رواية هي كده الفصل الثامن8بقلم ابتسام محمود الصيري
وقفت تبارك مكانها فور أن وقع بصرها عليه، اتسعت عيناها قليلًا، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة لم تستطع إخفاءها.
وضعت يدها على فمها وهمست بعدم تصديق:
— عبدالله...
كان يستند إلى سيارته بهدوء، وما إن التقت عيناه بعينيها غمز لها بخفة، ثم أشار إليها بطرف أصابعه بحركة بدت لأي شخص يراه وكأنه يطرد ذبابة تحوم أمامه، أما هي... فقد فهمت المقصود فورًا، ابتسمت رغماً عنها، ثم لمح عبدالله سارة الواقفه بجوارها، فتراجع خطوة، وأخذ يتظاهر بالانشغال بهاتفه، وكأنه لم يكن يقصدها من الأساس، التفتت تبارك من صديقتها سارة، وقالت لها بهدوء وهي ترجع خصله من شعرها بأطراف أصابعها بابتسامة مترددة:
- انا كمان همشى.
ابتسمت سارة لها وهي تصافحها، بدلتها السلام تبارك ثم استدارت تتحرك نحو سيارتها، لكن عينيها... خانتاها، عادتا إلي عبدالله مرة أخرى، كان ما يزال يستند إلى سيارته بهيبته المعتادة، وكأنه لم يتحرك من مكانه، خفضت بصرها سريعًا، ثم ركبت سيارتها وتحركت.
بينما استقلت سارة السيارة الخاصة التي اعتادت العودة بها إلى المنزلها.
⸻
أما رنا، فبعد أن ألقت على ميشو التحية، لاحظت جمود ملامحه، وكأنه لم يكن متحمسًا لرؤيتها بقدر حماسها لرؤيته، برغم نظرة عينه التي تذوب قلبها من بريقها وتعلقها بها بكل تفصيلة بها، لم تستطع إخفاء فرحتها؛ فقد كانت ابتسامتها تفضح اشتياقها إليه، بينما تحاول أن تبدو هادئة حتى لا يشعر بمدى تأثيره فيها.
نظر إليها ميشو وسألها بملامح جامدة:
— تحبي تروحي فين؟
ابتسمت رنا بخجل، وأجابته بنبرة رقيقة يغلب عليها الدلال:
— أي مكان تحبه.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة مصطنعة، ثم قال:
— بصراحة، جعان.
اتسعت ابتسامتها، وكأن مجرد رغبته في قضاء بعض الوقت معها كافية لتجعل يومها أجمل.
— ماشي، يلا نروح أي رستوران ناكل فيه.
صعدت رنا خلفه على الموتوسيكل بسعادة غامرة، أبلغها بصوت عالي:
- تحبي تسمعي اللي بسمعه؟
ردت بحماس طفولي:
- اكييييد
اخذت من يده سماعة الاذن الصغيرة، ولفَّت ذراعيها حول خصره بتردد في البداية، قبل أن تستقر خلفه وتستند إليه قليلًا، كانت تشعر بأن قلبها يرقص داخل صدرها، وأن الطريق، مهما طال، لن يكون طويلًا ما دامت معه، تسللت ابتسامة عريضة إلى وجهها، وراحت تتأمل الطريق من حولها بعينين لامعتين، بينما يعبث الهواء بخصلات شعرها. كانت تحاول الاستمتاع بكل لحظة، وكأنها تخشى أن تنتهي هذه الرحلة سريعًا، أو أن تستيقظ فجأة من حلم جميل طال انتظاره.
لم تكن تحتاج إلى الكثير؛ فوجودها بجواره وحده كان كافيًا لينسيها كل ما أزعجها، ويملأ قلبها بفرحة لم تستطع إخفاءها.
لكن سعادتها لم تدم طويلًا.
توقف ميشو على جانب الطريق بعدما تلقى اتصالًا عبر أحد تطبيقات التواصل، ثم أخرج هاتفه ونظر إلى الشاشة. لم تستطع رنا رؤية اسم المتصل بوضوح، فقد أخفى الهاتف عنها سريعًا، قبل أن يلتفت إليها قائلًا:
— رنا، انزلي هاتي إزازة مية على ما أرد على المكالمة دي.
