رواية نار بلا دخان الفصل الثالث3 بقلم يارا علاء الدين

رواية نار بلا دخان 
الفصل الثالث3
بقلم يارا علاء الدين 
أصعب خيانة ممكن تعيشها ست… إن اللي ياخد مكانها، تكون أقرب واحدة ليها!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جرح العملية القيصرية كان تاعبني أوي، الحركة صعبة، مع قلة نوم قاتلة.

البيبي كان من النوع اللي مش بينام غير على الإيد، يصرخ طول الليل والنهار، وأنا كأم لأول مرة، كنت حاسة إني تايهة، مرعوبة، ومهدودة الحيل.

في الفترة دي، شكلي اتغير تماماً. البيجامة بقت هي لبسي الرسمي، شعري ملموم بتوكة بطريقة عشوائية فوق دماغي، وشي باهت وأصفر، وتحت عيني هالات سودة. بقيت حاسة إنني كبرت عشر سنين في كام يوم؟

وهنا.. كانت هبة متواجدة معايا بصفة شبه يومية.

كانت بتخلص شغلها فالشركة ، وتيجي على طول عندنا الشقة , كانت مقيمة معانا تقريبًا, وبما إنها هتبات،

فاضطرت تجيب معاها هدوم بيتي , دريسات ناعمة، ترنجات، وكانت بتحط ميك أب خفيف، وتغير هدومها وتطلع تقعد في الصالة بكامل أناقتها, اللي كنت زيها أنا في يوم من الأيام.

أنا من كثر التعب اللي كنت فيه، كنت بشوف هبة دي طوق النجاة!

كنت أخرج من أوضة النوم بالبيبي وأنا مش قادرة أقف على رجلي، ألاقي هبة قاعدة في الصالة، ريحة برفانها مليانة المكان، بتعمل كوباية شاي بلبن لمحمود اللي بيحبها والشقة كلها مترتبة وزي الفل.
مكنتش لاقية كلام أشكرها بيها بس هي مكنتش مستنية شكر مني لإنها كانت بتدي بدون مقابل.

في ليلة من الليالي، محمود كان راجع من الشغل مهدود ومتضايق من مشكلة معقدة في الشركة. دخل الشقة، ولقى البيبي بيصرخ بصوت عالٍ في الأوضة، وأنا جوة بحاول أرضعـ.ـه بإيد وبمسح دموعي بالإيد التانية لأن اللبن كان قليل والولد مش شبعان.

خرجت الصالة وأنا ماسكة البيبي وسندت على الحيطة من كثرة الوجع، وقلت بصوت ضعيف:
"حمد الله على السلامة يا محمود.. معلش يا حبيبي، الولد عنده مغص شديد ومش عارفة أهديه خالص."

محمود بصلي من فوق لتحت بصة تقييم حادة، ملامحه اتبدلت بقرف واضح، وبص لجلابيتي اللي كان عليها بقعة مية وبقعة لبن،

وقال بنبرة مليانة جفاء وزهق:
"إيه المنظر ده يا ريهام؟! إيه القرف اللي إحنا عايشين فيه ده؟ هي الشقة دي مبقاش فيها هدوء أبداً؟ مفيش يوم أرجع ألاقي هدوء؟ أنتِ نسيتي إن ليكي راجل بيشتغل طول النهار ومحتاج يرتاح؟!"
دموعي نزلوا بغزارة، وقولت بصوت بيترعش:
"والله يا محمود أنا مش قادرة أقف على رجلي.. والولد منامش من إمبارح!"
قبل ما محمود يرد بقسوة أكتر، خرجت هبة من المطبخ وهي ماسكة صينية عليها الأكل اللي هي جهزته بنفسها، ولابسة دريس حرير أزرق ومظبطة الحجاب اللي أصلًا واقع وشعرها كله باين وطبعًا ده من كتر تعبها معايا.

قربت من محمود بابتسامة دافية وصوت ناعم وقالتله:
"اهدى بس يا حودة.. صلي على النبي كده. الشغل مأثر على أعصابك. ادخل غير هدومك وأنا حضرتلك الأكل اللي بتحبه، عملتلك مكرونة بشاميل وسلطة هتاكل صوابعك وراهم.


