رواية هي كده الفصل التاسع9بقلم ابتسام محمود الصيري
وبينما تبارك وعبدالله يسيران... لمحت تبارك رجلًا بسيطًا يعمل في نظافة الكورنيش، كان يسحب خلفه صندوقًا كبيرًا يجمع فيه القمامة، بينما تتدلى من يده الأخرى مكنسة قديمة، توقف للحظات يلتقط أنفاسه، ومسح عرقه بطرف كمه، لم تفكر تبارك، فتحت حقيبتها على الفور واعطته علبة مناديل بابتسامة، ثم وضعت يدها مره ثانيه في حقيبتها وأخرجت مبلغًا من المال، وأبلغته بابتسامة مشرقة، وهي تمد يدها إليه قائلة:
— ربنا يقويك... ويعينك.
نظر الرجل إلى المال بدون تصديق وكأن كان يدعي ربه أن يرزقه من حيث لا يحتسب ليسدد دين عليه، ثم رفع عينه إليها، ليصدق ما حدث، وجدها تقف تبتسم له وهي تربت على كتفه، رفع يديه إلى السماء يدعو لها من قلبه وهو عينيه تدمع مع عظمة الخالق الدي يرزق من عير حساب قائلا:
— ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي... ويفرح قلبك... ويحققلك كل اللي نفسك فيه... انتى متعرفيش كنت محتاج الفلوس دي قد ايه.
ثم نظر الى السماء وهو يشكر ربه:
- الف شكر وحمد ليك يا رب... انت عالم بكل شيء.
ابتسمت له تبارك في هدوء:
- لو احتجت اي حاجة في اي وقت ده رقمي.
شكرها كثير وهو يأخذ من يدها الورقة، ثم أكملت تبارك وعبدالله طريقهما.
فأكتفي عبدالله... أن ينظر إليها لكن النظرة مختلفة نظرة ثانية...
أو الثالثة... أو ربما للمرة الألف، كلما ظن أنه بدأ يفهمها... فاجأته بوجه جديد، أقتربا إلى البحر فكان لوحة لا يمكن للعين أن تمل منها، امتد الأفق حتى بدا وكأنه يلامس السماء، تلألأت المياه بلون أزرق يميل إلى الفيروزي، تعكس أشعة الشمس الذهبية التي بدأت تميل نحو الغروب، فتنساب فوق سطح البحر كأنها خيوط من نور وفي آخر الأفق...
ارتفع الجبل شامخًا، يحتضن البحر في هدوء، بينما كانت السماء تكسوه بألوانها المتدرجة؛ زرقة هادئة تذوب داخل برتقالي دافئ، ثم خيوط وردية خفيفة تزين أطراف السحاب.
نسيم البحر كان يحمل رائحة الملح، ويعبث بخصلات شعر تبارك الطويلة، وللحظة... بدت هي أيضًا جزءًا من تلك اللوحة، وكأن الخالق... بعد أن أبدع في رسم البحر والسماء والجبل...
أكمل جمال المشهد بها، وقفت تتأمل المياه طويلًا، ثم قالت بابتسامة هادئة:
— أنا بحب البحر جدًا من وأنا صغيرة... بحسه صاحبي. مهما أشكيله... عمره ما زهق مني.
ابتسم عبدالله وقال:
— بتحبي البحر لماما... ولا لبابا؟
ردت بسرعة، وكأن الإجابة كانت محفوظة داخلها:
— أي حد بيحب البحر... لازم يكون صبور وحنين، فأكيد لماما.
ثم لمع بريق مختلف داخل عينيها.
وقالت وهي تبتسم لذكرى بعيدة:
— عارف... مرة أنا وماما الله يرحمها كانت عايزة تعلمني الصبر، خلتني أصطاد، قعدت شوية... وفجأة السنارة غمزت، طلعتها وأنا فرحانة جدًا، كانت أول سمكة أصطادها في حياتي، كانت صغيرة... بس كنت حاسة إني اصطدت حوت.
