رواية هي كده الفصل الخامس5بقلم ابتسام محمود الصيري
ما إن انفتح بابها حتى استقبلتها رائحة خانقة، مزيجٌ ثقيل من الخمر والدم، رائحة قديمة متخمرة التصقت بالجدران، وكأن المكان ابتلع على مر السنين كل ما مر به من ألم، ثم احتفظ به في أركانه المغلقة، كانت الإضاءة الحمراء الخافتة تتدلى من مصباح صغير في السقف، تلقي بظلالٍ مشوهة على الجدران، فتبدو الأشياء في زوايا الغرفة أكبر وأشد رعبًا مما هي عليه. لم يكن الضوء كافيًا لكشف التفاصيل، لكنه كان كافيًا لإظهار البقع الداكنة المتناثرة على الأرض، وعلى الجدران التي تقشرت طبقات طلائها بفعل الرطوبة والإهمال.
على امتداد الحائط، تدلت سلاسل حديدية بأطوال مختلفة، بعضها مثبت في حلقات معدنية ضخمة، وبعضها ملتف حول خطافات صدئة. كانت أطرافها تتدلى في سكونٍ مخيف، لا تحركها إلا نسمةٌ باردة تتسلل من فتحة تهوية ضيقة، فتتصادم حلقاتها المعدنية وتصدر رنينًا خافتًا، أشبه بهمهمةٍ بعيدة لا تنقطع.
وفي أحد الأركان، تراكمت أدوات معدنية لم تستطع تبارك النظر إليها طويلًا، بينما بدت الأرضية باردةً ورطبة، كأن ضوء الشمس لم يعرف طريقه إلى ذلك المكان منذ سنوات.
لم تكن الغرفة مجرد مكانٍ مظلم؛ كانت بالنسبة إليها ذاكرةً حية لكل لحظةٍ شعرت فيها أنها لا تملك حق الاعتراض، ولا حتى حق الخوف، تعلقت عيناها بالباب المفتوح، وتشبثت بأملٍ أخير في أن يتركها الشيخ سالم خارجه، لكن قبضته على شعرها ازدادت قسوة.
— ادخلي.
ارتجف جسدها، وهزت رأسها في ذعر:
— لأ يا بابا، أرجوك! مش الغرفة دي! أنا آسفة، والله آسفة.
دفعها إلى الداخل، فتعثر جسدها وسقط على ركبتيها، حاولت النهوض، إلا أن ساقيها لم تسعفاها. راحت تتراجع فوق الأرض، تتشبث بالبلاط بأصابع مرتعشة، بينما كان صدى خطواته يقترب منها ببطء:
— بابا، والنبي! مش هكررها تاني!
لكن الباب أغلق، ابتلع الظلام ما تبقى من صوتها، ولم يبق في الغرفة سوى الضوء الأحمر المرتجف، ورنين السلاسل المتصادمة، وأنفاس فتاةٍ تحاول عبثًا إقناع نفسها بأن ما يحدث سينتهي يومًا ما، بينما تعالت أنفاس الشيخ سالم اللاهثة، متسارعةً ومتقطعة، يثقلها المجهود الذي يفعله، فتختلط بصدى شهقاتها المرتجفة في ذلك المكان الكئيب.
⸻
انتفضت تبارك فجأةً، وفتحت عينيها على اتساعهما، وهي تشهق بعنف كأنها خرجت لتوها من تحت الماء.
— حاضر يا بابا! سامحني، مش هعمل كده تاني!
اندفعت يداها إلى وجهها لتحميه، وانكمش جسدها فوق المقعد، بينما أخذت تلتفت حولها في ذعرٍ محموم، لكن لم يكن هناك ضوء أحمر، ولا سلاسل تتدلى من الجدران، ولا رائحة خانقة تملأ صدرها، كان هناك ضوء القمريتسلل عبر زجاج السيارة،
توقفت أنفاسها للحظة، ثم أخذت تتفحص المكان بعينين زائغتين، قبل أن تنظر إلى يديها المرتجفتين الموضوعتين فوق حجرها، لم يكن سالم أمامها، لم يكن هناك أحد، ومع ذلك، ظل صوته يتردد في أذنيها بوضوحٍ مرعب، وظلت تشعر بألمٍ وهمي في جسدها، فما مرت به أمس قد عاشته مرةً أخرى في هذا الكابوس، رفعت يدها إلى خدها، ولمست بشرتها بحذر، ثم أغمضت عينيها وهي تحاول السيطرة على شهقاتها المتلاحقة.