أومأت له بطاعة، ونزلت عن الموتوسيكل، لكنها ألقت نظرة خاطفة على هاتفه، محاولةً معرفة هوية المتصل، لم يمنحها الفرصة، أبعد الهاتف عنها وبدأ يتحدث.
ترددت للحظة، ثم اتجهت نحو السوبر ماركت القريب، بينما تسللت إلى قلبها وخزة غريبة لم تستطع تفسيرها، حاولت إقناع نفسها بأنها تبالغ في التفكير، وأن الأمر لا يستحق كل هذا القلق، لكنها لم تستطع تجاهل ذلك الشعور المزعج الذي تسلل إليها فجأة، اشترت زجاجة الماء، ثم خرجت من السوبر ماركت، تبحث عنه بعينيها.
وحين لمحها ميشو، أشار إليها بيده أن تتوقف في مكانها، دون أن تقترب منه. أطاعته رنا، ووقفت تراقبه من بعيد، وقد انعقد حاجباها في حيرة.
ظل يتحدث في الهاتف، حريصًا على ألا تقترب منه أو يسمعها الطرف الآخر، وكأنه لا يريد لمن يتحدث معه أن يعرف بوجودها من الأساس.
انطفأت ابتسامتها تدريجيًا، وحلَّ محل فرحتها شعور ثقيل بالقلق، قبضت على زجاجة الماء بين يديها، وظلت عيناها معلقتين به، تتساءل في صمت: لماذا يتصرف معها بهذه الطريقة؟ ومن الذي يتحدث إليه حتى يحرص على إبعادها عنه؟
________
قادت تبارك سيارتها عدة دقائق، حتى ابتعدت عن المدرسة، وبعد أن تأكدت أن الطريق أصبح أكثر هدوءًا، أوقفت سيارتها على جانب الطريق، لم تنتظر طويلًا، فبعد ثوانٍ قليلة... توقفت سيارة عبدالله خلفها، ترجل منها بهدوء، وأغلق الباب، ثم اتجه نحوها بخطوات ثابتة، كانت تستند إلى سيارتها، وقد عقدت ذراعيها أمام صدرها، تنظر إليه بنصف ابتسامة، ونصف اتهام، وما إن اقترب حتى قالت مباشرة:
— إنت عرفت مدرستي إزاي؟
ابتسم بخفة:
— بصي... مش صعبة.
رفعت أحد حاجبيها:
— لا... صعبة.
ثم اقتربت منه خطوة، وضاقت عيناها وهي تضيف:
— لازم أعرف.
سكت لحظة وهو يبتسم بخجل، فقالت بنبرة يغلب عليها الشك:
— إنت كنت بتراقبني؟
رفع كفيه أمامه بسرعة وكأنه يستسلم.
— لا... والله.
ظلت تنظر إليه دون أن ترمش، فابتسم في ارتباك وقال:
— كنت ماشي صدفة...
قاطعته وهي تخفي ضحكتها:
— كمّل.
تنحنح بخفة وهو يفكر في تحضير كذبة سريعة:
— يعني... عربيتي كانت اممممم كانت...
توقفت الكلمات على طرف لسانه.
ثم هز رأسه مستسلمًا، وقال وهو يضحك على نفسه:
— لا... دي كدبة.
انفجرت تبارك ضاحكة.
— مانا عارفة!
حك مؤخرة رأسه في خجل، وأشاح بنظره بعيدًا.
لأول مرة في حياته... يشعر أنه يتصرف كمراهق، تنهد طويلًا، ثم قال:
— طب... نتفق الأول.
ابتسمت لمكره الصغير، ولإصراره على تأجيل الإجابة، وقالت:
— على إيه؟
ابتسم لمكرها، ولإصرارها على ألا تقتنع إلا بإجابة تُرضي فضولها، ثم قال:
— نشرب قهوة مع بعض.
