رواية وش تاني
الفصل الثالث3
بقلم يارا علاء الدين
محمد مات؟
الراجل اللي كنت بكلمه وبراقبه وبشك فيه وبدور وراه من ساعات بس.. انتهى خلاص؟ مبقاش موجود في الدنيا؟
اللحظات اللي بعد كدة مرت عليا زي الحلم الكئيب والمشوش.
مش فاكرة تفاصيل كتير من الساعات الأولى.. تليفونات، صريخ، أهلي وأهله، ورقية وسارة اللي جم يجروا على شقتي وهما بيعيطوا وياخدوني في حضنهم مصدومين.
حسام وإسلام خلصوا كل إجراءات المستشفى والتصاريح، وكانوا واقفين زي الرجالة في ضهري وبيحاولوا يستوعبوا الكارثة اللي حصلت.
الجنازة كانت تقيلة , كل حاجة كانت بتعدي قدام عيني زي فيلم أبيض وأسود شريط شغال بسرعة مرعبة وأنا مجرد متفرجة مش قادرة أتحرك ولا أنطق كلمة.
بعد العزا ما خلص بيومين، طلبنا الظابط شريف في قسم الشرطة عشان يسمع أقوالنا ونقفل المحضر بتاع الحادثة..
روحنا كلنا القسم.. أنا، ورقية، وحسام، وسارة، وإسلام. قعدنا في مكتب الظابط. المكتب كان واسع، ريحته سجاير وأوراق قديمة، والجو جوة كئيب ومكتوم.
الظابط كان قاعد ورا مكتبه الخشب الكبير، وشه صارم وملامحه حادة. قعد يقلب في الفايل اللي قدامه ببطء شديد، وبعدين رفع عينيه وبصلنا واحد واحد بنظرات فاحصة جداً.
اتنحنح وقال بنبرة هادية بس فيها حزم شديد:
"يا جماعة.. أنا طلبتكم كلكم النهاردة عشان نسجل أقوالكم الأخيرة قبل ما نقفل المحضر. وعشان فيه أسئلة مهمة لازم أسمع إجابتها منكم بمنتهى الصراحة."
بصلي بتركيز وقدم جسمه لقدام:
"مدام سها.. هل أستاذ محمد الله يرحمه كان ليه أي أعداء؟ هل كان فيه بينه وبين حد أي خصومة شخصية، أو مشاكل مالية، أو تهديدات من أي نوع؟"
أنا حطيت المنديل على عيني، ومسحت دموعي اللي كانت بتنزل ومش راضية تقف، وقلت بصوت مبحوح:
"محمد ده كان أطيب خلق الله.. ملوش في المشاكل خالص، ملوش أي أعداء في الدنيا دي كلها، وعمره في حياته ما أذى حد أو اختلف مع حد!"
حسام اتكلم بسرعة وأكد كلامي بنبرة حزينة:
"فعلاً يا أفندم، محمد صاحبنا من سنين طويلة، بني آدم عايش في حاله، ومستحيل يكون ليه أعداء أصلًا."
وإسلام ورقية وسارة هزوا رأسهم وأيدوا الكلام بنفس النبرة الحزينة المصدومة:
"الراجل ده كان ملاك ماشي على الأرض وملوش في المشاكل ولا القضايا خالص."
الظابط شريف سكت خالص. قفل الفايل اللي قدامه، وشبّك صوابع إيديه مع بعضها ونزل راسه شوية كأنه بيفكر في حاجة. وبعدين رفع راسه وبصلنا كلنا بنظرة مليانة شك وعلامات استفهام، وقال بنبرة مريبة هزت القعدة:
"الكلام ده جميل جداً يا مدام سها.. وشهادتكم كلكم في حقه تحترم وتؤخذ بعين الاعتبار.
بس التقرير الفني المبدئي لمعاينة عربية أستاذ محمد اللي جالي من خبير المرور والأدلة الجنائية.. بيقول كلام تاني خالص ومختلف تماماً عن اللي بتقولوه!"
كلنا اتعدلنا في القعدة بذهول، ودموعي اتجمدت في عيني. رقية بصت للظابط بتركيز وإسلام وحسام بصوا بتركيز.
