Ads by Google X

القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية الباسمة كاملة) بقلم روتيلا حسان جميع الفصول من الاول حتي الاخير


 رواية الباسمه 

الفصل الاول والثاني 

بقلم روتيلا حسان 


.

بحركة متباطئةٍ تودع كل مكان تخطو فيه.. تتذكر أمها مع كل خطوة بمواقف مر عليها سنين من الشوق لها ... الشوق للمساتها الحنون... الشوق لبسمتها ..الشوق لصوتها ونغماته الشوق لأحضانها  التي كانت تحيطها بطبقات وطبقات من الصمود والقوة والكبرياء والحب  ..


كانت تلمس بحنين قادم لا محالة  أثاث منزلهم البسيط وقفت أمام حائط بغرفة المعيشة كان من تنسيق والدتها الحنون التي أرادت بذلك الحائط أن تجمع كل ذكرياتها من القرية عندما تركتها مرغمة  ولمستقبل ابنتها .... صور عديدة تضم الأهل الذين رحلوا والأخرين الذين كانت تشتاق لهم .. حتى أصبحت هي نفسها صورة حملها الحائط تحت عنوان رحلت بالجسد لكن بقيت بالروح والحب الذي نشرته حولها ..


مررت يديها على صورة كانت الأقرب لقلبها لأنها كانت تحمل كل من تحبهم  فلمست بأطراف أناملها الرقيقة  كل من بها ..

والدها الحبيب الرجل السبعيني الذي يحمل قلب طاهر برئ كالأطفال ..

ثم رفعت أناملها عن وجه والدها وانتقلت لتلك التي كان يحاوطها بإحدى ذراعيه وهي ترفع رأسها لتنظر له كأنه الرجل الأوحد بالعالم وهو كان كذلك أفلم يرحل كل أهلها عن الدنيا فلم يتبقى سواه حبيب و زوج وصديق وطفل ..


لتنتقل بيديها لوجهها هي الطفلة الصغيرة التي كان يحملها والدها بالذراع الأخرى فتسعد بالتشابه الكبير بينها وبين أمها ببشرتها القمحية والشعر الكستنائي اللامع  بينما طولها وعينيها البنية  فأخذتهم من أبيها لتشبه ذلك الذي لمسته بطرف أناملها بلطف ابن عمها الذي كان شاب صغير بالصورة  ويكبرها بخمسة أعوام يحمل كل ملامح أمه الوسيمه ببياض البشرة الخفيف لكن برجولة تصيب قلب الفتيات بسهام الحب الوهمية ..وتضحك عندما تشاهد هاتان الجميلتان اللتان تشبهان الدمى الشقراء بعيون زرقاء رباب وابنة خالتها ليلى التي كانت لا تفارقها بالبيت أو حتى الأن بالصورة  ..

ثم عمها علي الرجل الطيب الذي يصغر والدها وهو ينظر لتلك الذهبية القصيرة المكتنزة إعتماد زوجته وعشقه الذي لا يرفض لها طلبأ أبداً...

 وبالمنتصف تماماً كانت تجلس الجدة صباح كأخر صورة لها  قبل أن تلحق بالأحباب بين التراب ..

تركتها مكانها  و لم تحملها بين أغراضها التي ستنقلها معها فهي في طريقها إليهم على كل حال .. 

في طريقها للأحباب...


 تأكدت من إغلاق النوافذ وهي تسترق النظر مع كل واحدة  للشارع والبيوت المحيطة ...

لم تنسى إغلاق محابس المياه والغاز وبالنهاية وصلت للباب الأخير والذي يفصلها عن ثماني عشر عام عاشت بها بهذا المكان الذي حضرت إليه طفلة لم تتجاوز الثانية عشر لتغادره ابنة الثلاثين بقلب نابض بالحنين للماضي القريب هنا  والبعيد بقريتها والخوف من القادم ... 


مدت يدها أخيراً لقابس الكهرباء الرئيسي لتغلق معها كل الأنوار وتقابل عينيها ظلمة تخشى أن تكون ممتدة للمستقبل ... ومع خطواتها الأخيرة لغلق الباب أخذت نفس عميق وأخرجته ببطئ مع تقابلها مع  النظرات الهاربة لجارها أحمد وخطيبها السابق الذي طأطأ رأسه بعد رؤيته لوقفتها القوية أمامه وكأن ثلاث سنوات من الخطوبة لم تُسرق من عمرها وكأن الواقف أمامها لم يخذلها 

لينطق بخزي واضح : أسف 


تخطته هامسة بسخرية : أنا لست كذلك ...


تطرق الأرض بخطواتها القوية مبتعدة عن من تخيلته يوماً إنه عوضها وسندها ..

عن من تخيلت إنه الجار الصالح الذي وجد بها الزوجة المناسبة وهي كذلك... فخطوبتهم التقليدية والتي وافقت عليها وساندته يوماً بعد يوم وشهراً بعد شهر حتى اتيحت له فرصة سفر ليغيب أكثر من عامين  ويعود بوجه أخر ونية أخرى ...


طوال اغترابه تحملت لسان أمه وبكائها على تغرب ابنها  الوحيد على ثلاثة بنات ليحقق أحلامي من وجهة نظرها  بالحصول على سكن زوجية خاص وكأنه لا يحق لي...  وكانت تطالبني بالزواج والإقامة مع أبي والذي لا يحتاج لكل مساحة الشقة ذات الايجار المنخفض طمعاً لم انتبه له سابقاً ..


تخطت بوابة العمارة السكنية القديمة للشارع الصغير حيث تقبع سيارة والدها الأجرة مصدر رزقه الوحيد ..

عدلت حجابها ورفعت عينيها للسماء لتشاهد الغيوم البعيدة ثم انتبهت لنداء والدها 

: ابنتي هل انتهيت من إغلاق الشقة جيداً

 : نعم يا أبي 

يعود الوالد الذي تناول من يدها حقيبة صغيرة تحمل بعض المعجنات وماء للطريق ويضعها بالسيارة 

ثم يدور ليجلس على مقعد السائق بينما تلحقه ابنته : هيا صغيرتي نريد أن نصل للبلدة بالنهار 

توكلنا على الله . 

ثم أخذ يردد بصوت مسموع 


(الله أكبر ، الله أكبر ، سبحان الذي سخرلنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون .اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ، ومن العمل ما ترضى ، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطوي عنا بعده ،اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل ،اللهم اني أعوذ بك من وعثاء السفر ،وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والاهل) 


والذي رددته ابنته خلفه و هي تودع الشارع الذي شبت  به والحي ثم ينطلقوا لخارج المدينة الكبيرة التي لجأوا إليها من سنين ليلحقوها بمدرسة مناسبة لظروفها الخاصة بعيداً عن القرية التي نبذت إعاقتها واستهانت بها ...كلما زاد الشارع اتساعا داخل المدينة كلما اتيح لها التفكير بوالدها الذي يقود السيارة بتركيز تنظر له بتنهيدة خافتة تحدث نفسها 

 : والدي تغير أكاد أجزم بذلك  منذ شهرين ساندني بقراري للإنفصال عن أحمد ليبدل رأيه من اسبوعين فقط ويبدي استعداده حتى لترك شقته لأتزوج بها  ...

ما الذي دعى أبي للتخلي عن رأيه بأن أحمد لا يستحقني ...

لترد نفسي على سؤالي  بإن ما اختلف هو اغماءاته المتكررة ونوبات الصداع التي تهاجمه بضراوة والتي أجهل سببها بالرغم من محاولاتي الحثيثة لمعرفتها واصراره إنها فقط إهماله باخذ علاج السكر أو إرهاقه

ومع اصراري برفض العودة لأحمد يصر والدي بإنه حان الأوان للعودة للقرية ...


ومع نطقي باسم قريتي أجد نفسي وقد بدأ الطريق الفردي المؤدي لها والذي يحيط به النيل من جانب والمزروعات من الجانب الأخر ...

