رواية ولدت من الرماد الفصل السادس6بقلم فاطمة فارس

رواية ولدت من الرماد الفصل السادس6بقلم فاطمة فارس

 " وعد بالخلاص "

​صلّوا على من بُعث رحمةً للعالمين.

​──────────────

​بعد عودة طاهر وفاتن من نزهتهما، كان طاهر جالسًا على الفراش شارد الذهن، بينما كانت فاتن تجلس بجواره تحادثه، وهو لا يستمع إلى أي حرف مما تقول، حتى صاحت وهي تزم شفتيها بضيق:

​ـ أنت سرحان في إيه يا طاهر؟ بقالي ساعة بكلمك ومش بترد عليّا؟

​انتبه لها أخيرًا، ورفع عينيه إليها كمن أُخرج لتوّه من عالم آخر، ثم تمتم:

​ـ أبدًا يا ستي، كنتِ بتقولي إيه بقى؟

​عقدت حاجبيها قليلًا وأجابته:

​ـ كنت بقول إيه رأيك لو نروح نقعد كام يوم كده في أي مكان نغيّر جو بدل الملل ده؟

​اعتدل هو قليلًا، وأسند ظهره إلى الخلف، ثم أغمض عينيه محاولًا السيطرة على ضيقه حتى لا يغضب عليها، فلم يجِب.

​هزته هي من كتفه برفق، ثم أردفت:

​ـ أنت نمت ولا إيه؟

​أجاب وهو ما زال مغمض العينين:

​ـ فاتن، أنا بجد مرهق. من الصبح وإحنا بره، وعملت لك كل اللي نفسك فيه، وسيبتك تختاري المكان اللي يعجبك، يعني أنا مش مقصر معاكِ في حاجة خالص علشان تقولي إنك قاعدة في ملل.

​أنهى حديثه، ثم فتح عينيه لينظر إليها، فرأى علامات الحنق تعلو ملامحها، فأكمل بنبرة امتزج فيها التعب بالعصبية:

​ـ إحنا من يوم ما اتجوزنا وإحنا بره البيت أصلًا. سافرنا شهر عسل، وبعد ما رجعنا كل يوم خروج وفسح، ده غير العربية اللي لسه جايبها لكِ من يومين بس. ملل إيه اللي بتتكلمي عنه؟

​كان يتحدث بعصبية واضحة، بينما خفضت هي بصرها إلى الأرض، وراحت تلعب على أوتار قلبه التي تعرف جيدًا كيف تحركها، ثم قالت بنبرة حزينة مصطنعة:

​ـ كده يا طاهر؟ وأنا اللي قلت إنك بتحبني ومستعد تعمل علشاني أي حاجة.

​وللمرة الأولى لم يجبها، بل أدار رأسه إلى الجهة الأخرى، ثم سحب الغطاء عليه وأولاها ظهره، محاولًا أن ينام ويرتاح من كل هذا الضغط الذي تمارسه عليه.

​ظلت فاتن تنظر إلى ظهره بامتعاض، ثم زفرت بضيق قبل أن تستلقي هي الأخرى، بينما ظل عقل طاهر في مكان آخر تمامًا، بعيدًا عن كل ما يدور حوله.

​──────────────

​كان معتز جالسًا على الأريكة يشاهد أحد الأفلام، بينما كانت منال تجلس على مقربة منه، تمسك هاتفها وتتصفحه باهتمام شديد. رمقها بنظرة محبة، ثم ابتسم وهو يقترب منها ويجلس ملاصقًا لها، محاولًا أن يقتنص بعض الوقت لينعم بأحضانها الدافئة:

​ـ أنتِ سرحانة في إيه يا منال وسيباني لوحدي؟

​أدارت رأسها إليه، ثم أغلقت الهاتف سريعًا ووضعته جانبًا وهي تردف:

​ـ ولا حاجة يا حبيبي، كنت بتفرج على فيديوهات عادية، متاخدش في بالك.

​اقترب منها، وطبع قبلة رقيقة على رأسها، ثم قال:

​ـ منال، أنا كنت حابب أفاتحك في موضوع كده.

​نظرت إليه باهتمام، وقالت:

​ـ موضوع إيه؟

​تنهد معتز قليلًا، ثم أمسك يدها بين يديه وقال:

​ـ إحنا بقالنا فترة متجوزين، وأنا كنت مقدّر الحالة النفسية اللي كنتِ فيها ومفاتحتكيش في الموضوع ده، بس يا حبيبتي، أنا نفسي في عيل منك يشيل اسمي ويبقى سند ليا وليكِ.

​ارتبكت ملامحها للحظة، وأشاحت بعينيها بعيدًا قبل أن تجيبه:

​ـ آه... طبعًا، بس سيبني شوية وقت علشان أتهيأ نفسيًا للموضوع ده.

​أومأ لها وهو يهز رأسه بهدوء، ولم يرد أن يضغط عليها؛ فهو يلتمس لها العذر، ويظن أنها ما زالت حزينة على فراق والدها وأختها.

