
رواية هي كده القصل الخامس عشر بقلم ابتسام محمود الصيري
مرّ أسبوعان دون تغيير يُذكر؛ ظلّت رنا معلّقة بحبٍّ لا تعرف كيف تتخلى عنه، بينما استمرّ ميشو في منحها من الاهتمام ما يكفي لإبقائها قريبة، ثم الانشغال عنها متى شاء.
أما عبدالله، فكان يحاول التأقلم مع غياب تبارك، لكنه لم ينجح. ظلّ يشتاق إليها في صمت، ويحترم المسافة التي فرضتها بينهما، رغم أنه لم يفهم سببها، وخشي أن تؤدي محاولاته للاقتراب منها إلى إبعادها أكثر.
وفي المقابل، كانت تبارك تخوض معركتها وحدها؛ تخفي خلف هدوئها خوفًا لا تستطيع البوح به، وتبتعد عمّن تمنّت الاقتراب منه، ظنًّا منها أن المسافة قد تحميه من ماضيها. وبينما كانت تحاول إنقاذ رنا من حبٍّ يؤذيها، لم تكن تعرف كيف تنقذ نفسها من خوفٍ يحرمها حتى من حقها في السعادة.
⸻
ذهبت سارة إلى تبارك لتساعدها في البحث عن أي دليل قد يُبعد رنا عن ميشو، ويجعلها ترى حقيقته التي ترفض تصديقها.
كانت تبارك تجلس أمام حاسوبها، تتنقل بين الملفات والبرامج، بينما جلست سارة إلى جوارها تراقب ما تفعله بدهشة. وبعد دقائق، لم تستطع كتمان فضولها، فسألتها:
— هو إنتِ عرفتي كل ده إزاي؟
توقفت أصابع تبارك عن الحركة. ظلت تنظر إلى الشاشة للحظات، وكأن السؤال أعادها إلى سنوات لم تكن تحب تذكّرها، ثم أطلقت زفرة طويلة وقالت:
— أنا ما عرفتش... أنا اتعلمت. أخدت كورسات كتير، ودفعت فيها فلوس مش قليلة، واشتريت كذا برنامج تتبّع وتحليل، وكل واحد فيهم كان بالدولار.
اتسعت عينا سارة.
— بس أنا سمعت إن البرامج دي غالية أوي!
التفتت إليها تبارك، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة.
— وإنتِ ورنا أغلى حاجة عندي.
تأثرت سارة بكلماتها، لكنها لم تستطع تجاهل السؤال الذي ظل يلح عليها.
— طب وليه أصلًا؟ ليه تعبتي نفسك في كل ده؟ وإيه اللي خلاكي تدخلي المجال ده من الأساس؟
اختفت الابتسامة عن وجه تبارك.
صمتت طويلًا، وانشغلت عيناها بشيء لا تراه سارة. مرّت أمامها ذكريات موجعة، واحدة تلو الأخرى، حتى بدا وكأنها تحاول إغلاق باب قديم اندفع فجأة ليفتح من تلقاء نفسه.
وحين تكلمت، خرج صوتها جامدًا على غير عادتها:
— عايزة تعرفي؟
أومأت سارة دون تردد.
— آه، عايزة أعرف.
نظرت إليها تبارك نظرة طويلة، ثم قالت بصوت خافت:
— أنا جوايا سر كبير يا سارة. سر طول عمري بخبيه، مش عشان خايفة على نفسي... لكن عشان محدش تاني يتأذى بسببي.
ترددت لحظة، قبل أن تضيف بنبرة أكثر قسوة:
— أما ليه دخلت المجال ده، فلأني عايزة أعرف كل حاجة عن الناس اللي أذوني... وأجمع الأدلة اللي تخليني أقدر أنتقم منهم، كل واحد فيهم على قد اللي عمله.
تبدلت ملامح سارة. لم تكن تتوقع أن تسمع منها كلامًا كهذا، ولم تعرف إن كان عليها أن تسأل أكثر أم تترك لها المساحة لتكمل.
اقتربت منها قليلًا وقالت برفق:
— خدي نفسك يا تبارك... واتكلمي براحتك. أنا معاكي.