ضحك عبدالله، فضحكت هي أيضًا، ثم أكملت:
— اتحمست... ونزلت السنارة تاني، بس المرة دي... مش هتصدق طلعت إيه.
نظر إليها بفضول واضح:
— إيه؟
قالت وهي تضحك:
— ورقة.
رفع حاجبيه بأستغراب:
— ورقة؟
هزت رأسها بتأكيد ما سمعه:
— مكتوب فيها... "رجعلي أمي."
اتسعت عيناه بتعجب وعدم تصديق:
— إنتِ بتهزري صح.
ضحكت وهي ترفع يدها:
— والله أبدًا، بالحرف، "رجعلي أمي."
سألها باهتمام:
— عملتي إيه؟
ابتسمت بحنين:
— ماما قالتلي... ارجعي السمكة لينتها، لسه ربنا كاتبلها عمر، ولسه فيه حد محتاجها... أنا زعلت بعد كل الصبر ده ارجعها للبحر تاني... بس طبعا سمعت كلامها، ونزلت السمكة.
وبعدين قالتلي:
"جربي حظك تاني."
ابتسم عبدالله:
— وجربتي؟
هزت رأسها وهي تضحك:
— آه، ولو قلتلك المرة دي طلعلي إيه... مش هتصدق.
ابتسم عبدالله وهو يلوح لها بيده حتى تكمل:
— قولي... أكيد مش هيكون اكتر من رجعلي امي.
قالت وهي تضحك أكثر:
— طلعلي ورقة مكتوب فيها..."شكرًا."
ضحك عبدالله وهز رأسه.
— لا... دي بقى مستحيل، والله بتهزري.
قالت وهي تبتسم:
— والله العظيم ابدا حصل معايا كده بالحرف.
ثم تنهدت.
— وبعد ما ماما ماتت... افتكرت الموقف ده، وحسيت إن ربنا كان بيعلمني من بدري، إن فيه حاجات إحنا بنتمناها... بس خلاص خلص وقتها، وإن ماما كانت رسالتها خلصت معايا.
مسحت دمعة صغيرة كادت تهرب، ثم ابتسمت رغم ألمها.
— تعرف...
كان حلمها أبقى دكتورة، وأنا... هفضل أذاكر وأتعب... عشان أحقق حلمها، وأعالج الغلابة...زي ما كان نفسها.
شعر عبدالله بشيء يضغط على قلبه، لم يكن حزنًا فقط... بل احترامًا.
احترامًا لهذه الفتاة التي تحمل كل هذا الألم، وما زالت تتحدث عن أحلام غيرها قبل أحلامها، كان يراها قبل أيام مجرد فتاة مدللة، غارقة في الرفاهية.
أما الآن...
فبدأ يشعر أنه يقف أمام روح أنهكتها الحياة، لكنها ما زالت تحاول أن تمنح الآخرين شيئًا من النور، نظر إليها طويلًا، ولم يجد كلمة تليق بما سمعه، فاكتفى بابتسامة هادئة...وفي داخله كان يدعو الله... أن يأتي اليوم الذي يرى فيه هذه الفتاة تبتسم... ابتسامة لا تخفي خلفها وجعًا.
كان البحر يبتلع آخر خيوط الشمس ببطء... حتى تحول اللون الذهبي إلى برتقالي، ثم إلى بنفسجي خافت، ولم يشعر أيٌّ منهما بالوقت، كانا يتنقلان بين حديث وآخر...
مرة يضحكان، ومرة يسخران من شيء تافه، ومرة يصمتان، يكتفيان بالنظر إلى البحر، وكان الصمت بينهما مريحًا... لا يحتاج إلى تفسير، بين كل عدة دقائق، كان عبدالله ينظر إلى ساعته دون أن يعلق.
ثم يعود ليسمعها وهي تحكي موقفًا جديدًا من طفولتها، ولأول مرة منذ سنوات... كانت تبارك تضحك من قلبها، ضحكة خرجت بلا خوف... ولا حساب، حتى مرت بجوارهما أسرة صغيرة، أب يحمل طفلته على كتفه، والأم تضحك وهي تلتقط لهما صورة، تابعتهم تبارك بعينيها حتى ابتعدوا، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة....