أفتح النافذة بجانبي لاستنشق عبير الهواء والذي أعادني لذكرى عودتي القليلة للقرية والتي كانت كثيرة بالبداية ثم تباعدت بالتدريج بعد وفاة جدتي لأبي حتى أصبحت مرات معدودة  تركت علامات حزن بقلبي حتى أصبح الطريق لهناك طريق للجنازة مرة بدفن أمي وأنا في السادسة عشر بعد صراعها مع المرض ومرة أخرى بعدها بستة أعوام لدفن قلبي عندما قرر هارون الزواج

 ...تعود وتغلق النافذة عن الذكرى التي أشعلت بداخلها نار الحنين وحب المراهقة لابن العم  لتبتسم لنفسها كيف كنت صغيرة بتفكيري ومراهقة مشاعري تصورلي عطفه واهتمامه  بالحب... الحمد لله الذي جعلني استفيق لنفسي بزواجه وحتى عند انفصاله منذ خمسة أعوام  لم تتحرك بي نفس المشاعر أو دقات القلب الخجولة ويبدو أن المثل القائل بعيد عن العين بعيد عن القلب هو حقيقة ثابتة في عالمنا ....

وفي غمرة أفكارها مدت يدها لداخل حقيبتها تملس حجاب رقيق من الحرير الوردي وهي تبتسم وتعود برأسها للخلف وتغمض عينيها في راحة  وتذهب بأحلامها بعيداً دون الانتباه لفعلتها التي تقوم بها منذ وفاة والدتها باحتضان ذلك الحرير مبعدة عن تفكيرها بإنه هدية هارون لها 

عندما حثها بعزاء أمها بارتداء الحجاب حين وجدها على درجات السلم  خارج شقتهم تبكي وسمع شكوتها ليجلبه لها باليوم التالي لتداري سماعة الأذن التي كانت بحجم كبير نوعاً وقتها وكانت جاذبة للأطفال بحبهم للاستطلاع و نظرات وأسئلة السيدات الفضولية على قدرتها على الاستماع الأن عما كانت وهي صغيرة  .. 

تنسى وتنام قريرة العين كلما قابلها موقف بحياتها اليومية  باحتضانها لقطعة الحرير تلك متخيلة إنها مصباحها السحري لتحقيق الأمنيات وجلب السعادة .....

تستيقظ على صوت والدها ولمس يده ليدها  القريبة منه: هيا يا صغيرتي استيقظي لقد اقتربنا والحمد لله .

تفتح عينيها وهي تنظر لخارج النافذة باحثة عن الأشجار والمزروعات فلا تجدها وتجد مكانهم كتل خرسانية قبيحة المنظر عشوائية التصميم ..

: يا إلاهي ..ماذا حدث ..أين قريتي 

يبتسم الأب بمرارة : لقد تغير كل شيئ أصبحت القرية مجرد مسمى تتهرب به أي إدارة حكومية  لتأخير إمدادها بمقومات الحياة من ماء وكهرباء ومدارس ومستشفيات فمن وجهة نظرهم القرى لا تحتاج لكل هذا التبذير  وهكذا فعلها الناس بعشوائية بناء بدون ترخيص ومد مياه للشرب والكهرباء بالجهود الذاتية دون تخطيط وطبعاً مخالف ..

وكما تري تلك هي النتيجة.

ترد وقد غلب على نبرتها  الحزن : 

 نعم  أصبحت القرية بلا أرض زراعية ولا أشجار مجرد اسم لذكرى قديمة  ..

إلتفتت لأباها بتنهيدة 

:أتمنى أن شجرة الصفصاف التي زرعتها لي وأنا صغيرة أمام نافذة حجرتي قد سلمت من هذه المذبحة  فهي كانت أول شيء أفتقدته عند انتقالنا للمدينة 

يبتسم الأب : لا أعتقد إنها أزيلت لا تقلقي ستجديها ..وخاصة إنها بقطعة الأرض خلف منزلنا  والتي جزء من بيتنا وتعتبر كحديقة صغيرة يطل عليه كامل البيت 

ثم يضحك عاليا : وسنجد أيضا تعريشة العنب التي كانت  مكان جدتك المفضل 

تضحك الباسمة : نعم والتي كانت إعتماد زوجة عمي تنهي على أوراقها معاندة لجدتي بحجة حب عمي علي لطواجن ورق العنب وكانت جدتي تجن منها 

يضحك الأب عاليا : نعم نعم ...يرحمك الله يا أمي

تبتسم الباسمة بحنين : يرحمها الله  ..و يرحم موتانا جميعاً

ينظر الأب بطرف عينه لأبنته وهو يقود ببطئ  ليصل بها للمكان الذي يأمل أن يكون هو الأمان لها من بعده ...يا الله ساعدني حتى أضعها عند من يصونها 

 أعلم إنه مقدر ومكتوب ولكني لن أشعر بالراحة حتى اطمأن على صغيرتي الوحيدة ..

يا رب يكون عودتي هو القرار الصحيح...

حدثته بتردد : أبي هل تعتقد أن المدير بمدرسة القرية  سيتقبل نقلي اليها مع ظروفي الخاصة 

ينظر لها والدها  وهو عاقد جبينه بحركة تعودت عليها ابنته عندما يريد توبيخها بلطف 

ثم يعاود النظر للطريق : وماهي تلك الظروف 

: أنت تدري يا أبي ... فقد السمع بإحدى أذناي والضعف الشديد بالأخرى حتى إني لا استطيع السمع إلا بواسطة سماعة الأذن الطبية 

: نعم والتي والحمد لله تقوم بدورها والتي والحمد لله لم تمنعك من إكمال دراستك والتفوق فيها حتى أصبحتي مدرسة تاريخ ..ونقول أيضا الحمد لله إن اصابتهم كانت عندما أصبح عمرك تسع سنوات عندما أصابتك الحمى الشوكية فنجاكي الله من فقد النطق وقدرتك الطبيعية على الكلام حتى يخيل لمن لا يعرف بظروفك إنك طبيعية تماماً..ولكنك تفقدي أو تنسي قدرتك على الكلام عندما تتوتري ...وهذا ما يزيد خوفي عليكِ 

لماذا القلق يا حبيبتي .... لماذا يا ابنتي 

أشارت له والدموع بعينيها لا تعرف 

: عندما تستعملي لغة الإشارة أعرف أن وحيدتي عادت لقوقعتها التي تحيط نفسها بها ..عادت للخوف ..وهو أمر يصيبني بالضعف ..لا أريدك خائفة أريدك صلبة كما ربيتك واثقة من نفسك

مررت يدها بضعف على وجهها ثم جففت أثر الدموع :  لا أدري يا أبي .. أشعر أني لا أعود لموطني بل أشعر إني تركت موطني ..هناك بالمدرسة التي كنت أعمل بها حيث أجد نفس ظروفي .. هناك كنت أساعد طلاب يعانوا أكثر مني كنت أشعر إني ببيتي لكن هنا مكان جديد وحياة جديدة ولا تنسى إنك بنفسك تركتهم بالماضي عندما شعرت إنهم كانوا يأذوني ويأذوا أمي 

: الوضع غير 

: كيف 

الأب بدعاء صامت أجابها : ابنتي أعتقد إن أهل القرية قد تغيروا عن الماضي... بالماضي كانت هناك صور مكررة من جدتك رحمة الله عليها بالتفكير الفطري الذي ولدوا به أن االأبن لابد وأن يكون له ذرية كبيرة والأفضل طبعا يكونوا من الذكور فكان تأخر أمال بالحمل دعوة لهم بالتدخل وإقتراح الزواج من أخرى وهذا ما كنت مستحيل أن أفكر به وخاصةً إنها كانت نعمة الزوجة المحبة لي والمقدرة لظروفي فكيف كنت أكافئها بهذا وخاصة وإن مصابنا واحد بل بالعكس هي كانت أكثر بإحتمالها بصبر جميل لسان المقربين منا وخاصة وإن أخي الأصغر تزوج وأنجب هارون ...

ثم قطع كلامة بضحكة وعاطفة تحاوط ابنته دائماً: وبعد صبرنا منحنا الله صغيرتي الجميلة والتي ترافقني الأن لرحلة العودة ..

بنظرة ساخرة أجابته : هل تعتقد يا أبي الحال تغير وأصبحوا أكثر تفهماً وإحتواء لنواقص بعضهم البعض ..و لأصدقك القول إذا حدث هذا بقريتنا سأشعر بالندم على تركنا لهم وأنا صغيرة ..على الأقل كنا لم نعاني بغربتنا داخل وطنا 

ثم صمتت ....