​شدها إلى أحضانه برفق، وربت على كتفها وهو ينبس بابتسامة حانية:

​ـ براحتك يا ستي، أنا مش مستعجل. العمر لسه قدامنا، المهم إنك تكوني بخير.

​ابتسمت له وقبّلت وجنته، وهي تحمد الله في سرها؛ فهي لا تريد الإنجاب، ولم تكن تريد أن تتحمل مسؤولية طفل صغير ترعاه وتهتم به.

​ثم غيرت مجرى الحديث سريعًا، وقالت بتساؤل:

​ـ هو مامتك وباباك ممكن يجوا يزورونا إمتى؟

​رفع معتز حاجبه قليلًا، ثم أجاب:

​ـ مش عارف، بس أكيد في أي وقت يعني. بس أنتِ بتسألي ليه؟

​أردفت وهي تنظر إلى هاتفها، محاولةً الهروب من الإجابة:

​ـ عادي يا حبيبي، مفيش سبب معين يعني.

​ظل معتز ينظر إليها لثوانٍ، وكأنه يحاول فهم ما وراء سؤالها، لكنه لم يضغط عليها، واكتفى بابتسامة صغيرة قبل أن يعيد نظره إلى شاشة التلفاز.

​وكان قد اضطر إلى السفر في الأيام الماضية لإنهاء بعض أعماله، لكنه لم يطل الغياب؛ فما إن انتهى مما ذهب من أجله حتى عاد سريعًا، بحجة أنه لا يريد أن يتأخر عن زوجته التي اشتاق إليها.

​──────────────

​وعلى ذكر والده ووالدته، كانت تجلس سيدة في أواخر العقد الخامس من عمرها على الفراش، تحمل بين يديها ألبوم صور العائلة، وتقلب صفحاته ببطء، تنظر إلى كل صورة لولدها في مراحل عمره المختلفة؛ من طفولته، مرورًا بمرحلة شبابه، وحتى كبر وتزوج، وها هي تتوقف عند صورة تحتضن فيها ذكرياته.

​كانت الصورة تجمع معتز بزوجته يوم زفافهما؛ يحتضنها وهو يرتدي بدلته السوداء، بينما تقف هي إلى جواره بفستانها الأبيض، وتبتسم للكاميرا.

​ظلت نبيلة تتأمل الصورة باهتمام، وارتسمت على شفتيها ابتسامة حنين، حتى قاطع شرودها زوجها، الذي فتح الباب ودخل بخطوات هادئة، ثم همس بتساؤل:

​ـ أنتِ لسه صاحية لحد دلوقتي يا نبيلة؟

​رفعت عينيها إليه، ثم أغلقت ألبوم الصور ووضعته جانبًا وهي تردف:

​ـ مجاليش نوم، والواد معتز وحشني، فلقيت نفسي بتفرج على صوره وصورنا زمان مع بعض.

​جلس إلى جوارها، وسحبها إلى أحضانه، ثم قال بحنان:

​ـ مين سمعك؟ من ساعة ما اتجوز والبيت فضي علينا أنا وإنتِ، ومبقاش ليه حس.

​ابتسمت نبيلة بحنين، ثم قالت:

​ـ بقولك إيه؟ ما تقنعه ييجي يعيش معانا هو ومراته. الفيلا كبيرة وممكن يوضب الدور اللي فوق ويقعد فيه.

​هز صابر رأسه نافيًا، ثم قال بهدوء:

​ـ لا يا نبيلة، متضغطيش على ابنك. هو لو حابب ييجي يعيش معانا هنا أهلًا وسهلًا، غير كده لا.

​رفعت حاجبها بضيق، وقالت:

​ـ والله لو عليه هييجي، الدور والباقي على مراته اللي مش بترفع حتى سماعة التليفون وتتصل بيا.

​ابتسم صابر وهو يحاول تهدئتها، ثم قال:

​ـ يمكن مشغولة أو حاجة، وبعدين دول مكملوش كام شهر متجوزين يا حبيبتي.

​تمتمت بضيق وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:

​ـ آه، أفضل دافع عنهم أنت! أنا أصلًا مكنتش مرتاحة للبنت دي. معرفش ابني ليه صمم يتجوزها؟

​ضحك صابر بخفة، ثم احتضنها وهو يقول:

​ـ خلاص بقى، فُكّي كده. ابنك مش صغير وعارف هو بيعمل إيه كويس. ويا ستي، لو هو واحشك قوي كده، بكره نروح نزوره مع بعض.

​هدأت ملامحها قليلًا، وأسندت رأسها إلى كتفه، ثم ابتسمت وهي تتخيل لقاء ولدها من جديد.

​──────────────

​بعد انتهاء لمياء من الأكل بصحبة باسل وزيد، أحضرت لهم بعض المشروبات، وأتت وهي تحمل الصينية بيديها، بينما كانت طواحين عقلها تدور في كيفية سرد كل ما حدث أمام باسل.

​فهو يعمل محاميًا، ومن المؤكد أن يكون عنده حل لتلك المعضلة.