الظابط شريف كمل كلامه وهو بيخبط بصباعه على الترابيزة الخشب مع كل كلمة:
"التقرير الفني بيكشف إن الفرامل في عربية أستاذ محمد كانت متقطعة وبايظة تماماً! الفرامل مكنتش متآكلة من الاستعمال الطبيعي ولا اتفككت بالصدفة.. الفرامل كانت مقصوصة بآلة حادة وبأدوات متخصصة قبل ما يتحرك بالعربية بفترة قصيرة!"
سكت ثانية وعينيه بتفحص ردود أفعالنا، وبعدين كمل بصوت أتقل:
"ومستحيل راجل بعقله ووعيه يكون اتحرك بالعربية دي على طريق سفر سريع ومفتوح وهو شايف وملاحظ إن مفيش فرامل إطلاقاً.. الموضوع ده فيه شبهة جنـ.ــائية صريحة ومباشرة.. فيه حد قصد يقطع فرامل العربية عشان يقــ.ـتله وينهي حياته في الحادثة دي!"
الكلمة نزلت علينا كلنا وإحنا مش مستوعبين!
رقية اتخضت وحطت إيدها على بوقها وهي بتشهق بصوت عالي، وسارة وإسلام وحسام بصلوا للظابط بذهول وشفايفهم مفتوحة مش قادرين ينطقوا حرف واحد.
أنا ساعتها.. انهارت تماماً!
قومت وقفت من على الكرسي وأنا بصرخ بصوت عالي جداً وقعدت أتحرك بشكل عشوائي، ودموعي نازلة موقفتش:
"يعني إيه؟! يعني إيه حد قتـ..ــله؟ مين اللي ممكن يعمل فيه كده؟! مين اللي عايز يقتله ويحرمني منه؟! حرام عليكم اتصرفوا ودوروا على اللي عمل كده بدل ما تقولوا كلام يعذبنا!"
قعدت أصرخ وأعيط بحرقة ، وجسمي كله يتنفض، ورقية وسارة قاموا مسكوني وهما بيحاولوا يهدوني والظابط نادى على العسكري يجيب كوباية مية وليمون ليا.
الظابط فضل ساكت شوية، وعينيه ثابتة على الكل.
كان باصصلي بنظرة غريبة... نظرة خلتني للحظة أحس إنه بيحاول يقرأ ردود أفعالنا كلنا، أو يدور على خيط مستخبي بين ملامحنا.
وبعدها بص في الأوراق اللي قدامه وقال بهدوء:
"أنا مقدر حالتك يا مدام سها، بس لازم تفهمي إننا لسه بنحقق. إحنا مش هنقفل الموضوع غير لما نتأكد من كل حاجة."
خرجنا من القسم والدنيا أسودت في وشنا. وبعدها بدأت التحريات تاخد شكل تاني كلياً.
العربية اتفحصت بالكامل، المعمل الجنائي رفع البصمات، واتراجع مسار العربية من أول ما خرج محمد من البيت لحد مكان الحادثة على الطريق..
الكاميرات اتراجعت، حتى موبايل محمد اتفحص، وآخر مكالماته اتحطت تحت المراجعة. والظابط شريف رجع سألنا أكتر من مرة عن معارف محمد وعلاقاته.. بس كل مرة كانت الإجابة واحدة: محمد ملوش أعداء.
بس مع كل يوم كان بيعدي، الأدلة كانت بتختفي وسط احتمالات كتير، والسؤال المحير فضل موجود:
لو الفرامل كانت مقصوصة من بدري، إزاي قدر يسوق من غير ما ياخد باله ؟
بس في النهاية.. ومع عدم وجود شبهة قاطعة على شخص محدد أو أدلة تدين حد، اتقيدت القضية ضد مجهول، واعتبر الجميع الموضوع قضاء وقدر.
الكل اقتنع وصدمة القتـ.ــل بدأت تهدى وسط زحمة الحياة.. أما أنا، فكنت قاعدة في بيتي، لابسة الأسود، وبستقبل العزاء في جوزي وأنا حاسة إن حياتي بقت فراغ مالوش بداية ولا نهاية.
عدت أيام الحزن العميقة والأسود مالي البيت.. لحد ما جه اليوم اللي اتصل بينا فيه المحامي الخاص بمحمد عشان نقابله في مكتبه في وسط البلد، عشان نفتح الورق الرسمي ونبدأ إجراءات إعلام الوراثة وتوزيع التركة...
مكنتش أعرف إن ده هيفتح عليا باب تاني من الحياة مكنتش لسه شايفاه!