نعم لابد وأن تصمت ابنتي فهي قابلت الكثير بحياتها وسمعت الكثير وخاصة عندما كبرت وأصبحت عروس جميلة متعلمة وموظفة فكانت بالنسبة لشباب اليوم فرصة جيدة ولكن بمجرد علمهم ومع اصرارها الدائم بالمصارحة من البداية يهربوا ويختفوا وكأن ما بها مرض يصيبهم بالخوف والعدوى ...

لو يعلموا كيف كانت بسمتها وهي بالمهد هي البلسم الذي مدني بالحياة عندما حملتها أبكي أمها التي كانت تنزف بعد ولادتها وتفقد رحمها وتقاوم الموت ..كيف بتلك البسمة التي لا أدري إذا كانت دموعي التي غشيت عيني هي السبب في تخيلي انها تبتسم أم كانت بسمة حقيقية  لأنطق لأخي الذي كان يجاورني 

: باسمة 

علي بتعجب من الاسم : ماذا قلت يا حسن ..تقصد بسمة يا أخي 

: اكتبها بالدفاتر الرسمية الباسمة حسن

,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,


  يخرج من مكتبه بطوله الفارع وجسدة الرياضي ووسامة ورثها من أمه ذات الأصول الشامية يحاول أن يداريها بوجهه الصارم وانعقاد جبينه دوماً  و قصة شعره القصير جداً والتي يعتمدها حتى يخفي لونه البني المائل للشقار مع سمرة وجه  حصل عليها بكثرة تمارينه تحت اشعة الشمس مع  خطواته الواثقة التي من يسمعها يشعر كـأنها مطارق على رؤسهم تعكس بوضوح مواصفات صاحبها  فيقفوا  لتحيته وهم ملتصقين بالحائط متأملين أن لا يراهم فيكون نهارهم  مثل سواد طبعه الذي أختبروه العديد من المرات من وقت استلامه القريب للعمل بينهم ..  يقتحم كأعصار مكتب تصدر منه أصوات عالية  ليجد مأذون يجلس بين شاب يظهر على وجهه أثار صفعات وملابسه ممزقة وفتاة مشعثة الشعر يلطخ وجهها مساحيق تجميل ثقيلة وكحل يسيل على وجهها  ورجلان وامرأة كبار في السن يقفوا  في الخلف

صمتوا عن تراشقهم بالكلام بمجرد دخوله 


ينظر بضيق للشرطي صغير السن الذي يقف امامه وبصوته الجهوري : ماذا يحدث هل تحول المخفر  لقاعة أفراح 

 

يخفض الشرطي يده التي رفعها بالتحية العسكرية  ويشرح بتردد وخشية  : سيدي ..  المتهم اختار عقد القران  والأوامر..

 

يقاطعه بإشارة من يده وهو يتناول ملف القضية من على سطح المكتب الذي يفصله عنه : اغتصاب أم  أداب 

يقاطعه أحد الرجلين باعتراض : لا يا بك .. ابني مظلوم الشرطة قبضت عليه ظلم  كان وخطيبته بالشقة لمعايناتها قبل تأجيرها لتكون بيت الزوجية لكن منهم لله من لفق له التهمة

  

لا يعير الشرطي الكبير أهمية بكلام الرجل وهو يتصفح محضر الضبط وهو يبتسم بسخرية 

: لا فعلا مظلوم مقبوض عليه في شقة مشبوهة وفي حالة تلبس هو والسيدة

لتنطق السيدة الكبيرة حبزن :  ابنتي مظلومه  

ينظر هارون  للمأذون : هل انتهيت يا شيخ 

: نعم  

يلقي بالملف الذي بيده على المكتب  وبصوت عالي : اغلق المحضر وأخرجهم من القسم ...مردداً في نفسه : استغفر الله العظيم 

يعود لمكتبه الذي حصل عليه بترقيته لرتبة  مقدم شرطة من أسبوعين فقط مع حركة تنقلات كان يأمل أن يصيبه الحظ بمكان يساعده على الوصول لمراكز أهم في الوزارة ولكن كالعادة منح الابتعاد عن حلمه .. فعكس كل احباطاته على كل المحيطين به في مكان عمله فأصبحوا يتجنبوا غضبه بشق الأنفس ....

يعود ويرمي نفسه  على مقعد مكتبه بإرهاق وهو يمرر يده على شعره بعصبية ثم يسمح للقادم بالدخول  

: السلام عليكم 

يقف بابتسامة ليسلم بترحاب على صديقه وابن خالته  : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته  ..كيف حالك يا هشام    

 

: الحمد لله ...كنت قريب فجئتك مباركاً على الترقية والنقل 

 

يجلس هارون  بضيق واضح : تفضل بالجلوس يا أخي 

هشام بتوجس : ما بك 

:علام المباركة... الترقية والنقل و التي انتظرتهم منذ أعوام  جاء بصورة بعيدة عن تطلعاتي الشخصية 

 

:لما ..


يتحرك بقلق في مكانه مقربا من المكتب سانداً عليه بمرفقيه :هل تعلم كم قضية تتحول من المخفر للمأذون لدرجة ان الرجل يخبرني بفكاهة أن عقود القران التي يحصل عليها من هنا تفوق ما يتحصله من خارجه ...أشعر كأني بإدارة توفيق رأسين بالحلال وليست مكافحة الأداب 


يضحك هشام بتسلية :ما المشكلة يريدون تخفيض تكاليف الزواج وأنت بالمقابل تكسب ثواب 


تغيب الضحكة من على وجه هشام عندما يسمع هارون


: الثغرة بالقانون يستغلها أصحاب القلوب الضعيفه أتدري هناك حالات شاذة بالمجتمع تستحق انتزاعها من الجذور مثل حالات الاغتصاب والتحرش وحتى البغاية وكل تلك الحالات لن تنتهي ما لم يكن القانون رادع ...لن أتحدث عن الحالات الانسانية والتي كل همها التستر على شرف البنت ولكن كيف ستستقيم الحياة ما لم يوقع أشد الجزاء بالجاني ..

هشام بتنهيدة : لديك كل الحق.. لكن الحل لن يرضي الجميع والقوانين كانت تحمي بالأساس الفتيات التي يغرر بهم فيرد لهم حقوقهم وسمعتهم 

: أي سمعة يا صديق وعقد قرانها يتم بمخفر شرطة  ...

ثم يشيح بيده ويحدثه بلطف : أعذرني لقد أشغلتك بالأمر 

يبتسم هشام وبواقعية 

: لا تنكر يا هارون أن النقل كما فيه من عيوب فيه جانب آخر وهو عائلتك التي طال غيابك عنهم وخاصة بالأعوام الأخيرة 

ثم يصمت هشام قليلا لينقل لهارون بعض عتابه بنظرات ذات مغزى

: وحتى لتبتعد عن شقة المرح التى اعتدت أن تقضي بها الأجازات مع أصدقائك 

يضحك هارون عاليا وهو يعود بكرسية للخلف بصخب واضح وكأنه تحول لشخص أخر غير الرجل القيادي الذي لمسه صديقه منذ قليل 

: تحولت يا ابن خالتي بالعشرة إلى محقق ناجح ...لكن لا تخشى على هارون العابد فكلها جلسات مرح وتسلية ولا يتعدى وجود الجنس الناعم بها عن  المحادثات البريئة... أنا لا أقرب الحرام يا أخي ..ولكي يطمأن قلبك تعال معي  فقريباَ سيعدوا لي احتفال بمناسبة الترقية منها تسلي وقتك  ومنها يطمأن قلبك على ابن خالتك

يضحك هشام : لا...أنت تعرف خالتك إحسان إذا تأخرت ساعة واحدة عن موعد عودتي تبحث عني كطفل تائة وليس شاب تعدى الثلاثين منذ عام 

هارون بجدية :

وبما إنك تخطيت الثلاثين ألم يحن آوان الزواج وخاصة وإنك استقريت بالعمل أخيرا أنت الآخر بالقرية بتعينك هناك بالمدرسة الإعدادية 

: الحمد لله وهذا ما أفكر به حاليا ..

ثم نظر ضاحكا لهارون : لكن أبداً لن أقدم عليها حتى يسبقني الأخ الأكبر الذي تعدى عمره الخامسة والثلاثين 

: لا أعفيني ..لقد جربته وبرأت منه ...

