Ads by Google X

القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية سهر الفهد بقلم داليا السيد كامل جميع الفصول من الاول حتي الاخير

بسم الله الرحمن الرحيم

رواية سهر الفهد الفصل الأول والثاني


بقلم داليا السيد




أمي

تحركت سهر بخطوات ثابتة إلى داخل المطار وهي تعلم أنها أتت في الوقت






 المحدد تماما كما أخبرتها شركة السياحة عندما حجزت تذكرتها إلى 





مدينة ريو دي جانيرو العاصمة السابقة للبرازيل ولكنها مازالت تحتفظ بلقب العاصمة الثقافية ...

جلست على مقعدها بجانب النافذة وراقبت حركة العاملين بأرض المطار 





إلى أن سمعت نداء المضيفة بربط الأحزمة ففعلت وهي تحاول أن تتصرف بطبيعتها التي لم تعود إليها منذ أن عرفت بذلك 






الأمر الذي قلب حياتها عندما استدعاها جدها لوالدها الرجل الوحيد الذي تبناها والوحيد الذي أشرف على تربيتها، هو الذي عرفته 





بعد أن تزوج والدها وهي مازالت طفلة لم تتخطى عدة شهور لا تعرف عددها وقد وعيت أن لا أم لها أو كما عرفت فيما بعد






 أنها ماتت بعد ولادتها كانت يتيمة في حياة والدها الذي كان مخرج معروف 

ولكن ليس بمصر فقد تزوج ممثلة أمريكية معروفة وهاجر معها لتحقق له حلم الشهرة فأصبح مخرج







 معروف يتداول اسمه في الأوساط العالمية، ولكن لم تكن هي من أولويات حياته بل لم تكن أصلا بحياته نساها وسط الشهرة كما 





نسى والده الذي رباها وأنشاها بأفضل المدارس إلى أن تخرجت في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ولكنها كانت ترغب في أن تستمر بعملها معه في مؤسسته الخاصة بتصميم 





الأزياء وانتاجها وتصديرها إلى الخارج، ولم يرفض الرجل لها أي طلب؛ فقد كانت تلازمه بإجازة الصيف تعلمت منه كل شيء 





وأصبحت مديرة ناجحة رغم صغر سنها واعتمد عليها في كثير من الأمور، وما أن تخرجت حتى تفرغت تماما للعمل بالشركة 





وانشغل كل وقتها ورغم أعوامها التي لم تتعد الاثنين والعشرين إلا أنها كانت تتصرف بشكل أكبر بكثير من عمرها 

“ أهلا حبيبتي تعالى"



دخلت سهر مكتب جدها الرجل الذي كان بالنسبة لها كل حياتها ومثلها الاعلى وربما فارس احلامها بوسامته وأناقته






 ورغم أعوامه الستين إلا أنه كان يبدو كرجل في أواخر الاربعينات لاهتمامه بنفسه ورشاقته الملحوظة ..




ألقت قبله على وجنته وقالت بدلال اعتادت عليه معه " حمود باشا بنفسه يطلبني"

ابتسم وهو يدخن سيجاره الفاخر وقال "وتأخرتِ"

جلست على حافة مكتبه وقالت بابتسامة ساحرة تتناسب مع جمالها




 الذي تعرفه جيدا "لا يمكنني أن أتأخر على أجمل وأشيك وأحن رجل بمصر"

قال "من أين تأتين بتلك الكلمات؟"




قالت بصدق  من قلبي يا أحلى جدو"

نهض وقال "أخبرتك ألا تقوليها، أنا محمود، لماذا لا تستوعبين الأمر؟"

أسرعت إليه وأحاطت كتفيه من الخلف وقالت "أعلم ولكني أحب أن أشعر بأنني منك





التفت إليها وأحاط وجهها بيده وقال بحنان "أنت مني بالطبع، أنت ابنتي بدون أدنى شك، ولكن كما تعلمين لا أحب تلك الألقاب"

قالت بابتسامة جميلة من بين شفاهها الناعمة الوردية بدون أي مساحيق للتجميل فكما أخبرها جدها أنها اكتسبت جمالها من زوجته التركية الأصل وربما بعضا من والدتها، كشعرها







 الأحمر القاتم الذي كان مثار كل البيوتي سنتر، عيونها الزرقاء أو الرمادية الواسعة، بشرتها البيضاء الناعمة، قوامها الفاتن، طولها




 الرشيق لدرجة أن جدها فكر مرة أن يجعلها عارضة أزياء لولا أنها رفضت الفكرة أصلا. 