ضيقت عينيها بمشاكسة وهي ترفع إصبعه السبابة في وجهة:
— على شرط.
— إيه؟
— تقولي الحقيقة كلها.
ظل ينظر إليها لثوانٍ، وكأنه يوازن بين رغبته في الاحتفاظ بإحراجه لنفسه، وبين يقينه بأنها لن تتركه يهرب هذه المرة.
ثم قال باستسلام:
— موافق.
⸻
بعد نصف ساعة كاملة قضتها رنا واقفة وحدها في الشارع، تنتظر أن ينهي ميشو مكالمته أو يسمح لها بالاقتراب منه، بدأت مشاعر الضيق تتسلل إلى قلبها، لم تكن تفهم سبب إصراره على إبقائها بعيدة عنه كل هذا الوقت، لكنها، رغم انزعاجها، ظلت تنتظر إشارته بصبر.
وأخيرًا، أغلق هاتفه والتفت إليها، ثم رمقها بنظراته الناعسة التي طالما أذابت قلبها وأفقدتها القدرة على مقاومته، وكأنها نسيت في لحظة كل ما شعرت به من ضيق عندما قال:
— جبتي الماية؟
نظرت إليه رنا بضيق واضح، وقد نفذ صبرها أخيرًا هاتفه بصيق واضح:
— هو ده بجد؟!
ضحك ميشو بمشاكسة، ثم اقترب منها وهو يأخذ زجاجة الماء قائل بمزاح:
- الله دي سخنة، روحي هاتي واحدة ساقعه مكانها.
القت عليه نظرة قاتله، فضحك وأمسك يدها، طابعًا قبلة عليها، قبل أن يقول بنبرة اعتذار لم تخلُ من خفة ظله:
— معلش يا ستي، دي مكالمة شغل.
ضيقت عينيها، ونظرت إليه بعدم تصديق:
— مكالمة شغل؟! فيديو كول كمان؟!
هز كتفيه ببساطة، وكأن الأمر لا يستحق كل هذا الاهتمام، ثم أجابها:
— إنتِ عارفة الأجانب، مش بيفرق معاهم حاجة، وبعدين، هو أنا كنت هعمل إيه؟ الشغل عايزني دلوقتي.
تنهدت رنا بضيق، وكادت تعاتبه على تركها واقفة وحدها طوال هذه المدة، لكنها لم تفتح فمها حتى قاطعها، وهو يشد على يدها بخفة:
— لا، فُكّي بقى، مش عايز اليوم يبوظ من أوله، ويلا عشان أنا جعان، ماكلتش حاجة من امبارح الصبح.
ابتلعت رنا كلماتها، واكتفت بنظرة عاتبة قبل أن تصعد خلفه على الموتوسيكل مرة أخرى.
كان بداخلها كلام كثير تريد أن تقوله، وأسئلة تتزاحم في رأسها، وعتاب لم تستطع إخراجه... لكنها لم تتجرأ على التفوه بشيء؛ فقد اعتادت أن تكتم ضيقها كلما تعلق الأمر بميشو، خوفًا من أن يغضب منها ويختفي عن حياتها لأشهر كما اعتاد أن يفعل.
لذلك، فضّلت الصمت، حتى لو كان هذا الصمت يؤلمها، واختارت أن تحتفظ بعتابها في قلبها، على أن تخاطر بخسارته مرة أخرى.
________
بعد دقائق... كانت تبارك وعبدالله يصعدان إلى الطابق العلوي من المقهى.
توقفت تبارك فجأة، وجالت بعينيها بين الطاولات باستغراب، كان المقهى مزدحمًا على غير العادة.
كل الطاولات امتلأت بالزبائن... إلا طاولتها المفضلة المطلة على البحر، التفتت إليه متعجبة.
— غريبة... مع إن المكان زحمة، الترابيزة دي فاضية.
ابتسم وهو يسحب لها الكرسي قائلا:
— لأنها مكاني الخاص.
نظرت إليه باستفهام.
— يعني؟
ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة أظهرت غمزتيه:
— يعني دي الترابيزة اللي بقعد عليها كل يوم.