صمت هارون قليلاً وهو يبلع غصة بحلقه بوضوح لم تخفى عن هشام ثم يواصل حديثه بهدوء

: هل وصلتك أخر الأخبار عن عمي حسن ..

:نعم ..أخيراً عاد الطير المهاجر ..على ما يبدو  إن نقلك وعودة عمك ستكون حديث قريتنا بالفترة القادمة 

يقف هارون يجمع أشيائه من على المكتب وبقلق حقيقي على أحوال عمه الغريبة : نعم ربنا يسمعنا خير عنه ..هيا نعود معاً حتى نكون باستقبالهم أنا أنتهيت حالياً من العمل الموكل لي .,,

,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

  

وهناك كانوا بالانتظار العم علي و زوجته اعتماد وابنتهم رباب والتي بالرغم من بعد المسافات وتلاهي الدنيا ظلت على اتصال مع الباسمة بالرغم إنها تصغرها بست أعوام . ..تجمعهم صداقة جميلة عمقتها كثرة التلاقي بوسائل التواصل الحديثة ....

كانت الفرحة بعودة الغائبين كبيرة ظلت رباب تساعدها ليلى التي جاءت خصيصا لتمد يد المساعدة لخالتها من الصباح الباكر ليعدوا وليمة ومن قبلها تنظيف شقة العم حسن بالدور العلوي التي كانت مغلقة على الذكريات ..

اقتربت ليلى تحت انظار خالتها التي تمتلئ إعجاب و تقدير  لجمالها الصارخ ورقتها الشديدة تحمل بيدها وعاء يحوي أكثر ما يحبه هارون من طعام وهي الفطائر المحشية : تذوقيه من أجلي خالتي 

أخذت الخالة واحدة وهي تستطعمها تردد على اسماعها ما تتمنى كلتاهما : ماشاء الله...تسلم يديك حبيبتي فطائر لذيذة تستحق فم من يحبها ويحب من صنعتها 

رباب باندفاع بينهم وهي تستولي على طبق الفطائر من يد ليلى : نعم فأمي تعلم يا ليلى كيف أنا أحبها وأطلبها دوما منها ...

تنظر ليلى ليدها الخالية بخيبة أمل فتمسكهما خالتها بحب : إذهبِ لتنعشي نفسك قليلاً لتكوني معنا في استقبال هارون..

.ثم  تستدرج كلماتها بحنكة  :اقصد عمك حسن و بسمة 

وعندها سمعوا صوت سيارة هارون قادم من عمله : أرأيتِ حبيبتي ابن خالتك وصل سأذهب لإستقباله ...وأنتِ إفعلي ما أمرتك به ..

ثم قبلتها وخرجت في حين ليلى هرولت  لنافذة  جانبية تطل على الطريق وهي تحاول التمتع برؤية هارون الذي امتلك قلبها بوسامته وهيبته وسيطر على تفكيرها من كثرة ما أوحت لها خالتها بقرب الوصال ..

هامسة لقلبها : متى يا ابن خالتي لقد انتظرت طويلا ... عامين يا هارون أنتظرك منذ طلاقي العمر يعدو يا ابن خالتي وحلمي بالأطفال يخبو وكأن ذنب زوجي السابق الذي تركته من أجل عدم قدرته على الإنجاب اصابني بالنحس ..والصبر الذي تغذيه خالتي وأمي اوشك على النفاذ 

: ليلى 

: نعم يا رباب 

: تعالي يا حبيبتي أحتاجك 

ذهبت لها ليلى هامسة : قادمة ..الصبر يا رب 

,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,


بغرفة نوم والديه أدخلته إعتماد باصرار وهو  يغالب ضحكته على أمه التي تصل رأسها بالكاد لقرب صدره ولكن تظهر قوة يخشاها الرجال عند مواجهته ...يعلم سبب تلك المواجهة التي يتهرب منها منذ أسبوعين ولكن يبدو أن اعتماد نفذ صبرها 

فتودد لها بنبرة ناعمة يستخدمها عادةَ معاها فتلين : أم هارون لماذا اصريتِ أن تختلي بي الأن تاركين هشام خارجاً بمفرده 

: هشام ليس بمفرده فأبوك يجالسه .... ولكن أنت يا هارون الذي تريد التهرب مني إعتقاداً منك إني لا أدري ما تحاول فعله 

يجلس على أريكة صغيرة بالغرفة وهو يريح رأسه للخلف ويغمض عينيه بتنهيدة  : لا أتهرب ولكنك تعرفي يا أمي إني ما زلت في طور الاستقرار بعملي ومع ذلك أنا كلي أذان صاغية 

تنظر له إعتماد بحزن على حال ابنها الذي تغير منذ طلاقة لتلك النجلاء... فاقتربت منه تجلس بجانبه تأخذ رأسه بحضنها وهي تربت بيديها الحنون عليها : هل صعب عليك أن تريح قلب أمك يا هارون ..

يعتدل هارون ويقبل رأسها : طلباتك أوامر يا قلب هارون .. إبعدي عن أمر تزويجي وأي أمر أخر اشيري فقط وعليا التنفيذ 

تقبض إعتماد علي يده لينتبه لها : لولا خوفي أن تضيع ليلى من يدك كنت تركتك على هواك ولكن يا قلب أمك البنت وخالتك صبرهم سينفذ وخاصة وقد مر عامين على طلاقها 

هارون بدهشة : مرة أخرى يا أمي ليلى .... إنها بعمر رباب أنا أعتبرها أختي الصغيرة 


تقف إعتماد هاتفة بغضب : ليست أختك ثم إنها أكثر نضج من رباب لا تنسى انها تزوجت بمجرد ان انهت الثانوية لأنها كانت تبغض الدراسة  ثم إنها تعشق الحياة الأسرية والأطفال خلافاً لزوجتك السابقة  ...ليلى جميلة وتربية يدي وأيضا ظروفها مشابهة لظروفك أنت وهي مطلقان ..كما إنها ستوافق على مشاركتنا حياتنا غير تلك ناكرة الجميل التي كانت تريد التفريق بيننا 


ينظر هارون للأرض يغالب شعوره بالإمتعاض من مبررات أمه :أنا جربت الزواج

لتنهره أمه وهي تشيح بيديها :  زواجة الندامه لا تذكرني بها 

ينظر لها نظرة ذات مغزى فتحرك فمها بامتعاض :ماذا 


هارون ضاحكاً :وتسألي يا أمي 


:كانت تريد أن تستأثر بك وتجعلك تهمل أهلك بالرغم من اتفاقنا أن حياتنا  مشتركة .. وهو أمر عادي ببيوت العائلة ولست أنا من إخترعته إلا إنها كل يوم والأخر تغضب وتذهب لأهلها قال ماذا تريد حياة منفصلة وبالأخر أنت من طلقتها فأنا أعرفك جيداً إذا كنت تحبها كنت حققت لها كل طلباتها دون الرجوع لنا  ..

ثم تجز اعتماد على اسنانها غيظا ً

:عندما أراها وهي تمسك بيدها ابن وتحمل آخر أكاد أجن  

 هي وجدت ضالتها  وتزوجت بينما أنت اضعت دربك وتعيش على هواك ...

 أه يا هارون يا ابن بطني لو تريحني وتعود  عن طريق الهلس الذي تتبعه 

يضحك هارون ويقترب منها ليحتضن كفيها مقبلا لهما : لا يا غالية يا ابنة هارون جدي العظيم الذي دللك حتى اسميتني باسمه إلا غضبك لا تجعليني أقلق عليكِ فضغطك حساس لأي توتر 

تقاطعه وهو تمنع ابتسامتها حتى لا يلهيها :أفعل ما يريح قلبي وأنا أصبح بخير ثم ما به اسم جدك لا يعجبك أيضاً ..فقط كنت أتمنى ان تكون مثله لكن أخذت كل طباعك من والدك 

يحتضنها ضاحكاً : بل يعجبني وهل أستطيع الإنكار .. 

هامساً لها بحب ...