لاحظ عبدالله تغيرها، لكنه لم يسأل، تعلم أن بعض الصمت أرحم من الأسئلة.
...
كانت الشمس تقترب من ملامسة البحر.
وأخذت أشعتها الذهبية تنسحب ببطء، حتى بدت وكأنها تغرق داخله، توقفت تبارك عن السير، وقفت تنظر إلى الأفق طويلًا، ثم تنهدت بهدوء.
لاحظ عبدالله شرودها، فتوقف بجوارها.
نظر إلى البحر، ثم إليها، وقال مبتسمًا:
— إيه... سرحتي في إيه؟
ظلت عيناها معلقتين بالشمس وهي تغيب شيئًا فشيئًا، ثم همست بصوت خافت:
— بخاف من الغروب.
التفت إليها باستغراب.... فارتسمت على وجهه ابتسامة متعجبة:
— من الغروب؟!
هزت رأسها ببطء... فسألها برفق:
— ليه؟
ابتلعت ريقها، بينما بقيت عيناها تتابع آخر خيط من الضوء.
ثم قالت بصوت خرج مثقلًا بشيء لا تراه العين:
— عشان كل مرة الشمس بتغيب... بحس إن حاجة حلوة بتخلص.
سكتت لحظة، ثم أكملت بابتسامة باهتة:
— وبخاف من الفقد.
ساد الصمت بينهما، لم يسألها، فقد من؟ ولا حاول أن يفتش داخل جرحها، اكتفى بالنظر إليها، ثم قال بهدوء يحمل دفئًا لم تعتده:
— بصي... مهما كان الغروب جميل... وهو عمره ما كان نهاية، دي مجرد بداية لليل... والليل نفسه بيخلص، وبتطلع شمس جديدة.
ثم ابتسم لها ابتسامة صغيرة، وأضاف وهو ينظر في عينيها:
— وطول ما أنا معاكي... مش عايزك تخافي من أي حاجة، استمتعي بجمال كل لحظة...
نظرت إليه لثوانٍ... لم تعرف ماذا تقول، لأنها لأول مرة تتمنى أن تصدق أحدًا، لكنها كانت تعرف... أن بعض الليالي... لا يأتي بعدها شروق بسهولة.
وبعد وقت... أخرج عبدالله هاتفه ليرى الساعة، فاتسعت عيناه قليلًا.
ــ يا خبر... الساعة عشرة!
شهقت تبارك، ونظرة على ساعة يدها بسرعة.
ــ أزاي؟! الساعة عشرة بسرعة كده.
انهت حديثها ثم وضعت يدها فوق رأسها وهي تضحك بخفة:
ــ إحنا اتكلمنا كل ده؟
ضحك عبدالله وهو يستعد للوقوف:
ــ واضح إننا كنا عاملين اجتماع رسمي.
هزت رأسها وهي تضحك، ثم قالت بمزاح:
ــ أهو الاجتماع طلع من غير قرارات مهمه.
ضحك عبدالله وهو يلتقط مفاتيحه من جيب بنطاله:
ــ أوصلك؟
هزت رأسها بسرعة بنفي:
ــ لا معايا العربي شكراً ... وغير كده هروح مكان الأول.
نظر إليها مستفسرًا، ابتسمت ابتسامة صغيرة:
ــ هعدي على صاحبتي سارة... بقالها كام يوم بتزن عليا، ووعدتها أروح لها.
أومأ برأسه وهو يبلغها:
ــ تمام... بس ابقي ابعتي... لا.
توقف في منتصف الجملة، ثم ابتسم بإحراج.
ــ أصل... معنديش رقمك.
ضحكت وهي تهز رأسها.
ــ ولا أنا عندي رقمك.
نظر كل منهما للآخر ثانيتين... ثم انفجرا في الضحك.
قالت وهي تخرج هاتفها:
ــ طب سجل رقمك.
