رواية هي كده الفصل السابع7بقلم ابتسام محمود الصيري


رواية هي كده الفصل السابع7بقلم ابتسام محمود الصيري 


رفع بصره نحو الفيلا، وتبدلت ملامحه في هدوء مخيف، لم يغضب بصوت مرتفع... بل بذلك الصمت الذي يسبق العاصفة.

في الداخل... شعرت تبارك بشيء ينهار داخلها، رغم أنها لم تره بعد، كانت تعرف تلك النظرة، وتعرف جيدًا معنى أن يلاحظ تفصيلة صغيرة كهذه، وقفت بسرعة، وعدلت خصلات شعرها، ثم سوت طرف فستانها المرتبك، وأخذت نفسًا عميقًا، قبل أن ترسم على شفتيها ابتسامتها المزيفة. 
—————

انفتح الباب، تجمد جسدها كله، دخل الشيخ سالم بخطوات هادئة، لم يتحدث، ولم تنطق هي أيضًا، نهضت فورًا من مكانها، وخفضت رأسها، ساد صمت ثقيل، حتى بدا أن جدران الفيلا نفسها تحبس أنفاسها، تقدمت بخطوات مترددة، وهمست:

— حمد لله على السلامة.

لم يجبها.

اكتفى بنظرة خاطفة نحوها، ثم قال بصوت منخفض، لكنه كان أشد رهبة من الصراخ:

— كام مرة قلتلك... متتأخريش بره لحد دلوقتي؟

ابتلعت ريقها بصعوبة وأجابته بهمس:

— آسفة...

لكنها لم تجد وقتًا لتكمل اعتذارها، ساد الصمت للحظة... ثم انكمشت على نفسها غريزيًا، لم تبك، ولم تعترض، فقد تعلمت منذ زمن... أن الاعتذار لا يغير ما تقرر حدوثه، أدار وجهه عنها، ثم قال ببرود:

— الأكل.

أجابت فورًا:

— حاضر.

لم يكن أكثر ما يرعبها غضبه... بل هدوؤه، اتجهت إلى المطبخ، بينما كانت يداها ترتجفان وهي ترتب الطعام فوق الطاولة.

في الخارج... استمر هوكي في النباح، مرة... ثم أخرى... ثم بلا توقف، يخدش باب بيته بكل قوته، يدور حول نفسه، ثم يعود إلى الباب مرة أخرى، وكأنه يحاول الوصول إليها، أو ربما... كان يشعر بما لا يستطيع أحد أن يراه، رفع سالم عينيه نحو النافذة، وضاقت ملامحه بضيق واضح، طرق بأصابعه على حافة الطاولة في إيقاع بطيء، ثم قال ببرود:

— سكتي الزفت.

أسرعت تبارك نحو الباب، تحاول تهدئته بصوت مرتجف:

— خلاص يا هوكي... اهدى... عشان خاطري.

لكن هوكي... وكأنه شعر بالخطر، ازداد نباحه، كان يحاول الوصول إليها... حتى لو اضطر أن يحطم باب بيته الصغير، استدار الشيخ سالم متجهًا نحو الباب، تسمرت تبارك في مكانها؟ ثم أسرعت تقف أمامه، وعيناها تمتلئان برجاء صامت، همست وهي تكاد تختنق من الخوف:

— لو سمحت... هو مالوش ذنب.

اندفع نحوها بغضب، وقبض على ذراعها بعنف حتى تأوهت، ثم دفعها بعيدًا عنه، لم يمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها؛ رفع يده وضربها بقسوة، فتعثرت وسقطت إلى جانب المقعد، وضعت يدها على وجهها،خوفًا أكثر من كونها متألمة، بينما كان هو واقفًا أمامها يحدق فيها بنظرة باردة، وكأن ما فعله لم يكن شيئًا يستحق التوقف عنده، حاولت أن تتراجع عنه، لكن جسدها ارتجف ولم تستطع الوقوف فورًا.

— بالله عليك كفاية أنا مابقتش قدرة...

خرج صوتها ضعيفًا ومختنقًا.

توقف للحظة، ثم تقدم خطوة أخرى، فارتدت إلى الخلف غريزيًا، تحاول أن تحمي نفسها بذراعيها، لكن بدون فائدة ارتفع صوت ارتطامٍ مكتوم، تبعه صوت آخر... ثم عم الصمت، صمت بدا أثقل من أي صوت.