:الله يعينني كلما خالفتك قلتِ طباع أبيك أما العكس فأنا تربية ايديكِ وجدي 

تبعد عنه ضاربة يديه التي تحتضنها :ها ماذا قلت عن ليلى 

:لا 

اعتماد بنيرة مغتاظة : هارون 

:لا يا أمي لكن أعطيكِ كلمتي  إن أردت الزواج قلت لكِ فورا لتخطبي لي وتكون نقاوة عينيك فتسلم هي وأنا من مشاكل الحما والكنة 

تضحك اعتماد :يا ولد أنت سندي اردت لك الأفضل 

قبل يديها الأثنتين بحب واحترام : أعلم يا قلب هارون لكن كل شيء نصيب 

اعتماد بتنهيدة : لن أعتبر هذا رأيك النهائي وسأتركك قليلاً لتفكر ليلى بنت أختي هي الزوجة التي ارتضيها لك وكما قلت نقاوة عيني ..

أراد هارون الرد ولكن رباب تفتح الباب فجأة  مقاطعة لحديثهم بصخب وضحك

 : وصلت يا أمي  ...وصلت يا هارون 

الباسمة وعمي حسن وصلوا ...


رأها وهو يخطو سريعاً خارج البيت  ليسلم على عمه أراد أن يكون هو الأول باستقبالهم عندها  لفتت نظره برشاقتها داخل ملابسها المعتادة من بنطال جينز يعلوها قميص أسود بالكاد يغطي خصرها فنظر حوله يتأكد من عيون تأكلها بتفاصيلها و بالرغم إن نظرها كان بعيد عنه حاول لفت نظرها ولكنها كانت كأنها تعيد ترتيب محيط غاب عن نظرها منذ زمن بعيد  حتى تهيأ له إنها لم تسمعه 

  مرددا لنفسه : نعم أكيد لم تسمعني دائماً ما أنسى ظروفها ...


كانت تقف بجانب السيارة تنتظر والدها يخرج الحقائب منها لمحت هارون ولكن البيت خطف أنفاسها لذكرى أو لخوف.... فكانت كل الأصوات الأن بعيدة عنها وهي تحدق ببيت عائلة العابد 

والذي يسكن بطابقة الأول العم علي وزوجتة اعتماد وابنتهم رباب ومنه استقطع عمها غرفة اعدها كمكان لعمله بتجارة الغلال حينما عاد من غربته الطويلة والطابق التالي شقة والدها  أما الطابق الثالث والأخير ففيها كانت شقة هارون والذي لم يتركها حتى بعد انفصاله عن زوجته......


على  مائدة الطعام العامرة جلسوا جميعاَ تملؤهم روح جميلة في استقبال الغائبين استغلتها اعتماد لتحضر اختها احسان ام ليلى وهشام والذي تصبو لتزويجه هو الأخر من رباب التي أنهت دراستها  منذ عامين وتنتظر هي الأخرى وظيفة والأهم عريس مناسب  ..


بروحها الحلوة  وابتسامه ناعمة تألقت بها شفتيها  تأقلمت سريعاً على عودتها بينهم وإن كانت معظم الوقت  لا ترفع وجهها لتواجه عيون خصتها من البداية بالتحديق أو الفضول ..... و العيون الأقرب للقلب  قلقة ومراعية

.

🔴🔴🔴🔴🔴🔴🔴🔴🔴🔴🔴🔴🔴🔴🔵

الحلقة الثانية 

.

.

انتهى من عمله الذي تأخر اليوم لقرب الفجر ...ركن السيارة بمكانها بجانب المنزل وهبط منها وبينما يغلق بابها  بمفتاحها الخاص رفع رأسه لأعلى كي يرى بالتحديد الطابق الثاني في عادة تملكته منذ شهر  ... الظلام يغلب على جميع الغرف ما عدا نور هاديء ينبعث من غرفتها  ثانية إثنتان ويُغلق النور وكأنه  مبرمج على موعد عودته الغير مقنن بميعاد ثابت ...


وهو يصعد السلم ببطئ  بدأ المؤذن بترديد الأذان بالمسجد القريب ..

متوقع الأن خروج عمه ينادي على والده ليصاحبه لصلاة الفجر في عادة  محببة لوالده الذي أصبح فجأة أكثر نشاط وحيوية بمرافقة شقيقه الأكبر العم حسن ..

وصل أمام شقة عمه تلكئ بخطواته يقاوم رغبة ملحة أن يطرق على الباب .. ابتسم لإحساسه الجديد بالانتعاش... من لحظة وصولهم وأصبح بالبيت حياة وروح مختلفة ..قاطع أفكاره 

 صوت مكتوم خلف باب شقة عمه وصوت الباسمة الباكي لم يجعله يتوانى لحظة ليضرب الباب بعنف بقبضة يده القوية

: بسمة افتحي ..بسمة ...عمي... افتحوا الباب ...

ظل يطرق ويصرخ عالياً وعلى صوته صعد ابيه 

: ماذا يا هارون  ماذا حدث 

واصل طرقاته القوية التي زادت أكثر مع بكاء الباسمة المتزايد من خلف الباب الموصد 

حدثه هارون بتوتر  : لا أدري صدقني لا أدري ..سمعت صوت الباسمة تبكي ولا أعرف السبب ...لماذا لا تفتح أشعر بها قريبة من الباب 

جاوره أبيه في وقفته والطرق على الباب وبصوت عالي : حسن ..بسمة ..


صعدت إعتماد على أصواتهم مع رباب مرددة بصوت عالي : وكيف ستسمعك ..هل نسيت 

نظر هارون بحيرة  لوالدته الصلبة ورباب الباكية بجانبها بينما أبوه يواصل طرقاته

 : كان لديك نسخة من المفتاح يا أمي 

ابتسمت ساخرة وهي تحرك شفتيها بامتعاض : أخذته بسمة

علي بجزع : دعك من أمك وساعدني بكسر الباب  

فوراً تعاونا بكسر الباب القديم  ذو المصراعين ودخل هارون ومن خلفه الجميع مهروليين باحثين بأعينهم عنهم ليجد الباسمة باكية تجلس على الأرض بجانب قريب من الباب وعمه يستند على كتفها تسقيه قطرات من الماء وتمسح على وجه  وهو يستعيد وعيه  ...

كل ما حدث بعد ذلك أصبح ضبابياً بالنسبة لها كيف تعاون هارون مع عمها  بحمل أبوها ونقله لغرفته كيف اقتربت منها رباب وعاونتها على استعادة بعض من تركيزها الذي فقدته عند رؤيتها لأبيها وهو يحيط رأسه بيديه ثم يسقط بالقرب من الباب عند استعداده  للنزول للصلاة ..لا تدري سوى إنها كانت على بعد خطوة لفقد عقلها من شعور الفقد ...

بمجرد ما استعادت نفسها هرولت سريعا لغرفة والدها وجاورته تبكي بحضنه تحت أنظار الجميع

مد يده الحانية ليربت على كتفها برفق : يكفي حبيبتي هيا إرفعي رأسك وانظري لي لتتأكدي إني بخير ...

لم تسمعه فقط حضنه الذي أرادت أن تتمتع به... فقط يده التي تربت عليها ما أرادت ان تشعر بها 

: أبي أرجوك صارحني ما الذي يحدث معك 

سؤالها الباكي اهتزت لها حدقية عينيه تحت انظار هارون الثاقبة الذي أشار لوالده أن يتدخل لابعاد الباسمة عن والدها ولكن وجده هو الآخر يجاهد لإخفاء دموعه  فقال بهدوء : الطبيب في الطريق إلينا ..هيا يا باسمة 

ليرد حسن سريعاً : لا أحتاجه  يا بني .. ما أحتاجه حقاً أن أستريح قليلاً 

ثم رفع رأس الباسمة بيده ومسح دموعها : هيا ابنتي اذهبي صلي واتركيني 

أشارت له بلا فيعيد عليها طلبه بتأني حتى تقرأ حركة شفتاه 

: عمك سيظل معي هيا حبيبتي لا تقلقي 

تحركت الباسمة بتردد ولم تترك عينيها والدها لحظة بينما يتبعها هارون مغلقا الباب خلفه 

ثم فجأة مد يده لمعصمها  يوقفها وهو فاقد السيطرة وهو يشير لها ناحية أذنيها بيده الأخرى والتي  كانتا يغطيهما شعرها الذي حاوط وجهها 

 : لماذا لم تسمعينا... هل تتخيلي كمية الرعب الذي شعرت به وأنا أسمع بكائك و لا أعلم ما أصابك  ..ثم ما فائدة تلك ..قالها وهويقبض على شعرها ويرفعه بعنف كاشفاً عن وجهها بسمرته الخفيفة الأخاذة  الذي كان يختفي تحت ليل شعرها المنسدل ويحيطه بنعومة 


  ليفيق على نظرة الرعب بعينيها البنيه اللامعة بدموعها وشهقتها وهي تسحب شعرها من يده وتغطيه بكلتا يديها ثم تجري لغرفتها باكية تتبعها رباب التي عاتبت أخيها بنظرة من عينيها ..

