رواية الضحية الصامتة الفصل الاول1 بقلم يارا علاء الدين

رواية الضحية الصامتة 
الفصل الاول1
بقلم يارا علاء الدين
لو فتحتي بوقك هتندمي!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أول مرة فهمت إن السكوت ممكن يبقى أخطر من الكلام... كانت الساعة ١١:٤٧ بالليل.
كنت قاعدة على سريري، ماسكة الموبايل بإيد، وبالإيد التانية بضغط على طرف البطانية لدرجة إن صوابعي وجعتني.

الشاشة قدامي والرسالة لسه مفتوحة:
"لو فتحتي بوقك… هتندمي."
قريتها مرة واتنين وتلاتة.

وبعدين قفلت الموبايل بسرعة، وحطيته جنبي, مكنتش عارفة أتخطى!

الجملة اللي جاتلي في الوقت ده، فتحتي بوقك؟؟
أنا أصلًا محكيتش لحد, ولا حتى لماما, ولا لملك.
ولا لأي حد.

طب هو عرف إني كنت بفكر أحكي؟

رفعت عيني ناحية باب الأوضة, كان مقفول.
البيت هادي, ماما في أوضة إخواتي.

أخويا الصغير كان بيعيط من شوية، وأختي كانت بتذاكر.
كل حاجة طبيعية, إلا أنا.

أنا كنت حاسة إني خلاص دخلت في حفرة ومش هعرف أخرج منها تاني!

ــــــــــــــــــــــــ

اسمي سلمى, عندي ١٣ سنة، وفي تانية إعدادي.
ولو سألتني عن أكتر حاجة اتعلمتها في الـ١٣ سنة دول، مش هقولك المسئولية ولا حتى إزاي أذاكر لوحدي وأعتمد على نفسي.
هقولك:
اتعلمت إن فيه أطفال بيكبروا قبل وقتهم, وأنا كنت واحدة منهم!

من وأنا صغيرة، كنت حاسة إن في البيت ده فيه ناس أهم مني.
ماما عمرها ما قالتلي:
إنتِ مش مهمة, بس هي مكنتش محتاجة تقول.
الأطفال بيلاحظوا الحاجات اللي الكبار بيفتكروا إنهم مخبيينها.
كنت بعرف مين لو عيط، الكل هيجري عليه.
ومين لو اتأخر خمس دقايق، ماما تفضل واقفة عند الشباك مستنياه.
ومين لو تعب، بابا ياخد إجازة من الشغل عشانه.
وكنت بعرف أنا فين وسط كل ده.
"في النص… بس محدش شايفني."
ماما كانت دايمًا بتقول:
"سلمى، إنتِ الكبيرة."
في الأول كنت بحب الكلمة, كنت فاكرة إن الكبيرة يعني ليها مكانة وغلاوة مش زي أي حد.
بس بعد شوية فهمت معناها الحقيقي.
الكبيرة دي يعني:
خلي بالك من أخوك.
ساعدي أختك.
استحملي.
متزعليش.
مينفعش تتعبي.
ومتعمليش مشكلة.

ومع الوقت بقيت بعمل كل ده من غير ما حد يطلب.
مش عشان أنا شاطرة, لكن عشان اتعودت.
أنا فيه موقف عمري ما هنساه لإنه ساب أثر كبير فيا.
في يوم رجعت من المدرسة وأنا فرحانة بشكل مش طبيعي.
كنت اتكرمت من المس في الفصل عشان الطالبة المثالية
يمكن بالنسبة لحد تاني الموضوع عادي مش كبير يعني.
لكن بالنسبة لي كان إنجاز!
دخلت البيت بسرعة، وفضلت أدور على ماما.
لقيتها قاعدة على الأرض جنب أخويا الصغير، بتحاول تأكله.
قولتلها:
"ماما."
قالت من غير ما تبصلي:
خير؟
قولتلها بكل فرحتي:
أنا طلعت الطالبة المثالية واتكرمت كمان.
استنيت.....
يمكن تقول برافو.
يمكن تاخدني في حضنها.
يمكن حتى تبصلي بصة مختلفة غير النظرة اللي متعوداها منها .
لكنها قالتلي بدون تركيز:
"طيب غيري هدومك وتعالي ساعديني إنتي شايفة أنا ورايا أد إيه!
مشيت, ودخلت أوضتي من غير ما أقول غير كلمة:
حاضر.
ومن يومها تقريبًا، بطلت أستنى حاجة!
موقف صغير عدا عليه سنين بس عمري مانسيته.
----------------------