هزت تبارك رأسها نافية.
— مش دلوقتي. لسه مش قادرة أحكي كل حاجة، ويمكن ييجي يوم وأقولك كل اللي حصل. بس دلوقتي، أنا ما عنديش حد أقدر أأتمنه على الورق ده غيرك.
فتحت درجًا بجوارها، وأخرجت مجموعة كبيرة من الأوراق والملفات، بعضها قديم، وبعضها يحمل ملاحظات بخط يدها. وضعتها أمام سارة، ثم دفعتها نحوها.
— عايزاكي تاخديهم وتحطيهم في خزنة أمانات في أي بنك. خزنة محدش يعرف عنها حاجة، ولازم تحتفظي بالمفتاح بعيد عن أي حد. والأهم... ما تحاوليش تعرفي اللي جواهم دلوقتي.
ترددت سارة قبل أن تمد يدها إلى الملفات.
— كل ده؟ إنتِ متأكدة إنك عايزاني أنا اللي أشيلهم؟
— أيوه، متأكدة.
— طب لو حد عرف إن الورق ده معايا؟
ثبتت تبارك عينيها عليها.
— عشان كده بقولك تحافظي عليه كويس. كل ورقة من دول وراها حكاية، وأنا ما جمعتهمش في يوم وليلة. كل ورقة دفعت تمنها ذل وإهانة ووجع... ومش مستعدة أخسرهم بعد كل السنين دي.
شعرت سارة بثقل الملفات بين يديها، رغم أنها لم تفتح واحدًا منها. لم تكن تعرف ما الذي تحتويه، ولا لماذا احتاجت تبارك إلى كل هذا الوقت والجهد لجمعها، لكنها بدأت تدرك أن الأمر أكبر بكثير مما تخيلت.
كانت تشعر وكأنها تحمل شيئًا خطيرًا، لغمًا لا تعرف متى سينفجر، لكنها تعرف أن عليها ألا تخطئ في التعامل معه.
أما تبارك، فقد وضعت ثقتها فيها كاملة، وكانت سارة تعرف أن خذلانها لن يكون مجرد خطأ عابر، بل ربما يجعل تبارك تندم على أنها سمحت لأي شخص بالاقتراب من أسرارها.
شدّت سارة الملفات إلى صدرها، وقالت بجدية لم تعهدها تبارك منها كثيرًا:
— متقلقيش. مش هفتحهم، ومش هتكلم عنهم مع أي حد. هحافظ عليهم زي ما طلبتي بالظبط.
أومأت تبارك، وكأنها كانت تنتظر منها هذه الكلمات تحديدًا.
وقبل أن تتمكن سارة من سؤالها عن أي شيء آخر، رن هاتف تبارك.
نظرت إلى الشاشة.
وفي لحظة، انقبض قلبها.
كانت رسالة قصيرة، لكنها كافية لتبدّل ملامحها تمامًا:
«أنا في الغردقة».
شحب وجهها، وتيبست أصابعها حول الهاتف.
لاحظت سارة تغيرها فورًا، فوضعت الملفات جانبًا واقتربت منها.
— في إيه يا تبارك؟
أغلقت تبارك الهاتف بسرعة، ثم حاولت أن ترسم ابتسامة لم تصل إلى عينيها.
— بابا راجع.
ساد الصمت لثوانٍ.
كانت سارة تعرف جيدًا ما يعنيه رجوع الشيخ سالم. ففي كل مرة يعود فيها، تتغير تبارك؛ تختفي خفتها القليلة، وتنكمش على نفسها، وتتحول إلى فتاة تحسب خطواتها وكلماتها، كأنها تخشى أن يصدر عنها أي شيء قد يغضبه.
نهضت سارة بهدوء، وبدأت تجمع أغراضها.
— خلاص، أنا همشي بقى.
أمسكت تبارك بيدها بسرعة، وكأنها لم تستطع منع نفسها من ذلك.
— اقعدي شوية كمان.
ابتسمت سارة بحزن، ثم احتضنتها.
— يا ريت والله، بس إنتِ عارفة إنه مش بيحب حد يكون موجود لما يرجع.