ما كنتش أعرف إن الجروح بتيجي ورا بعضها زي الأمواج، ولا كنت متخيلة إن الموت بيبقى ساعات مجرد البداية لصدمات أقسى وأمرّ بكتير من الرحيل نفسه.
كنت بحاول أسامحه في سري على اللحظات الأخيرة اللي شكيت فيه فيها.. بحاول أُقنع نفسي إن كدبه وتليفوناته المستخبية كانت مجرد مشاكل شغل أو نزوة عابرة وماتت معاه، وإني لازم أفتكر له الحلو بس عشان أقدر أكمل.
لكن الحقيقة.. الحقيقة كانت مستنياني، جاهزة تفر قع في وشي وتهد كل اللي فاضل مني.
تاني يوم، خرجت من البيت وأنا حاسة ببرودة شديدة في أطرافي رغم حرارة الجو. رقية وسارة مسابونيش لحظة، كانوا ماشيين جنبي ومسانديني، وحسام وإسلام معانا هما كمان .
العمارة بتاعت المحامي أستاذ فاروق كانت في الشارع الرئيسي بوسط البلد، عمارة قديمة جداً من طراز قديم، أسانسيرها خشب بشبكة حديد، وسلالمها رخام متهالك. طلعنا للمكتب، ودخلنا أوضة الاجتماعات الصغيرة.
الأستاذ فاروق كان راجل كبير في السن، شعره أبيض ، لابس نظارة طبية، وقاعد ورا مكتبه.
أول ما دخلنا، وقف باحترام وقال:
"البقاء لله يا مدام سها.. ربنا يصبرك ويغفر للأستاذ محمد، كان راجل محترم وخلوق."
رديت بنبرة مكسورة:
"ونعم بالله يا أستاذ فاروق.. الحمد لله على كل حال."
قعدنا كلنا حوالين المكتب. رقية مسكت إيدي وقعدت جنبي، وسارة قعدت الناحية التانية، وحسام وإسلام قعدوا على الكراسي اللي ورا.
الأستاذ فاروق فتح ملف أسود كبير قدامه، بدأ يقلب الأوراق ببطء، ويشرح بصوت رتيب الالتزامات المالية، حسابات البنوك، الشقة، والعربية اللي أصبحت خردة بعد الحادثة.
أنا كنت قاعدة ببص للفراغ.. مش مركزة في أرقام ولا أوراق. كل اللي بيتردد في عقلي هو صوت محمد اللي وحشني..
لحد ما الأستاذ فاروق سكت فجأة!
السكوت كان مفاجئ وتقيل. رفع نضارته لفوق جبهته، وبصلنا واحد واحد بنظرة مليانة تردد وارتباك، وبعدين ثبّت عينيه عليا وقال بنبرة جادة جداً:
"قبل ما نكمل قراءة بند الممتلكات وإجراءات إعلام الوراثة يا مدام سها.. فيه نقطة قانونية وشخصية حاسمة لازم أوضحها لحضراتكم جميعاً."
رقية اتعدلت في قعدتها وسألت بفضول:
"نقطة إيه يا أستاذ فاروق؟ فيه مشاكل في حاجة أو ديون؟"
المحامي اتنحنح ببطء، وحط القلم من إيده على الترابيزة، وقال الكلمة اللي صدمتنا كلنا:
"الأستاذ محمد الله يرحمه.. كان متجوز."
أنا بصيت له بذهول، وحسيت بصوته جاي من بعيد أوي. ابتسمت ابتسامة خفيفة عصبية وقلت له:
"أيوة طبعاً يا أستاذ فاروق.. ما أنا مراته! أنا سها!"
المحامي هز راسه بأسف ونزل عينيه في الأرض وقال بوضوح:
"أنا فاهم يا مدام سها.. بس قصدي إن الأستاذ محمد كان متجوز واحدة تانية من 3 سنين, صحيح هو جواز عرفـ.ـي مش معتد بيه قانونيًا، لكنه كان كاتب لها قبل مايموت ثلث التركة بتاعته.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.
جواز عـ.ــرفي؟! وتلات سنين؟! وكاتب لها ثلث كل حاجة بيملكها؟!
الدنيا بدأت تدور بيا بسرعة مرعبة، الصوت اللي حواليا اختفى تماماً، مكنتش سامعة باقي الكلام ولا كنت أتوقع إن اللي جاي أسوأ بكتير ....