قالت "حاضر يا محمود بيه، لماذا ارسلت لى؟"

ابتعد وتغيرت معالمه واستنشق دخان سيجاره قبل أن يقول "لا أعلم إذا كنت مستعد لقول ما سأقول أم لا!؟"





اتجهت إليه بقلق وقالت وهي تناطح قامته المهيبة "هكذا بدأت أقلق، ماذا هناك؟"




نظر إليها بقوة ثم حسم أمره وقال "تعلمين أني أحببتك كما لم أحب أحد من قبل؟"

قالت بدهشة "هل يمكن أن تتحدث أنا لا أحب كل ذلك"




حسم أمره وقال "أمك لم تمت كما كنا نظن"

قالها وكأنه يلقي بالثقل الذي كان يحمله على أكتافه، ولكنه كما لو كان ألقى






 عليها قنبلة موجهه إلى قلبها ارتدت على أثرها إلى الخلف وارتجف جسدها وترنحت قليلا قبل أن يمسكها الرجل ويقول 






“ سهر أنتِ بخير؟ أنا آسف حبيبتي لم أعرف كيف اخبرك فاخترت هذه الطريقة القاسية سامحيني"

نظرت إليه وحاولت أن تستوعب الأمر قبل أن تقول "جدو أنا لا أفهم "






تركها وقال "عندما عاد والدك من البرازيل وأنتِ بين ذراعيه طفلة رضيعة، أخبرنا أن زوجته أمك ماتت هناك فلم يبحث أحد






 وراءه وعشنا كلنا نظن أنها ماتت إلى أن وصلتني تلك الرسالة امس من محامي





 والدتك بالبرازيل يخبرنا أن أمك تريد رؤيتك، تراسلت معه وعرفت أنها لم تمت وإنما هي موجودة هناك ولكنها الآن مريضة مرض الموت وأرادت أن تراكِ"




لا تعلم لماذا لا تدمع عيونها ولماذا لا يتحرك قلبها تجاه من هي أمها ولكن ربما من قسوتها عليها بات قلبها هي الأخرى قاسي 

أكمل الرجل "أعتقد أن عليكِ الذهاب"

نظرت إليه وقالت بقوة "لا ..لن أفعل"

اقترب منها ولكنها ابتعدت فعاد وقال "سهر هي أمك "

قالت بغضب "وأين كانت أمي كل تلك السنوات؟ ألم تتخلى هي عني فلماذا تبحث عني الآن ؟"

قال الرجل "أنا لا أعرف كل الحقائق، لذا أريدك أن تذهبي وتعرفي السر وراء ما حدث"








قالت بإصرار "ولكني لا أريد، لا يهمني أمرها"

ربت على كتفها وقال "ولكن أنا يهمني لأنني أخشي عليك من تأنيب الضمير بأي يوم من الأيام وقتها ستتمنين لو أنك فعلت"

أجابت بقوة "لن أفعل"






ابتسم ابتسامة شاحبة وقال "لا حبيبتى، عليك أن تسمعيها طالما أنها طلبتك إذن هي لديها ما ستخبرك به ربما لديها سر أو تفسير لم فعلت"

قالت بغضب "لم يعد يهم فات الأوان"





قال "أعلم ولكن لابد أن تذهبي المحامي أخبرني أنها مريضة بشدة وأنت الوريثة الوحيدة لها ولابد أن تكوني موجودة وقت فتح الوصية هذا لو .."







ولم يكمل فهمت أنه يتحدث عن الموت ولم يعنيها الأمر، لا كاذبة بل يعنيها أن يكون لها أم نعم يهمها، حلم كانت تحلم به وهي صغيرة عندما كانت بحاجة لأم ترشدها، تدلها لأشياء لا يمكن أن يفعلها إلا الأم، هي بحاجة لأن تشبع ذلك العطش الذي ملاء جوفها، تجاه تلك المرأة ربما عندما تواجهها تخبرها كم







 تكرهها، تؤنبها، تجرحها، تنتقم منها، نعم هي لابد أن تذهب لا من أجل الإرث، وإنما من أجل أن تطفأ نار أحزانها التي تحرقها، كان من الأهون أن تظل مدفونة تحت التراب من أن تعود فوق الثرى. 

سمعت المضيفة تقول "قهوة آنسة؟"








هزت رأسها ربما ينتهي هذا الصداع الملازم منذ أن عرفت بالأمر وتحت ضغط جدها رحلت وها هي ستطير أكثر من ستة عشر ساعة كاملة لتصل إلى تلك القارة وتلك البلدة التي لا تعرف عنها إلا أنها من أكثر البلاد السياحية بالبرازيل









 ولكنها لن تقيم بها أو لا تعلم لأن أحدهم سوف يرشدها إلى الجزيرة التي تقيم بها والدتها 'إلها غراندي' التي على بعد مائة وستين  كيلو متر من ريو دي جانيرو 