ناولها هاتفه، فسجلت اسمها.
"تبارك 🌊"
نظر إلى الاسم مبتسمًا:
ــ البحر؟
ابتسمت وهي تغلق الهاتف:
ــ عشان متنسانيش.
رد بهدوء، ونظره ثابت عليها:
ــ أنا شكلي مش هعرف أنساكي حتى لو شلت الإيموجي.
ارتبكت للحظة... فهربت بعينيها بعيدًا، ثم قالت وهي تتوجه إلى سيارتها:
ــ يلا... سلام.
ــ سلام يا دكتورة.
التفتت إليه وهي تبتسم:
ــ لسه بدري على اللقب ده.
ــ بس مناسب ليكي.
ابتسمت... ثم ركبت سيارتها، لكن هو ظل واقفًا مكانه، حتى اختفت سيارتها تمامًا، أخذ نفسًا عميقًا، وابتسم لنفسه وهمس:
ــ إيه اللي عملتيه فيا يا تبارك...
_______
عند رنا مرّت الدقائق، ثم تحولت إلى ساعات، ورنا لا تزال تفتح هاتفها كل بضع دقائق، تتفقد إشعاراتها، وتنتظر أن يظهر اسمه أمام عينيها، كانت تحاول إقناع نفسها بأنه ربما انشغل فعلًا، أو أنه لم ينتبه إلى الوقت، لكنه كان هناك دائمًا سؤال واحد يفسد عليها كل أعذارها:
هو مش قلقان عليّا؟ مش عايز يعرف وصلت ولا لأ؟
انهمرت دموعها دون أن تشعر، ووضعت يدها على فمها محاولةً كتم شهقاتها حتى لا يسمعها أحد في المنزل.
كيف استطاع أن يتركها ترحل بهذه السهولة؟ كيف لم يفكر ولو للحظة في المكان الذي ستذهب إليه، أو في الطريق الذي ستسلكه وحدها؟ والأصعب من كل ذلك، كيف استطاع أن يكمل يومه وكأن شيئًا لم يحدث، بينما هي لم تستطع حتى أن تتوقف عن التفكير فيه؟
فتحت محادثته، وظلت تحدق في اسمه طويلًا، ثم بدأت تكتب رسالة، ومسحتها. كتبت أخرى، ومسحتها أيضًا. كانت تريد أن تعاتبه، أن تصرخ في وجهه بكل ما كتمته طوال اليوم، أن تجعله يشعر ولو بجزء صغير من الوجع الذي تركه بداخلها.
وأخيرًا، لم تعد قادرة على ابتلاع كلماتها أكثر من ذلك، فكتبت:
ميشو، أنا تعبت بجد...
تعبت من إني أفضل مستنياك، وأبررلك كل مرة بتوجعني فيها، وأقنع نفسي إنك بتحبني وإنك بس مشغول.
إنت عارف أنا كنت مبسوطة قد إيه النهارده عشان شفتك؟ كنت فاكرة إنك جيت عشان وحشتك زي ما وحشتني، وإنك هتبقى عايز تقضي معايا وقت، زي ما أنا كنت مستنية اللحظة دي من زمان.
بس طول اليوم كنت قاعدة جنبك، ومع ذلك كنت حاسة إني لوحدي. استنيتك تخلص مكالماتك وشغلك، ولما طلبت أمشي، سيبتني أروح لوحدي من غير حتى ما تسألني هروح إزاي!
رجعت البيت وأنا خايفة وتعبانة، وإنت حتى ما سألتنيش وصلت ولا لأ. عارف إيه اللي وجعني أكتر؟ إنك كنت شايفني زعلانة، ومع ذلك ما حاولتش حتى تعرف إيه اللي مضايقني.
أنا مش بطلب منك تسيب شغلك عشاني، ولا تبقى فاضي طول الوقت. أنا كل اللي عايزاه إني أحس إن ليا مكان في حياتك، وإن وجودي بيفرق معاك، زي ما وجودك بيفرق معايا.