لكني في المدرسة، كنت شخص تاني.
هناك كان فيه ناس بتلاحظني.
مدرسة العربي كانت دايمًا تقول:
"إنتِ شاطرة يا سلمى، بس محتاجة تثقي في نفسك."
كنت ببتسم كل مرة, مش عشان الجملة كبيرة
لكن عشان كانت بتقولها وهي بصالي.
كانت شايفاني, وده كان كفاية.
مش مدرسة العربي بس لكن كل المدرسات تقريبًا كانوا شايفين إني متفوقة ومختلفة عن باقي زمايلي.
كنت هناك بحس إحساس عمري ما حسيته في بيتنا, عشان كده كنت بحب المدرسة جدًا.
وأقرب واحدة ليا كانت ملك, ملك كانت عكسّي تمامًا.
بتتكلم كتير, بتضحك كتير, ليها أصحاب كتير, وكانت دايمًا بتخليني معاها فبعتبرهم صحابي أنا كمان.
والحاجة الوحيدة اللي كنت مستغرباها منها, إنها لو زعلت أو حاجة ضايقتها أوي، بتروح تحكي لمامتها!
لحد ما في مرة سألتها:
"إنتِ بتحكي لمامتك كل حاجة؟"
قالتلي:
"آه، ماما صاحبتي لازم أقولها كل حاجة , زي ما انتي صاحبتي وبحكيلك كل حاجة.
ضحكت وقتها, وقولتلها:
غريبة.
لكن الحقيقة؟
كنت بتمنى أبقى غريبة زيها, بس طبعًا ده مستحيل.
------------------

لما بدأنا تانية إعدادي، كنا بنظبط الدروس ومواعيدها أنا وملك, وهي
قالتلي إن مدرس العربي، مستر خالد، ممكن يشرح لنا في بيتها بدل السنتر.
وافقت, على الأقل ملك بيتها قريب مني, ومش هضطر أروح السنتر بتاع المستر ده وأبقى وفرت شوية وقت ومجهود.

أول مرة في درس العربي كانت عادية جدًا.
المستر شرح وحلينا.
ضحكنا شوية.
ومشي.
كنت مرتاحة للمستر أوي, عشان حسيتها بداية جميلة مفيهاش ضغط علينا زي الباقيين, وملك كمان كانت شايفة كده.
بس مرة في مرة.
بدأت ألاحظ حاجات صغيرة...
نظرات أطول من اللازم.
أسئلة شخصية ملهاش علاقة بالدرس.
طريقة كلام مختلفة لما ملك تخرج من الأوضة.
وفي مرة، قاللي:
إنتِ ساكتة ليه دايمًا؟
قلت:
عادي.

ابتسم وقالي:
بس إنتي مش عادية.
ابتسمت,عشان مكنتش عارفة أقول إيه, لكنها مكنتش أول جملة, كان في غيرها كتير, جمل معرفش إزاي بيقولها بتبقى في وقتها وبتلمس حاجة جوايا.

حصة في حصة والمستر بقى بيهتم بيا أنا بشكل مختلف, معرفش أنا اللي كنت شايفة كده ولا ملك كمان كانت شايفة كده, بس أنا مقدرتش أسألها , لإني عمري ما هتكلم مع حد حتى لو ملك في حاجة زي دي.

لكن.....

الموضوع موقفش على الكلام بس, الموضوع بقى بيتطور كل مرة, لحد ما بدأت أتمنى إن الدرس يخلص بسرعة.
وبقيت أتحجج بأي سبب عشان ملك تفضل قاعدة معايا.
كنت حاسة بحاجة غلط, بس مكنتش عارفة أسميها.
ويمكن دي كانت المشكلة الأكبر.
-------------

في اليوم اللي حصل فيه أول موقف خلاني أخاف بجد، ملك قامت تدخل المطبخ, وطولت شوية أكتر من كل مرة, فضلت أنا وهو في الأوضة.
رفع عينه من الكتاب وبصلي وقال:
إنتِ خايفة مني؟
قلبي دق بسرعة.
قولتله :
لأ.
أمال بتبعدي عني ليه؟ قربي متخافيش.
بصيت ناحية الباب, ملك كانت لسه في المطبخ.
قالي وهو بيقرب مني:
إنتي جميلة أوي يا سلمى ومميزة, وبدأ يعمل حاجات خلتني أخاف منه أوي, حاجات وحشة!
ولما ملك رجعت، رجع هو يتكلم عن الدرس كأن مفيش حاجة حصلت.
وده كان أكتر شيء خوّفني, إنه كان قادر يتصرف طبيعي جدًا,
كأن خوفي أنا هو الحاجة الغريبة.
--------------

رجعت البيت اليوم ده وأنا ساكتة, ماما كانت بتذاكر لأختي نورا,
وقفت عند باب الأوضة وقولتلها:
ماما…
رفعت عينها وقالتلي:
خير؟
فتحت بوقي, كنت هقولها, كنت هقول كل حاجة.
لكن خوفت. أكيد مش هتصدقني.
أكيد هضطر أشرح, وأثبت, وأحكي.
ويمكن في الآخر تقول:
إنتِ فهمتي غلط.
أو:
إنتي اللي غلطانة.
فرديت وقتها وقولت:
ولا حاجة, هروح أغير هدومي.
ماما رجعت للمذاكرة تاني وقالتلي:
بسرعة وتعالي ورانا حاجات كتير.
قولت:
"حاضر."
ومشيت.
حاضر.
الكلمة اللي كنت بقولها طول عمري, من غير تردد!
ـــــــــــــــــــــــ

اليوم ده الساعة ١١:٤٧ بالليل…
وصلتني الرسالة.
لو فتحتي بوقك… هتندمي.
ومن اللحظة دي، لأول مرة بدأت أسأل نفسي:
هو أنا فعلًا لوحدي؟
ولا في حد ممكن يصدقني؟
بصيت للموبايل مرة تانية.
فتحت المحادثة وكتبت :
حاضر.
لإني معرفش كلمة غيرها !
بس اللي حصل بعد كده كان
تعليقات



<>