محمود بص لهبة.. وفي اللحظة دي، شوفت عينيه اتغيرت تماماً!
النظرة المليانة قرف وزهق اللي كان باصصلي بيها، اتحولت لنظرة إعجاب وامتنان وشغف!
هز رأسه وقال بنبرة هادية جداً عكس الزعيق اللي كان بيزعقه معايا:
"تسلم إيدك يا هبة.. بجد أنتِ اللي شايلة الشقة دي ومصبراني. لولا وجودك معايا في البيت وفي الشغل، أنا مكنتش عرفت أعيش في النكد ده يوم واحد!"

هبة ابتسمت ابتسامة خفيفة، وبصت للأرض بكسوف، وقالت وهي بترفع خصلة من شعرها ورا ودنها:
"ما تقولش كده يا محمود.. أنت وريهام إخواتي، وأنا تحت أمرك في أي حاجة تطلبها."

أنا في اللحظة دي، ، حطيت البيبي على السرير وجريت على هبة حضنتها وقولت لها وأنا بعيط:

"ربنا يخليكي ليا يا هبة.. أنا مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه مع محمود! أنتِ فعلاً أختي اللي ربنا بعتهالي عشان تشيل عني في محنتي."

هبة طبطبت على ضهري وقالتلي بصوت واطي:
ادخلي انتي نامي ياحبيبتي وأنا هفضل صاحية لحد مامحمود يتغدى ويشرب الشاي وأشطب المطبخ وأنام.
مرت الأيام على الوضع ده.. محمود يتلكك، ومبقاش مستحملني, وأنا بتعذب من التعب والذنب، وهبة هي الحل السحري لكل مشاكلي!

بس من بعدها بدأ محمود ينسحب من حياتي بالتدريج.

في يوم حاولت أترجاه، مسكت إيده وقولتله:

"يا محمود خليك جنبي.. أنا بحس بالأمان وأنت معايا، والتعب ده فترة وهتعدي والله لما البيبي يكبر شوية!"

سحب إيده بجفاء وقال:
"أنتِ مبقتيش فاضيالي يا ريهام.. ولا فاضية لبيتك. أنتِ حياتك كلها بقت العيل ده وخلاص، وأنا مبقتش فارق معاكي!"

خرج وسابني في الأوضة، وخرج للصالة كالعادة.. و بقت القعدة بالليل بين محمود وهبة في الصالة حاجة أساسية, يخلصوا شغلهم وهبه تعشيه وتشطب المطبخ وتنام.

كانت حرفيًا هلكانة معايا طول اليوم, وأنا مكنتش بعمل حاجة غير إني أدعي ربنا يديها على أد تعبها معايا.

وفي ليلة، كنت قاعدة برضع البيبي بس كان عندي مغص رهيب. خرجت بالراحة أطلب من هبة تعملي كوباية ينسون تريح معدتي.

لقيت محمود وهبة قاعدين على الكنبة جنب بعض أوي، فاتحين لاب توب الشركة وبيراجعوا ملفات.
هبة كانت مايلة عليه، وشعرها قريبة من وشه، وبتضحك بصوت واطي وبتقوله:

"يا حودة أنت كبرت الموضوع أوي.. أنت أشطر محاسب في الشركة، والمدير نفسه بيعملك ألف حساب."
محمود كان باصص لوشها ونظراته غريبة، ورد عليها :
"ما هو أنتِ السبب في كل اللي أنا فيه بجد مش عارف من غيرك كنت هعمل إيه؟