حتى هوكي... انقطع نباحه فجأة، وكأنه أدرك أن عواءه لم يعد يغير شيئًا، وبقي الليل طويلًا... طويلًا إلى الحد الذي جعل الفجر نفسه يتردد قبل أن يقترب من تلك الفيلا.

وفي تلك الليلة... لم يكن أكثر ما يؤلم تبارك هو الخوف فقط، بل ذلك الشعور الذي يرافقها كلما أغلقت باب هذا الغرفة اللعينة في النهاية... فا هو يومًا جديدًا أضيف إلى عمرها... ولم يضف إلى حياتها شيء.

⸻

استيقظت تبارك قبل شروق الشمس بقليل، وقد باغتتها ذكريات امتحانها الأخير، الذي حرمت من أدائه بسبب يومٍ يشبه الأمس؛ يومٍ فقدت فيه وعيها بعدما عاقبها والدها بسبب مساحيق التجميل التي وضعتها رنا على وجهها.
فتحت عينيها على اتساعهما، وانتفضت في فراشها، وكأن ذكرى ما حدث قد أعادتها إلى تلك اللحظات من جديد، لم تكن مستعدة لخسارة امتحانٍ آخر، ولم تكن تملك رفاهية أن يتكرر ما حدث معها مرةً ثانية، لذلك، لم تسمح لنفسها بالاستسلام للإرهاق الذي يثقل جسدها، رغم شعورها وكأنها لم تنم سوى دقائق معدودة.
ظلت مستلقيةً لثوانٍ، تحدق في سقف غرفتها بشرود، تحاول استجماع ما تبقى من قوتها، قبل أن تلتفت نحو الساعة المعلقة على الحائط، وما إن أدركت أن الوقت لا يزال في صالحها، حتى تنفست الصعداء، وهمست بحمدٍ خافت، اعتدلت في جلستها، ثم نهضت من فراشها على الفور، تتحرك بحذرٍ شديد، وكأن مجرد إصدار صوتٍ عابر قد يبدد خطتها بأكملها، بدلت ثيابها سريعًا، وارتدت زيها المدرسي، ثم ضمت كتبها إلى صدرها وفتحت باب غرفتها بحذر، خرجت إلى الممر، كل خطوة كانت تسبقها نظرة حتى وصلت إلى السلم، هبطت درجة تلو الأخرى في صمت، وقبل أن تصل إلى الباب... توقف قلبها، كان يجلس على الأريكة بأرتياح، يرتشف قهوته بهدوء، وكأن لم يفعل بالأمس شيء، رفع عينيه إليها، ثم قال دون أن يغير نبرة صوته:

— رايحة فين؟

تجمدت في مكانها، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة تخفي خلفها خوفًا كبيرًا.

— المدرسة... بعد إذنك يا بابا.

أعاد فنجان القهوة إلى الطاولة، وقال وهو يتأملها:

— نفسي أعرف إنت عايزة تتعلمي ليه؟

ارتبكت للحظة، لم تستطع أن تخبره بالحقيقة... أن المدرسة هي نافذتها الوحيدة نحو حياة تحلم بها، فابتسمت بخبث خفيف وقالت:

— بتسلى... أغير جو مع صحابي بدل القعدة في البيت... وبعدين تبقى شهادة حلوة، بدل ما يتكتب في البطاقة "أمية"، يكتبوا "متعلمة".

ظل ينظر إليها طويلًا، وكأنه يحاول التأكد من صدقها، ثم قال:

— يعني كل التعب ده... عشان شهادة؟

هزت كتفيها بلا مبالاة مصطنعة وهي تجيبه بأحترام:

— أهو أي حاجة تشغل الوقت.