الراجل اللي كنت بكلمه وبراقبه وبشك فيه وبدور وراه من ساعات بس.. انتهى خلاص؟ مبقاش موجود في الدنيا؟
اللحظات اللي بعد كدة مرت عليا زي الحلم الكئيب والمشوش.
مش فاكرة تفاصيل كتير من الساعات الأولى.. تليفونات، صريخ، أهلي وأهله، ورقية وسارة اللي جم يجروا على شقتي وهما بيعيطوا وياخدوني في حضنهم مصدومين.
حسام وإسلام خلصوا كل إجراءات المستشفى والتصاريح، وكانوا واقفين زي الرجالة في ضهري وبيحاولوا يستوعبوا الكارثة اللي حصلت.
الجنازة كانت تقيلة , كل حاجة كانت بتعدي قدام عيني زي فيلم أبيض وأسود شريط شغال بسرعة مرعبة وأنا مجرد متفرجة مش قادرة أتحرك ولا أنطق كلمة.
بعد العزا ما خلص بيومين، طلبنا الظابط شريف في قسم الشرطة عشان يسمع أقوالنا ونقفل المحضر بتاع الحادثة..
روحنا كلنا القسم.. أنا، ورقية، وحسام، وسارة، وإسلام. قعدنا في مكتب الظابط. المكتب كان واسع، ريحته سجاير وأوراق قديمة، والجو جوة كئيب ومكتوم.
الظابط كان قاعد ورا مكتبه الخشب الكبير، وشه صارم وملامحه حادة. قعد يقلب في الفايل اللي قدامه ببطء شديد، وبعدين رفع عينيه وبصلنا واحد واحد بنظرات فاحصة جداً.
اتنحنح وقال بنبرة هادية بس فيها حزم شديد:
"يا جماعة.. أنا طلبتكم كلكم النهاردة عشان نسجل أقوالكم الأخيرة قبل ما نقفل المحضر. وعشان فيه أسئلة مهمة لازم أسمع إجابتها منكم بمنتهى الصراحة."
بصلي بتركيز وقدم جسمه لقدام:
"مدام سها.. هل أستاذ محمد الله يرحمه كان ليه أي أعداء؟ هل كان فيه بينه وبين حد أي خصومة شخصية، أو مشاكل مالية، أو تهديدات من أي نوع؟"
أنا حطيت المنديل على عيني، ومسحت دموعي اللي كانت بتنزل ومش راضية تقف، وقلت بصوت مبحوح:
"محمد ده كان أطيب خلق الله.. ملوش في المشاكل خالص، ملوش أي أعداء في الدنيا دي كلها، وعمره في حياته ما أذى حد أو اختلف مع حد!"
حسام اتكلم بسرعة وأكد كلامي بنبرة حزينة:
"فعلاً يا أفندم، محمد صاحبنا من سنين طويلة، بني آدم عايش في حاله، ومستحيل يكون ليه أعداء أصلًا."
وإسلام ورقية وسارة هزوا رأسهم وأيدوا الكلام بنفس النبرة الحزينة المصدومة:
"الراجل ده كان ملاك ماشي على الأرض وملوش في المشاكل ولا القضايا خالص."
الظابط شريف سكت خالص. قفل الفايل اللي قدامه، وشبّك صوابع إيديه مع بعضها ونزل راسه شوية كأنه بيفكر في حاجة. وبعدين رفع راسه وبصلنا كلنا بنظرة مليانة شك وعلامات استفهام، وقال بنبرة مريبة هزت القعدة:
"الكلام ده جميل جداً يا مدام سها.. وشهادتكم كلكم في حقه تحترم وتؤخذ بعين الاعتبار.
بس التقرير الفني المبدئي لمعاينة عربية أستاذ محمد اللي جالي من خبير المرور والأدلة الجنائية.. بيقول كلام تاني خالص ومختلف تماماً عن اللي بتقولوه!"
كلنا اتعدلنا في القعدة بذهول، ودموعي اتجمدت في عيني. رقية بصت للظابط بتركيز وإسلام وحسام بصوا بتركيز.