​وضعت الصينية على الطاولة، ثم أخذت نفسًا عميقًا، ورمقت باسل الذي كان يجلس أمامها، يخمن بداخله ماهية الحديث الذي طلبت منه مساعدتها فيه.

​اعتدل في جلسته، ومرر أنامله بين خصلات شعره، ثم رمقها بترقب، وكأنه ينتظر منها أن تبدأ.

​تنهدت لمياء، وأخفضت عينيها للحظات، ثم رفعت نظرها إليه وقالت بنبرة حزينة بعض الشيء:

​ـ بص يا باسل، الحكاية بدأت من زمان. كان ليا صديقة قديمة، كانت ليا أكتر من أخت، وكنا قريبين جدًا من بعض، بس أنا سافرت القاهرة مع والدي لما جات له فرصة شغل هناك، ومن ساعتها انقطعت أخبار كل واحدة فينا عن التانية.

​توقفت للحظة، وراحت أصابعها تعبث بحافة كوب أمامها، ثم تابعت:

​ـ بس يشاء ربنا إني أقابل بنتها بعد السنين دي كلها، وعرفت منها إن فريدة توفت من زمان. المهم بقى في كل اللي بحكيه لك ده إن بنتها عانات كتير بعد وفاة والدها، واتظلمت من أقرب الناس ليها. والله يا بني أنا لما سمعت قصتها، قبل حتى ما أعرف هي مين، صعبت عليا جدًا، ما بالك بقى لما أعرف إنها بنت صاحبتي الله يرحمها.

​تنهدت بحزن، ثم بدأت تروي له كل ما حدث مع أسيل، وكم المعاناة التي وقعت على عاتقها وهي ما زالت في سن صغيرة.

​ظل باسل منصتًا يستمع إليها، ولم يقاطعها أبدًا. ومع كل كلمة كانت تنطق بها، كان وجهه يزداد توترًا، بينما قبض على أصابعه بقوة حتى ابيضت مفاصلها، واشتدت ملامح الغضب على وجهه.

​وحين أخبرته عن معاملة المصحة لها، وما تعرضت له من ضرب وتعذيب، أطرق برأسه للحظات، وكأنه يحاول استيعاب ما يسمعه، ثم رفع عينيه إليها من جديد.

​وما إن أنهت حديثها حتى صاح بغضب:

​ـ دول شياطين! إزاي قدروا يعملوا كده في أختهم الصغيرة؟ أنهي عقل وأنهي دين يقول كده؟ ورث إيه وزفت إيه؟ ما تغور فلوس الدنيا كلها! إحنا اللي بنجيب الفلوس، لكن علاقة الإخوات متتعوضش. يعني أبوهم مات، وبدل ما ينفذوا وصيته وياخدوا بالهم من أختهم، اتهموها بالجنون! لا، وحبسوها في مصحة، ده غير قسوة وجحود أختها، علشان تيجي وتضربها بالكرباج كمان وتقص شعرها! إيه القسوة دي؟ أنا مش لاقي كلام أوصفهم بيه.

​نظرت إليه لمياء بعينين دامعتين، ثم قالت بهدوء موجوع:

​ـ فعلًا، أصعب إحساس لما الغدر ييجي لك من أقرب الناس ليك، اللي كنت فاكرهم سندك، هما اللي يطعنوك في ظهرك.

​احتدت عيناه، وقال بنبرة حاسمة:

​ـ متقلقيش يا خالتي، أوعدك إني هتصرف وهخرج أسيل من هناك.

​رفعت لمياء عينيها إليه بعدم تصديق، وكأنها تخشى أن تكون قد فهمت وعده على غير حقيقته، ثم قالت:

​ـ بجد يا باسل؟ أنت تقدر؟ دول معاهم فلوس وممكن يأذوك. يا بني، أنا مكنتش عايزة أدخلك في حاجة، بس تعبت من كتر التفكير، وآخر ما زهقت قلت أقولك يمكن ألاقي عندك حل.

​ابتسم باسل، محاولًا أن يخرجها من حالة الحزن التي بدت عليها، ثم قال بمرح:

​ـ ليه؟ حد قالك إني بياع بطاطا؟ أنا محامي يا خالتي، يعني ده في صميم شغلي أصلًا.

​ثم أشار إلى نفسه بثقة، وأردف:

​ـ وبعدين متخافيش على ابن أختك، طالما على حق، يبقى نقف قصاد التخين.

​ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجه لمياء رغم دموعها، وقالت وهي ترفع يديها بالدعاء:

​ـ ربنا يحفظك يا حبيبي يا رب، ويحميك لشبابك.

​نظر إليها باسل بحنان، ثم مد يده وربت على يدها مطمئنًا، بينما كانت في داخلها للمرة الأولى منذ أن عرفت أسيل تشعر بأن هناك أملًا حقيقيًا في إخراجها من ذلك المكان.

​أما باسل، فكان قد اتخذ قراره بالفعل...

​لن يترك أسيل في ذلك المكان يومًا آخر.

                  الفصل السابع من هنا
تعليقات



<>