جلست وهي ما تزال تنظر إليه بفضول، فابتسم مرة أخرى، فقد بدأ يكتشف أنها لا تمل من طرح الأسئلة حتى تصل إلى إجابة تقنعها: وقال بهدوء:
— بصي... هو فعلًا مكاني ومحجوز على طول، ويوم ما جيتي أول مرة مأخدتيش بالك من كلمة "محجوز"، فقولت أسيبك براحتك.
ثم نظر إليها وأضاف:
— ومن يومها... طول ما إنتِ موجودة، محدش بيقعد عليها غيرك.
اتسعت عيناها قليلًا، وشعرت بحرارة خفيفة تزحف إلى وجنتيها، خفضت بصرها سريعًا وهي تتمتم:
— شكرًا...
لكنها لم تتركه يهرب.
رفعت رأسها إليه من جديد وقالت بإصرار:
— طيب... يلا اعترف.
ابتسم وهو يشير إلى أحد العاملين :
— تشربي شاي بلبن؟
ابتسمت دون إرادة:
— ده أساسي كده كده.
ثم أشارت إليه بإصبعها قائلة:
— بس متغيرش الموضوع... جيت المدرسة إزاي؟
زفر عبدالله ببطء، ثم فرك كفيه ببعضهما في توتر واضح، راقبته تبارك بابتسامة صغيرة:
— شكلك متوتر.
ضحك بخفة:
— عشان أول مرة أعمل حاجة زي دي.
صمتت، تنتظر.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال:
— أول يوم شوفتك فيه... لفت نظري لوجو المدرسة المطرز على هدومك.
عقدت حاجبيها:
— وبعدين؟
— دخلت على موقع المدرسة... وعرفت إن عندكم امتحان النهارده.
ثم سكت لحظة، قبل أن يبتسم لنفسه ويقول:
— وجيت استنيتك.
نظرت إليه بدهشة، ثم قالت وهي تكتم ضحكتها:
— إنت عارف إن اللي عملته ده يخوف؟
ابتسم بإحراج وهز رأسه.
— عارف.
ثم أطرق برأسه وهو يبتسم من نفسه:
— ومش عايزك تاخدي عني فكرة إني مراهق... لأن بجد أول مرة أعمل حاجة زي دي... وكنت محرج من نفسي جدًا.
لم تشعر تبارك بنفسها وهي تبتسم، وكانت تلك أول مرة تتجرد فيها عيناها العسليتان من الحزن، ليحل محله بريق هادئ يشبه الراحة، ساد بينهما صمت قصير، لم يكن صمتًا محرجًا... بل صمتًا مريحًا.
نظر عبدالله إلى البحر للحظة، ثم عاد بعينيه إليها وقال بهدوء:
— آخر مرة كنتِ معايا... أول ما بصيتي في موبايلك، وشك كله اتغير.
تنهد بخفة، ثم أكمل:
— حسيت إن في حاجة وجعتك... بس إنتِ مشيتي قبل ما أفهم أي حاجة.
صمت لحظة، ثم قال وهو يبتسم ابتسامة صغيرة:
— ومن ساعتها... وأنا حاسس إن كلامنا لسه مخلصش.
سكتت تبارك، وتجمعت داخل عينيها دموع خافتة، لكنها تماسكت، لأول مرة منذ سنوات... شعرت أن هناك من يريد أن يسمعها... لا أن يستجوبها، ولا أن يحكم عليها، ولا أن يصدق ما يراه بعينيه فقط.
بل إنسان... يرى خلف ابتسامتها شيئًا مكسورًا، ويحترم صمتها بما يكفي حتى لا يقتحمه.
⸻
وصلا أخيرًا إلى أحد مطاعم الوجبات السريعة، واختارا طاولة تناسبهما، ثم طلبا البرجر كعادتهما في كل مرة يخرجان فيها معًا، جلست رنا أمام ميشو، تتطلع إليه بسعادة خافتة، آملةً أن يحظى لقاؤهما ببعض الوقت الذي افتقدته طويلًا، لكنها سرعان ما أدركت أن الأمر لن يكون كما تمنته؛ فقد انشغل ميشو بهاتفه، يتنقل بين تطبيقات التواصل ويتابع بعض الأمور التي بدت أهم لديه من وجودها بجواره.