ابتسم سالم ابتسامة باهتة؛ فهو في قرارة نفسه لم يكن يؤمن بأن للمرأة حاجة إلى الشهادات أو التعليم، بالنسبة إليه، مكانها منزلها، ودورها لا يتجاوز ما رسمه لها منذ البداية، ومع ذلك، لم يعترض يومًا على تعليمها، لم يكن ذلك اقتناعًا منه، ولا إيمانًا بحقها في أن تتعلم، وإنما لأنه كان يراها فتاة مدللة تبحث عن شيء تقتل به مللها، ولم يجد بأسًا في أن يمنحها تلك الرفاهية ما دامت لا تنتقص من صورته أمام الآخرين، فما كان يعنيه الشيخ سالم حقًا هو نظرة المجتمع إليه، كان يريد للجميع أن يروها وهي تدرس، وتعيش كما تشتهي، وتملك كل ما يمكن لامرأة أن تتمناه، حتى يقول الناس عنه إنه يصرف عليها بكثرة، وإنه لم يحرمها شيئًا، وإنه يعيشها عيشةً يتمنى الجميع أن يعيشوها، أما قناعته الحقيقية، فلم يكن يكترث بأن يعرفها أحد، كان يكفيه أن يصفق له الناس على حياة لم يكن هو نفسه مقتنعًا بها.

أشار بيده نحو الباب:

— روحي... بس اعملي حسابك دي اخر سنه ليكى.

ردت وهي تهز رأسها بالموافقة:
 - طبعا يا بابا. 

وأه لو يعلم أن تلك الشهادة هي السلاح الوحيد الذي تخبئه للمستقبل... لانتزعها منها قبل أن تحصل عليها، أومأ برأسه وهو يعطيها الأذن للخروج، تحركت بسرعة، ثم خرجت قبل أن يغير رأيه.

⸻

في الجهة الأخرى...

كان عبدالله يجلس في شرفة منزله، يحتسي قهوته للمرة الثالثة منذ الصباح، لكنه لم يكن يشعر بطعمها، كان عقله منشغلًا بفتاة لم يعرف عنها سوى اسمها.

تبارك.

ابتسم دون أن يشعر، ثم تمتم لنفسه:

— يا ترى هشوفها تاني إزاي؟

زفر بضيق، حتى رقمها... لم يطلبه، أسند رأسه إلى المقعد وهو يفكر، ربما كانت مجرد فتاة مدللة، كل شيء في حياتها متاح، ربما لذلك كانت تتصرف بلا حساب، وربما كان حزنها...

مجرد رفاهية، هكذا أقنع نفسه، رغم أن قلبه... لم يقتنع.

⸻

انتهى الامتحان أخيرًا.

خرج الطلاب من بوابة المدرسة في مجموعات متفرقة، يتبادلون الضحكات ويتناقشون حول أ أسئلة الامتحان، بينما كانت تبارك تسير بينهم بصمت كعادتها، تحمل حقيبتها بيد، وتترك الأخرى إلى جوارها، لحقت بها رنا، ثم تنهدت بضيق وهي تنظر إليها من جانب عينيها.

— إيه يا بنتي! إنتى دايمًا كئيبة كده ليه؟ والله لو كان عندي بابا زي باباكي اللي بيجبلك كل اللي تتمني قبل ما تطلبي، كنت أشيله فوق راسي.

ابتسمت تبارك ابتسامة باهتة، ولم تجب، اكتفت بأن واصلت سيرها، وكأنها اعتادت سماع مثل هذه الكلمات، لكن سارة، التي كانت تسير إلى جوارهما، رمقتها بنظرة عتاب قبل أن تقول:

— إيه إنتى يا ماما... ومن إمتى تبارك اشتكت أصلًا منه؟!

رفعت رنا كتفيها بلا مبالاة، ثم أشارت بذقنها نحو السيارة الفارهة المتوقفة أمام بوابة المدرسة.

— هو حد عنده العربية اللي بتيجي بيها دي؟ حتى المجوهرات من كترها عندك بتبعيها؟ إنتى عايشة في نعمة، بس مش حاسة بقيمتها... افرضي وشك يا قطة!

بادرت سارة بالكلام، محاولة إنهاء الحديث قبل أن يتحول إلى جدال:

— يا رنا... خلاص بقى، كل واحد عنده ظروفه.

ساد الصمت بينهن للحظات.

كانت تبارك تنظر أمامها، لكن عينيها لم تكونا تريان الطريق حقًا؛ شرد بصرها بعيدًا، قبل أن تتنفس ببطء وتقول بصوت هادئ:

— ماما الله يرحمها علمتني حكمة عمري ما نسيتها.