أنا وقفت ثواني.. قلبي اتقبض, بس فوراً عقلي طرد أي فكرة, قربت منهم وطلبت الينسون، هبة قامت بابتسامة سريعة وقالت: "من عيوني يا ريهام"، ومحمود عدل قعدته بسرعة وبص للاب توب بتركيز.
وقتها قربت منها, وقولتله:
إنت وحشتني أوي يامحمود.
لقيته بيبعد عني, وبيقول:
خليني أركز يا ريهام ورايا حاجات كتير مش فاضي.
حسيت بحاجة غريبة بجد حسيت إنه مش طايقني أنا تحديدَا ؟ طب ليه؟ هو ممكن يكون مبقاش يحبني!
هبه جابتلي الينسون خدته ودخلت على الأوضة, وهبه جات ورايا قعدت جنبي على السرير وقالتلي:
"ريهام يا حبيبتي.. مش عايزاكي تضغطي محمود كده؟
بصلتلها بلهفة:
"في إيه يا هبة؟ محمود قالك حاجة؟"
اتنهدت هبة وقالت:
"محمود مضايق جداً يا ريهام.. في الشغل طول اليوم مخنوق، وبيقولي إن بيته بقا مزعج، وإنك بقيتي باردة ومهملة في حق نفسك وفي حقه، وخلي بالك الراجل في الآخر ليه طاقة وممكن في أي لحظة يدور على راحته بره لو مالقهاش في بيته!"
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة! جسمي انتفض وقلت برعب:
"يدور بره؟! يطلقني يعني يا هبة؟! طب أعمل إيه؟ أعمل إيه وأنا جسمي مهدود ومش قادرة أتحرك؟! ولا عارفة أنظم بينه وبين زين!
مسكت هبة إيدي وقالتلي بصوت دافئ:
"أنتِ سيبيه عليا يا ريهام.. هحاول أهدي الدنيا بينكم, وأنتي بس متتخانقيش معاه ومتضغطيش عليه الفترة دي
سندت رأسي على كتف هبة وبكيت بحرقة وأنا بقولها:
"أنا من غيرك مش عارفة كنت عملت إيه.. ربنا يخليكي ليا وما يحرميش منك أبداً!"
كنت فاكرة الموضوع هيتعدل زي ماهي قالتلي.
بس للأسف الوضع فضل يسوء أكتر.. محمود بقا يتلكك على الهوا. لو الشاي برِد دقيقة، يقلب الترابيزة. لو البيبي صرخ، يسيب المكان ويبعد.
وأنا كنت ببلع الإهانة والدموع، وأقول لنفسي:
"حقه.. أنا اللي مقصرة، أنا اللي مش عارفة أتعامل

بس قبل نهاية الأسبوع ده، حصلت حاجة اللي هدت الدنيا عليا.. أم هبة تعبت فجأة، وهبة اضطرت تغيب عن بيتنا ومبقتش تيجي زي الأول عشان تقعد جنب أمها.

فجأة، لقيت نفسي لوحدي تماماً.. الحمل كله اترمى عليا وبقى فوق طاقي. البيبي مش بيبطل عياط، والبيت اللي محتاج خدمة ونظافة وأكل.
وفي يوم، محمود دخل البيت بعد يوم شغل طويل وهو متعود يلقى الشقة رايقة والأكل متوضب. لقى البيبي بيصرخ ، وأنا قاعدة جنب السرير عاجزة عن الحركة تماماً، ومش قادرة أرفع راسي من شدة الهبوط والدوخة اللي ماسكاني.
دخل الأوضة ومسك كرافتته ورماها في وشي ، وقال بصوت زلزل جدران الشقة:
"أنا قرفت! قرفت من العيشة دي ومن النكد ده! أنتِ بقيتي عبء عليا وعلى البيت ده! هبة الغريبة كانت شايلة بيتي ومراعياني أكتر منك أنتِ اللي مراتي!"
سابني وخرج وقفل باب الشقة بقوة ، وسابني واقعة على الأرض بدموعي، وحاضنة البيبي اللي بيصرخ.. قعدت أصرخ بصوت مكتوم في المخدة: "ليه يا رب؟ ليه حياتي بتضيع مني كده؟"
ومن بعدها ...
البيت بقا كئيب ومظلم، ومحمود بقى يهرب منه أكتر وأكتر، يرجع في أنصاص الليالي ومش بشوفه، كنت كل يوم أرفع السماعة على هبة وأنا بعيط، وأدعي لأمها بالشفاء عشان ترجعلي صاحبتي اللي بتسندني .
مكنتش أعرف إن غياب هبة عن بيتنا مكنش بسبب مرض أمها خالص! ده كان الفخ الكبير.. كانت السنّارة اللي اتسحب بيها جوزي بره البيت تماماً، والبداية لسر أسود كان بيتطبخ في الضلمة بعيد عن عينيا!
تعليقات



<>