أغمضت تبارك عينيها داخل حضنها، ولم تقل شيئًا. اكتفت بالتشبث بها للحظات، وكأنها تحاول أن تستمد منها بعض القوة قبل أن تواجه ما ينتظرها.
ربتت سارة على ظهرها، ثم همست في أذنها:
— أول ما يمشي، هجيلك تاني. حتى لو نص الليل، هتلاقيني عندك.
ابتعدت تبارك قليلًا، ومسحت أثر الدموع التي تجمعت في عينيها، ثم قالت:
— ماشي... بس أوعي في أي وقت تكلميني عن الورق ده في التليفون. ولا حتى تلمحي له.
— متقلقيش. الورق ده في عيني، يا تبارك. إنتِ بس خلي بالك من نفسك.
أومأت تبارك، لكنها لم تبدُ مطمئنة تمامًا.
خرجت سارة، وقبل أن تغلق الباب، التفتت إليها مرة أخيرة.
كانت تبارك واقفة في منتصف الصالة، تحدق في الباب المفتوح، وملامحها ساكنة على نحو مؤلم.
تنهدت سارة في صمت.
كانت قد أخذت منها أوراقًا كثيرة، لكنها لم تعرف شيئًا عن محتواها، ولم تفهم بعد ما الذي جعل تبارك تجمعها طوال تلك السنوات. وكلما تذكرت نبرة صوتها وهي تتحدث عن ثمن كل ورقة، ازداد قلقها.
أغلقت الباب خلفها، وغادرت وهي تشعر أن صديقتها تخفي جرحًا أكبر بكثير مما تتخيل.
أما تبارك، فبقيت وحدها.
لم تعد تفكر في الأوراق، ولا في الأدلة التي كانت تجمعها من أجل رنا. كل ما شغلها الآن هو الرسالة القصيرة التي وصلتها.
أبوها في طريقه إلى البيت.
نظرت إلى الساعة، ثم اتجهت إلى غرفتها، وأخذت تراقب الطريق المؤدي إلى الفيلا من خلف النافذة.
كانت الشمس تميل نحو الغروب، وتصبغ السماء بدرجات برتقالية هادئة، لكن قلبها لم يعرف الهدوء.
مرّت دقائق ثقيلة، حتى اخترق سكون المكان صوت محرك سيارة تعرفه جيدًا.
توقفت سيارة سوداء أمام الفيلا.
ارتجفت أطراف أصابعها، وتراجعت خطوة عن النافذة.
نزل الشيخ سالم من السيارة بهيبته المعتادة؛ ثوبه الأبيض الناصع، وبشته الأسود المطرز بخيوط ذهبية، وساعته الفاخرة التي لا تفارق معصمه. كان يبدو أنيقًا ووقورًا كما يراه الناس، لكن تبارك لم تكن ترى في عودته سوى بداية أيام عليها أن تحسب فيها كل كلمة وكل حركة.
دخل الشيخ سالم الفيلا.
كانت تبارك تنتظره في الصالة، ورأسها منخفض، ويداها متشابكتان بقوة حتى ابيضّت أطراف أصابعها.
دخل دون أن يلقي السلام، ولم تنطق هي بحرف.
مرّ بجوارها بخطوات ثابتة، ثم توقف فجأة، وأدار رأسه نحوها. تفحصها من أعلى إلى أسفل، كأنه يبحث عن شيء تغير فيها خلال غيابه.
سألها بصوت هادئ، لكنه لم يمنحها شعورًا بالأمان:
— المدرسة خلصت؟
أجابته بسرعة:
— أيوه.
— والنتيجة؟
— لسه منزلتش.
هز رأسه مرة واحدة، ثم خلع ساعته ووضعها فوق الطاولة.
— من النهارده، مفيش خروج إلا بإذني.
ابتلعت تبارك ريقها.
— حاضر.
— ومفيش مبيت عند حد.
— حاضر.
— والعربية مش هتتستخدم إلا للضرورة.
— حاضر.
كان يضيف قانونًا جديدًا، وهي لا تملك إلا الكلمة نفسها. لم تحاول الاعتراض، ولم تسأله عن سبب قراراته؛ فقد تعلمت أن السؤال أحيانًا قد يكون أسوأ من الخطأ نفسه.