فتحت تبارك عينيها مجددًا، وحدقت في المرآة الأمامية للسيارة.
كانت وحدها، ولم يكن هناك أحد يراقبها.
ومع ذلك، خفضت رأسها تلقائيًا.
كأن الخوف الذي زرعه الشيخ سالم في داخلها لم يعد بحاجةٍ إلى وجوده أمامها؛ فقد صار يسكنها، ويجبرها على الخضوع له حتى في غيابه.
هدأت تبارك قليلا ونظرة على ساعتها فكانت الساعة الثامنة مساءً، فقد قضت ما يقارب عشر ساعات كاملة في البحر، اعتدلت في جلستها، ثم نظرت إلى ملابسها، وقامت بتعديلها قبل أن تغادر المكان، لم تكن تشعر بتحسن حقيقي، لكنها حاولت تكون أكثر هدوءًا، انطلقت بسيارتها حتى وصلت إلى مجمع سكني فخم للغاية، كان المكان محاطًا بحراسة مشددة، وبوابات ضخمة، وأفراد أمن ينتشرون في كل مكان، إلى جانب كلاب بوليسية مدربة، أخرجت بطاقة خاصة، وقدمتها إلى أفراد الأمن، تفحص أحدهم البطاقة، ثم سمح لها بالمرور.ك، دخلت من البوابة، فشعرت وكأنها دخلت مدينة كاملة، مدينة لا يسكنها إلا الأثرياء والأجانب، شوارع واسعة ونظيفة، فلل ضخمة تحيط بها الحدائق، سيارات فارهة تمر من حين إلى آخر، وهدوء غريب لا يشبه ضجيج المدينة خارجها، واصلت القيادة حتى وصلت إلى فيلتها وضعت يدها على قلبها عندما تأكدت بعدم وجود سيارة الشيخ سالم مع إنها تعلم أنه لم يأتي إلى البيت اليوم، دخلت السيارة إلى الجراج، ثم ترجلت منها، وضعت بصمة عينها أمام الباب، وبمجرد أن انفتح، سمعت صوت نباحٍ سعيد، لم تمر سوى لحظات حتى ظهر كلبها أمامها، وراح يقفز حولها بفرح شديد، انحنت إليه واحتضنته بقوة.
— وحشتني يا هوكي!
ظل يقفز حولها، بينما راحت تربت عليه وتقبله.
ثم بدأت تلوم نفسها:
— أنا آسفة إني سبتك كل الوقت ده من غير أكل... أنا وحشة أوي.
لكن هوكي لم يهتم بكلماتها، ظل إلى جوارها، وكأنه كان يعرف أنها لا تحتاج إلى اللوم، بل تحتاج فقط إلى شخص يبقى معها، وضعت له الطعام، لكنه رفض أن يأكل، ظل إلى جوارها فقط، وكأن شيئًا ما داخله كان يخبره أن صاحبته ليست بخير.
جلست تبارك على الأريكة، واحتضنت وسادتها للحظات، قبل أن تمد يدها إلى هاتفها. وما إن فتحته حتى اتسعت عيناها بدهشة عندما وجدت عشرات المكالمات الفائتة من سارة، وقبل أن تضغط على زر الاتصال بها، أضاءت الشاشة من جديد، معلنةً عن اتصالها للمرة التي فقدت تبارك عددها، تنهدت بخفة، ثم أجابت وهي تحاول أن تخفف من غضب صديقتها بصوت يحمل شيئًا من الخجل الطفولي:
— آسفة، آسفة، آسفة!
جاءها صوت سارة لاهثًا من شدة القلق، بعدما التقطت أنفاسها بصعوبة:
— والله كل ده؟! أنا كنت هموت من القلق عليكي! إنتى عارفة أنا اتصلت بيكي كام مرة؟
أجابتها تبارك بتعب صادق، وقد خفت نبرتها قليلًا:
— حقك عليّا والله، كان عندي ظرف.
