رواية نار بلا دخان الفصل الرابع4 بقلم يارا علاء الدين

رواية نار بلا دخان 
الفصل الرابع4
بقلم يارا علاء الدين 
الخيانة كانت من أقرب واحدة ليا... صاحبتي اللي كنت بحكيلها كل تفاصيل حياتي وأنا مطمنة!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


مرت أيام بعد الخناقة الأخيرة، والبيت اتحول لصحراء جافة مفيش فيها غير صوت صريخ يزن، وصمت محمود القاتل.

محمود بقى يدخل البيت كأنه غريب، مبيبصش في عيني، مبيكلمنيش، ولو نطق بيكون كلامه عبارة عن أوامر حادة أو إهانات مستمرة.
بقى ينام في الصالة بصورة دايمة، ويخرج من الصبح وميرجعش غير في آخر الليل.

في الفترة دي، كنت بتصل بهبة تقريباً كل يوم وأنا في قمة انهياري.

كنت برفع السماعة، والدموع مغرقة وشي، وأحكيلها على جفاء محمود وعلى تعبي مع زين اللي مش بيبطل العياط.

كنت بقولها بقلب مكسور:
"أنا خلاص يا هبة.. حاسة إني بموت في اليوم ألف مرة. محمود مبقاش طايق يسمع صوتي، ولا حتى يلمس إيدي. أنا بقيت بحس إني غير مرغوب فيا في بيتي!"

هبة كانت بتسمعني بنبرة هادية جداً، كنت حاسة لأول مرة إني مش صعبانة عليها, بس يمكن عشان زهقتها معايا بس هي قالتلي:

"يا ريهام يا حبيبتي.. أنا قلبي بيتقطع عليكِ، بس الصراحة لازم أقولهالك عشان خايفة عليكِ.. محمود خلاص شكله قفل منك أوي. الراجل لما يوصل للمرحلة دي بيبقى خلاص مش شايف الست اللي قدامه. أنتِ بتتعبي نفسك على مفيش! يمكن.. يمكن الطلاق يكون أرحم ليكي وليه بدل العذاب والنكد ده! أنتِ لسه صغيرة والعمر قدامك، ليه تدفني نفسك مع واحد مش مقدرك؟"


كلام هبة كان بيمشي في عروقي زي المخدر.. هل الطلاق هو الحل؟ هل فعلاً خلاص بيتي اتهد ومبقاش فيه أمل؟ شكل كلامها هو الحل الوحيد فعلَا لكل اللي أنا فيه.

كنت بقعد بالليل أعيط جنب زين وأقول لنفسي:
"معقولة يا ريهام؟ النهاية تبقى كده؟ بعد الحب ده كله أطلب الطلاق وأهد بيتي بإيدي؟" لكن قسوة محمود وجفائه كانوا بيأكدوا كل يوم إن مفيش أمل خلاص.

وفي يوم....... يوم مش هنساه طول ما أنا عايشة.

رجع محمود من الشغل على غير العادة بدري شوية، الساعة كانت حوالي 6 المغرب. دخل البيت مكشر ومقالش حتى السلام عليكم. رمى مفاتيحه وموبايله على الترابيزة ودخل على الحمام عشان ياخد دُش.

زين كان نايم في أوضته بعد عذاب، وأنا كنت قاعدة على الكنبة في الصالة، جسمي مهدود بس خلاص بطلت استغرب طريقته, وأنا عارفة أصلًا إنه مش هيقعد في البيت أكيد هينزل تاني.

وفجأة.. الموبايل بتاع محمود اللي كان محطوط على الترابيزة نور وجاله إشعار.

أنا طول عمري مع محمود، عمري في حياتي ما مسكت موبايله ولا فتشت فيه.. كنت بشوف إن التفتيش ده قلة ثقة، وأنا كنت واثقة فيه أكتر من نفسي. بس في اللحظة دي.. جالي هاجس غريب هز كياني كله، حاجة قالتلي:

"قومي بصي!"
مديت إيدي وأنا بترعش.. كان فيه إشعار برسالة جديدة على الواتساب.
الاسم اللي ظاهر على الشاشة كان: "هبة "
الرسالة مكنتش كلام بس.. كان معاه صورة!
مسكت الموبايل، وصوابعي بتترعش. فتحت الرسالة من غير ما أفكر.. وفي أقل من ثانية، الزمن وقف، والهوا قل، وحسيت بقبضة قوية في قلبي!