مر الوقت وهو على حاله، صامتًا ومنشغلًا بشاشته، بينما راحت رنا تنتظر أن يرفع عينيه إليها أو يبدأ معها حديثًا، لكن دون جدوى، زفرت بضيق، ثم سألته محاولةً لفت انتباهه:
— إنت بتعمل إيه؟ شغلك ده مبيخلصش؟
رفع عينيه إليها للحظة، ثم عاد إلى هاتفه مجيبًا بانشغال:
— في شحنة عربيات بتفق عليها، لو الصفقة دي تمت، هتبقى نقلة في حياتي.
عقدت رنا حاجبيها باهتمام، وسألته:
— اشمعنى؟
أجابها بحماس بدأ يظهر في نبرة صوته، وكأنه وجد أخيرًا موضوعًا يستحق الحديث عنه:
— دي عربيات جاية بأقل من تمنها بكتير. تخيلي كده، عربية بربع مليون ممكن تساوي هنا في مصر مليون ونص!
استمعت إليه رنا، ثم أخذت نفسًا عميقًا وقالت بنبرة حاولت أن تجعلها هادئة، رغم شعورها ب ضيق:
— آه، حلو... بس هي دي الساعة الوحيدة اللي هقعدها معاك؟
رفع ميشو عينيه إليها، وكأنه لم ينتبه إلى ما تحمله كلماتها من عتاب، ثم قال على عجل:
— معلش يا رنا، أنا عايز بس أخلّص الاتفاق ده قبل ما حد يشيل الصفقة.
أومأت برأسها، متظاهرةً بالتفهم، ثم أشاحت بوجهها نحو الشارع، تراقب المارة من خلف زجاج المطعم، بينما تحاول إقناع نفسها بأن انشغاله أمر مؤقت، وأنه سيمنحها بعض الاهتمام بمجرد أن ينتهي، وبعد قليل، وصل الطعام إلى الطاولة، فاقتربت رنا من طبقها وبدأت تأكل، على أمل أن ينتهي ميشو من عمله ويشاركها وجبتها.
لكنها لاحظت أنه ما زال منشغلًا بهاتفه، فرفعت عينيها إليه وسألته:
— مش هتاكل كمان؟
نهض ميشو وهو يمسك هاتفه، وقال ببساطة:
— هعمل مكالمة، كلي إنتِ.
ثم ابتعد عن الطاولة، متجهًا إلى مكان أبعد قليلًا، وبدأ يتحدث في هاتفه.
توقفت رنا عن تناول الطعام، وأخذت تراقبه من مكانها، كان يضحك بين الحين والآخر، ويتحدث بطلاقة، ويتنقل بين الكلمات بخفة ظل واضحة، حتى بدا وكأنه يعرف كيف يجذب انتباه من يتحدث معه ويجعله ينساق وراء حديثه دون ملل.
راقبت ابتسامته التي لم تفارق وجهه طوال المكالمة، وشعرت بوخزة صغيرة في قلبها، لماذا يستطيع أن يمنح كل هذا الاهتمام لشخص آخر، بينما لا يجد بضع دقائق ليتحدث معها؟
عادت تنظر إلى طعامها، وقد فقدت شهيتها تقريبًا، كانت تجلس في المكان نفسه الذي اختاراه معًا، وعلى الطاولة نفسها التي اعتادا الجلوس إليها، لكن شعورها هذه المرة كان مختلفًا تمامًا، فقد جاءت وهي تظن أنها ستقضي معه وقتًا يعوضها عن غيابه، لتجد نفسها وحيدة، تراقبه من بعيد، وتنتظر أن ينتهي من حديثه مع الآخرين كي يتذكر أنها موجودة.
________
كانت الأمواج وحدها تتكفل بملء الفراغ بين الكلمات.
