رواية نار بلا دخان الفصل الثاني2 بقلم يارا علاء الدين

رواية نار بلا دخان 
الفصل الثاني2
بقلم يارا علاء الدين 
أكبر غلطة ممكن تعملها؟ إنك تطمّن للشخص اللي المفروض تخاف منه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقفت ثواني على الباب مش فاهمة حالة الذعر اللي حصلتلهم أول ما دخلت! محمود وشّه اتخطف وبقى أصفر ، وواقف مش عارف يجمع كلمتين على بعض، وهبة إيدها عمالة تترعش وهي بتمسك القلم وبتصلح طرحتها بسرعة مريبة.

بصيت لملامحهم المصدومة، وفي ثانية واحدة، عقلي ترجم الموقف ده للترجمة الوحيدة اللي كانت ممكن تيجي في بالي وقتها! ابتسمت ابتسامة عريضة ضحكت بيها من قلبي، وقولت لنفسي:
"يا الله عليك يا محمود! ويا خباثتك يا هبة! أكيد كانوا بيترتبوا لمفاجأة عيد ميلادي اللي فاضل عليه أيام، وأنا دخلت فخافوا يحرقوا المفاجأة.

قربت منهم بخطوات فرحانة، وضحكت بصوت عالٍ وقولت:
"إيه يا جماعة؟ اتخضيتوا كده ليه؟ أنا أسفة والله لو قطعت عليكم الترتيبات.. بس شكله عيد ميلادي السنة دي هيطلع جامد أوي مادام السوسة هبة شغال مع جوزي في خطة واحدة!"

محمود اتنفس ببطء وبلع ريقه بالعافية، وبص لهبة وبعدين بصلي وقال:
أديكي عرفتي اللي فيها وحرقتي المفاجأة.

وهبة ضحكت وقالت:
حرام عليكِ يا ريهام! كان نفسي تبقى مفاجأة حلوة!
ضحكت وبصيت لمحمود وقولتله برقة:
معلش يا حبيبي.. بس أنا مقدرتش أستنى للبيت. أنا جيت عشان في حاجة مهمة أوي لازم تشوفها دلوقتي.. إنت وهبه.

طلعت العلبة الصغيرة المتقفلة بشريطة حمرا من شنطتي، ومديت إيدي بيها لمحمود. محمود بص للعلبة باستغراب، ومسكها, فتح الشريطة بالراحة وفتح العلبة.. أول ما شاف اختبار الحمل والخطين الحمر الواضحين، عينيه وسعت بشكل مش طبيعي، وقالي:
ده بجد؟

هبة قامت وبصت في العلبة وقالت بذهول :
"إيه ده؟ ريهام! أنتِ حامل؟!"

ابتسمت ودموع الفرحة في عيني وبصيت لمحمود:
"أيوة.. أنا حامل! هنبقى بابا وماما يا محمود!"

محمود في اللحظة دي حضني، بس كان حضن غريب.. معرفش ده تأثير المفاجأة ولا إيه وقال:
"ألف مبروك يا حبيبتي.. مبروك يا أجمل مامي"

هبة قربت مني وحضنتني أوي وقالت:
"يا روحي يا ريهام! ألف ألف مبروك! يتربى في عزكم يا رب، أنا مش مصدقة إن صاحبة عمري هتبقى أم!"

يومها رجعت البيت وأنا حاسة إني طايرة من الفرحة.
بس محمود كان ساكت معظم الطريق، ولما سألته قال إنه متفاجئ ومسؤولية طفل جديدة عليه, وإنه وشايل هم المصاريف اللي جاية, صدقته وطبطبت عليه وقولتله:
ربنا هيرزقنا برزقه يا حبيبي متقلقش.

مرت الأسابيع الأولى من الحمل، وللأسف، الحمل مكنش سهل خالص عليا. بدأت أعاني من أعراض صعبة جداً.. قيء مستمر، هبوط حاد في الضغط، ودوخة مش بتخليني أقدر أقف على رجلي خمس دقايق . الدكتور طلب مني الراحة التامة وأني أبعد عن أي مجهود عشان الحمل يثبت ونعدي أول 3 شهور.

هنا، ظهرت جدعنة صاحبتي هبة.. اللي كنت متوقعة ده منها أصلًا لإنه مش جديد عليها.

هبة بقت تيجي بيتنا تقريباً كل يوم بعد الشغل. ترجع مع محمود في العربية ، تدخل المطبخ تعمل الأكل، وتنضف الصالة، وتشوف البيت محتاج إيه وتعمله, وبعدين تجيبلي العصير لحد السرير.
وتطلع تكمل شغل هي ومحمود في الصالة.