نامت قليلا نوما محملا بالقلق والأحلام المزعجة عن أم لم تر حتى صورتها ولم تعرف عنها أي شيء، على الأقل والدها كان أوضح واختفى بصراحة من حياتها أما أمها؟؟







عندما وصلت المطار كانت قد شعرت بالإرهاق والرغبة فى النوم وما أن أنهت إجراءات الدخول وخرجت من باب المطار 








حتى لفحتها تلك النسمة الحارة والشمس القوية ورأت أمامها رجلا يحمل لافتة عليها اسمها بالإنجليزية، كان رجلا قصيرا بدينا أصلع الرأس، برونزى البشرة، اتجهت إليه بحاملة الحقائب التي تدفعها أمامها وقالت بإنجليزية واضحة 

"أنا سهر العزايزي"









تأملها الرجل بعيون سوداء كانت نظرته تعرفها جيدا نظرة رجل أخذه جمال امرأة فقد اعتادت على تلك النظرات قالت 

“ حضرتك أنا سهر"

استعاد الرجل نفسه وقال وهو يرحب بها "أهلا آنسة عزايزي، أنا بيل صديق فهد أتيت بدلا منه فهو لم يستطع أن يأتِ للقائك"








ضاقت عيونها من تحت منظارها الشمسي وحمدت الله أنها ارتدت بلوزة قطنية بيضاء لتمتص ذلك العرق الذي تصبب منها ثم قالت 

“ فهد من؟ المحامي؟"

دفع الحقيبة بدلا منها إلى إحدى السيارات الحديثة ولكنها ليست آخر موديل طبعا وقال " عندما نركب نتعارف"






فتح لها باب السيارة بجانب مقعد القيادة ووضع الحقيبة بالخلف ثم جلس بصعوبة من بدانته أمام المقود وقال بابتسامة أظهرت أسنانه الصفراء








“ يبدو أن حضرتك لا تعرفين أي شيء عن مضيفيك"

ابعدت عيونها إلى النافذة وهي تتأمل تلك المدينة المزدحمة كما عرفت عنها سواء من أهل البلدة أو من السائحين الذين ينبهرون بجمال شواطئها أو الأماكن السياحية المعروفة بها، ولكن أصعب شيء هو الحر، قالت 









“ هل سأقابل المحامي اليوم؟"

نظر إليها ثم قال "لا اليوم أجازة، لدينا بعض الأعياد وكما ترين الجميع يسرع للإعداد إلى الاحتفال العائلي ثم المحامي لا علاقة له بالأمر على ما أظن فحضرتك أتيت للقاء شخص واحد بعينه، أليس كذلك؟"

نظرت إليه بقوة دون أن يرى عيونها التي أنهكها









 التعب والتفكير وندرة النوم ولم ترد لأنه كان على حق فهي قد أتت من أجل شخص واحد ورددت من داخلها أنا أتيت من أجل تلك المرأة التي من المفترض أن أناديها ...أمي 








الفصل الثاني

لقاء

وصلت السيارة بها إلى شاطئ لا يمكن أن يوصف بأقل من الروعة، امتدت مياهه بين الصخور المحيطة إلى أن






 أوقف السيارة فقالت "ألن نذهب إلى الفندق؟ أنا متعبة حقا"









ابتسم بيل وقال "آسف حضرتك، ولكن فهد أراد أن نختصر الوقت لأن حضرتك تعرفين أن والدتك متعبة جدا ونخشى.."








لم يكمل ففهمت ما يقصد، نزل ليأخذ حقيبتها ونزلت هي وما أن نزلا إلى الشاطئ الذي لم يكن سوى ميناء صغير ولكن ميناء للطائرات الهليكوبتر المائية، نظرت إليه وهو يساعدها على النزول إلى الممر الذي يصل بها بداية المعبر الخشبي وما أن وقفت على أوله حتى قالت 

“ والآن ما هذا؟








تقدم منهم رجل طويل يرتدي ملابس تناسب أهل المدينة، حياها بابتسامة هادئة بينما ساعدها بيل على ركوب الطائرة وهو يقول "الجزيرة تبتعد عن هنا مائة وستين كيلو متر وأفضل وسيلة للوصول هناك هي هذه الطائرة، لن تتحملي الذهاب بالسيارة وربما تمطر فنتعرض لمخاطر الطريق الوعرة“








لم تجادله ومع ارتفاع الطائرة ارتفعت دقات قلبها فلم يعد يفصل بينها وبين تلك المرأة سوى وقت قصير، ترى كيف سيكون اللقاء؟ وماذا لديها لتخبرها به؟ وهل هي تريد أن تسمعها؟ 

أغمضت عيونها بألم رغم أن جمال الطبيعة حولها كان يمكن أن يأخذ عقلها لو أنها أتت من أجل السياحة. 