تنهدت تبارك، ثم رفعت بصرها نحو البحر، وكأنها تبحث فيه عن مهرب من السؤال.
قالت وهي تحدق في الأفق:
— عمرك بصيت للبحر وحسيت إنه بيشيل من جواك حاجة؟
نظر إليها عبدالله، ولم يلتفت إلى البحر.
كان ينظر إليها هي، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
— ده تغيير موضوع ولا تهرب من الإجابة؟
التفتت إليه، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة لم تكتمل.
— يمكن الاتنين.
نظر إليها طويلًا، ثم قال بهدوء:
— اعتبره تهرب... ومش حابة تتكلمي.
سكت لحظة، ثم أضاف وهو يبتسم ابتسامة دافئة:
— ولا لو استخدمت أسلحتي في الإلحاح... أعرف إيه اللي جواكي؟
أخفضت رأسها.
ابتلعت ريقها بصعوبة.
ثم قالت بصوت خافت:
— عبدالله...
رفعت عينيها إليه، وكانت المرة الأولى التي ينطق فيها اسمه بهذه الطريقة.
— من ساعة ما ماما الله يرحمها ماتت... وأنا اتكسرت.
سكتت قليلًا، وكأن الكلمات تثقل حلقها:
— مش هقدر أحكي كتير... عشان مش حابة أكذب عليك في أي حاجة.
ثم تنهدت ببطء وهي تكمل:
— بس صدقني... في الوقت المناسب هحكيلك كل حاجة.
ظل ينظر إليها، ثم قال بإصرار هادئ:
— مش فضول يا تبارك...
وأشار إلى صدره وهي يتمنى يزيل كل وجع هي مرت به:
— والله مش فضول.
سكت لحظة قبل أن يكمل:
— بس حاسس إن فيه حمل أكبر منك شايلاه لوحدك... ونفسي أخففه عنك حتى لو بكلمة.
هربت عيناها منه، أصبحت تنظر يمينًا ويسارًا دون تركيز، وأخذت تمسح كفيها ببعضهما مرارًا، حتى احمرتا من شدة التوتر، لاحظ عبدالله ارتجافها، فرفع يده بتلقائية، يريد فقط أن يربت برفق على شعرها، كما يفعل أي إنسان يحاول تهدئة شخص يبكي.
لكن... ما إن اقتربت يده... انتفض جسدها كله بعنف، ابتعدت عنه خطوة كاملة، ورفعت يدها سريعًا في اعتذار، بينما كانت اليد الأخرى تمسح دموعًا حاولت الهروب، قائلة بصوت مرتبك:
— سوري...
بلعت ريقها، ثم أضافت بخجل شديد:
— أنا... مش بحب حد يلمسني.
تراجع عبدالله فورًا، وبدا عليه الإحراج أكثر منها، قال بسرعة موضحًا:
— لا... لا... أنا مقصدتش ألمسك.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة، يحاول إزالة توترها.
— كنت بهديكي بس... مش أكتر.
ساد الصمت بينهما للحظات.
ثم قال بنبرة صادقة خالية من أي تصنع:
— تبارك... أنا مش حابب تكوني خايفة مني، صدقيني... مافيش جوايا أي نية وحشة، ولا أي مصلحة، أنا... مش عارف ليه احنا هنا ومع بعض، بس حرفيا مرتاح وأنا قاعد معاكي، وحاسس إنك محتاجة حد يسمعك... مش يحكم عليكي، ولا يسألك بأسلوب تحقيق، والله ده إحساسي من ناحيتك.
لم تجبه، ظلت صامتة، تلتقط أنفاسها ببطء وهي تبلل شفاتها حتى هدأت دقات قلبها قليلًا، ثم ابتسمتتبارك ابتسامة هادئة وقالت:
— تيجي نتمشى على البحر؟
اكتفى بهزة بسيطة من رأسه.
وسارا معًا بمحاذاة الشاطئ.