الظابط شريف كمل كلامه وهو بيخبط بصباعه على الترابيزة الخشب مع كل كلمة:
"التقرير الفني بيكشف إن الفرامل في عربية أستاذ محمد كانت متقطعة وبايظة تماماً! الفرامل مكنتش متآكلة من الاستعمال الطبيعي ولا اتفككت بالصدفة.. الفرامل كانت مقصوصة بآلة حادة وبأدوات متخصصة قبل ما يتحرك بالعربية بفترة قصيرة!"
سكت ثانية وعينيه بتفحص ردود أفعالنا، وبعدين كمل بصوت أتقل:
"ومستحيل راجل بعقله ووعيه يكون اتحرك بالعربية دي على طريق سفر سريع ومفتوح وهو شايف وملاحظ إن مفيش فرامل إطلاقاً.. الموضوع ده فيه شبهة جنـ.ــائية صريحة ومباشرة.. فيه حد قصد يقطع فرامل العربية عشان يقــ.ـتله وينهي حياته في الحادثة دي!"
الكلمة نزلت علينا كلنا وإحنا مش مستوعبين!
رقية اتخضت وحطت إيدها على بوقها وهي بتشهق بصوت عالي، وسارة وإسلام وحسام بصلوا للظابط بذهول وشفايفهم مفتوحة مش قادرين ينطقوا حرف واحد.
أنا ساعتها.. انهارت تماماً!
قومت وقفت من على الكرسي وأنا بصرخ بصوت عالي جداً وقعدت أتحرك بشكل عشوائي، ودموعي نازلة موقفتش:
"يعني إيه؟! يعني إيه حد قتـ..ــله؟ مين اللي ممكن يعمل فيه كده؟! مين اللي عايز يقتله ويحرمني منه؟! حرام عليكم اتصرفوا ودوروا على اللي عمل كده بدل ما تقولوا كلام يعذبنا!"
قعدت أصرخ وأعيط بحرقة ، وجسمي كله يتنفض، ورقية وسارة قاموا مسكوني وهما بيحاولوا يهدوني والظابط نادى على العسكري يجيب كوباية مية وليمون ليا.
الظابط فضل ساكت شوية، وعينيه ثابتة على الكل.
كان باصصلي بنظرة غريبة... نظرة خلتني للحظة أحس إنه بيحاول يقرأ ردود أفعالنا كلنا، أو يدور على خيط مستخبي بين ملامحنا.
وبعدها بص في الأوراق اللي قدامه وقال بهدوء:
"أنا مقدر حالتك يا مدام سها، بس لازم تفهمي إننا لسه بنحقق. إحنا مش هنقفل الموضوع غير لما نتأكد من كل حاجة."
خرجنا من القسم والدنيا أسودت في وشنا. وبعدها بدأت التحريات تاخد شكل تاني كلياً.
العربية اتفحصت بالكامل، المعمل الجنائي رفع البصمات، واتراجع مسار العربية من أول ما خرج محمد من البيت لحد مكان الحادثة على الطريق..
الكاميرات اتراجعت، حتى موبايل محمد اتفحص، وآخر مكالماته اتحطت تحت المراجعة. والظابط شريف رجع سألنا أكتر من مرة عن معارف محمد وعلاقاته.. بس كل مرة كانت الإجابة واحدة: محمد ملوش أعداء.
بس مع كل يوم كان بيعدي، الأدلة كانت بتختفي وسط احتمالات كتير، والسؤال المحير فضل موجود:
لو الفرامل كانت مقصوصة من بدري، إزاي قدر يسوق من غير ما ياخد باله ؟
بس في النهاية.. ومع عدم وجود شبهة قاطعة على شخص محدد أو أدلة تدين حد، اتقيدت القضية ضد مجهول، واعتبر الجميع الموضوع قضاء وقدر.
الكل اقتنع وصدمة القتـ.ــل بدأت تهدى وسط زحمة الحياة.. أما أنا، فكنت قاعدة في بيتي، لابسة الأسود، وبستقبل العزاء في جوزي وأنا حاسة إن حياتي بقت فراغ مالوش بداية ولا نهاية.
عدت أيام الحزن العميقة والأسود مالي البيت.. لحد ما جه اليوم اللي اتصل بينا فيه المحامي الخاص بمحمد عشان نقابله في مكتبه في وسط البلد، عشان نفتح الورق الرسمي ونبدأ إجراءات إعلام الوراثة وتوزيع التركة...
مكنتش أعرف إن ده هيفتح عليا باب تاني من الحياة مكنتش لسه شايفاه!