رفع بصره إليها أخيرًا، وأطال النظر في وجهها.
— إنتِ شكلك اتغير.
ارتبكت، لكنها حاولت أن تحافظ على ثبات صوتها.
— اتغير إزاي؟
اقترب خطوة، ثم قال بلهجة تقريرية:
— جسمك زاد.
تجمدت ملامحها للحظة، قبل أن تجيبه:
— هعمل دايت.
ظل يراقبها لثوانٍ، ثم أدار ظهره وكأنه اكتفى بإجابتها.
— كويس إنك فاهمة.
واتجه إلى الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي.
راقبته تبارك حتى بدأ يصعد، ثم جمعت شجاعتها ونادته:
— بابا...
توقف، والتفت إليها بنظرة جعلتها تتردد قبل أن تكمل.
— هااا؟
خفضت عينيها قليلًا، وقالت بحذر:
— بعد إذنك، كنت محتاجة طقم دهب جديد أحضر بيه فرح واحدة صاحبتي؟
نظر إليها للحظات، ثم هز رأسه بلا اهتمام كبير.
— اختاري اللي إنتِ عايزاه، وابعتي لمحل برينسيسة الدهب.
رفعت تبارك عينيها إليه، تخفي دهشتها من موافقته السريعة.
— حاضر. شكرًا يا بابا.
لم يرد، واكتفى بمواصلة صعوده حتى اختفى في الطابق العلوي.
أغمضت تبارك عينيها، وأخرجت أنفاسها دفعة واحدة، كأنها كانت تحبسها طوال الحديث.
جلست على الأريكة، وأسندت ظهرها إليها، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة لم تكن تشبه ابتساماتها المعتادة.
لم يكن الأمر فرحًا حقيقيًا، بل ارتياحًا لأنها اجتازت عودته الأولى دون أن يمنحها سببًا مباشرًا للعقاب.
كانت تعرف أن موافقته السريعة لا تعني أنه متساهل معها، ولا أنها أصبحت حرة في اتخاذ قراراتها. فالشيخ سالم يحب أن يشعرها بأنها تحتاج إليه، وأن كل ما ترغب فيه لا بد أن تطلبه منه، حتى تظل مدركة أن ما تحصل عليه ليس حقًا تختاره بنفسها، بل شيء يمنحه لها هو متى شاء.
حتى الأشياء التي يستطيع الموافقة عليها بسهولة، يحرص على أن تمر من خلاله، ليبقى صاحب القرار والكلمة الأخيرة.
نظرت نحو الدرج الذي صعد منه، ثم عادت ببصرها إلى هاتفها الموضوع فوق الطاولة.
كانت تعرف أن موافقته على طقم الذهب لا تعني أنها أصبحت حرة، وأن هدوءه اليوم لا يضمن هدوءه غدًا.
لكنها، هذه المرة، نجحت في أن تمر من الموقف دون أن تثير غضبه أو تمنحه سببًا للتشكيك في تصرفاتها.
نهضت واتجهت إلى غرفتها، وهي تدرك أن النجاة من الشيخ سالم لا تحتاج دائمًا إلى المواجهة؛ أحيانًا، يكفي أن تعرف متى تتكلم، وماذا تخفي، وكيف تتصرف دون أن تمنحه فرصة لاستخدام كل شيء ضدها.
⸻
أخيرًا، وبعد محاولات كثيرة لتبرير تصرفات ميشو، قررت رنا أن تتوقف عن الصمت. فتحت محادثته، وظلت تكتب وتمسح، حتى استقرت على رسالة عبّرت فيها عن كل ما عجزت عن قوله له وجهًا لوجه.
أرسلتها، ثم بقيت تحدق في الشاشة تنتظر ظهوره.
رنا:
«أنا محتاجة أكون صريحة معاك... بقالي فترة حاسة إن التواصل بينا مش مريح. إنت بتقرب وقت ما تحب، وتبعد وقت ما تحب، وساعات كتير بتحسسني إني مجرد حد بتلجأ له وقت فراغك، مش حد ليه مكان ثابت في حياتك.