انا بقيت أسأل نفسي هو أنا فعلًا مش مهمة عندك؟ ولا إنت اتعودت على حبي لدرجة إنك ضمنت إني هفضل موجودة مهما عملت فيا؟
أنا بقيت أخاف أعاتبك عشان ما تختفيش عني بالشهور، وأخاف أقولك إني زعلانة عشان ما تزهقش مني. بقيت بحسب كل كلمة قبل ما أقولها، مش عشان مش عايزة أزعلك، لكن عشان خايفة أخسرك.
بس أنا كمان ليا قلب يا ميشو... بيتوجع، وبيتعب من كتر ما بيستنى.
لو إنت مش بتحبني، قولي. ولو وجودي في حياتك بقى مش فارق معاك، قولي برضه. بس متسبنيش معلقة بيك، لا عارفة أعيش معاك وأنا مطمنة، ولا قادرة أبعد عنك وأنا لسه بحبك.
إنت اتعودت على حبي لدرجة إنك نسيت تحافظ عليه... كل اللي أعرفه إني مش ماستهلش أفضل أحارب عشان أحس إني محبوبة من الشخص اللي اخترته بقلبي.
ظلت رنا تحدق في الرسالة بعد أن انتهت من كتابتها، ودموعها تتساقط على شاشة الهاتف. ترددت للحظات، ثم ضغطت على زر الإرسال، وكأنها ألقت بكل ما يثقل قلبها أمامه، منتظرةً أن يقرأه ويفهم أخيرًا ما عجزت عن قوله طوال الوقت.
وضعت الهاتف بجوارها، ثم مسحت وجهها بكفيها، وأخذت نفسًا عميقًا محاولةً استعادة هدوئها.
كان عليها أن تذاكر، فعندها امتحان لا تنتظر أحدًا، وحياة لا بد أن تستمر مهما حدث.
نهضت بصعوبة، واتجهت إلى مكتبها، ثم أخرجت كتبها وفتحت كتابها.
حدقت في السطور أمامها، وحاولت التركيز.
قرأت الفقرة الأولى مرة، ثم أعادتها مرة ثانية، لكنها لم تستوعب كلمة واحدة. كانت الكلمات تتداخل أمام عينيها، وكلما حاولت إجبار نفسها على الانتباه، عادت ذاكرتها إلى المطعم؛ إلى جلوسها أمامه وحدها، وإلى ضحكاته التي لم تكن من نصيبها، وإلى اللحظة التي أخبرها فيها أن ترحل وكأن وجودها لم يكن يعني له شيئًا.
أطبقت الكتاب بعصبية، ثم دفعته بعيدًا فوق المكتب.
— مش قادرة... مش قادرة بجد!
وضعت يديها على وجهها، وانفجرت في البكاء.
لم تعد تستطيع التظاهر بأنها بخير، ولا إقناع نفسها بأن الأمر بسيط، ولا العثور على مبرر جديد لتصرفاته.
انزلقت من على الكرسي وجلست على الأرض بجوار سريرها، ثم ضمت ركبتيها إلى صدرها، ولفت ذراعيها حول نفسها بقوة، كأنها تحاول أن تمنح نفسها الأمان الذي انتظرته منه طوال اليوم.
دفنت وجهها بين ذراعيها، وأخذت شهقاتها تتعالى رغم محاولاتها كتمها.
كانت تريد أن يرن هاتفها، أن ترى اسمه، أن تسمع صوته وهو يسألها عن حالها، أو حتى أن يرسل كلمة واحدة تخبرها أنه قرأ رسالتها وأنه فهم وجعها.
لكن الهاتف ظل صامتًا.
وفي تلك الغرفة التي لم يسمع فيها أحد بكاءها، بقيت رنا تحتضن نفسها، وتبكي على حبًا لم تعرف كيف تتخلص منه، ووجعًا لم تعد تعرف كيف تتحمله.
فهي لم تكن تريد أن تخسره... كانت تريد فقط ألا تشعر، كلما أحبته، بأنها تخسر نفسها.