ما كنتش أعرف إن الجروح بتيجي ورا بعضها زي الأمواج، ولا كنت متخيلة إن الموت بيبقى ساعات مجرد البداية لصدمات أقسى وأمرّ بكتير من الرحيل نفسه.
كنت بحاول أسامحه في سري على اللحظات الأخيرة اللي شكيت فيه فيها.. بحاول أُقنع نفسي إن كدبه وتليفوناته المستخبية كانت مجرد مشاكل شغل أو نزوة عابرة وماتت معاه، وإني لازم أفتكر له الحلو بس عشان أقدر أكمل.
لكن الحقيقة.. الحقيقة كانت مستنياني، جاهزة تفر قع في وشي وتهد كل اللي فاضل مني.
تاني يوم، خرجت من البيت وأنا حاسة ببرودة شديدة في أطرافي رغم حرارة الجو. رقية وسارة مسابونيش لحظة، كانوا ماشيين جنبي ومسانديني، وحسام وإسلام معانا هما كمان .
العمارة بتاعت المحامي أستاذ فاروق كانت في الشارع الرئيسي بوسط البلد، عمارة قديمة جداً من طراز قديم، أسانسيرها خشب بشبكة حديد، وسلالمها رخام متهالك. طلعنا للمكتب، ودخلنا أوضة الاجتماعات الصغيرة.
الأستاذ فاروق كان راجل كبير في السن، شعره أبيض ، لابس نظارة طبية، وقاعد ورا مكتبه.
أول ما دخلنا، وقف باحترام وقال:
"البقاء لله يا مدام سها.. ربنا يصبرك ويغفر للأستاذ محمد، كان راجل محترم وخلوق."
رديت بنبرة مكسورة:
"ونعم بالله يا أستاذ فاروق.. الحمد لله على كل حال."
قعدنا كلنا حوالين المكتب. رقية مسكت إيدي وقعدت جنبي، وسارة قعدت الناحية التانية، وحسام وإسلام قعدوا على الكراسي اللي ورا.
الأستاذ فاروق فتح ملف أسود كبير قدامه، بدأ يقلب الأوراق ببطء، ويشرح بصوت رتيب الالتزامات المالية، حسابات البنوك، الشقة، والعربية اللي أصبحت خردة بعد الحادثة.
أنا كنت قاعدة ببص للفراغ.. مش مركزة في أرقام ولا أوراق. كل اللي بيتردد في عقلي هو صوت محمد اللي وحشني..
لحد ما الأستاذ فاروق سكت فجأة!
السكوت كان مفاجئ وتقيل. رفع نضارته لفوق جبهته، وبصلنا واحد واحد بنظرة مليانة تردد وارتباك، وبعدين ثبّت عينيه عليا وقال بنبرة جادة جداً:
"قبل ما نكمل قراءة بند الممتلكات وإجراءات إعلام الوراثة يا مدام سها.. فيه نقطة قانونية وشخصية حاسمة لازم أوضحها لحضراتكم جميعاً."
رقية اتعدلت في قعدتها وسألت بفضول:
"نقطة إيه يا أستاذ فاروق؟ فيه مشاكل في حاجة أو ديون؟"
المحامي اتنحنح ببطء، وحط القلم من إيده على الترابيزة، وقال الكلمة اللي صدمتنا كلنا:
"الأستاذ محمد الله يرحمه.. كان متجوز."
أنا بصيت له بذهول، وحسيت بصوته جاي من بعيد أوي. ابتسمت ابتسامة خفيفة عصبية وقلت له:
"أيوة طبعاً يا أستاذ فاروق.. ما أنا مراته! أنا سها!"
المحامي هز راسه بأسف ونزل عينيه في الأرض وقال بوضوح:
"أنا فاهم يا مدام سها.. بس قصدي إن الأستاذ محمد كان متجوز واحدة تانية من 3 سنين, صحيح هو جواز عرفـ.ـي مش معتد بيه قانونيًا، لكنه كان كاتب لها قبل مايموت ثلث التركة بتاعته.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.
جواز عـ.ــرفي؟! وتلات سنين؟! وكاتب لها ثلث كل حاجة بيملكها؟!
الدنيا بدأت تدور بيا بسرعة مرعبة، الصوت اللي حواليا اختفى تماماً، مكنتش سامعة باقي الكلام ولا كنت أتوقع إن اللي جاي أسوأ بكتير ....
