء وساعدتها، لكن حين وقعت عيناها على القلادة، ارتجف قلبها… أحسّت أنها مألوفة بالنسبة إليها!
فتحتها بيدٍ مرتعشة، فإذا بداخلها صورتان: إحداهما لامرأةٍ فاتنة تبتسم برقة، والأخرى لامرأةٍ أنيقة ترتدي قبعة.
شهقت لمياء وانهمرت دموعها، وهي تهمس بصوتٍ متقطع:
ـ أنتِ… جبتي منين السلسلة دي يا أسيل؟!
نظرت إليها أسيل بعينين مغرورقتين بالدموع، ومسحت بأناملها القلادة، وقالت بصوتٍ متعب:
ـ دي آخر حاجة باقية من أمي… الصورة دي ليها، والتانية مش عارفة لمين بصراحة.
ارتجفت شفاه لمياء، وعيناها تشعّان بدموعٍ غزيرة…
تُرى… ما قصة تلك القلادة؟ ومن تكون لمياء حقًا؟
وهل سيكتب القدر لأسيل النجاة من شرّ منال، أم أن للعذاب بقية؟