الصورة كانت لهبة!

هبة واقفة قدام مراية، لابسة قميص نوم بيتي ، شعرها مفرود وميك أب كامل، ومبتسمة للكاميرا ابتسامة كلها إغراء!

وتحت الصورة، كانت كاتبة جملة واحدة كفيلة إنها تهد جبال:
وحشتني يا حودة.. أنا جاهزة ومستنياك، ماتتأخرش عليا بقى
في اللحظة دي.. حسيت إني دايخة ومش متزنة
عقلي وقف عن التفكير، عيني اتسمرت على شاشة الموبايل، والصورة بقت بتتعاد وتتكرر قدامي زي الكابوس.

كل حاجة وضحت في ثواني! كل الألغاز اتفكت!

مرض أمها الوهمي.. غيابها المفاجئ عن البيت.. خناقات محمود الكتيرة.. كلامها ليا في التليفون وزقها ليا عشان أطلب الطلاق..
كل ده مكنش صدفة.. ده كان خيوط بتتجمع أدام عيني بس أنا اللي مكنتش شايفة!

سمعت صوت المية وهي بتقفل في الحمام..

بسرعة لا إرادية، مسحت الرسالة من على الموبايل ورجعته مكانه على الترابيزة بالظبط بنفس الزاوية. وقفت ومسكت في ظهر الكنبة عشان رجلي مكنتش شايلاني. الدموع اللي كانت بتنزل مني اختفت تماماً.. اتحولت لجمود وذهول وغضب.

خرج محمود من الحمام وهو بيمسح شعره بالفوطة، وريحة البرفيوم بتاعه مالية المكان. بصلي بجفاف وقال :
"أنا نازل مع زمايلي في الشغل عندنا اجتماع مهم مش هعرف أرجع غير متأخر.

بصلتله.. كنت باصة لوشه وكأني بشوف راجل غريب معرفوش. بلعت ريقي بالعافية وهزيت رأسي بسكون من غير ما أنطق بكلمة واحدة.

أول ما قفل باب الشقة ونزل، جاني ثبات انفعالي رهيب معرفش جالي منين! جريت على أوضة زين، شيلته بالراحة وجريت بيه على جارتي أم أحمد في الدور اللي تحتي، خبطت عليها ودخلت البيبي عندها وأنا بقولها بنبرة صوت ميتة:
"معلش يا أم أحمد خلي زين عندك ساعة واحدة بس هعمل مشوار ضروري وجاية.
الست رحبت جدًا, وشالته مني.
نزلت على السلم جري، طلعت الشارع ولقيت محمود لسه بيتحرك بعربيته وقفت تاكسي بسرعة وقولت للسواق وأنا بنهج:
"اطلع ورا العربية السودا دي يا أسطى بسرعة.. وماتخليهوش ياخد باله منك!"

سواق التاكسي مشي وراه، وأنا كنت قاعدة في الكنبة اللي ورا، إيدي على قلبي اللي كان بيدق زي الطبلة. كل حتة في جسمي كانت بتترعش، بس عقلي كان مغيب تمامًا كإني في غيبوبة .. كنت رايحة أواجه مصيري، رايحة أشوف الخيانة بعيني!

المشوار أخد حوالي ثلث ساعة.. العربية وقفت قدام عمارة شيك في منطقة هادية وجديدة. شوفت محمود بينزل من العربية، يبص يمين وشمال بحذر، وبعدين دخل بوابة العمارة وهو بيطلع مفاتيح من جيبه.

استنيت دقيقتين، نزلت من التاكسي وحاسبت السواق. دخلت العمارة بخطوات تقيلة. لقيت الأسانسير واقف في الدور التالت سحبته وطلعت.

وقفت قدام باب الشقة.. الشوز بتاع محمود كان مرمي قدام الباب!
في اللحظة دي، كان فيه صداع وألم في دماغي مش راضي يقف.. مكنش فيه مجال للرجوع. مديت إيدي، وضغطت على الجرس بثبات..
---

ثواني معدودة.. وسمعت صوت خطوات ناعمة بتقرب من الباب.
الباب اتفتح بالراحة..
وهنا كانت المفاجأة اللي كنت متوقعاها!
هبة هي اللي فتحت الباب!
كانت واقفة بكامل أناقتها.. لابسة نفس القميص اللي في الصورة، شعرها مفرود على ضهرها، والميك أب الهادي بتاعها.