وبعد حوالي ساعة أو ربما أكثر حطت الطائرة على مكان شبيه بالذي ركبت منه، ساعدها بيل مرة أخرى وقال "الآن ربما تحتاجين قدحا من القهوة البرازيلية العتيقة قبل أن نكمل رحلتنا إلى البيت"








كانت الشمس قد بدأت تنخفض إلى ثلث السماء معلنة انتهاء مدة الظهيرة واقتراب الغروب، نظرت إليه بقوة وقالت "أما زال هناك رحلة أخرى؟"

ضحك بقوة ارتج لها كرشه الكبير وقال "نصف ساعة على الأقدام، لذا سأدعوك لتناول القهوة عند أختي هالينا أولا ثم نترجل قبل المغيب"

نفخت فهي لا مزاج لها بلقاء أحد ولا تعلم لماذا وافقت جدها وأتت هنا 








رغم جمال المكان وهدوء الماء وسكونه وروعة ألوانه التي تنوعت من الأخضر إلى اللبني إلى الأزرق، وتلك الأشجار التي التفت على طول الشاطئ الذي التف حولها برماله البيضاء، ولكن سرعان ما اختفى الشاطئ خلف تلك الأشجار الكثيفة التي عبرا خلالها وبيل يسير برشاقة تحسده عليها وهو يحمل حقيبتها دون عناء رغم أنها عرضت أن تحملها ولكنه قال 

“ وهل يمكن لآنسة فاتنة ورقيقة مثلك أن تفعل وأنا موجود؟ يكفيك تعب السفر، أتمنى أن ترتاحي إلى هالينا فقط هي ..أقصد أنها لا تحب فهد فلا تسمعي لكلامها"

نظرت إليه وقد رطبت الأشجار من حرارة الجو ولكنها لم تذهب بالعرق الذي تصبب على وجهها وتساقطت خصلة من شعرها على عينها ضايقتها فالسير في المدرسة








 كانت تخبرهم دائما أن البنات الراقيات لا يتركن شعرهن هكذا فهو نوع من الابتذال لذا اعتادت على رفعه بطريقة رقيقة لم يقلل من جمالها بل زاده 

قالت "هل يمكن أن أعرف من هو فهد هذا؟"

نظر إليها وهو يلهث من الطريق ثم قال "ابن زوج والدتك، وهو الذي يقوم على رعايتها وإدارة أملاكها التي هو شريك بها بالطبع وربما شريكك أيضا "

توقفت عن السير وقد أصابتها المفاجأة في صميم قلبها، أمها كانت متزوجة وهي لم تعلم! فلماذا أتت إذا كانت لها دنيتها الخاصة وعالمها الآخر؟ لماذا أعادتها لحياتها؟

توقف بيل ونظر إليها بدهشة ثم قال "والآن ماذا؟"

حاولت أن تستعيد نفسها قبل أن تقول "أمي كانت متزوجة؟"







ضحك الرجل بهرج وقال "بالطبع، كيف إذن كانت تعيش هنا؟ إن مستر خليل كان من أكبر تجار الفاكهة هنا على الجزيرة







 ويملك أكبر مساحة من الأراضي الزراعية ولدية مصنع كبير بالمدينة لتعبئة وتصدير الفواكه لكل أنحاء العالم وترك كل ذلك لزوجته وابنه الوحيد فهد"







كادت تخرج عن هدوئها وتثور غاضبة لولا أنها أخذت نفسا عميقا قبل أن تقول "نعم أمي وابن زوجها! وماذا هناك أيضا تخفيه تلك الجزيرة لى؟"

ثم تحركت إلى الأمام دون أن تعرف وجهتها إلى أن لحق بها الرجل ..وأخيرا رأت بيتا خشبيا كبيرا ملونا باللون الأبيض تلتف حوله حديقة غناء بأجمل الورود والنظام ابتسم بيل وقال 

"أختي تحب الزراعة، تعلمت من أبي بينما كنت أنا أعمل مع زوج والدتك وفهد نحن أصدقاء منذ الطفولة"








لم ترد ..ما أن وصلت حتى فتح الباب وخرجت امرأة متوسطة العمر ولكنها أجمل من أخيها إذا كانت هي هالينا؟





 وبالفعل كانت، عرفهم بيل ورحبت بها المرأة بتحفظ ذاب مع حسن معاملة سهر التي تعلمت من






 جدها كيف تتعامل مع كل أنواع البشر كما ظنت بطريقة دبلوماسية، كان البيت من الداخل جميل ورطب من المكيف الذي أشعرها بالراحة، كل 









شيء مرتب ومنظم ونظيف والبيت معد على أحدث طراز رغم وجوده بتلك الجزيرة التى عرفت أنها كانت مازالت في بداية نموها بعد أن ظلت أكثر من سبعين عاما سجنا لأخطر مجرمي البرازيل 






وأخيرا أغلق السجن وأصبحت الجزيرة محمية طبيعية لما تحويه من كائنات نادرة ..