ظل بمكانه يستوعب ما أقترفه بحقها هامساً : لم تكن ترتديها ..

أخرجه من سكونه صوت أمه بعتاب: هل جننت ماذا فعلت 

تراجع هارون وهو يجلس وما زال نظره على باب غرفتها المغلق : لا أدري ..لقد أرتعبت عليهم..

 تقف أمامه إعتماد وهي تعقد ذراعيها على صدرها بتحفز واضح : لا يحق لك أن تعاتبها ..أبوك وعمك وحتى أنا سوف نلفت نظرها .. 

ثم مدت يدها بحنو تمسك يده ليقف أمامها : هيا أصعد لتستغل بضعة ساعات بالنوم والراحة 

: الطبيب قادم 

:أبوك سيستقبله  وأختك ستظل مع بسمة  وأنا سأجهز لهم الإفطار ..هيا حبيبي لا تقلق هيا 

وظلت تحثه على الصعود لشقته حتى استجاب لها وصعد تاركاً ورائه قلق حقيقي أصاب قلب الأم  ...

اقتربت بهدوء ناحية الباب المغلق لغرفة حسن حيث يرقد ويجالسه علي ... تعلم أن في عودة حسن لقريتهم بعد مرور تلك الأعوام أمر ما ..ستجن إن لم تعرفه ...و زوجها لا يساعدها أبداً فمن وقت وصول حسن وهو أصبح لا يشاركها أي أسرار لأخيه وكأنه أصبح شخص آخرغير علي الذي عاشرته كل تلك الأعوام  بل أصبح كثير من الأحيان يحتد عليها إذا سألته عن أمر يخص حسن أو ابنته وهو أمر لم تعتاده منه..

وكل ما يخبرها به أن حسن عاد لأنه أفتقد الحياة البسيطة بالقرية وأن يبعد ابنته عن خطيبها السابق الذي يجاورهم بالسكن ...ولذلك قررت الإعتماد على نفسها بالتسمع لهم كل حين وحتى الأن لم تصل لشيئ يشبع فضولها ..

رددت هامسة : ماذا حدث لكم لم أعد استطيع سماعكم أم أصابني ما أصاب بسمة وأمكم ..

رحمة الله عليكِ يا خالتي لم تتركي شيء إلا ودعوتي بها علي ظلم وإفتراء ..


بالداخل كان ما زال حسن راقد مغمض العينين يجاوره على مقعد قريب  أخيه الذي كان يحثه ببكاء : أخي ..لماذا لا تريد أن تريحني ..كل ما قلته لي لا أصدقه  ..أعرف إنك لا تريد مشاركتي همك لأنك تعتقد إني ضعيف ولن أتحمل ..هي فقط دموعي القريبة هي ما جعلتك تكتم سرك عن أخيك  ..لكن صدقني هذا تأثير حبي وخوفي عليك ..أنا أصبحت اقوى صدقني وستجدني إن شاء الله السند الذي ترجوه

يقاطعة حسن بحزم : كفْ يا علي لازلت صغير تتخيل الأشياء وترتعب وتبكي ثم عندما تعرف الحقيقة وتجدها أبسط من تعقيداتك الخيالية تخجل من تصرفاتك وتوعدنا ألا تعيدها وتعيدها ألن تكبر يا رجل .. أصبح الشيب يغطي كامل رأسك  ومع ذلك أشعر إني أحادث طفل ..

يضحك علي وهو يمسح على وجهه : إذا كان الشيب يغطي رأسي فأنت الشعر هرب من رأسك حتى إني أحتاج لمنظار مكبر حتى أعدهم 

يضحك حسن عالياً حتى أدمعت عينيه : نعم هكذا عد أخي المرح ...

ثم يصمت قليلاً ناظراً للسماء من خلال زجاج النافذة المغلقة التي بدى منها أول شعاع الصباح : علي أنا بأحسن أحوالي عودتي لقريتي ردت لي روحي..طالما باسمة قلبي بينكم ومعي  ... لا تقلق وتقلق الجميع معك ..هل تسمعني 

: نعم يا حسن لكن ..

يقاطعه حسن بنظرة قوية إعتادها مع أخيه الصغير : لا تقل لكن ...واسمعني عندي رجاء أريدك أن تساعد بسمة في ايجاد وسيلة مواصلات يومية للمدرسة التي ستداوم بها بعد يومين وتكون محل ثقة ..كما أريدك أن تحضره من اليوم حتى اتفق معه بنفسي وأيضا ً ليرافقها بمشوار للمدينة القريبة حتى تودع الأموال التي حصلت عليها من بيع السيارة بالمصرف ..هذه الأموال ستكون مخصصة لجهازها إن شاء الله 

علي بدهشة : ولماذا تذهب مع غريب حتى لو سائق ثقة هارون يذهب معها حتى يساعدها  بإجراء المعاملات بسرعة بحكم منصبه

يعود حسن للنظر للجزء من السماء الظاهرة له من النافذة وبتنهيدة : كنت سأطلبها منه لكني أعلم جيداً إنه ليس بمقدوره تحقيق حلمي ..

: ماذا ..لا أفهم 

يستدرك بقوله سريعاً ناظراً له : أقصد بأن يرافق الباسمة ولكنه مشغول بعمله الذي يستهلك كل وقته أعانه الله  ...

ثم يصمت لوهلة  ينظر ليديه التي عقدها أمامه بحزن واضح كان يأمل أن يكون هارون عنده رغبة بالاستقرار والزواج ويقسم إنه لو كان لديه تلك الرغبة كان طلبها منه بنفسه أن يقترن بالباسمة حتى يرتاح قلبه ..يالله ساعدني حتى أطمئن عليها 

يقاطع تفكيره طرقات على باب الغرفة وهتاف إعتماد : الطبيب أمجد وصل يا علي ..


عندما خرج الطبيب كانت الباسمة تمالكت نفسها وأرتدت ملابسها كاملة بدلا من ملابسها البيتية التي قابلت بهم الدخول المفاجئ لأفراد عائلة عمها وهي تحمد الله انها تلك الليالي الباردة التي تحكم عليهم إرتداء كل تلك الملابس الثقيلة فلم يظهر من جسمها شيئ فقط  حجابها التي تأكدت الأن أن ترتديه بإحكام وهي تواجه الطبيب لتسأله عن حالة والدها

 : كيف حاله أنا واثقة إنه يأخذ علاج السكر بموعده لإنني أتأكد من ذلك بنفسي 

يبتسم الطبيب بمهنية : إنه بخير تماماً الأن لكني طلبت منه بعض التحاليل ولكنه عنيد ويرفض 

تتبع بإعجاب عينيها التي غطتها دموع شفافة وهي تومئ برأسها : نعم عنيد أنا أكثر من تدرك ذلك لقد حاولت معه كثيراً..

: سأحاول معه مرة أخرى فقط لا تقلقي 

قاطعهم دخول هارون  الذي لم يستطع النوم دون الإطمئنان على عمه وهو يدير بعينه بالمكان يبحث عن مرافق للباسمة بوقفتها المنفردة بالطبيب وبصوت جامد : أهلًا بالطبيب أمجد  أعتذر عن تأخري ..ثم نظر للباسمة بجمود : إدخلي لوالدك 

ابدت الباسمة رفض : كنت أريد ...