⸻
بعد مرور بعض الوقت، نهضت رنا من مكانها، وقد نفد صبرها تمامًا، لم تعد تحتمل البقاء في ذلك المكان وهي تشعر بأنها مجرد شخص زائد لا يلتفت إليه أحد، وفي تلك اللحظة، اقترب منها ميشو أخيرًا، واضعًا هاتفه في جيبه وكأن شيئًا لم يحدث.
نظرت إليه بعتاب، ثم قالت بنبرة حاولت أن تبدو هادئة:
— غريبة! كنت فاكرة إننا هنقضي اليوم مع بعض، لكن طلعنا هنقضي اليوم كله في التليفونات.
رد بلا اكتراث، وكأنه يكرر كلامًا سبق أن قاله:
— ما أنا قلتلك، عندي شغل.
هزت رأسها بضيق، ثم قالت بحسم:
— طيب، أنا عايزة أمشي.
قطب حاجبيه، ونظر إليها باستغراب مصطنع:
— هو إنتِ بتصغّري دماغك ليه؟
حدقت فيه رنا غير مصدقة، ثم أجابته وقد بدأ صوتها يحمل عتابًا واضحًا:
— كل ده وبصغّر دماغي؟! إنت مش حاسس بالوقت اللي عدى أصلًا؟
تنهد ميشو بضجر، وكأن اعتراضها هو ما أفسد عليه يومه، ثم قال:
— رنا، ما تبطلي شغل الدراما والهسهس بتاعك ده.
شعرت رنا بشيء ينقبض داخل صدرها، لكنها تماسكت ورددت بإصرار:
— أنا عايزة أمشي.
حاول ميشو امتصاص غضبها بطريقته المعتادة، فابتسم ابتسامة جانبية وقال بمشاكسة:
— بتقولي إيه يا مشمش؟
لكنها لم تبتسم هذه المرة، ولم تلن ملامحها كما اعتاد منها كلما حاول استرضاءها بكلماته، قائله بحزم:
— ميشو، أنا اتأخرت بجد، وأكتر من كده ماما هتتصل عليّا.
نظر إلى الطعام المتبقي أمامه، ثم قال ببرود:
— بصراحة، أنا جعان. استني لما أخلص أكل.
اتسعت عيناها من شدة الغيظ، وردت عليه سريعًا:
— بقولك متأخرة!
رفع كتفيه بلا مبالاة، ثم أشار بيده نحو الخارج قائلًا:
— طيب خلاص، براحتك امشي.
تجمدت رنا للحظة، وكأنها لم تستوعب أنه يطلب منها الرحيل بهذه البساطة، بعد كل ما تحملته طوال اليوم من تجاهل وانتظار، ثم سألته بصوت خافت، تختلط فيه الدهشة بالخذلان:
— أمشي لوحدي؟
نظر إليها ميشو، وأجابها بنبرة خالية من الاهتمام:
— مش إنتِ مُصِرّة تمشي بسرعة؟
لم تجد ما تقوله، اكتفت بالنظر إليه لثوانٍ، وكأنها تنتظر أن يتراجع، أن يسألها إن كانت ستتمكن من العودة وحدها، أو حتى أن يُظهر قليلًا من القلق عليها، لكنه لم يفعل.
ابتلعت غصتها، ثم قالت بجمود حاولت أن تتمسك به حتى لا تنهار أمامه:
— تمام... سلام.
التقطت هاتفها وحقيبة ظهرها، ثم استدارت وانصرفت دون أن تنتظر منه كلمة أخرى.
لكن ما إن أولته ظهرها وابتعدت عنه بضع خطوات، حتى بدأت دموعها تشق طريقها بصمت على وجنتيها.
كانت تشعر بخذلان يفوق مجرد تجاهله لها طوال اليوم، فقد جاءت إليه بقلب ممتلئ بالشوق، وانتظرت أن يمنحها ولو جزءًا صغيرًا من اهتمامه، وتحمّلت انشغاله ومبرراته المتكررة، بل وابتلعت عتابها خوفًا من أن يغضب منها.