“ واضح أنها أول زيارة لكِ هنا؟"

حاولت الابتسام بعد أن رفعت منظارها الشمسي على رأسها وقالت "نعم لم أسافر إلا إلى فرنسا وربما لندن"

ابتسمت هالينا وهي تعد القهوة وقالت "تفضلينها سوداء أم مع الكريمة؟"

كانت الإنجليزية التي تتحدث بها هالينا رديئة ولكنها مفهومة فقالت سهر "كريمة من فضلك"

بالطبع كانت أجمل قهوة تناولتها وهالينا تقول "والدتك من أجمل 







السيدات الموجودة على الجزيرة، تشبهينها ولكن أنت أكثر جمالا"

لم تبتسم ولم تنظر إلى المرأة فهي لا تعرف أي شيء عن المرأة فبماذا سترد؟ 









عادت المرأة تقول "كانت دائما ما تعطف على كل الفقراء والمحتاجين هنا، لم ترفض طلب لأي أحد وكانت سيدة مجتمع من الدرجة الأولى توقفت عن عملها بمجرد زواجها من مستر خليل واستقرت بجانبه تؤازره بحب عرفه الجميع قصتهم مازالت تحكى حتى اليوم"








أبعدت وجهها، هل يمكن أن تكون تلك المرأة تعرف شيء عن الحب؟ إذن أين كانت هي من هذا القلب الذي نبض لرجل ولم ينبض لابنتها الوحيد؟ 

قالت "ومتى مات زوجها؟"

قالت هالينا "منذ سنتان، ومن وقتها انهارت صحتها وكأن الحزن دفعها للانهيار ..أسوء ما بحياتها هو فهد"

رفعت رموشها الطويلة الحريرية لتنظر إلى هالينا وقالت تردد اسمه "فهد؟





رشفت هالينا آخر رشفة من القهوة وقالت "نعم إنه اسوء شخص عرفته"










تراجعت وهي لا تفهم شيء، غسلت هالينا الفنجان وأعادته مكانه في ذلك المطبخ الصغير المرتب وقالت "بصراحة هو وسيم بل أكثر، وقوي له جسد رياضي يحسده عليه الجميع، وعيون كعيون الصقر سوداء كظلام الليل في ليال بدون قمر، ونشاط لا مثيل له، يفعل كل ما يريد وقتما يريد، عملى وناجح جدا أدار أملاك والده بحنكة لم يندهش لها أحد ولكن رغم كل ذلك هو أسوء الرجال هنا"







لم تفهم فقالت "لماذا؟ رغم أنك تقولين أنه ناجح و.."

قاطعتها هالينا التي انطلق لسانها وكأنما كانت تنتظر سهر لتحكي ما يكتمه قلبها "النساء أسوء ما فيه، نعم علاقاته كثيرة وبخاصة سيرينا تلك الفتاة التي ..يا إلهي كل ما أتذكر أشمئز، أتعلمين أنه هو الذي فعل بها ذلك؟ انجبت منه توني الصغير وهي طفلة لم تتعدى السادسة عشر والطفل الآن عمره عامان ولم يخجل من نفسه لم فعل بها، إنها فتاة يتيمة تعيش مع أختها الكبيرة المتزوجة ببيت صغير قرب الشاطئ أنا أحتقره جدا وبصراحة أخاف منه لديه قوة لا يمكن أن تتخيليها وما فعله مع سيرينا يجعلني أتجنب أصلا الوقوف بطريقه"

لا تعلم لماذا شغلها التفكير بذلك الرجل وربما ارتعش جسدها مما عرفته عنه..

وصل بيل وقال "هل نذهب يا آنستي الجميلة"

نهضت وقالت "طبعا، هالينا أنا سعيدة جدا بمعرفتك وأكيد سنتقابل مرة أخرى "

ابتسمت هالينا وقالت "بالتأكيد سهر، فقط تستقر أمورك وسندعوك على الغداء معنا أنا وبيل، هل ستبقين كثيرا؟"







تراجعت وهي تفكر قبل أن تقول "لا أظن، لدي مهمة سأنهيها وأعود لحياتي بمصر"

أوصلتها هالينا إلى الخارج وقالت "ولو احتاجت والدتك إليك ألن تبقي من أجلها؟"

كانت الشمس قد قاربت على المغيب وترطب الجو فقالت وهي تنظر إلى هالينا "ربما إلى اللقاء"

كانت المسافة قصيرة لم تستغرق أكثر من خمسة عشر دقيقة قال بيل "البيت كبير من دورين وهناك ملحق آخر بالخارج للضيوف والدك كان دائما ما يدعو أصدقائه آنسة سهر"