قاطعها هارون وهو يشير برأسه لغرفة عمه : الأن 

تحركت الباسمة بغضب من ابن عمها لغرفة والدها 

بينما هارون وجه نظره للطبيب الشاب والذي يعمل بالوحدة الصحية للقرية من وقت قريب فوجده يتتبع بنظره انصراف الباسمة فوقف أمامه بطوله الفارع وجسده العريض واضعاً يديه بجيبي سرواله فيهرب الطبيب بنظراته بعيد  : هل هناك ما يمكننا فعله بحالة عمي المتكررة 

يتنحنح الطبيب بإحراج : فقط يوافق على إجراء التحاليل وعموماً سأتي له بعد انتهاء عملي اليوم لأحاول إقناعه مرة أخرى 

هتف هارون بحدة : لا 

ثم استدرك عندما لاحظ حدته وتأثيرها على وجه الطبيب : أقصد نحن جميعاً سنقوم بإقناعه أرجو أن لا تشغل وقتك الثمين بنا 

: هذا عملي 

: نعم أشكرك ... تفضل معي حتى أوصلك بنفسي 

تحرك الطبيب بإحراج : لا داعي أعرف الطريق وأنا بالخدمة بأي وقت سيادة المقدم 

خرج علي من غرفة أخيه بنفس الوقت ناظراً بحيرة لوقفة هارون المتحفزة 

: اشكرك بني على حضورك بهذه السرعة   ..تفضل معي أريد ان اسألك عن بعض الأمور التي تشغلني بخصوص أخي ..

تحرك الطبيب للخارج مع علي بينما توجه هارون لغرفة عمه وعنده كلام كثير سينزل به على رأس تلك الباسمة ليعيد لها الذاكرة بتقاليد بلدتهم الريفية ..


مع والدها تحاول إقناعه تتحرك بمساحة الغرفة الصغيرة ذهاباً وإياباً بطريقة أصابت والدها بالإرهاق : إجلسي وكُفِ عن الحركة ألن تَكُفي عن تلك الطريقة التي تصبني بالدُوار

ظلت بحركتها : لن أجلس أنت تعلم إن تلك الحركة الأن ما تجعلني أعرف أفكر وتجعلني أتمالك نفسي من الإنهيار باكية أمامك حتى تستمع لي 

يضحك والدها : أنا بخير ..ولا تتوقفي أصبحتِ سمينة وتحتاجي للحركة لانقاص وزنك

توقفت الباسمة صارخة ناظرة لنفسها  : ماذا أنا سمنت... أنا مثل عمود الإنارة في طولي ونحولي 

يضحك حسن عالياً : الحمدلله الذي جعلك تعترفي ..تعالي حبيبتي 

سكنت الباسمة بمكانها فترة تحاول أن تنظم تنفسها وتقنع نفسها أن والدها بخير لتنطلق له بعدها تجلس بجانبه ناظرة لعينيه تتلمس منه الصدق ... ثم وضعت رأسها على صدر والدها مرددة بهدوء: أريحني 

يربت حسن على رأسها : أنا بخير ..

لم ترد الباسمة لكن لم تمنع أفكارها التي ظلت تتردد بعقلها ..لا..لا لست بخير أبي ...لست بخير.. أنا أعلم... قلبي يحدثني أن القادم صعب ...

أكاد أن أشم رائحة الفراق ..


قاطع حديثهم الصامت طرقات على الباب ثم دخول هارون وحديثه المباشر 

: باسمة لا يصح أن تقفي مع رجل بمفردك لا تنسي إنك عدت للقرية وتقاليدها و للعلم  لم تختلف كثيراً عن الماضي إذا كنتِ نسيتِ

رفعت الباسمة رأسها عن صدر والدها ونظرت بضيق لهارون الذي لم يؤثر به نظرتها ثم وقفت أمامه بتحدي ولهجة قاطعة 

: لم أنسى سواء هنا أو بالقاهرة تقاليدنا .. ولكنه طبيب والدي ولو كنت نسيت أنت أنا لست صغيرة حتى توجه لي تعنيف على سلوكي وأيضاً ليكون بمعلوماتك  أنا أكثر من قادرة على إدارة حياتي دون وصاية يا ابن عمي  ومادمت واثقة من أخلاقي وتربيتي لن أنتظر رأي الأخرين 

رد هارون بحدة : ماذا ..

ثم وجه نظرة لعمه 

: هل تسمع يا عمي 

تدخل حسن بهدوء : باسمة اسمعي كلام ابن عمك 

نظرة لوالدها بعتاب هاتفةً: أبي 

ابتسم حسن لها : حبيبتي هارون لم يقصد إلا أن يذكرك وليس تشكيك بأخلاقك أبداً 

ثم نظر لهارون بعتاب مبطن 

: أليس كذلك يا بني 

نظر له هارون بخجل من حدته معها : طبعاً يا عمي أعتذر إن كان كلامي فهمت منه الباسمة أي تشكيك بها  فابنة عمي تاج على رؤوسنا جميعاً بأخلاقها ..كنت فقط ....

ثم صمت لا يجد ما يقوله ليكمل عمه بضحكة 

: غيور على أهل بيتك 

رفع هارون رأسه ليواجه نظرة عمه العميقة بحيرة لمست قلب الرجل الكبير ليقطع دخول والده تردده 

: حسن لقد أحضرت السائق وهو بالانتظار وقد اتفقت معه على كل طلباتك 

ليرد هارون : لماذا سائق 

حسن : طلبته ليرافق الباسمة اليوم للمصرف بالمدينة القريبة وأيضاً لتبتاع بعض الأشياء التي تحتاجها.. وبعد ذلك يكون مرافقها في الذهاب والعودة من عملها بعد يومين 

هارون بتصميم : وأين أنا يا عمي من تلك الترتيبات .. بعد إذنك لا حاجة لذلك السائق وأنا من سيتولى تلك المهمة ابنة عمي لن ينقصها أي شيء وأنا موجود 

: حبيبي انا أدري بانشغالك 

هارون بتصميم أكثر : أرجوك يا عمي الموضوع بسيط ووقتي وعملي لن يتأثروا أبداً 

أرادت الباسمة الاعتراض : لكن ..

علي بسعادة متناهية يقاطعها : والله هذا أفضل حل  ما رأيك يا حسن 

يحرك حسن رأسه بالموافقة  بهدوء : توكلنا على الله ..هيا حبيبتي جهزي نفسك لإتمام مشوار المصرف 

ظلت الباسمة تنظر له بحيرة وتنقل بنظرها بينهم ليقاطعها هارون بضحكة

: هيا يا ابنة عمي لما التردد الموضوع كله لن يكلفني من الوقت سوى بالكثير ساعة ثم أنا سوف أخذ أجرة الطريق منك في صورة معجناتك الشهية التي تبرعي بصناعتها وأنا لا أتنازل عن أجري أبداً 

ليضحكوا جميعاً والباسمة تردد : لك ذلك يا ابن عمي ...


كان يعدل من هندامه البسيط سريعاً أمام المرآة ثم إلتفت  ليفاجئ  بإعتماد تقف بوجه تضع يديها على جانبيها  أمام باب الغرفة وهو في طريقه للخروج ليحولق وهو يأخذ نفس عميق ويغمض عينه :لا حول ولا قوة إلا بالله ...

 لقد افزعتني يا إمرأة 

: لماذا هل رأيت أمامك عفريت 

ردد هامساً : وهل استطيع قول غير ذلك 

تنزل يديها وهي تقترب منه فترفع رأسها لتنظر لوجهه : ماذا قلت 

مد علي يديه ليربت على كتفيها مبتسماً ببرود ثم يزيحها جانباً قليلاً: لا شيء يا أم هارون ..دعيني أمر لازال النهار بأوله ولا أريد ان أتأخر بفتح المتجر

أزاحت إعتماد يديه : كما قلت النهار لازال بأوله وعموماً من يريدك سينادي عليك ..الأن لا تتهرب مني وأخبرني لماذا خرج هارون مع بسمة وما سر أخيك ولا تكذب أنت تدري إنه لا تخفى عني خافية 

:لا حول ولا قوة إلا بالله ...