أنا مش بلومك على ظروفك ولا على انشغالك، بس اللي بينا محتاج اهتمام من الطرفين، مش مجرد كلام حلو وقت ما تكون فاضي. الحب لوحده مش كفاية، لازم يكون فيه احترام للوقت والمشاعر كمان.
أنا تعبت من الانتظار، ومن الرسائل اللي بتتأخر بالساعات، ومن إحساسي الدائم إني مش أولوية عندك. لو إنت مش قادر تكون موجود في حياتي بشكل واضح وثابت، يبقى لازم نكون صريحين مع بعض.
أنا بحبك، بس مش هقدر أفضل مكملة بنفس الطريقة دي».
ما إن أرسلت الرسالة حتى شعرت بالتوتر، ووضعت الهاتف بجوارها، محاولةً ألا تظل أسيرة الشاشة. لكنها لم تستطع الصمود طويلًا؛ فبعد أقل من دقيقة، التقطته من جديد.
ظهر اسم ميشو:
— إيه الدنيا معاكي؟
رمشت رنا بدهشة. كانت تتوقع أن يتجاهل رسالتها كعادته، أو أن يتركها لساعات قبل أن يرد، لكنه هذه المرة أجاب فورًا، وكأن شيئًا لم يحدث.
كتبت:
— تمام.
لم تمر لحظات حتى وصلتها رسالته التالية:
— طب تعاليلي البيت شوية، عايز أشوفك. بس من غير ما حد يعرف إنك جاية.
توقفت أصابعها فوق الشاشة.
لم يكن هذا الرد الذي انتظرته. كانت تريد منه أن يناقشها، أن يسألها عن سبب ضيقها، أو حتى أن يعترف بأنه أخطأ في حقها. لكنه تجاوز كل ما كتبته، وكأن رسالتها لم تكن سوى مقدمة لحديث عابر.
ومع ذلك، لم تستطع منع ابتسامتها من الظهور.
لقد طلب رؤيتها بنفسه!
عادت تقرأ رسالته، ثم أجابته بسرعة:
— ماشي، هاجيلك.
استعدت رنا للخروج، واختارت ملابسها بعناية، ثم غادرت وهي تحاول إقناع نفسها بأن ميشو أراد رؤيتها لأنه اشتاق إليها، وأنه ربما سيفسر لها كل شيء هذه المرة.
لكن قبل أن تصل إلى شقته، رن هاتفها وظهر على الشاشة اسم ميشو.
أجابت على الفور:
— أيوه يا ميشو، أنا قربت أوصل.
جاءها صوته مستعجلًا:
— بصي يا رنا، جالي قرايبي من البلد، ولسه قاعدين معايا. مش هينفع نتقابل دلوقتي.
توقفت عن السير.
— طب ما إنت اللي قايل لي أجيلك!
— عارف يا حبيبتي، بس أعمل إيه؟ هما جم فجأة. أول ما يمشوا هكلمك، ماشي؟
سكتت قليلًا، ثم سألته:
— يعني أرجع؟
— أيوه، معلش. أول ما ينزلوا هكلمك.
أنهى المكالمة بعد كلمات قليلة، تاركًا إياها في منتصف الطريق، لا تعرف ماذا تفعل.
ظلت تنظر إلى هاتفها، تنتظر أن يتصل مرة أخرى، أو يرسل رسالة يعتذر فيها عن الموقف. لكنها لم تتلقَّ شيئًا.
وبدلًا من العودة إلى منزلها، اتصلت بسارة وسألتها إن كانت تستطيع زيارتها.
لم تحتج سارة إلى سماع التفاصيل كاملة حتى تعرف أن شيئًا حدث. فتحت لها الباب، وما إن رأت وجهها حتى تنحت جانبًا لتدخل.
— ادخلي يا ستي، واقفة على الباب ليه؟ هو أنا هطلب منك إثبات شخصية؟
حاولت رنا الابتسام، لكنها لم تستطع إخفاء ضيقها. جلستا في غرفة سارة، وسرعان ما سألتها الأخيرة:
— مالك؟ مش إنتِ كنتِ خارجة؟
نظرت رنا إلى هاتفها.
— كنت رايحة لميشو، وهو اللي قالي أجيله.