التفتت رنا وسارة إليها باهتمام، فتابعت تبارك حديثها:

— قالتلي لو أنا بغرق في حمام سباحة، وإنتى بتغرقي في البحر... مين فينا تعبه أكتر؟ توقفت لحظة، وكأنها تستعيد صوت أمها في ذاكرتها، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة حزينة.

— الحقيقة... إحنا الاتنين بنغرق.

خفضت عينيها قليلًا، ثم أكملت بهدوء:

— الاتنين مش عارفين يتنفسوا، والاتنين ممكن يموتوا.

رفعت عينيها إليهما، وقد خفتت ابتسامتها تمامًا.

— مش معنى إن حد مشكلته أكبر في عين الناس، يبقى وجعه أكبر، ولا معنى إن واحد بيغرق في شبر مية، والتاني في ستة متر، إن إحساس الاختناق عند الأول أقل.

سكتت لحظة، ثم قالت بنبرة أكثر دفئًا:

— ربنا بيبتلي كل واحد على قد طاقته، ما ينفعش نقلل من وجع حد... لأننا ببساطة مش عايشين حياته.

ثم التفتت إلى رنا تحديدًا، وأضافت:

— زي بالظبط ما أقدرش أقولك إنتى ناقصك إيه؟ يمكن الحاجة اللي ناقصة جواكي ومقصرة في نفسيتك مش ظاهرة لينا، وربنا وحده اللي عارفها.

لوحت رنا بيدها، وهي قفله ميت قفل على قناعتها هي فقط، و أشارت مرة أخرى إلى سيارة تبارك وهي تضحك:

— يا بنتي عربيتك دي تحل مشاكل مصر كلها!

ضحكت تبارك رغماً عنها، ثم التفتت إلى رنا وقالت:

— مش شرط اللي ناقصك يكون ناقص مصر كلها.

فقالت سارة مازحة:
— وبعدين عربية باباكي بتقفل الشارع كله، فأكيد مش ناقصك عربية!

نظرت إليها رنا بضيق، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها.

— لا... ناقصني تكون ملكي.... ناقصني حد يعرف أنا نفسي في ايه ويجبهولي ، مش يجبلي اي حاجة ترضيه هو. 

ضحكت تبارك بخفة، وهزت رأسها قبل أن تقول:

— اتجدعني  إنتى في الثانوية، واطلبيها من عمو، وهو هيجيبلك أحسن منها هدية نجاحك.

ثم أصبحت نبرتها أكثر جدية وهي تتابع:

— ولعلمك ولو على المجوهرات، فأكيد ببيعها لسبب، مش عشان دلع ومجوهرات زيادة عندي ولا عشان تكون في إيدي فلوس كتير، ولو على النعمة اللي أنا عايشة فيها... فأنا بشكر ربنا عليها كل يوم.

لم تقتنع رنا بما قالته تبارك من وجهة نظرها، فنفخت خديها بضيق، ثم تمتمت:

— خلصنا بقى.

نظرت سارة إلى تبارك بخجل، ثم قالت معتذرة:

— حقك عليا يا تبارك، إنتى عارفة هي مندفعة في كلامها.

ابتسمت تبارك برقة، وربتت على ذراع سارة:

— وأنا مش زعلانة منها... رنا من جوه حلوة، بس عقلها لسه صغير... زي الطفل، بينبهر بأي حاجة في إيد غيره، وأول ما توصل لإيده يرميها.

وصلت الفتيات إلى بوابة المدرسة، وما إن خرجن إلى الشارع حتى وقعت عينا رنا على شاب يقف بجوار دراجة نارية، فتباطأت خطواتها قليلًا، قبل أن تتسع ابتسامتها بحماس، كان مظهره من النوع الذي يجذبها؛ متمردًا ومختلفًا، كان متوسط الطول، أسمر البشرة، بشعر طويل جمعه في أعلى رأسه بربطة صغيرة، بينما حلق جانبي رأسه تمامًا، في تناقض أضفى على مظهره طابعًا جريئًا، أما عيناه السوداوان، فكانتا حادتين، تحيط بهما رموش كثيفة تزيدهما بروزًا، وفوقهما حاجبان عريضان، شُقّ الحاجب الأيمن من منتصفه، كان يرتدي بنطال جينز ممزقًا في مواضع متفرقة، وتيشيرتًا فضفاضًا يخفي معظم تفاصيل جسده النحيل، بينما اتسمت وقفته باللامبالاة، وكأنه لا يكترث بشيء من حوله.

