رواية هي كده الفصل الرابع4بقلم ابتسام محمود الصيري
ظل عبدالله جالسًا إلى الطاولة نفسها، ولم يتحرك، لم يتحدث إلى أحد، ولم يهتم بأي شيء يحدث من حوله، كان كل تركيزه منصبًّا على سيارتها، وعلى الفتاة النائمة بداخلها، كان يراقبها بحذر، يتابع كل حركة حولها، وكل شخص يقترب من المكان، لم يكن يعرف لماذا يفعل ذلك، لكنه كان يشعر أنه إذا غادر الآن، فقد يحدث لها شيء، وإذا حدث، فلن يستطيع أن يسامح نفسه، كانت غريبة عنه، ومع ذلك، وجد نفسه يتصرف وكأن مسؤولية ما قد وقعت على عاتقه.
_________
ألقت رنا كتابها فوق المكتب بإهمال، ثم ألقت القلم إلى جواره، مستندةً بيديها إلى حافة المكتب وعيناها تلمعان بحماسٍ لم تستطع إخفاءه قائلة:
— بنات، أنا عايزة أطبّق عملي اللي اتعلمته الأسبوع اللي فات في درس الميكب أرتست.
رفعت تبارك عينيها عن كتابها، وابتسمت لها بحنان، ثم وضعت قلمها فوق مكتب المذاكرة وأراحت ذقنها على كفها وهي تبلغها:
— يا روحي، إنتى أحلى ميكب أرتست، مش محتاجة تعملي عملي... ركزي في مادة بكرة، ده الأهم.
لم تعبأ رنا بنصيحتها، بل انحنت على حقيبتها وأخذت تفتش بداخلها، حتى أخرجت حقيبة صغيرة امتلأت بأدوات التجميل وضعتها فوق المكتب وفتحتها بحماسة، كأنها عثرت على كنزٍ ثمين:
— مستحيل! تعالي يا تبارك، هعملك ميكب بسرعة.
اتسعت عينا تبارك، وانتصبت في جلستها فور أن وقعت عيناها على الفرش والمساحيق الملونة.
— لا، بلاش أنا يا رنا...
— إيه يا بنتي؟ ما تخافيش كده! ده مجرد ميكب.
هزت تبارك رأسها نافيةً، وأغلقت كتابها على عجل، كأنها تحاول التمسك بآخر حجة قد تنقذها من جنون صديقتها.
— بقولك لأ! مش عايزة، وبعدين بابا لو شافني كده هيضايق أوي.
توقفت يد رنا للحظة فوق حقيبتها، ثم رفعت حاجبًا باستنكار، وكأنها لم تسمع سوى عذرٍ سخيف لا يستحق الاهتمام:
— ويضايق من ايه؟ خدي بس يا بنتى ده أنا هخلص في خمس دقايق!
تدخلت سارة، التي كانت تراقب المشهد من مقعدها، محاولةً إنهاء الجدال قبل أن يتحول إلى معركة جديدة بين الاثنتين:
— خلاص يا رنا، بطلي رخامه! البنت مش عايزة.
التفتت إليها رنا ببطء، ثم ابتسمت ابتسامةً واسعة لم تبشر بالخير.
— مستحييييل.
قالتها بإصرار، ثم اندفعت نحو تبارك قبل أن تتمكن الأخيرة من الابتعاد، حاولت تبارك التراجع بكرسيها، لكن رنا أمسكت بذراعها وجذبتها نحوها، متجاهلةً مقاومتها الواضحة:
— اقعدي بقى، ما تتحركيش!
— يا رنا، سيبيني! بقولك مش عايزة!
— يا بنتي هخلص بسرعة، والله العظيم! إنتى بس اقعدي ساكتة.
— لأ، يا رنا! والنبي بلاش!
لم تمنحها رنا فرصةً أخرى للاعتراض؛ أمسكت بوجهها من جانبيه، وبدأت تمرر الفرشاة فوق بشرتها، بينما أخذت تبارك تحرك رأسها يمينًا ويسارًا محاولةً الإفلات منها.
— ثبتي راسك يا تبارك! هو أنا بعملك عملية جراحية؟
— يا رنا، حرام عليكي! أنا مش عايزة!