صمتت سارة لثوانٍ، ثم قالت بعتاب:
— بعد الغياب ده كله، وعدم حضورك الامتحان، وفي الآخر تلخصي في كان عندي ظرف.
ضحكت تبارك بخفة، محاولةً إنهاء الحديث:
— خلاص بقى، قلت حقك عليا.
ثم سكتت لحظة، قبل أن تضيف بنبرة مرحة:
— ممكن أعرف في إيه؟ مع إني أشك إن البير المردوم بيتكلم!
تنهدت تبارك، وأسندت رأسها إلى ظهر الأريكة، ثم أجابتها وهي تحاول أن تبدو طبيعية:
— إنتى عارفة... بحمد ربنا على كل حال، ومش بحب جو الشكاوي، و القهوة فارت والموجة خبطت في الشباك...
لكن سارة لم تنخدع بمحاولتها للمزاح، فقالت بقلق واضح:
— فاكرة إنك لما تعملي نفسك كويسة وتهزري، أنا كده هقتنع إنك تمام؟ أنا عارفاكي يا تبارك.
اغرورقت عينا تبارك بالدموع، فخفضت رأسها للحظة، ثم ابتسمت رغمًا عنها حتى لا تخونها نبرة صوتها:
— لا لا لا... بقولك إيه؟ أنا عاملة دماغ يا فقرية! هقولك بكره مش دلوقتي.
تنهدت سارة باستسلام، وقد أدركت أن الضغط عليها لن يفيد، وقالت بحنان:
— ربنا يريح بالك يا تبارك.
ابتسمت تبارك، وأجابتها بهدوء:
— اللهم آمين يا صحبتي.
اغلقت الهاتف على الفور ووضعته بجانبها وقررت تشاهد فيلمًا رومانسيًا ينتشلها من فواجع افكارها.
كانت تحدق في الشاشة أحيانًا.
وأحيانًا أخرى، كانت تغيب تمامًا عن أحداث الفيلم، كان عقلها يعود إلى ما حدث في ذلك اليوم، حتى وصلت بذاكرتها إلى ذلك الشاب."عبدالله" ابتسمت رغمًا عنها وهي تنام في مكانها، وهوكي بين ذراعيها.
في الصباح، استيقظت تبارك مبكرًا جدًا، ذاكرت للامتحان التالي، الذي كان يفصلها عنه يوم كامل، كانت تحاول التركيز، لكن عقلها خانها، وفجأة، ظهر عبدالله في ذهنها، توقفت عن المذاكرة، ظلت تحدق في الكتاب أمامها للحظات، ثم أغلقت الكتاب وقررت الذهاب إلى نفس المقهى ولم تكن تعرف إن كانت ستراه مرة أخرى أم لا، لكنها قررت أن تذهب بدون تفكير كثيرًا، حتى لو لم يكن موجودًا، لم تكن تعرف لماذا تريد الذهاب، ربما لأنها تريد الاعتذار، وربما لأنها لم تكن تريد أن ينتهي لقاؤهما الأول بتلك الطريقة.
ارتدت ملابسها دون تفكير طويل، ثم اصطحبت هوكي معها، وفي طريقها، توقفت واشترت ساعة فاخرة، بدا واضحًا من تصميمها أنها باهظة الثمن.
ثم واصلت طريقها إلى المقهى.
حين وصلت، ترجلت من سيارتها، وهي تشعر بشيء من الإحراج كلما تذكرت ما فعلته في اليوم السابق معه.
صعدت إلى الطابق العلوي ويمشي بجوارها هوكي بسعاده، واتجهت مباشرة إلى الطاولة التي جلست إليها بالأمس، لكنها توقفت، كانت على الطاولة هناك مفاتيح، وعلبة سجائر، وحاسوب محمول، تنهدت بضيق، وكادت تتجه إلى طاولة أخرى، لكن صوتًا جاء من خلفها:
— آنسة... لو تحبي تقعدي هنا؟ اتفضلي.