— طب وإيه اللي حصل؟
— قالي إن قرايبه جم من البلد، وإنه أول ما يمشوا هيكلمني.
رفعت سارة حاجبها.
— وصدقتيه؟
التفتت إليها رنا بضيق.
— هو أنا المفروض أكذبه في إيه؟ ما يمكن فعلًا قرايبه جم فجأة.
— يا حبيبتي، أنا ما قلتش إنه بيكدب. أنا بس بطمن عليكي.
لم تجب رنا.
نظرت سارة إلى الهاتف في يدها، ثم عادت تنظر إليها.
— رنا، أنا مش عايزة أضايقك، بس إنتِ لسه من شوية كنتِ بتقولي إنك تعبتي من إنه يقرب ويبعد بمزاجه. أول ما بعتلك كلمتين، نسيتي كل اللي كنتِ عايزة تقوليه؟
انكمشت رنا في جلستها، ثم قالت بصوت خافت:
— أنا كنت فاكرة إنه عايز يشوفني فعلًا.
هدأت ملامح سارة، ومدت يدها تمسك يد صديقتها.
— وأنا مش بقول إنه ما كانش عايز يشوفك. بس إنتِ كمان ليكي حق تعرفي هو عايز إيه منك، مش تفضلي مستنية على أمل إنه يوضّحلك لوحده.
خفضت رنا رأسها، وأخذت تقلب هاتفها بين يديها.
— قال إنه هيكلمني.
لم ترد سارة هذه المرة. اكتفت بأن اقتربت منها وأسندت رأس رنا إلى كتفها.
مر الوقت، وتحدثتا في أمور متفرقة، وحاولت سارة أن تشغلها عن متابعة الهاتف كل دقيقة. لكن كلما أضاءت الشاشة، كانت رنا تلتفت إليها سريعًا، ثم تعود إلى صمتها حين لا تجد اسم ميشو.
حلّ المساء، ولم يتصل.
وقبل أن تغادر رنا، سألتها سارة:
— هتروحي البيت دلوقتي؟
— آه.
— طب أول ما توصلي ابقي طمنيني.
أومأت رنا، ثم احتضنتها وغادرت.
وفي طريق عودتها، فتحت محادثة ميشو للمرة الأخيرة. لم تجد رسالة جديدة، ولم تكن هناك مكالمة فائتة.
كتبت له: «إنت مش قلت هتكلمني؟»
ظلت تنظر إلى الجملة قليلًا، ثم مسحتها قبل أن ترسلها.
لم تكن تريد أن تعود إلى الدور نفسه؛ دور الفتاة التي تسأل وتنتظر، بينما الطرف الآخر لا يكلف نفسه عناء التوضيح.
وضعت الهاتف في حقيبتها، وأكملت طريقها، لكنها، حتى تلك اللحظة، لم تفقد الأمل في أن يرن هاتفها.
⸻
على الجانب الآخر من المدينة، كان عبدالله يجلس داخل سيارته أمام البحر.
كانت الأمواج تتكسر على الشاطئ، والناس يتفرقون مع تقدم الليل، لكنه لم ينتبه إلى شيء من حوله. كان هاتفه في يده، ومحادثته مع تبارك مفتوحة أمامه.
عاد إلى آخر رسالة أرسلها إليها قبل أسبوعين:
«وحشتيني يا تبارك... نفسي أسمع صوتك، حتى لو لدقيقة واحدة. مش هضغط عليكي ولا هطلب منك تردي عليّا، بس طمنيني إنك كويسة. ❤️»
لم تُفتح الرسالة حتى الآن.
مرر إصبعه فوق الشاشة، ثم انتقل إلى الرسائل السابقة، يتأمل محاولاته التي لم يتلقَّ عنها أي رد.
أغلق الهاتف ووضعه بجواره.
— كفاية كده يا عبدالله.
قالها لنفسه، ثم سكت قليلًا قبل أن يلتقط هاتفه مرة أخرى.