ثم تحرك وجلس على طرف السرير الذي ينتصف الحجرة الصغيرة الخاصة بهم ونظر لها بضيق 

: وإن كان كذلك   فدعيني أعرف منك ما به أخي إني أكاد أجن حتى أعلم ما يحدث معه ويخفيه عني  .. ثم تعالي هنا وأخبريني ما وجه إعتراضك على إن هارون يرافق الباسمة وأنتِ تعلمي تماماً إنها تجهل الكثير هنا ..دعيه يرافقها حالياً ثم بعد ذلك لن تحتاج لمساعدته أو لغيره... وهذا وأنا كنت أعتقد إنك من ستطلب ذلك من ابنك يا كبيرة يا عاقلة 

تخفي إعتماد امتعاضها من تأنيبه المتكرر من وقت وصول أخيه ثم تجلس جانبه وبهدوء : أنا لا أقصد أن أمنعه من مساعدة ابنة عمه  انا أقصد إن هارون لم ينم من أمس وهذا وقت راحته 

يضحك علي بسخرية : لا تخشي على وحيدك وحبيب قلبك سينام عندما يعود وخاصة إن مشوارهم قريب  

ترفع قدميها على السرير وهو تواجه بكامل جسمها القصير المكتنز : نعم وصلنا لمربط الفرس ..لماذا تضع الباسمة نقود السيارة بحسابها الخاص أليس ذلك المال من حقنا 

يقف علي مفزوع مما سمع وبصوت عالي اسكتها وهو يكاد يحرقها بنظراته القوية :  يا طماعة هل لنا بأموال أخي شيء وهو حي يرزق أو حتى بعد عمر طويل ... ثم أخي هو من له مال لدينا .. فتجارة الغلال كانت مشتركة ولكنه تركها لنا بطيب خاطر والبيت تستفيدي منه بطوله وعرضه وهو إكتفى بشقته فقط... وانظري يا إعتماد لن اسمحلك بأن تنالي منه او من ابنته شيء هل تسمعي..

 ثم يتحرك بغرض الخروج من الغرفة فتهرول خلفه وتوقفه وهي تقاوم شعورها بالسخط لتلقي بأخر أوراقها و هواجسها

 :  اسمعها مني دون مواربة لا تأتي يوم وتقول أريد الباسمة لهارون فهارون زوجته موجودة وفاتحت اختى ووافقت وكنت منتظرة أن يلبي هارون طلبي 

: يا الله .. وهل هارون صغير حتى تطلبي وتتشرطي ..ثم أقولها لك كلمة ويمين اُحاسب عليه يا إعتماد إذا جاء يوم وطلب هارون أن يتزوج الباسمة وأنتِ إعترضتي ستري من علي ما لم تريه من قبل  ..لا تختبري صبري وحلمي ..فاحذري الحليم إذا غضب 

أحمر وجه إعتماد بغضب : نعم كيف ذلك !!  هل تريد تزويجه من صماء حتى تنجب ابناء يتوارثوه منها هذا ما تريده لأحفادك هذا ما تريده لابناء ابنك هارون رجل الشرطة العظيم ..

يقاطعها علي بغضب : اخرسي يا إمرأة كفاياكِ جهل وهل ما ببسمه وراثة نخشى أن تصيب ابناءها به 

: نعم مثل أمك 

يضحك علي بسخرية : أمي يا إعتماد  أُصيبت بضعف السمع وهي تبلغ الثمانيين من عمرها وكنتِ ترددي دائما انها تسمع دبيب النمل وإنها تفتعل ذلك حتى تغيظك  أليس كذلك 

: نعم هذا صحيح فهي كانت تدعي الصمم 

يضحك علي على تذبذبها بين الأمرين : لا حول ولا قوة إلا بالله .... أمي بشهادة طبية كان لديها  ضعف بالسمع  ولكنها بذكاء كانت توهمك بغير ذلك فتخشي حتى أن تهمسي بما لا يرضيها ... أما باسمة فهي اصيبت بأحد الاذنين بالصمم والاخرى بالضعف الشديد للسمع بعمر التاسعة بسبب الحمى الشوكية التي نجت منها بأعجوبة ليلطف الله بأخي الذي كان يرتجيها من الدنيا ..

ثم بهدوء ربت على كتفها 

:يا إعتماد ارفقي بنا واستغفري حتى لا يصيبنا الله بما ابتلى به غيرنا عندما نعايرهم بمرضهم ولا نحمد الله على صحتنا ...ألا تتذكري يا إمرأة عندما عايرتي أمال رحمة الله عليها بعدم الانجاب ماذا حدث لك وكيف فقدتي طفلين بعد هارون ولولا استغفارك واعتذارك منها  ما وهبك الله رباب ..هل نسيتي حالتك وقتها وكيف كنتِ تتوسلي لها لمسامحتك 

بكت اعتماد وهي تستغفر  :  كانت كريمة معي بل عاتبتني إني تخيلت إنها دعت علي .... 

ثم تماسكت بشدة وهي تمسح بكلتا يديها عينيها الدامعة وهي تطلق وعيد : يبقى الحق حق وأنا أريد ليلى لهارون هل تسمع ...

وتركته وانطلقت لسبيلها تاركة زوجها يضرب كف بكف من أحوال تلك المرأة المتقلبة المشاعر والأحوال 

ثم رفع يديه للسماء 

: هداكِ الله يا إعتماد ... ويارب أكتب لإبني ما فيه الخير له ولأخي الحبيب...


في السيارة إختارت أن تظل ناظرة للخارج من خلال النافذة المغلقة بسبب البرد الشديد ما جعلها تستنشق كل ذرات عطره الخاص المنتشر داخل السيارة 

قاطع خلوتها سؤال مباغت نطق حروفه دون تنميق : لماذا تركت خطيبك 

نظرت له بعدم تصديق : ماذا 

أعاد السؤال بتمهل : لماذا ..تركتِ...خطيبك... بعد ما يقارب الثلاث سنوات خطوبة هل اكتشفتِ فجأة إنه غير مناسب ...

ظلت ناظرة له قليلاً ثم أعادت نظرها للخارج حتى كاد يعيد عليها السؤال بل أكثر كاد يسألها هل تسمعيني لتقاطع تفكيره بنبرة جوفاء : ولماذا تركت زوجتك 

: لا تتهربي 

: أنا لا أتهرب 

: طلاقي أمر خاص 

: وإنفصالي عن خطيبي السابق أمر خاص 

ضرب مقود السيارة بحدة  بقبضة يده الحرة جلبت لأسماعه شهقة خافتة منها: لا ليس خاص يا باسمة أنا ابن عمك وأريد أن أعرف فكما ظهر لي يوم حفل الخطبة كنتما متوافقان كأن بينكما قصة حب كبيرة قبل إعلانها بارتباط رسمي  ..هل فعل ما يسئ لك ِ لأنه لو فعل سأعاقبك على إخفاء الأمر بعد أن أجعله ينسى اسمه واليوم الذي ولد فيه 

تضحك الباسمة بضحكة رقراقة ناعمة  جلبت البسمة على شفتيه  : هارون لا تفتعل معي  استجواب كالذي تقوم به مع المتهمين بالمخفر ...ثم لو فعل كما تقول أمر يسئ لي  كان لاقى مني ما يفوق ما كان سيصيبه منك لا تنسى أنا الباسمة التي لا تترك حقها ....ولكني سأجيبك لا ليست  قصة حب ..لا يا ابن عمي كان جار وأكثر من سلام سريع إذا صادف أن تقابلنا لا يوجد ..وماذا كنت تعتقد إنك سترى يوم الخطبة سوى التوافق بين شابين ارتبطا بخطبة تقليدية ..

نظر لها بطرف عينه ثم أعاد تركيزه للطريق: لا أدري ولكن بعد ثلاث سنوات أليست طويلة المدة لتقرري إنه غير مناسب ألم تحبيه خلالها مثلاً 

هزت رأسها بلا ثم قالت : في الحياة السريعة التي كنا نخوضها أنا و هو  حتى نستطيع جمع ما يساعدنا لتجهيز شقة الزوجية صدقني الشهور والأعوام تمر دون أن تدري... فجأة تجد العام مر يليه آخر ..أما ما حدث فإن إجابته ببساطة قدر الله وما شاء فعل  ..

ثم صمتت قليلا ..ونظرت له : مثلك تماماً 

ثم ساد الصمت السيارة ليقول بعد فترة هامساً : الحمدلله ..

نظرت له باستفهام : ماذا 

نظر لها باسماً : أقصد لقد وصلنا

                              الفصل الثالث من هنا 

تعليقات