نظرت إليه وقالت "سهر"

ابتسم وقال "سهر لا أريدك أن تتحاملي على فهد إنه ليس بشخص سيء"

نظرت إليه وهي تبعد بعض الأغصان عن ذراعها وقالت "هذا أمر لا يعنيني أنا هنا من أجلها، أقصد من أجل أمي "

لم يرد وقد كان ردها حازما ولا يحتمل نقاش 

كان البيت أكبر مما تخيلت هو أكبر بيت تقريبا على الجزيرة والحديقة التي تحيطه بنفس الجمال الذي كانت عليه حديقة هالينا، تحرك الاثنان وقد شعرت بتعب لم تشعر به من قبل فقال بيل وقد شعر بها

“ للأسف لا تتوافر وسائل للتنقل لوعورة المكان كما رأيتِ"










كانا قد وصلا إلى الباب وهنا عاودتها دقات قلبها بقوة أكثر فقد اقترب موعد اللقاء، ترى ما شكلها؟ ولماذا أعادتها إلى دنيتها و...

كان البيت غاية في الجمال دافئ ورطب بذات الوقت منظم ومرتب ونظيف كانت هناك فتاة صغيرة هي التي فتحت الباب فقال بيل باللغة البرتغالية التي هي لغة البلد الأولى ولم تفهم بالطبع ما قال وما ردت به الفتاة بينما قال لها 

“ السيدة تنتظرك بغرفتها ستقودك إيلينا إليها، سعدت بلقائك سهر"

نظرت إليه وكأنها لا تريده أن يذهب، فهو الشخص الوحيد الذي عرفته والآن تشعر بالغربة لأول مرة وربما بالخوف لا تعرف لماذا 

قالت "أنا أيضا سعيدة جدا بمعرفتك وربما أردت بقاءك أكثر"

ضحك وقال "أكيد سنلتقي مرات أخرى إذا نويت البقاء"

أبعدت عيونها فقال "اسمحي لي آنستي الجميلة"

ابتسمت ثم نظرت إلى الفتاة إيلينا التي ابتسمت وأشارت إليها لتتبعها، كان الطابق الأعلى لغرف النوم، العديد من الأبواب تراست بجانب بعضها، فتحت إيلينا إحداها ووقفت لتسمح إلى سهر لتمر، وتثاقلت قدم سهر وشعرت أنها تحمل بقدميها أكياس ثقيلة من الرمال وتحتاج إلى من يعينها على رفعها أو ربما لمن يدفعها دفعا للداخل ...وذلك القلب الذي لا يتوقف عن الدقات إنه الغضب نعم إنها غاضبة ولا تريد ذلك اللقاء ولكن هل هي فعلا لا تريد ..

توقفت فتاة أخرى شبيهه إلى إيلينا بجانب الفراش الجميل الذي انتصف الغرفة الراقية حديثة الفرش بل وأثمنه، بسجاده الثقيل أو ستائره المنقوشة بخيوط ذهبية، تثاقلت قدماها وهي تتقدم ببطء إلى الداخل، ابتسمت الفتاة وتحركت عيونها إلى الجسد النحيل الذي انتصف الفراش دون حركة قالت الفتاة بإنجليزية واضحة 

“ أهلا آنسة سهر أنا إيميلي أخت إيلينا والممرضة الخاصة بالمدام، آسفة هي نائمة الآن"

هزت رأسها وقالت " حسنا لا داع لإزعاجها ربما انتظرها حتى تستيقظ"









قالت الفتاة التي بدت أكثر وعيا من إيلينا "يمكنك الراحة بغرفتك كما أشار فهد بذلك، ربما ترشدك إيلينا إلى غرفتك"

شعرت أن تلك الفتاة تتصرف وكأنها سيدة المنزل فرفعت رأسها وقالت "أظن أني يمكن أن أحدد احتياجاتي بنفسي"

احمر وجه الفتاة ربما من الإحراج أو لا تعرف فهزت كتفيها وقالت "كما تشائين يا آنسة"

لا تعلم لماذا تقدمت من الفراش إلى أن وقفت بجانبه وألقت نظرتها إلى وجه المرأة وأدركت فعلا أنها تشبهها نوعا ما بنفس الوجه الأبيض المستدير، لكن المرأة اكتسبت لونا من الشمس الذهبية للمكان ونفس لون الشعر ولكن المرأة شعرها قصير يكاد يصل إلى كتفيها، لم تعرف عيونها المغلقة في سلام، لم تدر ما هي مشاعرها أكيد الغضب نعم إنها غاضبة، كادت تلتفت وتذهب ولكنها أعادت عيونها إليها تمنت لو تسألها العديد من الأسئلة، لماذا تنام؟ لماذا لا تفتح عيونها وتشعرها أنها تنتظرها وتتمنى لقائها؟ 