وأنا جوة أوضتي وبسمع ضحكاتهم الخفيفة ورغيهم في الصالة، كنت ببتسم وأقول في بالي:
"الحمد لله يا رب.. الحمد لله إن عندي صاحبة زي الأخت بتشيل بيتي في وقت تعبي، وإن جوزي مش حاسس بإن حاجة ناقصاه وإن البيت دايمًا نضيف ومترتب.

بس مع مرور الشهور، ودخولي في الشهر الخامس والسادس، بدأت الأحوال في بيتنا تتغير ببطء قاسي.

محمود بقى شخص تاني خالص! الحنية اللي كانت مالية بيتنا اختفت. بقا يدخل البيت مكشر، ويتلكك على أقل حاجة.

لو هبة مجتش في يوم وعملت أنا أكل بسيط، يقعد على السفرة ينفخ ويقول بزهق:
"هو إيه الأكل اللي ملوش طعم ده يا ريهام؟ لما إنتي مش قادرة تعملي أكل كويس كنا طلبنا من برة وخلاص!

أبصله بكسرة ودموعي تنزل:
"يا محمود أنا بحاول على قد ما أقدر والله! حقك عليا هحاول تاني أكتر من كده
يرد بقسوة:
"بحاول إيه بس؟ اتعلمي من هبة! هبة بتشتغل من ثمانية الصبح لأربعة العصر، وترجع هنا تعملنا أحسن أكل وبتبقى واقفة على رجلها وزي الفل ومبتشتكيش! أنتِ بس اللي بقيتي كسلانة ونكدية وواخدة الحمل حجة!"

الكلمات دي كانت بتنزل على قلبي زي السكاكين! محمود بيقارن بيني وبين هبه؟ طب إزاي وأنا اللي حامل مش هي؟

كنت بالليل لما محمود ينام بعيد عني ويديني ضهره، دموعي تنزل على خدي وأفضل مستنية لما هبة تيجي، وأقعد معاها وأنا بعيط وبحكيلها كل حاجة.

أمسك إيد هبة وأقولها والدموع مالية وشي:
شوفتي يا هبة؟ محمود اتغير عليا إزاي؟ بقا بيتعصب عليا لاتفه الأسباب، ويقولي أنتِ مهملة ونكدية! أنا خايفة يا هبة.. خايفة يكون مبقاش يحبني زي زمان!"

هبة كانت تبصلي بنظرات هادية، تطبطب على كتفي وتقول:
"يا ريهام يا حبيبتي، أنتِ مكبرة الموضوع شوية, إنتي عارفة إحنا الفترة دي ف الشغل ضغط بشكل مش طبيعي وأكيد ده السبب يعني.

كلام هبة بدل ما يريحني، كان بيزيد احساسي بالذنب! بقيت ألوم نفسي وأقول:
"يعني المفروض أنا اللي أقف جنبه دلوقتي مش هو اللي يقف جنبي !

من بعدها بقيت باجي على نفسي عشان أعمله أحلى أكل, وأرتب البيت زي ما هبه كانت بتعمله, وأخليه مش ناقصه حاجة.
وصلت للشهر التاسع.. جسمي كان منهك تماماً، ووشي أصفر من كثرة التعب والأنيميا. وفي ليلة صعبة جداً، جالي الم الولادة!

محمود وهبة نقلوني على المستشفى بسرعة. وقضيت ليلة من أصعب ليالي حياتي ، لحد ما ربنا رزقني بطفلي الأول.. زين, ولد زي القمر, زي باباه.
أول ما طلعت من العمليات، كانت هبة هي اللي شايلة البيبي وبتبتسم، وقالتلي:
أجمل زين في الدنيا ربنا يحفظهولك يا حبيبتي .
هبه شالتني في المستشفى كعادتها يعني ومسابتنيش لحد ما مشيت.
وبعد يوم طويل أخيرَا رجعت البيت.. وبدل ما تكون دي بداية السعادة، كانت بداية الكابوس الحقيقي.

زين كان بيعيط طول الوقت, وأنا كنت سهرانة ومطحونة، وجسمي موجوع من جرح العملية. ومحمود وقتها قرر يسيبني ويطلع برة!

الليلة دي, محمود شال حاجته ومخدته وقال بصوت حاد:
"أنا مش عارف أنام في الأوضة دي خالص! زين بيعيط مبيفصلش وأنا عندي شغل الصبح ومش هقدر أركز! أنا هنام في الصالة على الكنبة!"
قولتله بنبرة انكسار ورجاء:
"يا محمود ده ابنك! وتعبي ده مؤقت لحد ما الجرح يلم وأعرف أتعامل مع البيبي.. خليك جنبي أنا محتاجة وجودك معايا."
رد بزهق وهو بياخد مخدته:
"أنا مش فاضي للكلام ده يا ريهام، الشغل الصبح مش هيستناني !
خرج وقفل الباب وراه بقوة, وسابني.
وفي الأيام دي، ملقتش حد أدامي غيرها , هبه!
تعليقات



<>