كان قد حاول احترام رغبتها في الابتعاد، لكنه لم يستطع تجاهل ما حدث في آخر لقاء بينهما. لم تكن تبارك غاضبة منه، على الأقل لم تبدُ كذلك؛ كانت خائفة من شيء لم يفهمه، وتطلب منه الرحيل وكأن بقاءه قد يعرّضها للخطر.
لم يعرف إن كان ذهابه إليها سيحل شيئًا أم يزيد الأمر تعقيدًا، لكنه أراد أن يطمئن عليها بنفسه.
أدار محرك السيارة، واتجه إلى الفيلا.
كان الليل قد أرخى ستاره على المدينة حين توقفت سيارة عبدالله أمام الفيلا. بقي جالسًا خلف المقود لحظات، يتأمل المكان الذي لم يزره منذ آخر مرة أوصل فيها تبارك إلى منزلها.
لم يكن يعرف كيف ستستقبله، ولا إن كانت ستوافق حتى على الحديث معه، لكنه قرر ألا يطيل الوقوف. نزل من السيارة، وتوجه إلى البوابة، ثم ضغط جرس الباب.
انتظر، ولم يفتح أحد. ضغط الجرس مرة ثانية، ثم تراجع خطوة وهو يتفحص المكان. وقبل أن يضغطه للمرة الثالثة، انفتح الباب أخيرًا.
كانت تبارك في غرفتها حين سمعت الجرس. تعجبت ممن يأتي في هذا الوقت، فنزلت مسرعة، ثم توقفت أمام شاشة الكاميرا المثبتة بجوار الباب. وما إن ظهر وجه عبدالله حتى تجمدت في مكانها.
— عبدالله...
نظرت خلفها باتجاه الدرج، ثم عادت إلى الشاشة. لم تكن تعرف إن كان سالم في غرفته أم لا، ولم تستطع المخاطرة بأن يراه أحد أمام الباب.
رن الجرس مجددًا. أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحت الباب بقدر يسمح لها بالوقوف خلفه دون أن تكشف نفسها بالكامل.
رفع عبدالله رأسه، وما إن رآها حتى تبدلت ملامحه.
— تبارك...
توقف، وكأنه لم يعرف من أين يبدأ، ثم قال بارتياح واضح:
— إنتِ بخير.
لم تجبه. اكتفت بالنظر إلى الطريق خلفه، ثم إلى المدخل الداخلي للفيلا، قبل أن تعود بعينيها إليه.
لاحظ عبدالله ارتباكها، فاختفت ابتسامته تدريجيًا.
— مالك؟ في حاجة؟
خرج صوتها منخفضًا ومتسرعًا:
— امشي يا عبدالله.
لم يفهم ما سمعه.
— إيه؟
— لو سمحت، امشي.
رفع يديه قليلًا، محاولًا تهدئتها.
— حاضر، بس استني. أنا مش جاي أضايقك، أنا بس كنت عايز أطمن عليكي. بقالك فترة مش بتردي على رسايلي، ومش عارف أوصلك.
— أنا كويسة.
— طب ليه مش بتردي؟
أشاحت بوجهها، ولم تجب.
انتظر لحظات، ثم سألها بهدوء:
— أنا عملت حاجة ضايقتك يا تبارك؟
هزت رأسها نافية.
— لأ.
— طب إيه اللي حصل؟ إنتِ مش عايزة تشوفيني، ولا مش عايزة تتكلمي معايا؟ قوليلي بس عشان أفهم.
تعلقت عيناها به للحظة. كان السؤال الذي تخشاه هو نفسه الذي لم تستطع أن تجد له إجابة تستطيع قولها.
لم تكن تريد أن تجرحه، لكنها كانت تخشى أكثر أن يراه سالم، أو أن يكتشف يومًا ما تحاول إخفاءه عنه وعن الجميع.
همست:
— عبدالله، أرجوك... متجيش هنا تاني.
صمت. لم يرفع صوته، ولم يسألها لماذا تعامله بهذه الطريقة. نظر إليها طويلًا، محاولًا أن يفهم ما إذا كانت تتحدث عن رغبتها فعلًا أم أنها تخفي سببًا آخر.
قال أخيرًا:
— أنا مش هاجي تاني لو ده اللي إنتِ عايزاه. بس كنت أتمنى أعرف السبب.