— ما تزعقيش بقى، هتبوظي الشغل!
كانت رنا تضحك وهي تتعامل مع وجه صديقتها باعتباره لوحةً فارغة تنتظر إبداعها، بينما أخذ الخوف يتسلل إلى ملامح تبارك كلما تخيلت عودة والدها ورؤيته لما يحدث، لم تكن تخشى المساحيق نفسها بقدر ما كانت تخشى العواقب؛ فقد اعتادت أن ترى في أبسط مخالفة لقواعد المنزل ذنبًا يستحق العقاب، التفتت تبارك نحو سارة بعينين ترجوان النجدة.
— يا سارة، والنبي خليها تبطل! إنتى شايفة اللي هي بتعمله فيا؟
رفعت سارة كفيها مستسلمةً، ثم انفجرت ضاحكةً على الرغم من محاولتها كتم ضحكتها:
— والله انا ماليش دعوة بيكم، أنا مش ناقصة وجع دماغ.
لم تتوقف رنا إلا بعدما انتهت من وضع آخر لمساتها، ثم ابتعدت قليلًا لتتأمل النتيجة بإعجابٍ بالغ، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة المنتصر الذي أنجز مهمةً عظيمة.
أما تبارك، فبقيت متيبسةً في مكانها، لا تجرؤ حتى على لمس وجهها، وكأن أي حركة قد تزيد الكارثة سوءًا.
أطلقت سارة صفيرًا طويلًا وهي تنحني نحوها لتتفحص النتيجة.
— واااو! جامد يا رنا، إيه الجمال ده!
رفعت رنا ذقنها بفخر، ثم التفتت إلى سارة وهي تحمل إحدى الفرش في يدها.
— عجبكي؟ طب تعالي بقى أعملك إنتى كمان.
اختفت ابتسامة سارة في لحظة، وأغلقت كتابها بسرعة، ثم بدأت تجمع أقلامها المبعثرة فوق المكتب.
— أنا بقول نشوف مذاكرتنا أحسن، عشان نلحق نروح قبل ما أنكل سالم يوصل.
توقفت تبارك عن التنفس للحظة، ثم التفتت نحو الساعة المعلقة على الحائط.
كان اسم والدها كافيًا ليبدد ما تبقى من المرح في المكان؛ فهي تعرف والدها جيدا لا يحب الانتظار، ولا يتسامح مع ما يعتبره خروجًا عن أوامره، مهما بدا الأمر تافهًا في نظر الآخرين.
وبينما أخذت رنا تروي لسارة تفاصيل ما تنوي تجربته في المرة المقبلة، كانت تبارك شاردةً في وجه والدها حين يراها. حاولت أن تطلب منهما مساعدتها في إزالة المساحيق، لكن رنا لوحت بيدها باستخفاف.
— يا بنتي ما تقلقيش! أول ما نخلص هنمسحهولك، كأن مفيش حاجة حصلت.
لم يكن لدى تبارك ما تقوله. اكتفت بالنظر إلى انعكاس وجهها في المرآة الصغيرة، وشعرت بانقباضٍ ثقيل يستقر في صدرها.
⸻
بعد مرور بعض الوقت، غادرت الفتاتان المنزل، تاركتين تبارك وحدها مع قلقها.
ما إن أغلق الباب خلفهما حتى أسرعت إلى الحمام، وفتحت صنبور الماء، ثم أخذت تغسل وجهها بعجلة، تمرر الماء فوق خديها وجبينها مرارًا، وهي تردد لنفسها أن كل شيء سيزول في دقائق، لكن لا يتغير شيئًا، بقيت المساحيق عالقةً بوجهها، بل بدا بعضها أكثر وضوحًا بعدما ابتللت بشرتها، تجمدت في مكانها، وحدقت في المرآة بذهول.
— إيه ده؟! لأ، لأ، مش معقول!
التقطت منشفةً وبدأت تفرك وجهها، حتى احمر جلدها، لكن محاولاتها لم تجد نفعًا. جربت الماء والصابون، ثم فتشت الأدراج عن أي شيء يمكن أن يساعدها على إزالة تلك الكارثة، إلا أن الوقت كان يركض أسرع منها، وفجأة، اخترق صوت محرك سيارة سكون المنزل، سقطت المنشفة من يدها.