تجمدت في مكانها للحظة، وكأن الصوت وحده كان كفيلًا بإيقاف كل شيء من حولها، ثم التفتت ببطء... نعم، هو ذاك الشاب، اتسعت عيناها بدهشة، وتوقّف عقلها للحظة أمام سرعة الموقف؟ نعم، كانت تتمنى أن تراه مجددًا... لكن ليس بهذه السرعة، وليس قبل أن تستعد لهذا اللقاء المفاجئ.... ارتسمت ابتسامة محرجة على وجهها، وتقدمت نحوه وقالت بتلعثم:
— سوري، كنت سخيفة معاك امبارح.
لم يجبها، اكتفى بجمع أغراضه من فوق الطاولة، ثم قال بهدوء:
— تنوري في أي وقت.
رفعت يدها بسرعة:
— لا، خليك مكانك. هقعد أنا على أي ترابيزة تانية.
— لا عادي، اتفضلي.
نظرت إليه للحظات، وهي تجمع أول معلومة في شخصية فهو قليل الكلام.... بل قليلًا جدًا.
وبما أنها لم تكن معتادة على الصمت، شعرت بحاجة إلى فتح حديث معه قائله:
— بصراحة، الترابيزة دي أفضل فيو في الكافيه كله، بلاش أحس بالذنب مرتين.
توقف عبدالله أمامها، ونظر إلى عينيها بعمق، حاول أن ينقذ عقله من الغرق في اتساعهما، بلونهما العسلي الذي بدا له كأنه نهر من العسل، ثم قال بثبات:
— عشان كده فضلت حضرتك تقعدي فيه.... وعموماً أنا هنا طول اليوم.
نظرت إليه متسائله باستغراب:
— ليه؟
— نعم؟
— سوري على التدخل، بس ليه بتقعد هنا طول اليوم؟
قالتها بفضول واضح، فهي لم تكن تستطيع مقاومة الأسئلة التي تدور داخل رأسها بتاتاً، وكانت تحب أن تعرف كل شيء.
رفع حاجبه قليلًا.
— آه...
نظرت إليه بمشاكسة:
— الف سلامة، بس افهم من اه ايه؟
قال بمزاح على تصرفها معه أمس:
— أصل في ناس امبارح...
قاطعته قبل أن يكمل بسرعة:
— سوري بجد. صدقني هي جت فيك أنت، وحضرتك ذوق جدًا، وأنا كنت سخيفة.
— ولا يهمك يا آن...
قاطعته قائلة:
— تبارك.
نظر لعمق عينيها... فأكملت:
— أصل كل شوية تقول آنسة، فقلت أعرفك اسمي.
ابتسم ابتسامة صغيرة:
— اسمك جميل.
ابتسمت هي الأخرى، ثم قالت بعفوية:
— طيب كده ممكن نقعد نشارك بعض في الترابيزة، وأهو نعرف سبب إنك لا شغلة ولا مشغلة وقاعد طول اليوم في الكافيه.
توقف عبدالله للحظة، وهو يحدق فيها بدهشة، لم يكن معتادًا على هذا النوع من الشخصيات، لكن الغريب أنه لم ينزعج، بل وجد نفسه يبتسم وهو يجلس، وبعد لحظات، قالت بصوت خافت:
— بصراحة كنت خايفة ما أشوفكش تاني.
رفع حاجبه الأيمن باستغراب:
— خايفة؟
أدركت بسرعة كيف بدت جملتها، فأخرجت من حقيبتها علبة فاخرة، ومدتها إليه.
— أصل كنت لازم أعتذر لك.
نظر إلى العلبة، ثم إليها.
— اعتذارك مقبول، الهدية مالهاش داعي.
— لا، لازم اعتذاري يساوي قلة ذوقي.
ازداد تعجبه عبدالله على هذه الفتاة، فابتسمت ابتسامة طفولية، وبدأت تتحدث بحماس:
— عارف وأنا صغيرة كنت همجية أوي.
قاطعها فورًا:
- كنتى..!
غضبتِ كالطفل وضيقت عينيها:
— أنا بس اللي أقول على نفسي كده.