كان يُدعى ميشو؛ شابًا يوحي مظهره بالتمرد وعدم الاكتراث، وتمنحه ملامحه الحادة حضورًا يصعب تجاهله، ما إن تعرّفت عليه رنا حتى شهقت بحماس، وقفزت في مكانها قائلة:

— ميشو أهو!

وهمّت بالاندفاع نحوه، لكن تبارك أسرعت بالإمساك بذراعها، وأوقفتها قبل أن تبتعد عنهما، ثم نظرت إليها بقلق وقالت بجدية:

— يا بنتي، ابعدي عن الشخص ده! صدقيني، هو مش تمام وبيلاعب بيكي.

سحبت رنا ذراعها من يدها بضيق، وكأن تحذيرها لا يعني لها شيئًا، ثم ألقت نظرة نحو ميشو وقالت بثقة:

— ميشو بيحبني، ومهما يعمل معايا أنا راضية.

اتسعت عينا تبارك من عنادها، وزفرت بضيق وهي تحاول إقناعها:

— يا بنتي، إنتِ حلوة وتستاهلي واحد أحسن منه بكتير! إيه اللي عاجبك في العربجي ده؟!

ضحكت رنا، وكأن وصف تبارك له لم يزدها إلا إعجابًا، ثم قالت ببساطة:

— عجبني!

وضعت سارة يدها على جبينها في يأس، وهزّت رأسها غير مصدقة إصرار صديقتها، ثم قالت بعتاب:

— يا لهوي على دماغك الناشفة! اسمعي الكلام مرة واحدة من غير عند. مش ده اللي اتصلتي بيا امبارح، وفضلتي تعيطيلي ساعة عشان قالك «هكلمك» ومكلمكيش؟!

لم تتأثر رنا بكلامها، بل ابتسمت بسعادة وهي تتابع ميشو بعينيها، ثم أجابتها وكأنها وجدت التبرير الذي كانت تنتظره:

— ما هو جه عشان يصالحني!

نظرت تبارك إليها بعدم تصديق، وقد نفد صبرها من إصرارها على تبرير تصرفاته، ثم قالت بغيظ:

— يا بنتي، هو إنتِ بتنسي كل حاجة بيعملها أول ما بتشوفيه؟! يا لهوي، ده عملك عمل ولا إيه؟!

استدارت رنا نحوهما بعصبية، وقد اختفت ابتسامتها وحلّ محلها الضيق من تدخل صديقتيها في علاقتها به، ثم قالت بنبرة حادة:

— بقولكم إيه؟ أنا هروح معاه،خليكوا في حالكوا، أنا مبسوطة، فين المشكلة؟!

لم تنتظر منهما ردًا، بل استدارت واتجهت نحو ميشو بخطوات سريعة، وكأنها تريد إنهاء النقاش قبل أن تسمع المزيد من اعتراضاتهما، لكنها توقفت للحظة، والتفتت إليهما من بعيد، ثم قالت محذرة:

— وعلى فكرة، لو ماما كلمتكم، قولولها أي حاجة! يلا، سلام!

ثم عادت إلى طريقها متجهة نحو ميشو الذي كان ينتظرها بجوار دراجته النارية.

ظلت سارة تراقبها وهي تبتعد، ثم أطلقت تنهيدة طويلة والتفتت إلى تبارك قائلة بضيق:

— البنت دي هتتعبنا معاها. 

أما تبارك، فزفرت بعصبية وهمّت أن تتحرك خلفها، لكن ما إن التفتت إلى اليسار حتى تجمدت خطواتها في مكانها، 

اتسعت عيناها فجأة، شعرت بأن قلبها توقف للحظة، وكأن النبض نفسه نسي طريقه إلى صدرها.

كان هناك رجل يقف مستندًا إلى سيارته، ساكنًا تمامًا، وكأنه لم يأتِ مصادفة... وكأنه كان ينتظرها هي تحديدًا منذ وقت طويل.

                   الفصل الثامن من هنا

تعليقات



<>