— يا مصيبتي!
اندفعت خارج الحمام، تتعثر في خطواتها من شدة الارتباك. حاولت تضفير شعرها بأصابع مرتجفة، وبدلت ثيابها على عجل، ثم توقفت أمام المرآة للمرة الأخيرة، تنظر إلى وجهها الذي عجزت عن إعادته إلى صورته المعتادة.
كان قلبها يخفق بعنف، حتى خيل إليها أن صوت نبضاته سيصل إليه قبل أن تصل هي إلى الباب.
أغمضت عينيها لحظةً، ثم خرجت لملاقاته.
⸻
كان شيخ سالم يقف في منتصف الردهة، يخلع ساعته ببطء، حين لمحها تقترب.
خفضت تبارك رأسها فورًا، وثبتت عينيها على الأرض، شبكت أصابعها بعضها ببعض، وأخذت تحركها بعصبية، تضغط على مفاصلها حتى ابيضت أطرافها، حاولت أن تبدو طبيعية، لكن ارتجاف جسدها فضحها، لم يكن عليها أن تنظر إليه لتعرف أنه لاحظ شيئًا، توقفت خطواته، ساد صمت ثقيل، لم يقطعه سوى صوت أنفاسها المتلاحقة،ثم جاء صوته حادًا، مقتضبًا:
— ارفعي وشك.
ترددت للحظة، وشعرت بقدميها تثقلان فوق الأرض.
— بابا، أنا...
— قلت ارفعي وشك!
رفعت رأسها ببطء، وكأنها تقدم نفسها إلى حكمٍ تعرف نتيجته مسبقًا، وقعت عيناه على وجهها،تغيرت ملامحه في لحظة، وانقبض فكه حتى برزت عضلاته، حدق في المساحيق التي غطت بشرتها، ثم عاد ينظر إليها بنظرةٍ جعلتها تتراجع خطوةً إلى الخلف دون وعي.
— إيه القرف ده؟!
ارتجفت شفتاها، وحاولت أن تجمع الكلمات المتناثرة في رأسها:
— يا بابا، أنا والله...
قاطعها بصوتٍ دوى في أرجاء الردهة:
— من إمتى بتعملي حاجة عكس قوانين البيت؟!
هزت رأسها بسرعة، وظلت الكلمات تتعثر على لسانها.
— أنا ما كنتش أقصد، والله يا بابا، دي رنا...
لم تكمل، هبطت يده على وجهها بصفعةٍ مباغتة، فاختل توازنها وسقطت على الأرض، وارتطم جانب جسدها بالبلاط البارد.
رفعت يدها إلى خدها، وعيناها متسعتان من الصدمة، لكن لم يخرج منها صوت.
لم يمنحها سالم فرصةً لالتقاط أنفاسها؛ انهال عليها بالركل، بينما انكمشت على نفسها، تحاول حماية رأسها وجسدها بذراعيها.
— هتفضلي تعصي كلامي لحد إمتى؟! مش أنا اللي قلتلك إيه اللي مسموح وإيه اللي ممنوع؟!
— آسفة يا بابا... والله آسفة!
كانت تتوسل إليه من بين شهقاتٍ متقطعة، لكن توسلاتها لم تفعل سوى زيادة غضبه، لم تعد قادرةً على تمييز كلماته، ولا على تقدير الوقت الذي مر، كل ما كانت تشعر به هو الألم، والخوف الذي يطبق على صدرها، وعجزها عن إيقاف ما يحدث، وحين خفتت مقاومتها، انحنى سالم وأمسكها من شعرها، جاذبًا رأسها إلى الخلف بعنف، شهقت من الألم، ورفعت يديها تمسك بمعصمه محاولةً تخفيف قبضته.
— أرجوك يا بابا! مش هعمل كده تاني! والله ما هعمل كده تاني!
لم يجبها، جرها خلفه عبر الردهة، حتى توقف أمام الباب المؤدي إلى الغرفة الواقعة أسفل السلم الرخامي.
الغرفة التي كانت تكرهها أكثر من أي مكانٍ آخر في هذا المنزل.