ضحك وهو يرى تزمرها كالاطفال... حقا
كانت تركيبتها عجيبة، وطريقة كلامها لا تشبه الفتيات في عمرها، ولا تتناسب مع الثراء الظاهر عليها.
قال لها وهو يضع قدم على الاخرى:
— كملي طيب.
فرحت لأنها وجدت شخصًا مستعدًا لسماع قصتها.
— وأنا صغيرة كنت بغلط كتير.،فعودت نفسي إن كل ما أغلط في حد أو أضايقه، لازم أجيب له هدية. عقاب ليا، عشان ما أقررش أغلط تاني.
سكتت قليلًا، وغابت عيناها في مكان بعيد.
مكان من الماضي.
ثم قالت بصوت أكثر هدوءًا:
— بصراحة... ماما الله يرحمها هي اللي عودتني أعمل كده، عشان كنت قليلة الذوق كتير ومش بحب أعتذر.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيها.
— قالت ليا براحتك، ما تعتذريش، بس هاخد كل اللي حوشتيه وأجيب بكل الفلوس دي هدية للشخص اللي ضايقتيه، ويوم ما يكونش معاكي فلوس، يبقى غصب عنك تعتذري. يا إما تاخدي أغلى كتاب عندك وتهدي للشخص اللي غلطتي فيه.
ضحكت قليلًا.
— لحد ما حرمت أضايق حد.
ابتسم عبدالله، كانت تلك أول قصة تخصها تحكيها له، ولم يعرف لماذا شعر أنها قالت له شيئًا مهمًا، شيئًا صغيرًا، لكنها، رغم بساطته، كانت أول نافذة حقيقية تطل على عالمها، قال وهو يشبك أصابع يده في بعضها:
— طيب، وأنا قبلت الهدية. وشكرًا لطنط على أول حاجة علمتها لكي.
ابتسمت كالأطفال ثم قالت:
— قولي تحب أعزمك على إيه؟
— لا، كفاية الهدية، بس عندى طلب.
قالت بأبتسامه:
- اطلب براحتك.
بلل شفتيه وأبلغها بصوت هامس:
- عايزك ما تعيطيش تاني.
مجرد ذكر حروف البكاء تجعل الدموع تلمع بعينيها لوحدها، فتحمحمت وهي تحاول اخفاء عينيها قائله بمزاح:
— أنا شايفه أنك تطلب حاجة تشربها، بدل ما أنت منشف على نفسك القعده.
تجمدت ملامح عبدالله بصدمه:
— ها؟
أدركت فجأة ما قالته:
وضعت يدها على فمها:
— هو مكنش ينفع أقول كده صح؟
ظل يحدق بها للحظات، ثم قال بحروف متقطعة:
— أ... نا... صا... حب الكافيه.
اتسعت عيناها.
— بجد؟
— بجد.
— قول والله.
— والله.
ضحكت ضحكة واسعه وهي تبلغه بمزاح حتى تهرب من الموقف:
— طيب يلا اطلبلي حاجة، ولا أنت بخيل؟
تجمد مرة أخرى:
— نعم؟
فقالت هي أيضًا بصدمة:
— لا، متقولش إن كمان مكنش ينفع أقول كده؟
ضم شفتيه بقوة، ثم قال بسرعة:
— تشربي إيه؟ ولا أقولك، إنتى آخرك شاي بلبن.
أضاء وجهها فورًا، وضمت يديها إلى صدرها، وهزت رأسها بحماس:
— شاي بلبن!
ابتسم عبدالله، لم يستطع منع نفسه، كانت شخصية غريبة بكل المقايس، بل لم يكن متأكدًا من أنها شخصية واحدة، فقد شعر أنه أمام لغز.... لغز عليه أن يفك شفرته بنفسه....
من هي؟
هل هي الفتاة القوية؟
أم الضعيفة؟
المثقفة؟
البريئة؟
المشاكسة؟
الطفولية؟
أم أن كل هذه الشخصيات موجودة بداخلها؟
كان يشعر أن هناك الكثير والكثير مما لم يعرفه عنها بعد.
ولأول مرة منذ رآها...
لم يعد يريد أن يعرف فقط ما الذي أحزنها.
بل بدأ يريد أن يعرفها هي.
بكل ما فيها.