تحركت شفتاها، لكنها لم تستطع الرد.
نظر عبدالله إلى وجهها الشاحب، ثم إلى أصابعها التي كانت تقبض على طرف الباب بقوة. لم يبدُ عليه أنها تحاول إخفاء غضب؛ كان هناك شيء آخر، شيء جعلها تتلفت حولها أكثر من مرة منذ أن رأته.
خفض صوته وسألها:
— إنتِ خايفة من حاجة؟
اتسعت عيناها، وأسرعت تقول:
— لأ... بابا جوه.
توقف عبدالله للحظة، ثم قال:
— وفيها إيه؟ كويس إنه جوه، عشان أنا عايز أتكلم معاه.
تغيرت ملامحها على الفور، وازداد ارتباكها.
— بالله عليك، امشي دلوقتي... أرجوك يا عبدالله.
تأملها طويلًا، ثم أدرك أن إصراره على البقاء لن يجعلها تتحدث، بل ربما يزيد خوفها. أومأ ببطء وقال:
— حاضر يا تبارك. همشي.
ثم أضاف بعد لحظة، بصوت هادئ يخفي وراءه الكثير من الحيرة:
— بس أنا مش فاهم إيه اللي حصل، ولا ليه بتبعدي عني وبتصديني بالشكل ده. كل اللي عايزه فرصة نتكلم فيها، وتفهميني إيه اللي اتغير. أنا مش طالب منك أي حاجة تانية، ومش هضغط عليكي، بس نفسي أفهم.
لم تستطع أن ترفع عينيها إليه.
انتظر قليلًا، كأنه يمنحها فرصة لتقول شيئًا، لكنها ظلت صامتة.
أكمل:
— أنا همشي دلوقتي، وهحترم رغبتك ومش هاجي تاني من غير ما تكوني عايزة ده. بس أتمنى توافقي نتقابل بكرة ونتكلم بهدوء. مش عشان أغيّر رأيك، ولا عشان أضغط عليكي... عشان أفهم بس. ولو مش مستعدة، مش هاجبرك.
لم تجبه.
كان عبدالله يريد أن يسمع منها كلمة واحدة، أي كلمة تخبره أنه لم يكن مخطئًا في إحساسه بأن وراء ابتعادها سببًا أكبر من مجرد رفضه. لكنه لم يجد سوى صمتها وخوفها الذي لم تستطع إخفاءه.
أخذ نفسًا عميقًا، وقال آخر كلمة قبل أن يمشي:
— خلي بالك من نفسك يا تبارك.
استدار عبدالله، وعاد إلى سيارته بخطوات هادئة. فتح الباب، ثم توقف قبل أن يركب والتفت نحو الفيلا.
كانت تبارك لا تزال واقفة خلف الباب المفتوح، تراقبه بصمت.
لم يلوّح لها، ولم يحاول العودة إليها. اكتفى بنظرة أخيرة، ثم ركب السيارة وغادر.
ظلت تبارك تتابع أضواء سيارته حتى اختفت عند نهاية الطريق، وبعدها أغلقت الباب بهدوء.
استندت بظهرها إليه، وأغمضت عينيها.
كانت قد طلبت منه الرحيل، وقد فعل ما طلبته دون أن يجادلها أو يحرجها. ومع ذلك، لم تستطع منع نفسها من تمني لو كان بإمكانها أن تقول له الحقيقة، أو أن تطلب منه البقاء دون أن تخشى العواقب.
ركضت إلى غرفتها وأغلقت خلفها الباب، وانزلقت ببطء حتى جلست على الأرض، ثم رفعت يديها إلى وجهها.
وانفلتت دموعها أخيرًا.
همست وسط شهقاتها:
— أنا آسفة يا عبدالله... والله ما كان نفسي أعمل فيك كده.
سكتت لحظة، ثم ضغطت كفيها على وجهها وهي تهمس بصوت متقطع:
— بس إنت لو عرفت الحقيقة... هتكرهني.
وبقيت مكانها، تبكي في صمت، بينما ظل الباب المغلق يفصلها عن الطريق الذي غادر منه الشخص الوحيد الذي تمنّت لو لم تضطر إلى إبعاده.