نظرت إلى إيميلي وقالت “ما هو مرضها؟"

شحب وجه الفتاة قبل أن تقول "إنه ذلك المرض الذي لا شفاء منه آنسة، بدء بالمخ ثم عرف الأطباء أنه انتشر بالجسم، إنها تكاد لا تشعر بالعالم أصبحت ترفض كل ما يعرضه الأطباء من دعوات إلى المشفى وطلبت أن تبقى هنا بالبيت مؤخرا، فقط تحصل على مسكنات قوية تجعلها تذهب بالنوم"

شعرت بالشفقة تجاه المرأة، أكملت إيميلي "الجميع حزين من أجلها، وكثيرا ما غضب فهد لأنها ترفض المشفى، إنه لا يتصور حياته بدونها"

نظرت إليها بقوة وقالت "تعلمين الكثير عن سكان البيت"








ارتبكت الفتاة وقالت "لي سنتين هنا آنسة "

هزت رأسها وكادت تستدير عندما سمعت المرأة تهمس "ابنتي ..أريد ابنتي"

لا تعلم لماذا انهار قلبها الذي كان يتآمر مع عقلها لمواجهة تلك المرأة بأخطائها التي نست الآن ما هي ولا تتذكر إلا أنها ترى امرأة تنهار وتتألم!

تحركت إيميلي إليها وقالت "إنها تعود آنسة، أخبرك أنها ربما تتألم فجأة فأرجو ألا تفزعي منها"

ثم انتبهت إلى المرأة التي بدأت تفتح عيونها لتتراجع هي عندما أدركت أن لها نفس عيون تلك المرأة، قالت إيميلي 

“ سيدتي ابنتك هنا بالفعل"

زادت دقات قلبها خاصة عندما حركت المرأة رأسها تجاهها ورفعت يدها النحيلة تجاهها، تصلب جسدها كله وكأنه اصيب بالشلل وتحجرت الدموع بعيونها رافضة أن تضعف ولكن صوت المرأة الضعيف أوهن قلبها وقضى على آخر دفاعاته وهي تقول

“ هنا؟ لا أين سهر ابنتي؟ أين أنتِ يا ابنة عمري؟"

شعرت وكأن هناك من يدفعها إلى الأمام لتصبح في مجال نظر المرأة حاولت أن تنطق بأي كلمة ولكن توقف لسانها عن النطق، بينما تحركت عيون المرأة التي توسطت وجهها الشاحب المتعب لتنظر بعيون ابنتها بدموع وابتسامة شاحبة ثم همست بالعربية

“ سهر، أنت سهر؟ يا إلهي كما تخيلتك ولكنك أجمل بكثير"

أبعدت عيونها بقوة، ما زال ما داخلها يمنعها من الاقتراب، أدركت المرأة ذلك فقالت بنفس الوهن بالإنجليزية "إيميلي اتركينا من فضلك"









ترددت الفتاة قبل أن تذهب بينما عادت المرأة تقول "أعلم أنك غاضبة، يحق لك أنا أصلا لم أظن أنك ستوافقين على الحضور"

لم تنظر إلى المرأة التي عادت تقول "ماذا أخبرك عني؟"

نظرت إليها فابتسمت المرأة رغم الدموع وقالت "عيونك جميلة حبيبتي اجلسي كي أراك أفضل"

ترددت قبل أن تجلس على طرف الفراش مدت المرأة يدها بضعف لتلمس وجهها ولكنها أبعدت وجهها فقالت المرأة

“ تكرهيني أليس كذلك؟"

لم ترد أيضا ولكن المرأة قالت "ولو أخبرتك أني لم أكن أعلم أنك على قيد الحياة إلا من شهرين سابقين فهل تصدقيني؟"

اتسعت عيونها بقوة وهي تحدق بعيون المرأة التي امتلأت بالدموع وعادت تقول بنفس الضعف "هذه هي الحقيقة والدك أخذك بعد ولادتك وهرب بك دون أن






أعلم وأخبر الجميع هنا أنك مت، أنفق أموال كثيرة ليشتري ضمير الطبيب والممرضة وللأسف وقتها كنت قد ولدتك بالبيت فلم يشهد الولادة







 سواهما، ولكن كان هناك ثالث رجل رحل مع والدك ولم يعد إلا منذ شهرين بعد أن ضربته الدنيا بقوة، وقتها أخبرني بوجودك وأناه عاد ليخبرني كي يرتاح ضميره، الآن بعد اثنين وعشرين عاما من الحزن على ابنتي الوحيدة التي لم أنجب سواها، الآن وأنا انتظر الموت بكل لحظة، الآن يخبرني أن هناك شمس لن تشرق بحياتي لأن الغروب هو الذي يفرض نفسه، الآن فقط أعرف أن لي ابنة، عندما عرفت بوجودك تمنيت أن آتِ إليك ولكن المرض أوهني فلم أقو على السفر وتمنيت ألا ترفضي دعوتي ودعيت كثيرا أن أراك قبل .."