أول ما شافتني واقفة قدامها.. ملامحها مظهرش عليها أي ارتباك! متخضتش، مجرتش تستخبى، ولا حتى وشها اتخطف! بالعكس.. شوفت على وشها ابتسامة باردة، ابتسامة انتصار ومكر، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي من زمان!
وفي ثواني، خرج محمود وهو بيقولها:
مين يا حبيبتي؟
أول ما عينه جت عليا، وشه اصفر ، عينيه وسعت برعب شديد، قالي بصوت مهزوز وهو بيمد إيده ليا:
"ريهام؟! أنتِ.. أنتِ جيتي هنا إزاي؟! استني.. استني يا ريهام أنا هفهمك والله! اقفي بس الموضوع مش زي ما أنتِ فاكرة خالص! استني والله العظيم أنا..."

كنت باصة لمحمود بنظرة قرف واحتقار مشوفتهاش في عيني قبل كده.. نزلت إيده من عليا, وبعدين نقلت عيني لهبة، اللي كانت واقفة مربعة إيدها ومبتسمة ببرود مستفز.
بصيت لهبة في عينها بثبات ، وقولتلها:
خليه ليكي يا صاحبتي الوحيدة.. اشبعي بيه!
في اللحظة دي، هبة ضحكت ضحكة عالية مليانة شر، وبصتلي بمنتهى القسوة وقالت:
أنتِ اللي قربتينا من بعض يا ريهام.. زعلانة ليه دلوقتي؟! وبعدين أنا اهتميت بيه لإنك مكنتيش فاضياله!
ابتسمت ابتسامة سخرية كسرت غرورها في ثانية، وقربت وشي منها وقولتلها بنبرة حادة:
قربتكم؟ لأ يا هبة.. أنتِ اللي كنتِ جعانة! جعانة لعيشتي، لبيتي، ول الراجل اللي أنا أخدته !.. كنتِ بتدخلي تاكلي من أكلي، وبتمثلي دور الأخت الحنينة، وأنتِ حيّة بتستني لحظة ضعفي وتعبي عشان تتسحبي وتسرقي الحياة دي!"
هبة اتوترت، وضحكتها اختفت ونظرة الغل ظهرت في عينها، وقالت بصوت مغلول:
"بس أهو سابك وجالي! اختارني أنا وساب النكد والتعب اللي عيشتيه فيهم.
رديت عليها بصوت ثابت:
اختارك؟! الراجل اللي يخون مراته وهي في عز لحظات ضعفها, ويسيبها وميستحملهاش عشان شوية متعة رخيصة، ده ميتقالش عليه راجل.. محمود ما أخدكيش عشان أنتِ أحسن مني يا هبة.. محمود أخدك عشان أنتِ أسهل! عشان رخيصة ومتاحة، ووافقتي تاخدي دور العشيقة اللي هتعيشه في حياة أحلى من حياته وتعوضه النقص اللي عايش فيه مع مراته.

بصيت لمحمود اللي كان واقف مصدوم، ورجعت بصيت لهبة وقولتلها بكل كبرياء:

"أنا كنت فاكرة إني جيت هنا عشان أتوجع.. بس أنا جيت هنا عشان أعرف إن ربنا نجدني. مبروك عليكي بواقي حياتي يا هبة.. ومبروك عليكي خاين هيخونك مع أول واحدة تانية تهتم بيه! اشبعوا ببعض في المستنقع ده، بس افتكري كلمتي كويس: اللي بيبني حياته على خراب بيت.. بيموت تحت أنقاضه!"

لفيت ضهري في نفس الثانية.. مردتش على محمود وهوبيزعق وبيمسك في دراعي وبيترجاني أسمعه، زقيت إيده بقرف، ومشيت بخطوات سريعة وواثقة ناحية السلم، وراسي مرفوعة لفوق..

سيبتهم ورايا بياكلوا في بعض، وأنا رايحة أبدأ مرحلة الحساب!
تعليقات



<>