وفي النهاية، لم يكلّف نفسه حتى عناء الاطمئنان إلى قدرتها على العودة وحدها، مسحت دموعها سريعًا بظاهر يدها، وأسرعت في خطواتها، وكأنها تحاول الهرب من ذلك الشعور الثقيل الذي يلاحقها، كانت غاضبة منه، ومن نفسها أيضًا؛ غاضبة لأنها سمحت له مرة أخرى بأن يجعلها تشعر بأنها لا تستحق حتى بضع دقائق من وقته، ومع كل خطوة، كانت تتردد في رأسها أسئلة لم تجد لها إجابة، هل كانت تطلب منه الكثير؟ هل كان من الصعب عليه أن يقضي معها يومًا واحدًا دون أن يجعلها تشعر بأنها عبء عليه؟
وصلت رنا إلى الشارع، فتوقفت وأطلقت زفرة طويلة، وهي تتفحص الطريق من حولها، كان المكان هادئًا نسبيًا، ولم يكون فيه وسائل المواصلات، ولم تكن هناك سيارات كثيرة تمر من أمامها، أخرجت هاتفها، وقررت طلب سيارة عبر أحد تطبيقات النقل، فهي لا تعرف كيف ستعود إلى المنزل من ذلك المكان وحدها، لكن ما إن ضغطت على زر التشغيل حتى اكتشفت أن الهاتف قد نفد شحنه وانطفأ تمامًا:
— يا نهار أبيض! هو ناقصاك إنت كمان؟!
زمجرت بعصبية، ثم أعادت الهاتف إلى حقيبتها، وهي تشعر بأن الأمور تتعقد أكثر مما تحتمل، وقفت على جانب الطريق، تراقب السيارات المارة، على أمل أن تجد إحداها متجهة إلى مكان تستطيع منه استقلال وسيلة مواصلات أخرى.
لكن انتظارها لم يكن سهلًا؛ فكلما مرت مجموعة من الشباب، تعالت بعض التعليقات والمعاكسات المزعجة، ما جعلها تشعر بالتوتر وتضم حقيبتها إلى جسدها، متمنيةً لو استطاعت الاختفاء من المكان بأكمله.
كانت خائفة ومنهكة، وقد استنزف يومها ما يكفي من طاقتها، لم تعد تملك القدرة على الجدال أو حتى البكاء، وكل ما أرادته هو الوصول إلى منزلها بأمان، وبعد دقائق بدت لها أطول مما هي عليه، توقفت سيارة إلى جوارها، وانخفض زجاج النافذة قليلًا، قبل أن يأتيها صوت رجل يسألها:
— تحبي أوصلك؟
لم تلتفت إليه، وظلت تنظر إلى الطريق أمامها، متوجسةً من الموقف.
فأضاف الرجل سريعًا:
— أنا تاكسي.
التفتت رنا نحو السيارة، تتفحصها بتردد. لم تكن في وضع يسمح لها برفض المساعدة، ولم يكن أمامها حل واضح؛ فهاتفها مغلق، والمواصلات نادرة، والمكان لم يعد مريحًا لوقوفها فيه أكثر من ذلك.
ترددت لحظة أخيرة، ثم فتحت الباب وصعدت إلى السيارة.
كانت تشعر بالضيق من نفسها ومن كل ما حدث، وبالمرارة لأنها وجدت نفسها في هذا الموقف وحدها، بينما الشخص الذي يفترض أنه الأقرب إليها تركها ترحل دون أن يسأل حتى كيف ستعود، أسندت رأسها إلى النافذة، وأغمضت عينيها لثوانٍ، محاولةً تهدئة أنفاسها، لم تكن تريد سوى العودة إلى المنزل، لكن قلبها ظل عالقًا عند تلك الطاولة في المطعم؛ عند اللحظة التي نظرت فيها إلى ميشو، وانتظرت منه أن يهتم بها، فلم تجد سوى اللامبالاة.
وفي داخلها، كان هناك شيء يتألم بصمت؛ ليس لأنها غادرت وحدها فحسب، بل لأنها بدأت تدرك أن وحدتها الحقيقية لم تبدأ عندما ابتعدت عنه، وإنما حين كانت تجلس بجواره طوال اليوم، تنتظر أن يشعر بوجودها.