سالت دموع سهر وهي تكشف سر لم تكن تعرفه، هل تلك المرأة صادقة؟ هل فعلا أخفى عنها الأمر؟ ولم لا؟ أليس هو من كذب وأخبرها أن أمها ماتت؟ إذن هو نفس الشخص الذي كذب بشأنها

أغمضت عيونها بألم، شعرت بيد المرأة على وجهها وهي تقول "أنا لا أكذب يا ابنتي الجميلة، ربما تلتقين بالرجل ليخبرك الحقيقة وهو على استعداد لمواجهة والدك"

قالت بألم "لماذا فعلتم ذلك بي؟ أخبرني أنك مت وأخبرك أني مت، لماذا؟"

ابتسمت المرأة وقالت "حكاية كبيرة حبيبتي ربما لو تبقى لي أجل أحكيها لك ولكن .."

صمتت المرأة وبدأت ملامحها تتغير فقالت سهر بخوف "ماذا بك؟"







ظهر الألم عليها وقالت بصعوبة "إيميلي"

نهضت مسرعة وفتحت الباب فرأت إيميلي بجانب الباب التي أسرعت دون أن تنتظر أي كلام وكأنها توقعت 

تراجعت هي وهي تتابعها تسعف المرأة التي سرعان ما عادت إلى الاسترخاء والنوم، نظرت إليها إيميلي وقالت

 "لقد نامت ولا أظن أنها ستستيقظ الليلة"

مسحت دموعها ولاحظت أن الظلام قد حل فقالت "نعم يبدو ذلك هل يمكن أن ترشديني لغرفتي؟"

هزت الفتاة رأسها بأدب وتحركت أمامها، كانت غرفتها أمام غرفة أمها فام تتحرك كثيرا.. لم تتأمل الغرفة كثيرا لشعورها بالتعب والحزن والحيرة أخرجت هاتفها الذي نسته واتصلت بجدها الذي رد على الفور، أخبرته بكل ما حدث وكان الصمت رده إلى أن قالت 

“ لماذا الصمت؟ لا تتركني هكذا، أنت من ألقاني هنا" 

أجاب "تميل إلى تصديقها، لقد كذب علينا أيضا بشأنها"










قالت بألم "نفس الذي فكرت به، إنها مريضة جدا"

قال "لا تتركيها هي بحاجة إليك"

هزت رأسها بحزن وقالت "حاضر"

اخذت حمام منعش بالحمام الملحق بغرفتها ثم أخرجت ملابس خفيفة للنوم واستلقت في الفراش بتعب شديد ولكن دقات الباب أعادتها فقالت 

“ ادخل"

كانت إيلينا وقالت بإنجليزية ركيكة "العشاء يا آنسة"

نست تماما أنها لم تتناول أي شيء منذ أن كانت بالطائرة وشعرت بالجوع فجأة فقالت "هل يمكن أن أتناوله هنا؟ أنا متعبة حقا"

هزت الفتاة رأسها وذهبت وبعد فترة قصيرة أحضرت لها طعام لم









 تتعرف عليه ولكنها ما أن تذوقته حتى عرفت طعم الفاصوليا وطبعا البطاطا المقلية 





والجبن المقلي، كان الطعام لذيذ حقا تناولته بشهية وما أن انتهت حتى عادت إلى الفراش ولم تشعر بشيء






بعد فترة لم تعرف مقدارها نهضت مفزوعة على صوت باب يغلق بقوة أو شيء اصطدم بقوة، شعرت بالرعب وما أن 





اعتدلت بالفراش حتى اندفع الصوت مرة أخرى ولكنها أدركت أنه الرعد كان قويا جدا والمطر 





ينهمر بشدة ورغم دفء الجو إلا أن المطر كان غزيرا حقا، نهضت من الفراش وتأملته من النافذة كان الظلام يغلف المكان ومن بعيد 





تألقت قمم بعض الجبال والشاطئ، كادت ترتد عندما رأت شبحا يتحرك بالحديقة تراجعت 






بفزع والرجل يتقدم بخطى ثابتة ولكن واسعة تحت المطر وفجأة رفع نظره إليها تراجعت وهي





 تلتقي بعيونه على ضوء البرق الذي أضاء الدنيا حولها لثواني قصيرة وقد فزعت مما رأت؟


                               الفصل الثالث من هنا



تعليقات